د/ عبير عبد الصادق محمد بدوي

أستاذ الأدب المشارك بكلية تربية الزلفي

المحاضرة العاشرة

                               المحاضرة العاشرة

 

أدب أندلسي

د. عبير عبد الصادق محمد بدوي

 

                               رثاء الأندلس الضائعة

لأبى البقاء صالح بن شريف الرُّندىّ

« نونية الرندى »([1])

لكُل شئٍ إذا ما تم نُقصان

 

فلا يُغَرَّ بطيب العيش إنسانُ

هى الأمورُ كما شاهدتها دولٌ

 

من سره زمن ساءته أَزْمانه

وهذه الدارُ لا تُبْقى على أحدٍ

 

ولا يدوم على حالٍ لها شان أزمان

يُمزَّقُ الدهرُ حتما كل سابغةٍ

 

إذا نَبَتْ مشرفيّاتٌ وخرصان

ويُنْتضى كلُّ سيفٍ للفناءٍ ولو

 

كان ابن ذى يَزَنٍ والغمُد غَمْدان

أين الملوكُ ذوو التيجان من يَمنٍ

 

وأينَ منهم أكاليلٌ وتيجان

وأينَ ما شادهُ شَدّادُ فى إرَمٍ ؟

 

وأينَ ما فى الفُرس ساسان ؟

وأينَ ما حازه قارونُ من ذهبٍ ؟

 

وأين عادٌ وشدادٌ وقَحْطان؟

أتى على الكلَّ أَمرٌ لا مَرَدَّ له

 

حتى قَضَوا فكأنّ القومَ ما كانوا

وصار ما كان من مُلْكِ ومن مَلِك

 

كما حَكى عن خَيال الطَّيفْ وَسْنان

دارَ الزمان على (داراً) وقاتَله

 

وأمّ كِسرى فمآواهُ إيوان ؛

كأنما الصعبُ لم يَسْهُلْ له سببٌ

 

يوماً ولا ملك الدُّنيا سُلَيمان

فجائعُ الدهرِ أنواعٌ مُنوعةٌ

 

وللزمان مسراتٌ وأحزان

وللحَوادث سلوان يسهَّلها

 

وما لما حَلّ بالإسلام سُلْوان

دَهَى الجزيرة أمرٌ لا عزاءَ له


 

هَوَى له أَحدٌ انْهَدّ ثَهْلان

أصابَها العينُ فى الإسلام فارتزأتْ

 

حتى خَلَتْ منه أقطارٌ وبُلْدان

فأٍسأل بلنسية ما شأن مُرْسية؟

 

وأين شاطبةٌ أم أين جَيّان

وأين قُرْطُبَةٌ دارُ العلومِ فكم

 

من عالمِ قد سما فيها له شان

وأينَ حمصٌ وما تَحْويه من نُزَهٍ

 

ونَهْرُها العذبُ فياضٌ وَملآن؟

قواعدٌ كُنَّ أركانَ البلادِ فما

 

عسى البقاءُ إذا لم تبق أركان؟

تبكى الحنيفيةُ البيضاءُ من أَسفٍ

 

كما بكى لفراقِ الإلف هيمان.

على ديارٍ من الإسلامِ خالية

 

قدأَ قَفرتْ ولها بالكفر عُمْران

حيثُ المساجدُ قد صارت كنائسَ ما

 

فيهنَّ إلا نواقيسٌ وصُلبان

حيث المحاريبُ تبكى وهى جامدةُ

 

حيثُ المنابرُ تَرْثى وهى عيدان

يا غافلاً وله فى الدهر موعظةٌ

 

إن كُنْتَ فى سنةٍ فالدهرُ يَقظان

وماشياً مرحاً يُلْهيه موطنُه

 

أَبعدَ حمصٍ تَغُرُّ المرءَ أَوْطان؟

ملكَ المصيبةُ أنستْ ماَ تَقَدَّمها

 

وما لها مع طَوال الدهر نسيان

يا أيها الملكُ البيضاءُ رَايَتُه

 

أدركْ بسيفكَ أهلَ الكُفْر لا كانوا

يا راكبينَ عِتاقَ الخيل ضامرةً

 

كأنها فى مَجالِ السَّبْق عُقْبان

وحاملين سيوفَ الهندِ مُرهفةً

 

كأنها فى ظَلامٍ النَّقع نيران

وراتعينَ وراءَ البحر فى دَعَةٍ

 

لَهُمُ بأَوطانهم عِزّ وسُلْطان

أعندكمُ نبأ من أهل أندلسِ؟

 

فقد سرى بحديث القوم رُكْبان

كم يستغيثُ بنو المستضعفين وهُمْ

 

أسرى وقَتْلى فما يَهْتَز إنسان!

ماذا التقاطعُ فى الإسلام بينكُم

 

وأنتمُ – يا عبادَ الله- إخوان!

ألا نفوسٌ أبياتٌ لها هممٌ

 

أما على الخير أنصَارٌ وأعوان

يا من لذلةِ قومٍ بعد عِزتِهم

 

أحالَ حَالهُمُ كُفرٌ وطُغْيان

بالأمِس كانوا مُلوكاً فى منازِلهم

 

واليوم هم فى بلاد الكفر عُبدان

فلو تراهُمْ حَيارى لا دليلَ لهم

 

عليهم من ثِيابِ الذُّلَّ ألوان

ولو رأيت بُكاهم عند بَيْعِِمُ

 

لها لَكَ الأمرُ واستهوتكَ أحزان

يا رُبَّ أمً وطفلٍ حيلَ بَينهما

 

كما تُفَرَّقُ أرواحٌ وأبدان

وطفلةٍ مثل حُسنْ الشمس إذا بَرزَت

 

كأنها هى ياقوتٌ ومرجان

يقودها العِلجُ للمَكروهِ مُكْرَهَةً

 

والعينُ باكيةٌ والقلبُ حيران

لِمثلِ هذا يذوب القلبُ من كَمَدٍ

 

إن كان فى القلب إسلامٌ وإيمانُ

قائل النص :-

هو أبو البقاء أو أبو الطيب صالح بن يزيد بن صالح بن موسى بن أبى القاسم بن على بن شريف الرندى الأندلسي من أهل رُنْدَهَ « في الجزيرة الخضراء بين مالقة وشريش ».

تلقى أبو البقاء الرندى العلم على أبيه وعلى نفر منهم أبو الحسن الدّباج  وابن الفخار الشريشى وابن قطرال وأبو الحسن بن زرقون وأبو القاسم بن الجَدَّ التونسى. ويبدو أنه كان منقطعاً إلى بنى الأحمر، كثير التردد على غرناطة، كما أنه قد أقام حيناً فى مالقة، ولعل وفاته كانت في سنة (684هـ - 1285، 1286م).

وكان أبو البقاء الرندى حافظاً للحديث وفقيهاً وفرضياً ومشاركاً فى الحساب، ثم كان بارعاً في منظوم الكلام ومنثورة مجيداً فى المدح والغزل والزهد والوصف ، ولكن شهرته ترجع إلى قصيدته « لكل شئ إذا ما تم نقصان » وقد نظمها بعد ضياع عدد المدن الأندلسية، وهى قصيدة تجمع بين العاطفة المكلومة والسهولة المتناهية والسرد المنطقى.

وكان أبو البقاء الرندى مصنفاً ألف فى الفرائض « تقسيم الإرث » نظماً ونثراً، وله أيضاً مقامات بديعية، ومن كتبه : روحة الأنس ونزهة النفس – مختصر فى الفرائض – الوافى فى نظم القوافى. ([2])

 

اللغة :-

1-   الدَول : بفتح الدال أو بضمها انقلاب الأمر مرة بعد مرة لهؤلاء ومرة لأولئك.

2-   هذا الدار : هذه الدنيا.

3- السابغة : الدرع، المشرفى : السيف من صنع مشارف الشام، كناية عن الجودة حديده وصنعه. الخرص : الرمح والجمع خرصان.

والمعنى : إذا لم تتمزق الدرع بالسيوف والرماح فإنها تتهرأ بمرور الزمن ( من لم يقتل فى الحرب مات بالدهر بانقضاء أجله).

4- انتضى الفارس سيفه: سحبه من غمده. سيف بن ذى يزن : ملك من عظماء ملوك اليمن. غمدان : قصر فى اليمن.

5-   الإكليل : التاج الصغير. والمعنى : أن الإكاليل والتيجان لم تدفع عنهم الموت.

6- شاد : بنى، شداد : ملك يمنى قديم فتح فتوحاً كثيرة بعيدة، إرم ذات العماد : الأعمدة  : مدينة عظيمة تقول الخرافة إن جدرانها وسقوفها من الذهب والنحاس وأعمدتها من الزبدجد والياقوت. ساسان : مؤسس الدولة الساسانية (الفارسية المتأخرة).

7- حازه : امتلكه. قارون : كان أغنى أغنياء العالم (كانت مفاتيح قصوره كثيرة إلى حد أن الرجل القوى لا يستطيع حملها كلها) عاد وشداد وقحطان : من جدود العرب القدماء والأقوياء.

8-   أمر لا مراد له : الموت .

9-   خيال الطيف : الحلم : المنام. الوسنان : الذي أخذه النعاس (أفاق من النوم ولم يزل نعسان).

10-       دار الزمان : انقلب. دارا (داريوس) فتح الهند وأخضع مقدونية (اليونان) ثم هُزم فى ماراثون (باليونان). كسرى : لقب ملوك الدولة الساسانية. والمقصود هنا كسرى أنوشروان العادل الواسع السلطان والغنى والوجاهة بين الأمم. الإيوان : قصر عظيم لكسرى فى المدائن (على عشرين كيلومتراً شرق بغداد). آواه : حماه من الموت.

11-  سلوان : شراب يجعل الناس ينسون مصائبهم.

12-  دهى : أصاب بداهية (مصيبة) الجزيرة (الأندلس) أحد (جبل قرب المدينة) ثهلان : جبل فى بلاد العرب.

13-  أصابها : (أصابتها) العين (من الحسد). ارتزأ أصيب برزء : مصيبة كبيرة.

14-  القاعدة : العاصمة (مركز الدولة).

15-  الحنيفية : الإسلام. الهيمان : المحب الشديد الحب.

16- المحراب : تجويف فى قبلة المسجد يقف فيه الإمام عند الصلاة (كناية عن المساجد) جامدة من جماد وقع ذلك فهى تحسب بالمصيبة العود : غصن الشجرة (الخشب).

17-  سِنَة : النعاس.

18-  البيضاء رايته : (كناية عن المجد والقوة والظفر!).

19- الفرس العتيق : الأصيل، الضامر (النخيل الخصر) ويكون عادة سريعاً، العقاب : طير من الكواسر (كالنسر) تشبه به الخيل لقوة بدنه وسرعة انقضاضه.

20-  مرهف : رقيق الحد، النقع : غبار الحرب. تلمع سيوفهم لشدة جلائها وصفائها.

21- رتع : عاش فى الخصب والنعيم كما يشاء. وراء البحر : فى القارة الإفريقية، الدعة : السعة فى العيش مع الاطمئنان.

22-  العلج : الكافر من غير العرب. المكروه : الفعل القبيح.

تعليق على القصيدة :-

وقصيدة ابن الرندى على جودتها لا تخرج عن كونها تقليداً ومزيجاً من قصيدة ابن عبدون الرائية فى رثاء بنى المظفر سنة 489هـ وقصيدة ابن الأبار السينية فى البكاء على بلنسية سنة 635هـ أى قبل أن ينظم ابن الرندى قصيدته بعشرين عاماً فقط ولاشك أنه قرأ القصيدتين بل حفظهما، فكلاهما جديرة بأن يحفظها العامة آنذاك فضلاً عن الخاصة، ولمكانة الشاعرين فى المجتمع الأدبى فى تلك البقعة من العالم الإسلامى.

س: بما تمتاز قصيدة ابن الرندى؟

س: وضحي كيف بدت قصيدة ابن الرندى بأنها مخططة ممنهجة؟

هذا وتمتاز قصيدة ابن الرندى بأنها مخططة ممنهجة، فقد جعل قسماً منها وهو الأول، فى شكوى الدهر وغدره وضرب المثل بالدول التى سقطت والملوك الذين قتلوا أو قاتلوا على رغم عظم سطوتهم وسعة ملكهم، واقتبس كل أفكار ابن عبدون بل ردد أسماء لبعض الدول والملوك التى ذكرها ثم خلص من ذلك إلى عظم الفجيعة فى الأندلس وجسامة الخطب فى فقدها وهو أمر يجل عن العزاء ويستعصى على السلوان. يقول ابن الرندى فى هذا القسم من القصيدة : ([3])

لكلّ شئٍ إذَا ما تمّ نُقْصَانُ

 

فلا يُغَرّ بطبيبِ العيشِ إنْسَانُ

هى الأمورُ كما شاهدتها دول

 

من سره زمن ساءته أزمان

وهذه الدار لا تُبقى على أحد

 

ولا يدوم على حال لاشان

يمزق الدهر حتماً كل سابغة

 

إذا نبت مشرفيات وخرصان

وينتضى كل سيف للفناء ولو

 

كان ابن ذى يزن والغمد غمدان

أين الملوك ذوو التيجان من يمن

 

وأين منهم أكاليل وتيجان

وأين ما شاده شداد فى إرم

 

وأين ما ساسه فى الفرس ساسان

وأين ما جازه قارون من ذهب

 

وأين عاد وشداد وقحطان

أتى على الكل أمر لا مرد له

 

حتى قضوا فكأن القوم ما كانوا

وصار ما كان من ملك ومن ملك

 

كما حكى عن خيال الطيف وسنان

دار الزمان على (دارا) وقاتله

 

وأم كسرى فما آواه إيوان

يوماً ولا ملك الدنيا سليمان

 

كأنما الصعب لم يسهل له سبب

فجائع الدهر أنواع منوعة

 

وللزمان مسرات وأحزان

وللحوادث سلوان يسهلها

 

وما لما حل بالإسلام سلوان

دهى الجزيرة أمر لا عزاء له

 

هوى له أحد وانهد ثهلان

أصابها العين فى الإسلام فارتزأت

 

حتى خلت منه أقطار وبلدان

والمرحلة الثانية من قصيدة ابن الرندى تحسُّر على المدن الجميلة العظيمة العزيزة التى سقطت، وكانت تتلو الواحدة منها الأخرى وكأنها فى سباق إلى الهاوية، والطريف فى الشاعر أنه يذكر كل مدينة بأجل صفاتها وأشهر معالمها، يبكيها جميعاً ويرثيها رثاء ينتهى به إلى اليأس أو إلى ما يشبه اليأس :

فاسأل بلنسية ما شأن مرسية

وأين شاطبة أم أين جيان

واين قرطبة دار العلوم فكم

من عالم قد سما فيها له شان

وأين حمص([4]) وما تحويه من نزه

ونهرها العذاب فياض وملآن

قواعد كن أركان البلاد فما

عسى البقاء إذا لم تبق أركان

والمرحلة الثالثة من القصيدة هى مرحلة العاطفة الدينية وإظهارها وتجسيمها حتى تبدو المصيبة صارخة تغير الوجوه وتعكر النفوس وتصم الآذان، وتلك وسيلة استعملها كل شعراء البكاء على الأندلس، فلقد كانت صفتها الأولى والأخيرة الصفة الإسلامية، فإذا صارت المساجد كنائس واستبدلت النواقيس والصلبان بالقبلة، وبكت المحاريب وشكت المنابر، فإن ذكر هذه الرزايا تثير نخوة المسلم لينطلق إلى الجهاد إذا كان به بقية من نخوة إسلامية :

تبكى الحنيفية البيضاء من أسف

 

كما بكى لفراق الإلف هيمان

على ديار من الإسلام خالية

 

قد أقفرت ولها بالكفر عمران

حيث المساجد قد صارت كنائس ما

 

فيهن إلا نواقيس وصلبان

حتى المحاريب تبكى وهى جامدة

 

حتى المنابر ترثى وهى عيدان

يا غافلاً وله فى الدهر موعظة

 

إن كنت فى سنة فالدهر يقظان

وماشياً مرحاً يلهيه موطنه

 

أبعد حمص تغر المرء أوطان

تلك المصيبة أنست ما تقدمها

 

وما لها مع طول الدهر نسيان

والمرحلة التالية من نونية ابن الرندى حسب المنهج الذى وضعه لقصيدته هى مرحلة استنفار المسلمين الذين يقيمون فى شمال إفريقية، وإذا كان ابن الرندى قد سلك سبيل ابن الأبار فى الفكر والاستهلال وبكاء المدن ومس العواطف الدينية، فإنه فى مرحلة الاستنفار لا يقف عند مجرد الاستغاثة وإثارة الحماس، وإنما يستغضب القوم ويكاد يسخر من تقاعسهم، بل إنه يذهب إلى مدى أبعد وهو تقريعهم وتوبيخهم باسم الأخوة الإسلامية والرابطة الدينية فيقول :

يا راكبين عتاق الخيل ضامرة

 

كأنها فى مجال السبق عقبان

وحاملين سيوف الهند مرهفة

 

كأنها فى ظلام النقع نيران

وراتعين وراء البحر فى دعة

 

لهم بأوطانهم عز وسلطان

أعندكم نبأ من أهل أندلس

 

فقد سرى بحديث القوم ركبان

كم يستغيث بنا المستضعفون
 وهم

 

قتلى وأسرى فما يهتز إنسان

ماذا التقاطع فى الإسلام بينكم

 

وأنتم يا عباد الله إخوان

ثم ينطلق الشاعر إلى المرحلة الأخيرة من قصيدته ويحاول مخاطبة إنسانية المسلم بعد أن أثار نخوته الدينية، ويصف حال القوم وما قد انحدروا إليه من ذل بعد عز، وعبودية بعد سيادة، وضياع بعد منعة، حيارى بعد استقرار، غرباء بعد حلة، يباعون فى الأسواق كما تباع الماشية، يفرق بين الولد وأبيه وبين الرضيع وأمه، ويهتك عرض الصبية الطاهرة البكر وتغتصب الزوجة الحصان الحرة، إن ابن الرندى يقدم هذه الصورة الحزينة فى إطار من جيد الكلم وحسن القول ومتين الشعر بحيث خلدت هذه الصور قصيدته كما أسهم منهجها فى إنجاحها، وها هى المرحلة الأخيرة من القصيدة :

ألا نفوس أبيات لها همم

 

أما على الخير أنصار وأعوان

يا من لذلة قوم بعد عزهم

 

أحال حالهم كفر وطغيان

بالأمس كانوا ملوكاً فى منازلهم

 

واليوم هم فى بلاد الكفر عبدان

فلو تراهم حيارى لا دليل لهم

 

عليهم من ثياب الذل ألوان

لو رأيت بكاهم عند بيعهم

 

هللك الأمر واستهوتك أحزان

يا رب أم وطفل حيل بينهما

 

كما تفرق أرواح وأبدان

وطفلة مثل حسن الشمس إذا
 طلعت

 

كأنما هى ياقوت ومرجان

يقودها العلج للمكروه مكرهة

 

والعين باكية والقلب حيران

لمثل هذا يذوب القلب من كمد

 

إن كان فى القلب إسلام وإيمان

@@@
الرسالة الهزلية لابن زيدون

الدافع إلى كتابة الرسالة :-

إذا ما نظرنا إلى الرسالة الهزلية لابن زيدون وجدنا دافعه إلى كتابتها وجده على الوزير ابن عبدوس، وحقده عليه لمنافسته إياه فى حب ولادة، وهو يريد أن ينال منه، فهداه تفكيره إلى أن يكتب رسالته هذه إليه على لسان ولادة نفسها حتى يقطع الطريق عليه فى صلته بها، وحتى يكون النيل منه أعمق جرحاً وأكثر حرجاً، ومن أكثر فقرات الرسالة الهزلية شبها برسالة التربيع والتدوير قول ابن زيدون على لسان ولادة حين تتحدث عن خليلة لابن عبدوس وهى تصفه لها أى تصف ابن عبدوس « فإنها أعذرت فى السفارة لك، وما قصّرت فى النيابة عنك، زاعمة أن المروءة لفظ أنت معناه، والإنسانية اسم أنت جسمه وهيولاه، قاطعة أنك انفردت بالجمال، واستأثرت بالكمال، واستعليت فى مراتب الجلال، واستوليت على محاسن الخلال، حتى خيلت أن يوسف u حاسنك فغضضت منه، وأن امرأة العزيز رأتك فسلت عنه، وأن قارون أصاب بعض ما كنزت، والنطف عثر على فضل ما ركزت، وكسرى حمل غاشيتك، وقيصر رعى ماشيتك، والإسكندر قتل دارا فى طاعتك، وأردشير جاهد ملوك الطوائف بخروجهم على جماعتك ».

وهكذا يظل ابن زيدون ينال على لسان ولادة بهذه التشبيهات والتعلات ذات المفارقات الشديدة من غريمه ابن عبدوس، ويمضى فى إجراء مقارنات مضحكة ساخرة بين غريمه وبين مشهورى العلماء وكبار الفقهاء ونطاسى الأطباء إذ :

ليس على الله بمستنكر                أن يجمع العالم فى واحد

ويظل ابن زيدون يمجد ساخراً قدر ابن عبدوس حتى يصل به إلى أعلى السماكين ثم يعود وينثنى لكى يقذف به من عل ويسد إليه ألوانا من المهانة وقدراً غير قليل من الإهانة، بحيث يخيل إليه أنه قد شفى غليله ونال منه ثأر الغريم، ومهما يكن من أمر فإن الرسالة الهزلية هى ثانية اثنتين فى هذا المجال، الأولى لأستاذ فن الكتابة فى المشرق وإمام الكتاب جميعاً أبى عثمان الجاحظ، والثانية لنابغة الأندلس شعراً ونثراً أبى الوليد بن زيدون على لسان ولادة.

نص الرسالة :-

أما بعد أيها المصاب بعقله، المورَّط بجهله، البين سقطه([5])، الفاحش غلطه، العاثر فى ذيل اغتراره، الأعمى عن شمس نهاره، الساقط سقوط الذباب على الشراب، المتهافت تهافت الفراش فى الشهاب([6])، فإن العجب أكذب، ومعرفة المرء نفسه أصوب. وإنك راسلتنى مستهدياً من صلتى ما صفرت منه أيدى أمثالك، متصدياً من خُلّتى([7]) لما قرعت([8]) دونه صنوف أشكالك، مرسلاً خليلتك([9]) مرتادة، مستعملاً عشيقتك قوادة، كاذبا نفسك أنك ستنزل عنها إلى، وتخلُف بعدها علىَّ :

ولســـت بأول ذى هـمة         دعـته لما ليـس بالــنائل([10])

ولا شك أنها قلتك([11]) إذ لم تضن بك، وملتك إذ لم تغر عليك، فإنها أعذرت([12]) فى السفارة لك، وما قصرت فى النيابة عنك، زاعمة أن المروءة لفظ أنت معناه، والإنسانية اسم أنت جسمه وهَيُولاه([13])، قاطعة([14]) أنك انفردت بالجمال، واستأثرت بالكمال، واستعليت فى مراتب الجلال، واستوليت على محاسن الخلال، حتى خيلت أن يوسف u حاسنك([15]) فغضضت منه، وأن امرأة([16]) العزيز رأتك فسلت عنه، وأن قارون([17]) أصاب بعض ما كنزت، والنطف([18]) عثر على فضل ما ركزت([19])، وكسرى حمل غاشيتك([20])، وقيصر رعى ماشيتك، والإسكندر قتل دارا([21]) فى طاعتك، وأردشير([22]) جاهد ملوك الطوائف بخروجهم عن جماعتك، والضحاك استدعى مسالمتك، وجذيمة([23])، الأبرش تمنى منادمتك، وشيرين([24]) قد نافست بوران فيك، وبلقيس([25]) غايرت الزباء عليك، وأن مالك([26]) بن نويرة إنما أردف لك، وعروة([27]) بن جعفر إنما رحل إليك، وكليب بن ربيعة إنما حمى المرعى بعزتك، وجساساً إنما قتله بأنفتك، ومهلهلا إنما طلب ثأره بهمتك، والسموءل إنما وفى عن عهدك، والأحنف([28]) إنما احتبى([29]) فى بردتك، وحاتماً إنما جاد بوفرك([30])، ولقى الأضياف ببشرك، وزيد([31]) بن مهلهل إنما ركب بفخديك، والسليك([32]) بن السلكة إنما عدا على رجليك، وعامر([33]) بن مالك إنما لاعب الأسنة بيديك، وقيس([34]) بن زهير إنما استعان بدهائك، وإياس([35]) بن معاوية إنما استضاء بمصباح ذكائك، وسحبان([36]) إنما تكلم بلسانك، وعمرو([37]) ابن الأهتم إنما سُحر ببيانك، وأن الصلح بين بكر وتغلب تم برسالتك، والحمالات([38]) بين عبس وذبيان أسندت إلى كفالتك، وأن احتيال هرم([39]) لعلقمة وعامر حتى رضيا كان ذاك عن إشارتك، وجوابه لعمر([40]) وقد سأله عن أيهما كان ينفر وقع عن إرادتك، وأن الحجاج([41]) تقلد ولاية العراق بجدك، وقتيبة([42]) فتح ما وراء النهر بسعدك، والمهلب([43]) أوهن شوكة الأزارقة([44]) بيدك، وفرق ذات بينهم بكيدك، وأم هرمس([45]) أعطى بلينوس([46]) ما أخذ منك، وأفلاطون أورد على أرسطاطاليس ما نقل عنك، وبطليموس سوى الاضطراب بتدبيرك، وصور الكرة على تقديرك، وبقراط علم العلل والأمراض حسك، وجالينوس عرف طبائع الحشائش بدقة حدسك ، وكلاهما قلدتك فى العلاج وسألك عن المزاج، واستوصفك تركيب الأعضاء، واستشارك فى الداء والدواء، وأنك نهجت لأبى معشر طريق القضاء، وأظهرت جابر بن حيان على سر الكيمياء، وأعطيت النظام([47]) أصلاً أدرك به الحقائق، وجعلت للكندى([48]) رسماً استخرج به الدقائق، وأن صناعة الألحان اختراعك، وتأليف الأوتار والأنفار توليدك وابتداعك، وأن عبد([49]) الحميد ابن يحيى بارى أقلامك، وسهل([50]) بن هرون مدون كلامك، وعمرو([51]) بن بحر مستمليك، ومالك بن أنس مستفتيك، وأنك الذى أقام البراهين، ووضع القوانين، وحد الماهية([52])، وبين الكيفية والكمية، وناظر فى الجوهر والعرض، وميز الصحة من المرض، وفك المعمى وفصل بين الاسم والمسمى، وصرف وقسم، وعدل وقوم، وصنف الأسماء والأفعال، وبوب الظرف والحال، وبنى وأعرب، ونفى وتعجب، ووصل وقطع، وثنى وجمع،وأظهر وأضمر، واستفهم وأخبر، وأهمل وقيد، وأرسل وأسند([53])، وبحث ونظر، وتصفح الأديان، ورجح بين مذهبى([54]) مانى وغيلان، وأشار بذبح الجعد([55])، وقتل بشار بن برد، وأنك لو شئت خرقت العادات، وخالفت المعهودات، فأحلت البحار عذبة، وأعدت السلام([56]) رطبة، ونقلت غداً فصار أمساً، وزدت فى العناصر فكانت خمسا([57])، وأنك المقول فيه : كل الصيد فى جوف الفرا([58])، و:

ليس على الله بمستنكر

 

أن يجمع العالم فى واحد([59])

 

والمعنى بقول أبى تمام :

فلو صورت نفسك لم تزدها

 

على ما فيك من كرم الطباع

والمراد بقول أبى الطيب :

ذُكر الأنام لنا فكان قصيدة

كنت البديع الفرد من أبياتها

فكدمت فى غير مكدم([60])، واستسمنت ذا ورم، ونفخت فى غير ضرم([61])، ولم تجد لريح مهزا، ولا لشفرة محزا([62])، بل رضيت من الغنيمة بالإياب([63])، وتمنيت الرجوع بخفى حنين([64])، لأنى قلت : (لقد هان من بالت عليه الثعالب([65]))، وأنشدت :

على أنها الأيام قد صرن كلها

عجائب حتى ليس فيها عجائب([66])

ونخرت([67]) وبسرت([68])، وعبست([69]) فكفرت، وأبدأت([70]) وأعدت وأبرقت وأرعدت([71])، « وهمست([72]) ولم أفعل وكدت وليتنى »، ولولا أن للجوار ذمة، وللضيافة حرمة، لكان الجواب فى قذال الدمستق([73])، والنعل حاضرة إن عادت العقرب([74])، والعقوبة ممكنة إن أصر المذنب.

وهبها لم تلاحظك بعين كليلة عن عيوبك، ملؤها حبيبها([75])، حسن فيها من تود، وكانت إنما حلتك بحلالك، ووسمتك بسيماك، ولم تعرك شهادة، ولا تكلفت لك زيادة، بل صدقت سن([76]) بكرها فيما ذكرته عنك، ووضعت الهناء مواضع النقب([77])، بما نسبته إليك، ولم تكن كاذبة فيما أثنت به عليك، فالمعيدى تسمع به خير من أن تراه، هجين([78]) القذال، أرعن السبال([79])، طويل العنق والعلاوة([80])، مفرط الحمق والغباوة، سيئ الجابة([81]) والسمع، بغيض الهيئة، سخيف الذهاب والجيئة، ظاهر الوسواس منتن الأنفاس، كثير المعايب، مشهور المثالب، كلامك تمتمة([82])، وحديثك غمغمة([83])، وبيانك فهفهفة([84])، وضحكك قهقهة، ومشيك هرولة، وغناك مسألة([85])، ودينك زندقة، وعلمك مخرفة([86]) :

مساوٍ لو قُسمن على الغوانى           لما أُمهرن إلا بالطلاق([87])

حتى إن باقلاً([88]) موصوف بالبلاغة إذا قرن بك، وهبنقة([89]) مستوجب

لاسم العقل إذا أضيف إليك، وطويساً([90]) مأثور عنه يمن الطائر إذا قيس عليك، فوجودك عدم، والاغتباط بك ندم، والخيبة منك ظفر، والجنة معك سقر([91]). كيف رأيت لؤمك لكرمى كفاء([92])، وضعتك لشرفى وفاء ؟ وأنى جهلت أن الأشياء إنما تنجذب إلى أشكالها، والطير إنما تقع على ألافها ؟ وهلا علمت أن الشرق والغرب لا يجتمعان، وشعرت أن المؤمن والكافر لا يتقاربان، وقلت : الخبيث والطيب لا يستويان([93])، وتمثلت :

أيها المنكح الثريا سهيلا               عمرك الله كيف يلتقيان([94])

وذكرت أنى علق([95]) لا يباع ممن زاد، وطائر لا يصيده من أراد، وغرض لا يصيبه إلا من أجاد !! ما أحسبك إلا كنت قد تهيأت للتهنية، وترشحت للترفية([96]) ! ولولا أن جرح العجماء جبار([97])، للقيت من الكواعب ما لاقى يسار([98])، فما هم إلا ببعض ما به هممت، ولا تعرض إلا لأيسر ما له تعرضت، أين ادعاؤك رواية الأشعار، وتعاطيك حفظ السير والأخبار، أما ثاب إليك قول الشاعر : ([99])

بنو دارم أكفاؤهم آل مسمع

وتنكح فى أكـفائها الحـبطات

وهلا عشيت([100]) ولم تغتر، وما أشك أنك تكون وافد البراجم([101]) أو ترجع بصحيفة المتلمس([102])، وهل عضلنى([103]) همام بن مرة فأقول : زوج من عود، خير من قعود.

ولعمرى لو بلغت هذا المبلغ لارتفعت عن هذه الحطة، ولا رضيت بهذه الخطة، فالنار، ولا العار، والمنية، ولا الدنية، والحرة تجوع ولا تأكل بثدييها وما كنت لأتخطى المسك إلى الرماد، ولا أمتطى الثور بعد الجواد، فإنما يتيمم من لم يجد ماء، ويرعى الهشيم([104])، من عدم الجميم([105])، ويركب الصعب([106]) من لا ذلول له. ولعلك إنما غرك من علمت صبوتى إليه ؟ وشهدت مساعفتى له، من أقمار العصر، وريحان المصر، الذين هم الكواكب علو همم، والرياض طيب شيم :

من تلق منهم تقل لاقيت سيدهم

مثل النجوم التى يسرى([107]) بها السارى

فنحن قدح([108]) ليس منها، ما أنت وهم ؟ وأنى تقع منهم ؟ وهل أنت إلا واو عمرو فيهم، وكالوشيظة([109]) فى العظم بينهم.

وإن كنت إنما بلغت قعر تابوتك([110])، وتجافيت عن بعض قوتك وعطرت أردانك([111])، وجررت هميانك([112])، واختلت فى مشيتك، وحذفت فضول لحيتك، وأصلحت شاربك، ومططت حاجبك، ورققت خط عذراك([113])، واستأنفت عقد إزارك([114])، رجاء الاكتنان فيهم، وطمعاً فى الاعتداد منهم، فظننت عجزاً، وأخطأت استك الحفرة، والله لو كساك محرق([115]) البردين، وحلتك مارية([116]) بالقرطين، وقلدك عمرو([117]) الصمصامة، وحملك الحارث([118]) على النعامة، ما شككت فيك، ولا سترت([119]) أباك، ولا كنت إلا ذاك. وهبك ساميتهم فى ذروة المجد والحسب، وجاريتهم فى غاية الظرف والأدب، ألست تأوى إلى بيت قعيدته([120]) لكاع، إذ كلهم عزب خالى الذراع([121])، وأين من أنفرد به ممن لا أغلب إلا على الأقل الأخس منه... وهل يجتمع لى فيك إلا الحشف وسوء الكيلة([122])، ويقترن على بك إلا الغُدَّة والموت فى بيت سلولية([123]) :

تعالى الله يا سلم بن عمرو             أذل الحرص أعناق الرجال

ما كان أخلقك بأن تقدر بذرعك([124])، وتربع بذلك على ظلعك([125])، ولا تكن براقش([126]) الدالة على أهلها، وعنز السوء المستثيرة لحتفها، فما أراك إلا سقط بك العشاء على سرحان([127])، وبك لا بظبى أعفر([128]). أعذرت إن أغنيت شيا، وأسمعت لو ناديت حياً([129]) :

إن العصا قرعت لذى الحلم([130])

والشئ تحقره وقــد ينمى([131])

وإن بادرت بالندامة، ورجعت على نفسك بالملامة، كنت قد اشتريت العافية منك، وإن قلت : جعجعة ولا طحن([132])، ورب صلف تحت الراعدة، وأنشدت :

لا يؤيسنك من مخدرة            قول تغلظه وإن جرحا([133])

فعدت لما نُهيت عنه، وراجعت ما استعفيت منه، بعث من يزعجك إلى الخضراء([134]) دفعا، ويستحثك نحوها وكزاً([135]) وصفعاً، فإذا صرت إليها عبث أكاروها([136]) بك، وتسلط نواطيرها([137]) عليك، ذلك بما قدمت يداك، لتذوق وبال أمرك، وترى ميزان قدرك :

فمن جهلت نفسه قدره                رأى غيره منه ما لا يرى

تعليق على الرسالة :-

وإذا كان لنا من رأى حول ابن زيدون فى هذه الرسالة فإنه يتلخص فى عدة نقاط أهمها أن الكاتب مقلد للجاحظ فى رسالته التربيع والتدوير على ما سبق لنا من قول، وأنه متأثر بروح المرح التى بدت عند بعض كتاب المشرق مثل بديع الزمان فى رسائله ومقاماته وأبى إسحاق الصابى فى مرحه وأبى العيناء فى مجونه وشعراء الصاحب بن عباد فى طرفهم وملحهم.

فإذا نظرنا فى مضمون الرسالة نفسها فإننا لا نكاد نحس أنه نتاج أندلسى، بل ليس فيها بادرة واحدة توحى بذلك بحيث لو لم يجر ذكر ولادة وابن عبدوس حول قصة الرسالة وخبرها لما خامر قارئها أدنى شك فى أنها لعلم من أعلام النثر الفنى فى المشرق، فابن زيدون كأنما قد حرص على أن يعرض بضاعته وينثر كنانته فإذا بحافظته تتسع للأخبار والمعلومات التاريخية من عربية وفارسية ويونانية وتزدحم بالمعارف العلمية، وتمتلئ بالأمثال العربية وتفيض بالشواهد الشعرية للمغمورين والمشهورين من الشعراء الجاهليين والأمويين والعباسيين مبتدئاً بامرئ القيس منتهياً بالمتنبى. كل ذلك فى وفرة وكثرة وتتابع وتمكن، ومن العجيب أنه لم يستشهد ببيت واحد أندلسى أو يأتى بخبر واحد غير مشرقى...

على أنه من سوء الحظ أيضاً أن هذه الرسالة لم تحقق الغرض الذى من أجله أنشأها ابن زيدون، فلا هى نالت من ابن عبدوس بالقدر الذى أراده الأديب العاشق ولا هى أعادت إليه ولادة، بل ربما كانت الرسالة هذه سبباً فى توسيع شقة الخلاف بينه وبين ولادة لأنه كان قد أهانها وعرض بها حين أراد الثأر منها والسخرية بابن عبدوس وكان يلقبه بالفار فى قوله:

عيرتمونا بأن قد صـار يخلفنا

فيمن نحب وما فى ذاك من عـار

أكل شهى أصبنا من أطايبه

بعضاً وبعضاً صفحنا عنه للـفار

ومهما كان الأمر فابن زيدون فى شعره فريد عصره وفى نثره فى الذروة بين أقرانه من كتاب الأندلس، ولعل ملكة الشعر والنثر لم تجتمعا معا لفرد واحد كما اجتمعتا لقلة من الأندلسيين من أمثال ابن زيدون وابن شهيد ولسان الدين بن الخطيب، ولكن ابن زيدون يبزهم جميعاً ؛ فقد كانت رسائله النثرية التى يكتبها على لسان بعض من استكتبوه من أمراء قرطبة أو أشبيلية تفتن الناس فيتلقفونها ليمتعوا أنفسهم بقراءتها، فرسائل الرجل على نثرها تكاد تكون شعراً، ففيها انفعال الشاعر واهتياجه وغنائيته، وفيها عمق الكاتب وثباته وتفكيره، وفيها أيضاُ روح العالم ورحابة أفقه وفيض معرفته، وقد يكون من الطريف أن نذكر أن ابن زيدون مارس التأليف شأنه فى ذلك شأن العلماء الأعلام من رجالات الأندلس ؛ فقد ذكر ابن حزم فى رسالته التى كتبها فى فضل الأندلس أن أبا الوليد بن زيدون قد ألف كتاب (التبيين فى خلفاء بنى أمية فى الأندلس) على منزع (التعيين فى خلفاء المشرق) للسعودى. ([138])

لعل أقرب شبيه لابن زيدون فى المشرق هو أبو إسحاق الصابى أمير الكتابة الديوانية والإخوانية، وصاحب الشعر الرقيق العذب الذى لم يدرس الدراسة الوافية حتى الآن، وصاحب المؤلف المعروف باسم (التاجى) الذى كتبه وهو فى السجن لبنى بويه والذى أبدى رأيه فيه قبل أن يتمه جوابا لصديق سأله عما يصنع وقد رآه مشغولاً فى الكتابة، فأجلبه : أباطيل أنمقها وأكاذيب ألفقها. ([139])

الحق أن أقرب الأدباء المشارق شبهاً بابن زيدون هو أبو إسحاق إبراهيم الصابى فكرهما شاعر يفيض شعره رقة وينساب عذوبة، وكلاهما كاتب يثرى الخواطر والنفوس بثمار يراعه سواء أكانت هذه الثمار رسائل ديوانية أم مقطوعات إخوانية أم موضوعات فكاهية، وإذا كان ابن زيدون قد كتب رسالته الهزلية المشهورة لأبى إسحاق رسالتين من أمتع ما كتب فى الفكاهة فى النثر العربى هما رسالته لابن قريعة القاضى يعزيه فى ثوره الأبيض حين نفق وجلس يتقبل العزاء فيه، ورسالته الفريدة (عهد التطفل) ، وكلاهما أيضاً أى ابن زيدون والصابى من أصحاب المشاركة فى التأليف، غير أن للصابى فضل السبق الزمنى وميزة الإبداع الباكر، ولعل من مصادفات القدر أيضاً أن كلا من الأدبيين الكبيرين قد قضى فى أيامه محناً وصادف إحنا وثوى فى غيابة السجن لفترة من الزمن.

على أن الأمر الذى لا نشك فيه هو أن كل كتاب الأندلس بغير استثناء تلامذة فى موضوعاتهم وأساليبهم للكتاب المشارقة، وحتى أولئك الذين حاولوا أن يبتدعوا شيئاً جديداً مثل ابن زيدون وابن شهيد قد جددوا تحت ظلال فنون المشارقة مستمدين الوحى من نتاجهم قابسين النور من موضوعاتهم. ([140])

%%%


صور من الخطابة الأندلسية

خطبة طارق بن زياد :-

بعد أن حمد الله وأثنى عليه، وذكر فضل الجهاد، ورغب فى الشهادة قال:

أيها الناس ! أين المفر([141]) ؟ البحر من ورائكم، والعدو أمامكم([142])، وليس لكم والله إلا الصدق([143]) والصبر، واعلموا أنكم فى هذه الجزيرة، أضيع من الأيتام([144]) فى مأدبة اللئام([145]).

وقد استقبلكم عدوكم بجيشه، وأسلحته وأقواته موفورة([146])، وأنتم لا وزر([147]) لكم إلا سيوفكم، ولا أقوات إلا ما تستخلصونه من أيدى عدوكم، وإن امتدت بكم الأيام على افتقاركم، ولم تنجزوا لكم أمراً، ذهب ريحكم([148])، وتعوضت القلوب من رعبها منكم الجراءة([149]) عليكم، فادفعوا عن أنفسكم خذلان هذه العاقبة من أمركم بمناجزة([150]) هذا الطاغية([151])، فقد ألقت به إليكم مدينته الحصينة([152])، وإن انتهاز الفرصة فيه لممكن إن سمحتم لأنفسكم بالموت، وإنى لم أحذركم أمراً أنا عن بنجوة([153])، ولا حملتكم على خطة – أرخص متاع فيها النفوس – أرباً عنها بنفسى([154]) ؛ واعلموا أنكم إن صبرتم على الأشق قليلاً، استمتعتم بالأرفة([155]) الألذ طويلاً، فلا ترغبوا بأنفسكم عن نفسى، فيما حظكم فيه أوفر من حظى([156])، وقد بلغكم ما أنشأت هذه الجزيرة من الحور الحسان، من بنات الرومان، الرافلات فى الدر والمرجان، والحلل المنسوجة بالعقيان([157])، المقصورات فى قصور الملوك ذوى التيجان، وقد انتخبكم الوليد بن عبد الملك، أمير المؤمنين من الأبطال عزباناً([158])، ورضيكم لملوك هذه الجزيرة أصهاراً وأختاناً([159])، ثقة منه بارتياحكم للطعان، وإسماحكم([160]) بمجالدة([161]) الأبطال والفرسان، ليكون حظه منكم ثواب الله على إعلاء كلمته، وإظهار دينه بهذه الجزيرة، وليكون مغنمها خالصاً لكم([162]) من دونه، ومن دون المؤمنين سواكم، والله تعالى ولى إنجادكم على ما يكون لكم ذكراً فى الدارين.

واعلموا أنى أول مجيب إلى ما دعوتكم إليه، وأنى عند ملتقى الجمعين حامل بنفسى على طاغية القوم لذريق، فقاتله إن شاء الله تعالى. فإن هلكت بعده فقد كفيتم أمره، ولم يعوزكم([163]) بطل عاقل تسندون أموركم إليه. وإن هلكت قبل وصولى إليه فاخلفونى فى عزيمتى هذه، واحملوا بأنفسكم عليه، واكشفوا الهم([164]) من فتح الجزيرة بقتله، فإنهم بعده يخذلون.

ويقول باحث معاصر([165]) :

(تحيط الرواية الإسلامية ظفر طارق فى سل شريش بطائفة من التفاصيل الشائقة، فتقول لنا أولاً إن طارقاً خطب جنده قبل الموقعة، وألقى فيهم خطبته الشهيرة التى ما زال يحفظها الطلاب كنموذج من نماذج النثر المختار والتى يفتتحها بقوله : (أيها الناس ! أين المفر ؟ البحر من ورائكم، والعدو أمامكم، وليس لكم والله إلا الصدق والصبر). ثم يحث فيها جنده على القتال والاستشهاد فى سبيل الله ويرغبهم فى ثمار النصر، ويحذرهم من عواقب التخاذل والتفرق. وتنوه الرواية الإسلامية بما كان لهذا الخطاب من أثر قوى فى إذكاء همم المسلمين وشجاعتهم، ودفعهم إلى طريق النصر ، على أنه يسوغ لنا أن نرتاب فى نسبة هذه الخطبة إلى طارق، فإن معظم المؤرخين المسلمين، ولاسيما المتقدمين منهم لا يشير إليها، ولم يذكرها ابن عبد الحكم، ولا البلاذرى، وهما أقدم رواة الفتوحات الإسلامية، ولم تشير إليها المصادر الأندلسية المتقدمة، ولم يشر إليها ابن الأثير وابن خلدون، ونقلها المقرى عن مؤلف لم يذكر اسمه، وهى على العموم أكثر ظهوراً فى كتب المؤرخين والأدباء المتأخرين. ليس بعيداً أن يكون طارق قد خطب جنده قبل الموقعة، فنحن نعرف أن كثيراً من قادة الغزوات الإسلامية الأولى كانوا يخطبون جندهم فى الميدان، ولكن فى لغة هذه الخطبة وروعة أسلوبها وعبارتها ما يحمل على الشك فى نسبتها إلى طارق وهو بربرى لم يكن عريقاً فى الإسلام والعروبة، والظاهر أنها من إنشاء بعض المتأخرين صاغها على لسان طارق مع مراعاة ظروف المكان والزمان).

ومهما كان، فهذه الخطبة تعد من الأدب الأندلسى تجوزاً، لأن طارقاً لم يكن بعد قد عاش فى الأندلس، أو تأثر ببيئتها وإنما كان لأول مرة يضع قدميه على أرضها، فهى من الأدب العربى عامة لا الأندلس خاصة، أو هى صورة للخطابة فى المشرق وحده.

$$$


القصة فى الأندلس

قصة التوابع والزوابع

لابن شهيد الأندلسى

(1) كان للقصة العربية نصيب من اهتمام بعض أدباء الأندلس، وهى وإن لم تحتل مكاناً عريضاً مثل ذلك الذى احتله الشعر من مرشح وقصيد، أو مثل ذلك الذى ناله النثر الفنى، إلا أن ما وصلنا منها على قلة حجمه جدير بالعناية والدرس والتقدير.

ومن كتاب القصة العربية فى الأندلس أبو عامر بن شهيد الشاعر الكاتب الأندلسى، والقصة التى أنشأها أبو عامر أطلق عليها اسم (التوابع والزوابع) وهى قصة طويلة لم يسعد الأدب العربى بإثباتها كاملة، فقد ضاع أكثرها بين ما ضاع من آثار أدبائنا، واستطاع صاحب الذخيرة أن يحفظ لنا طرفاً منها يصلح فى حد ذاته لأن يكون قصة مكتملة رغم اجتزائه.

* وتسمى أيضاً برسالة (التوابع والزوابع) وإذا كان الدافع وراء رائد القصة العربية فى المشرق – بديع الزمان – هدفاً اجتماعياً ينحصر أساساً فى تصوير البيئة الاجتماعية لعصره، فإن الدافع عند ابن شهيد فى كتابته قصة التوابع والزوابع دافع شخصى نابع من إحساسه بأن معاصريه من الأدباء والنقاد لم يولوه حق من التكريم، ولم ينزلوه المنزلة الأدبية التى رأى نفسه أهلاً لها، ومن جملتهم أبو القاسم الإفليلى الأديب الشاعر الكاتب، بل كانوا يكنون له الحقد ويكيلون له الكيد ومن ثم فقد راح يلتمس التقدير والتكريم عند من هم أعلى قدراً من معاصريه وأوفى شهرة وأعلى كعبا فى الأدب بفرعيه : الشعر والنثر، فهداه خياله الخصيب إلى كتابة قصته. وفيها يلتقى بجنى اسمه زهير بن نمير، فتتوثق الصداقة بينهما ويحمله زهير على متن الجو إلى أرض الجن حيث التقى هناك بتوابع الشعراء المشهورين والكتاب المبرزين، كما التقى بشياطين بعض خصومه من معاصريه، لقى أبو عامر بصحبة زهير بن نمير عتيبة بن نوفل تابع امرئ القيس وعنتر بن العجلان تابع طرفة، وأبا الخطار تابع قيس بن الخطيم من الشعراء الجاهليين، ولقى عتاب بن حبناء تابع أبى تمام، وأبا الطبع تابع البحترى وحسين الدنان تابع أبى نواس، وحارثة بن المغلس تابع المتنبى، كما التقى أيضاً ببعض شياطين الكتاب، وهى فكرة جديدة صاحبها أبو عامر، ذلك أنه لم يكن من الشائع أن هناك شياطين أو توابع للكتاب، التقى أبو عامر بشياطين صفوة كتاب العربية هم عتبة بن أرقم تابع الجاحظ، وأبو هبيرة تابع عبد الحميد، وزبدة الحقب تابع بديع الزمان. ويجرى أبو عامر مع كل هؤلاء التوابع محاورات طريفة ويسمعهم ألواناً من شعره، وفنوناً من نثره، فينال منهم الإعجاب إما لاستحسانهم لفنه، أو لتفوقه عليهم كما حلا لخياله أن يصور له ذلك التفوق، ويقابل أبو عامر بعضهم بالاحترام والإجلال كما فعل مع شيطان امرئ القيس وشيطان أبى نواس وشيطان أبى تمام، ويقابل الآخرين بغير اكتراث كما فعل مع شياطين الكتاب، ويخرج أبو عامر من هذه المقابلات مجازاً مشهوداً له بالفضل والتفوق، كأن يقول له أحد الجن (ما أنت إلا محسن على إساءة زمانك).

ولا يقف ابن شهيد فى قصته عند مقابلة التوابع الذين مر ذكرهم، وإنما تلقى به طبيعة رحلته إلى مجلس أدب رائق عقده بعض أدباء الجن الذين أخذوا يتناشدون قصائد لأعلام الشعراء من جاهليين وإسلاميين وعباسيين مثل الأفوه الأودى والنابغة وأبى نواس وصريع الغوانى وأبى تمام والمتنبى، وتكون جلسة مجموعة الجن الأدباء جلسة نقدية يعرضون فيها لأقوال الشعراء الذين مر ذكرهم فى مقام وصف الطيور فيبدون جميعاً دون المستوى أمام شاعر جنى اسمه فاتك بن الصقعب الذى ينشد شعراً جميلاً فى الغرض نفسه فينال إعجاب الجن الأدباء، والشعر هنا بطبيعة الحال ليس إلا شعر ابن شهيد، ويستعرض ابن شهيد فى هذا المقام أمام منتدى الجن موهبته الشعرية بإلقاء عدد غير قليل من قصائده، كما يستعرض موهبته فى نقد الشعر، ولا يقف الأمر فى هذا المشهد عند إنشاد شعره وإظهار مواهبه الأدبية والنقدية، بل إنه أظهر المواهب الأدبية عند أفراد أسرته فجعل الجنى يسأله عن أبيات من الشعر بعينها، فإذا بها لأبيه وأخيه وعمه وجده وجده لأبيه.

وتمضى قصة التوابع والزوابع، فيصل أبو عامر وتابعه زهير بن نمير إلى واد آخر من أودية الجن وتلقى به المقادير إلى ناد لحمير الجن وبغالها بينهم بعض الشعراء، ويطلب إليه إصدار حكم فى شعر لبغل وشعر لحمار، ويلتقى ببغلة أديبة نافذة اسمها بغلة أبى عيسى، كما يتلقى بأوزة أديبة اسمها العاقلة – وهى حمقاء – وكنيتها أم خفيف ويصفها وصفاً جميلاً، ويجرى بينهما حوار طريف، هو يريد منازلتها فى الشعر والخطابة، وهى تريد محاورته فى النحو والغريب من اللغة، وتنتهى بتغلبه عليها وبذلك تنتهى قصة التوابع والزوابع، أو بالأحرى ينتهى الجزء الذى وصل إلينا منها عن طريق كتاب الذخيرة.

(2) التعريف بالكاتب :-

ابن شهيد الأندلسى صاحب التوابع والزوابع :-

هو أحمد بن عبد الملك بن أحمد بن عبد الملك بن شهيد الأشجعى القرطبى، فهو من أصل عربى، كان جده الأعلى عبد الملك بن شهيد وزيراً للأمير محمد (238هـ - 273هـ) ووز ابنه أحمد لعبد الرحمن الناصر ولقبه بذى الوزارتين وولد له فى سنة 323 ابنه عبد الملك وأصبح فيما بعد وزيراً للمنصور بن أبى عامر، وولاه على الولايات الشرقية، واصطفاه المنصور بن أبى عامر لنفسه مستشاراً وجليساً ونقل سكناه إلى جواره، وكان قد رزق بابنه أحمد سنة 382هـ، فنشأ فى نعيم نشأة مترفة، وضاعف ترفها رعاية ابن أبى عامر وحظياته له، فكان لا يزال يغدو ويروح إلى قصوره مختلطاً بأحفاده، وعنى أبوه بتربيته، ومنذ نعومة أظفاره كان عنده تشوق إلى الثراء وحب الظهور واستشعار السيادة فى ذلك الدور المبكر من حياته.

كما كان عنده نهم للأدب والمعارف، وبينما هو غارق فى النعيم وفى تثقيف نفسه إذ النكبة تحل بأسرة ابن أبى عامر سنة 399هـ، وكانت نكبة قرطبة حادثاً جللاً بالنسبة له ترك أثراً عميقاً فى نفس ابن شهيد فقد انكدت صروح آماله ومطامحه، فأكب على كئوس الخمر واللذات يغرق فيها همومه محاولاً أن ينساها أو يتسلى عنها، وتصادف أن أصابه الصمم مبكراً فتضاعف حزنه وهمه، وتضاعف إقباله على الخمر والمجون. وكان الشعر قد انثال على لسانه مبكراً كما أخذت تظهر مخايل نبوغه الأدبى، وسرعان ما أصبحت داره منتدى لأترابه من الشباب القوطبيين المتأدبيين أمثال ابن حزم وابن عمه أبى المغيرة عبد الوهاب وابن برد الأصغر، وأبى عامر بن المظفر بن أبى عافر وابن عمه المؤتمن عبد العزيز.

بدأ المرض يهاجم ابن شهيد فى سنة 425هـ، وظل مريضاً سبعة أشهر كاملة، قاسى منها أهوالاً ثقالاً حتى فكر فى الانتحار وهم بقتل نفسه، ثم آثر الرضى بقضاء الله تعالى وفى ذلك يقول :

أنوح على نفسى وأندب نبلها         إذا أنا فى الضراء أزمعت قتلها

رضيت قضاء الله فى كل حالة                على وأحكاماً تيقنت عــدلها

على أن ما أصاب جسمه من وهن، بقى ذهنه متفتحاً، وقريحته متوقدة، ويلبى داعى ربه فى جمادى الأولى سنة 426هـ.

وصلى عليه وأقام مراسم دفنه أمير قرطبة أبو الحزم جهور ويكثر البكاء والعويل على قبره وتنشد مراث متعددة لصديقة ابن برد الصغر وغيره.

وقد أوصى قبل وفاته بعدة وصايا منها :-

أن تكتب هذه الكلمات على قبره : بسم الله الرحمن الرحيم قل هو نبأ عظيم أنتم عنه معرضون. هذا قبر أحمد بن عبد الملك بن شهيد المذنب، مات وهو يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، وأن الجنة حق وأن النار حق وأن البعث حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من فى القبور [ ثم تاريخ الوفاة بالشهر والسنة ويكتب تحت النثر هذا النظم :-

يا صاحبى قم فقد أطلنا

 

أنحن طول المدى هجود

فقال لى : لن نقوم منها

 

ما دام من فوقنا الصعيد

تذكر كم مرة لهونا

 

فى ظلها والزمان عيد

وكم سرور همى علينا

 

سحابة ثرة نجود

كل كأن لم يكن تقضى

 

وشؤمه حاضر عتيد

حَصَّله كاتب حفيظ

 

وضمه صادق شهيد

يا ويلنا إن تنكبتنا
نا

 

رحمة من بطشه شديد

يا رب عفواً فأنت مولى

 

قصَّر فى أمرك العبيد

 (3) وقبل أن نعرض لرأينا فى القصة نرى أنه لطرافتها ينبغى أن نقدم نماذج منها بأسلوب كاتبها. يبدأ ابن شهيد قصته البديعة بقوله :

(لله أبا بكر([166]) ظن رميته فأصميت([167])، وحدس أملته فما أشويت([168]) أبديت بهما وجه الجليلة وكشفت عن ثمرة الحقيقة، حين لمحت صاحبك الذى تكسبته، ورأيته قد أخذ بأطراف السماء، فألف بين قمريها، ونظم بين فرقديها، فكلما رأى ثغراً سده بسهاها([169])، أو لمح خرقا رمه بزباناها([170]).

إلى غير ذلك. فقلت أوتى الحكم صبياً، وهز بجذع نخلة الكلام فاساقط عليه رطباً جنياً، أما إن به شيطاناً يهديه، وشيصباناً([171]) يأتيه ، وأقسم أن له تابعة([172]) تنجده، وزابعة([173]) تؤيده، ليس هذا فى قدرة الإنس، ولا هذا النفس لهذه النفس. فأما وقد قلتها، أبا بكر، فأصخ أسمعك العجب العجاب.

كنت أيام كتاّب الهجاء، أحن إلى الأدباء، وأصبوا إلى تأليف الكلام، فاتبعت الدواوين، وجلست إلى الأسانيد، فنبض لى عرق الفهم، ودر لى شريان العلم بمواد روحانية، وقليل الالتماح من النظر يزيدنى، ويسير المطالعة من الكتب يفيدنى، إذ صادف شن العلم طبقة. ولم أكن كالثلج تقتبس منه ناراً، ولا كالحمار يحمل أسفاراً، فطعنت ثغرة البيان داركاً، وأعلقت رجل طيره أشراكاً، فانثالت([174]) لى العجائب، وانهالت على الرغائب([175]). وكان لى أوائل صبوتى هوى اشتد به كلفى، ثم لحقنى بعد ملل فى أثناء ذلك الميل، فاتفق أن مات من كنت أهواه مدة ذلك الملل، فجزعت وأخذت فى رثائه يوماً فى الحائر([176])، وقد أبهمت على أبوابه، وانفردت فقلت:

تولى الحمام بظبى الخدور

وفاز الردى بالغـزال الغرير

 

إلى أن انتهت إلى الاعتذار من الملل الذى كان : فقلت :

       وكنت مللتك لا عن قِلى

ولا عن فساد جرى فى ضميرى

فأرتج على القول وأقحمت، فإذا أنا بفارس على باب المجلس على فرس آدم كما بقل وجهه([177])، وقد اتكأ على رمحه وصاح بى : أعجزاً يا فتى الإنس ؟ قلت : لا وأبيك، للكلام أحيان، وهذا شأن الإنسان، قال لى : قل بعده :

كمثل ملال الفــتى للنعيم

إذا دام فيه، وحـال السرور

فأثبت إجازته، وقلت له : بأبى أنت، من أنت ؟ قال : أنا زهير بن نمير من أشجع([178]) الجن، قلت : وما الذى حداك إلى التصور لى ؟ فقال : هوى فيك، ورغبة فى اصطفائك. قلت أهلاً بك أيها الوجه الوضاح، صادفت قلباً إليك مقلوباً([179])، وهوى نحوك مجنوباً. وتحادثنا حيناً ثم قال : متى شئت استحضارى فأنشد هذه الأبيات :

وإلى زهير الحب يا عـــز إنه

                           إذا ذكرتـه الذاكــرات أتاها

إذا جرت الأفواه يومـاً بذكرها

                           يخـيل لى أنى أقـــــبل فاها

فأغشى ديار الذاكرين وإن نأت

                           أجارع من دارى، هوى لهواها([180])

وأوثب الأدهم جدار الحائط ثم غاب عنى، وكنت أبا بكر، متى أرتج على أو انقطع فى مسلك، أو خاننى أسلوب، أنشد الأبيات فيمثل لى صاحبى فأسير إلى ما أرغب، وأدرك بقريحتى ما أطلب. وتأكدت صحبتنا، وجرت قصص لولا أن يطول الكتاب لذكرت أكثرها، لكنى ذاكر بعضها).

وبعد هذا الاستهلال الذى شرح فيه ابن شهيد نشأة صحبته لقريبه الجنى الأشجعى، يمضى فى حديثه كيف أتيح له بمساعدة تابعه أن يذهب إلى وادى الجن ويلقى توابع الشعراء الذين اشرنا إليهم فى صدر حديثنا عند تلخيصنا لهذه الرسالة فيقول :

« تذاكرت يوما مع زهير بن نمير أخبار الخطباء والشعراء وما كان يألفهم من التوابع والزوابع قلت : هل حيلة له فى لقاء من اتفق منهم ؟ قال : حتى استأذنا شيخنا. وطار عنى ثم انصرف كلمح البصر، وقد أذن له، فقال : حل على متن الجواد. فصرنا عليه وصار بنا كالطائر يجتاب الجو فالجو، ويقطع الدو فالدو([181]) حتى التمحت أرضاً لا كأرضنا، وشارفت جواً لا كجونا، متفرع الشجر، عطر الزهر، فقال لى : حللت أرض الجن، أبا عامر، فبمن تريد أن نبدأ ؟ قلت : الخطباء أولى بالتقديم، لكنى إلى الشعراء أشوق. قال : فمن تريد منهم ؟ قلت : صاحب امرئ القيس فأمال العنان إلى واد من الأودية ذى دوح تتكسر أشجاره، وتترنم أطياره، فصاح يا عتيبة بن نوفل، يسقط اللوى فحومل، ويوم دارة جلجل، إلا ما عرضت علينا وجهك، وأنشدتنا من شعرك، وسمعت من الإنس، وعرفتنا كيف إجازتك له. فظهر لنا فارس على فرس شقراء كأنها تلتهب، فقال : حياك الله يا زهير، وحيا صاحبك، أهذا فتاهم ؟ هو هذا، وأى جمرة يا عتبة، فقال لى : أنشد، فقلت : السيد أولى بالإنشاد، فتطامح طرفه، واهتز عطفه، وقبض عنان الشقراء، وضربها بالسوط، فسمت تحضر طولاً عنا، وكر، فاستقبلنا بالصعدة([182]) هازاً لها، ثم ركزها وجعل ينشد :

سما لك شوق بعد ما كان أقصرا([183])...

حتى أكملها ثم قال لى : أنشد فهممت بالحيصة([184])، ثم اشتدت قوى نفسى وأنشدت :

شجته مغان من سليمى وأدؤر([185])

 

حتى انتهيت إلى قولى :

ومن قبة لا يدرك الطرف رأســها

تزل بها ريح الصبا فتــحدر

تكلفتها والليل قد جـــاش بحره

وقد جعلت أمواجه تتكــسر

ومن تحت حضنى أبيض ذو سفاسق([186])

وفى الكف من عسالة الخط أسمر

هما صاحباى من لدن كنت يافـعاً

مقيلان من جد الفتى حـين يعثر

فذا جدول فى الغمد تُسقى به المنى

وذا غصن فى الكف يجـنى فيثمر

فلما انتهيت، تأملنى عتيبة ثم قال : « اذهب فقد أجزتك » وغاب عنا. ويمضى أبو عامر وصاحبه زهير فيلتقيان فى واد من أرض الجن يقال له وادى عتيبة بعنتر بن العجلان شيطان طرفة فيرحب بهما ويستنشد أبا عامر شيئاً من شعره، فيجيبه أبو عامر فى أدب جم : الزعيم أولى بالإنشاد، فينشد الشيطان قصيدة طرفة :

لسُعْدى بجزان الشريف طلول

فينشده أبو عامر قصيدته :

أمن رسم دار بالعقيق مُحيلُ

وما أن ينتهى من الإنشاد حتى يصيح عنتر : لله أنت، فاذهب فإنم مجاز، ثم يغيب عنهما :

ويجرى لأبى عامر وصاحبه مع أبى الخطار شيطان قيس بن الخطيم ما جرى لهما مع تابعى امرئ القيس وطرفة من استنشاد وإنشاد، ويجيز أبو الخطار أبا عامر على شعره. ويمضى شاعرا الإنس والجن فى طريقهما بعد لقائهما أبا الخطار إلى لقاء عتاب بن حبناء شيطان أبى تمام، ولنترك ابن شهيد يحكى هذا الجزء من قصته :

« ثم انصرفنا، وركضنا حتى انتهينا إلى شجرة غيناء([187]) يتفجر من أصلها عين كمقلة حوراء، فصاح زهير : يا عتاب بن حبناء، حل بك زهير وصاحبه، فبعمرو والقمر الطالع، وبالقرعة المفكوكة الطابع([188])، إلا ما أريتنا وجهك، فانفلق ماء العين عن وجه فتى كفلقة القمر، ثم اشتق الهواء صاعدا إلينا من قعرها حتى استوى معنا ، فقال : حياك الله يا زهير، وحيا صاحبك، فقلت : وما الذى أسكنك قعر هذه العين يا عتاب ؟ قال : حيائى من التحسن باسم الشعر وأنا لا أحسنه، فصحت : ويلى منه، كلام محدثٍ ورب الكعبة، واستنشدنى فلم أنشده إجلالاً له، ثم أنشدته :

أبكيت إذ ظعن الفريق فراقها

حتى انتهيت فيها إلى قولى :

إنى امرؤ لعب الزمان بهــــمتى

وسقيت من كأس الخطوب دهاقها

وكبوت طرفا فى العلا فاستضحكت

حُمر الأنام فما تريم نُهــــاقها([189])

وإذا ارتمت نحوى المـــنى لأنالها

وقف الزمان لها هناك فعاقـــها

وإذا أبو يحــــيى تأخر نفسه([190])

فمتى أُؤمل فى الزمان لَحاقـــها

فلما انتهيت قال : أنشدنى من رثائك، فأنشدته :

أعينا امرأ نزحت عينه

 

ولا تعجبا من جفون جماد

إذا القلب أحرقه بثُّه

 

فإن المدامع تلو الفؤاد »

ويزداد إعجاب عتاب بشعر أبى عامر بعد أن سمع مرثيته كلها فيستزيده إنشاداً لمزيد من الرثاء، فينشده قصيدة ميمية رقيقة حزينة كان الشاعر قالها هى وسابقتها فى رثاء أبى عبيدة حسان بن مالك وزير عبد الرحمن بن هشام أيام الفتنة.

وكيف اهتدائى فى الخطوب إذ دجت

وقد فقدت عيناى ضــوء نجوم

مضى السلف الوضاح إلا بقـــيةٌ

كغرة مسود القمــيص بَهـيمِ([191])

أنا السيفُ لم تتعبْ به كفُّ ضـاربٍ

صرومٌ إذا صـادفتُ كف صروم

سعيت بأحرارِ الرجـــالِ فخاننى

رجال ولم أنجـــد بجد عظـيم

وضيعنى الأملاكُ بدءاً وعـــودةً

فضـــعَتُ بدارٍ منهم وحـريم

فيعجب عتاب بشعر ابن شهيد ويأنس إليه ويسدى له نص الأستاذ للتلميذ قائلا : إن كنت ولابد قائلاً، فإذا دعتك إلى القول فلا تكد قريحتك، فإذا أكملت فجمام ثلاثة لا أقل([192])، ونقح بعد ذلك وتذكر قول سويد بن كراع العكلى([193]) :

وجشمنى خوف ابن عفان ردهـا

فثقفتها حولاً كريتاً ومربعاً([194])

وقد كان فى نفسى عليها زيـادة

                                فلم أر إلا أن أطيع وأسـمعا

ثم يشهد عتاب لابن شهيد شهادة أثلجت صدره أو هى فى الواقع صدى لما فى نفس ابن شهيد من مرارة وحفيظة على أهل زمانه فيقول : وما أنت إلا محسن على إساءة زمانك، فيقبل ابن شهيد رأسه، ثم يغيض عتاب فى العين التى منها ظهر.

ويسأل زهير أبا عامر عمن يريد مقابلته من التوابع فيقول إنه يريد صاحب أبى نواس فيقول زهير إنه بدير حنة منذ أشهر، قد غلبت عليه الخمر، ويفهمه أن هذا الدير بعيد عن مكانهما بعداً شاسعاً فيركضان ساعيين إليه فيمران على قصر يعيش فيه أبو الطبع شيطان البحترى ويجرى بينه وبين أبى عامر إنشاد واستنشاد فينشده أبو عامر قصيدة له مطلعها :

هذه دار زينب والرباب

وفيها يقول :

وارتكضنا حتى مضى الليلُ يسعى

وأتى الصبح قاطع الأسبابِ([195])

فكأن النجومَ فى الليل جــيشٌ

دخلوا للكُمون فى جوف غابِ

فكأن الصباح قانص طــــير

قبضت كفهُ برجــل غراب

ويمضى أبو عامر محاولاً أن يرضى غرور نفسه متصوراً أنه متفوق على شيطان البحترى فيقول: « حتى أكملتها، فكأنما غشى وجه أبى الطبع قطعة من الليل، وكر راجعاً إلى ناورده دون أن يسلم، فصاح به زهير : أأجزته ؟ قال : أجزته، لا بورك فيك من زائر، ولا فى صاحبك أبى عامر ».

ويحتشد بعد ذلك ابن شهيد نفساً للقاء حسين الدنان شيطان أبى نواس ويفتن فى وصف الطريق إليه، ويخلق جواً نواسياً فيه حانات وخمر وكنائس وأديرة وأجراس ورهبان وزنانير، بحيث نشعر أنه لم يحتشد للقاء شيطان شاعر فى وادى الجن احتشاده للقاء شيطان أبى نواس ، ولنترك المجال لقلم أبى عامر يقول :

« فضرب زهير الأدهم بالسوط، فسار بنا فى قننه([196])، وسرنا حتى انتهينا إلى أصل جبل دير حنة([197])، فشق سمعى قرع النواقيس فصحت: من منازل أبى نواس ورب الكعبة العليا !! وسرنا نجتاب أديارا وكنائس وحانات، حتى انتهينا إلى دير عظيم تعبق روائحه، وتصوك([198]) نوافحه. فوقف زهير ببابه وصاح : سلام على أهل دير حنة، فقلت لزهير أو صرنا بذات الأكيراح([199]) ؟ قال : نعم، وأقبلت نحونا الرهابين، مشددة بالزنانير قد قبضت على العكاكيز، بيض الحواجب واللحى، إذا نظروا إلى المرء استحيا، كثرين من التسبيح، عليهم هدى المسيح، فقالوا : أهلاً بك يا زهير من زائر، وبصاحبك أبى عامر، ما بغيتك ؟ فقال : حسين الدنان، قالوا : إنه لفى شرب الخمرة، منذ أيام عشرة، وما نراكما منتفعين به، فقال : وعلى ذلك([200])، ونزلنا، وجاءوا بنا إلى بيت له قد اصطفت دنانه، وعكفت غزلانه، وفى فرجته شيخ طويل الوجه والسبلة، قد افترش أضغاث زهر، واتكأ على زق خمر، وبيده طرجهارة([201])، وحواليه صبية كأظب([202]) تعطو إلى عرارة([203]). فصاح به زهير : حياك الله أبا الإحسان، فجاوب بجواب لا يُعقل لغلبة الخمر عليه، فقال لى زهير : أقرع أذن نشوته بإحدى خمرياتك، فإنه ربما تنبه لبعض ذلك، فصحت أنشد من كلمة طويلة :

ولربَّ حــان قد أدرتُ بديره

خمر الصـــبا مُزجت بصفو خمورهِ

فى فتية جعلوا الزقاق تكاءهم

متصاغرين تخشـــــعاً لكبيره([204])

وإلى على بطرفه وبكـــفه

فأمال من رأسى لعب كبـــيره([205])

وترنم الناقوس عند صلاتهـم

ففتحت من عينى لرجـــع هديرهِ

يهدى إلينا الراحَ كل معصفر

كالخشيف خفرةُ التماح خفــيره([206])

فصاح من حبائل نشوته : أأشجعى ؟ قلت : أنا ذاك، فاستدعى ماء قراحا فشرب منه وغسل وجهه، فأفاق واعتذر إلى من حاله، فأدركتنى مهابته، وأخذت فى إجلاله لمكانه من العلم والشعر، فقال لى : أنشد، أو حتى أنشدك ؟ فقلت : إن ذلك لأشد لتأنيسى، على أنه ما بعدك لمحسن إحسان، فأنشد :

يا دير حنة من ذات الأكيراح

من يصح عنك فإنى لست بالصاحى

يعتاده كل محفوف مفارقـه

من الدهان عليه سحق أمسـاح([207])

لا يدلفون إلى مـاء بآنيـة

إلا اغترافاً من الغدران بالـراح

فكدت والله أخرج جلدى طرباً، ثم أنشد :

طرحتم من الترحال أمراً فغمنا([208])

 

وأنشد أيضاً :

لمن دمن تزداد طيب نسـيم

على طول ما أقوت وحسن رسوم([209])

تجافى البلى عنهن حتى كأنما

لبسن من الإقـواء ثــوب نعيم

ومضى فيها حتى أكملها، ثم قال لى أنشد، فقلت : وهل أبقيت للإنشاد موضعاً، قال : لابد لك، وأوعث بى ولا تنجد([210])، فأنشدته :

أصباح شيم أم برق بدا

أم سنا المحبوب أورى أزندا

هب من مرقده منكسراً

مُسبلاً للكم مرخ للردا

فلما انتهيت قال : لله أنت، وإن كان طبعك مخترعاً منك، ثم قال لى: أنشدنى من رثائك شيئاً، فأنشدته فى بنية صغيرة :

أيها المعتد فى أهل النهى      لاتذب إثر فقيد ولها

فلما انتهيت قال : أنشدنى من رثائك أشد من هذا وأفصح، فأنشدته من رثائى فى ابن ذكوان([211])، ثم قال : أنشدنى جحدريتك([212]) من السجن فأنشدته :

قريبٌ بمحتلِّ الهوانِ بعيدُ

حتى انتهيت إلى قولى :

فإن طال ذكرى بالمجون فــإننى

شقى بمنظومِ الكلام سعـيدُ

وهل كنتُ فى العشاق أول عاشقٍ

هوت بحِجاه أعينٌ وخُـدود

فمن مبلغ الفتيان أنى بعـــدهم

مقيم بـدار الظالمين طــريدُ

فبكى لها طويلاً، ثم قال : أنشدنى قطعة من مجونك، فقد بعد عهدى بمثلك، فأنشدته :

وناظرة تحت طى القــناع

 

 

دعاها إلى الله والخـير داع

سعت بابنها تبتغى مــنـزلاً

 

لوصل التبتل والانقـطاع

فجاءت تهادى كمثل الرءوم

 

تراعى غزالاً بروض البقاع

أتتنا تبتخر فى مشـــيها

 

فحلت بواد كثير الســـباع

وريعت حذاراً على طفلها

 

 

فناديت : يا هذه لا تراعـــى

فولت وللمسك من ذيلها

 

على الأرض خط كذيل
 الشجاع([213])

فلما سمع هذا البيت قام يرقص به ويردده، ثم أفاق، ثم قال : « هذا شئ لم نلهمه نحن، ثم استدنانى فدنوت منه، فقبل بين عينى، وقال : اذهب فانصرفنا عنه وانحدرنا من الجبل ».

وإذ تنتهى هذه المقابلة الرائعة الرائقة بين أبى نواس وبين زهير وأبى عامر نجد أن نفس أبى عامر لا زالت طامحة إلى لقاء شيطان أشهر شعراء العربية ونعنى به شيطان أبى الطيب المتنبى، ويمهد ابن شهيد للقائه بأوصاف عرفت عن شاعر العربية الكبير، ويحاول أن يحتشد له بكوكبة من الأوصاف عرفت عن شاعر العربية الكبير، ويحاول أن يحتشد له بكوكبة من الأوصاف ومجموعة من الشيات وهى أوصاف أقرب ما تكون إلى شخصية المتنبى نفسه احتراماً منه لشيطان أبى الطيب وإجلالا، ولكن احتشاده يجئ دون ما احتشد به لحسين الدنان شيطان أبى نواس، وليس السبب فى رأينا راجعاً إلى حكم ابن شهيد لأبى نواس بالتفوق على المتنبى، ولكن لأن ابن شهيد كان واحداً من مدرسة الأدباء المجان الذين ينتسبون لأبى نواس نسباً فنياً أكثر من انتسابهم إلى مدرسة المتنبى الجادة الوقورة التى ترفعت فى شعرها عن كثير مما تورطت فيها المدرسة النواسية فى الأدب والقارئ المطلع يستطيع فى يسر أن يلمس الفرق الشاسع بين المدرستين فى الموضوعات والاتجاهات والسلوك، رغم أن الثقل الفنى والتقييم النقدى لكل من الشاعرين من حيث أن كلا منهما شاعر فنان يكاد يكون متقارباً.

فلنعد لكى نشهد لقاء زهير وأبى عامر بحارثة بن المغلس شيطان أبى الطيب كما وصفه أبو عامر فى (توابعه وزوابعه) حيث يقول بعد أن انتهيا من لقاء شيطان أبى النواس :

« فقال لى زهير ومن تريد بعد ؟ قلت له : خاتمة القوم صاحب أبى الطيب فقال : اشدد له حيازيمك([214])، وعطر له نسيمك، وانثر عليه نجومك، وأمال عنان الأدهم إلى طريق، فجعل يركض بنا، وزهير يتأمل آثار فرس لمحناها هناك، فقلت له : ما تتبعك لهذه الآثار ؟ قال : هى آثار فرس حارثة بن المغلس صاحب أبى الطيب، وهو صاحب قنص، فلم يزل يتقراها حتى دفعنا إلى فارس على فرس بيضاء، كأنه قضيب على كثيب، وبيده قناة قد أسندها إلى عنقه، وعلى رأسه عمامة حمراء قد أرخى لها، عذبة([215]) صفراء، فحياه زهير، فأحسن الرد ناظراً من مقلة سوساء([216])، قد ملئت تيهاً وعجباً، فعرفه زهير قصدى، وألقى إليه رغبتى، فقال : بلغنى أنه يتناول، قلت : للضرورة الدافعة، وإلا فالقريحة غير صادعة([217])، والشفرة غير قاطعة، قال فأنشدنى، وأكبرته أن أستنشده، فأنشدته قصيدتى التى أولها :

أبرق بذا أم لمع أبيض فاصل

حتى انتهيت إلى قولى :

تردد فيها البرق حتى حسبته

 

يشير إلى نجم الربى بالأنامل

ربى نسجت أيدى الغمام للبسها

 

غلائل صفراً فوق بيض غلائل

سهرتُ بها أرعى النجوم وأنجماً

 

طوالع للراعين غير أوافل([218])

.........................................


 

 

.........................................

وما طاب فى هذى البرية آخر

 

إذا هو لم ينجد بطيب الأوائل

أرى حمراً فوق الصواهل جمة

 

فأبكى بعينى ذل تلك الصواهل([219])

ورُبَّت كتابٍ إذا قيل : زوروا

 

بكت من تأنيهم صدور الرسائل([220])

وناقل فقه لم ير الله قلبه

 

يظن بأن الدين حفظ المسائل

وحامل رمح راح فوق مضائه

 

به كاعباً فى الحى ذات مغازل([221])

حُبوا بالمنى دونى وغودرت دونهم

 

أرود الأمانى فى رياض الأباطل

وما هى إلا همة أشجعية

 

ونفس أبت لى من طلاب الرذائل

وفهم لو البرجيس جئت بجده

 

إذن لتلقانى بنحس المقاتل([222])

ولما طما بحر البيان بفكرتى

 

وأغرق قرن الشمس بعض جداولى

رحلت إلى خير الورى كل حرة

 

من المدح لم تخمل برعى الخمائل([223])

وكدت لفضل القول أبلغ ساكتاً

 

وإن ساء حسادى مدى كل قائل

فلما انتهيت قال : أنشدنى أشد من هذا، فأنشدته قصيدتى :

هاتيك دارهم فقف بمعانها([224])

فلما انتهيت قال زهير : إن امتد به طلق العمر([225])، فلابد أن ينفث بدرر، وما أراه إلا سيحتضر، بين قريحة كالجمر، وهمة تضع أخمصة على مفرق البدر. فقلت : هلا وضعته على صلعة النسر([226]) ؟ فاستضحك إلى وقال : اذهب فقد أجزتك بهذه النكتة، فقبلت على رأسه وانصرفنا ».

وهكذا ينتهى دور أبى عامر وصاحبه مع توابع الشعراء، ولما كان أبو عامر شاعراً كاتباً فإنه لا يترك الفرصة تفلت منه حتى ينازل شياطين الكتاب وينال إعجابهم، وأبو عامر بن شهيد يطلق على الكتاب اسم الخطباء، وقد فعل ذلك كثير من الأدباء الأقدمين قبله حين أسموا الكتاب خطباء.

المهم أن ابن شهيد وصاحبه يركضان إلى واد من أودية الجن يعرف بمرج دهمان، وهناك يلتقيان بجمهرة شياطين الكتاب متجمعة غير متفرقة وفى مقدمتهم شيطان الجاحظ وشيطان عبد الحميد وشيطان بديع الزمان وشياطين أخر لبعض الأدباء المعاصرين له الذين ناصبوه العداء وأذاقوه مرارة الجفاء مثل أبى القاسم الإفليلى وآخرين أشار إليهما بكنيتهما وهما أبو بكر وأبو محمد.

ويرق أبو عامر غاية الرقة ويبدى كثيراً من الاحترام عند حديثه مع شيطان الجاحظ، ويخشن ويسخر ويسف عند حديثه مع عبد الحميد، ويتناول معاصريه بالتجريح والتشهير، وفى شدة معمعة اللقاء يظهر زبدة الحقب شيطان بديع الزمان، وتجرى بينهما مناظرة فى مواضع سبقت لبديع الزمان فيها أصالة وإبداع حتى إن ابن شهيد يعتبر فيها عالة عليه.

فلنعد إلى أبى عامر ونقتطف بعض أوصافه لهذا الشطر من قصته : « فقال لى زهير : من تريد بعده ؟ فقلت مل بى إلى الخطباء، فقد قضيت وطراً من الشعراء. فركضنا حينا طاعنين فى مطلع الشمس، ولقينا فارساً أسر إلى زهير وانجزع([227]) عنا، فقال لى زهير جمعت لك خطباء الجن بمرج دهمان، وبيننا وبينهم فرسخان، فقد كفيت العناء عليهم على انفرادهم، قلت : لم ذاك ؟ للفرق بين كلامين اختلف فيه فتيان الجن.

وانتهينا إلى المرج فإذا بناء عظيم، قد جمع كل زعيم، فصاح زهير: السلام على فرسان الكلام، فردوا وأشاروا بالنزول، فأفرجوا حتى صرنا مركز هالة مجلسهم، والكل منهم ناظر إلى شيخ أصلع جاحظ العين اليمنى، على رأسه قلنسوة بيضاء طويلة، فقلت سراً لزهير : من ذلك ؟ قال : عتبة بن أرقم صاحب الجاحظ، وكنيته أبو عيينه. قلت : بأبى هو، ليس رغبتى سواه، وغير صاحب عبد الحميد، فقال لى : إنه ذلك الشيخ الذى إلى جنبه، وعرفه صغوى([228]) إليه وقولى فيه، فاستدنانى وأخذ فى الكلام معى، فصمت أهل المجلس، فقال : إنك لخطيب، وحائك للكلام مجيد، لولا أنك مغرم بالسجع، فكلامك نظم لا نثر. فقلت فى نفسى، قرعك، بالله، بقارعته، وجاء بمماثلته([229])، ثم قلت له : ليس هذا، أعزك الله، منى جهلا بأمر السجع، وما فى المماثلة والمقابلة من فضل، ولكنى عدمت ببلدى فرسان الكلام، ودهيت بغباوة أهل الزمان، وبالحرى([230]) أن أحركهم بالازدواج، ولو فرشت للكلام فيهم طولقاً([231]) وتحركت لهم حركة مشولم([232])، لكان أرفع لى عندهم، وأولج فى نفوسهم، فقال : أهذا على تلك المناظر، وكبر تلك المحابر، وكمال تلك الطيالس ؟ قلت : نعم، إنها لحاء([233]) الشجر وليس ثم ثمر ولا عبق، قال لى : صدقت : إنى أراك قد ماثلت معى، قلت: كما سمعت، قال : فكيف كلامهم بينهم ؟ قلت : ليس لسيبويه فيه عمل، ولا للفراهيدى([234]) إليه طريق للبيان عليه سمة، إنما هى لكنة أعجمية يؤدون بها المعانى تأدية المجوس والنبط، فصاح : إنا لله، ذهبت العرب وكلامها، أرمهم يا هذا بسجع الكهان فعسى أن ينفعك عندهم ويطير لك ذكر فيهم وما أراك مع ذلك إلا ثقيل الوطأة عليهم، كريه المجئ إليهم.

فقال الشيخ الذى إلى جانبه، وقد علمت أنه صاحب عبد الحميد، ونفسى مرتقبة إلى ما يكون منه : لا يغرنك منه أبا عيينة ما تكلف لك من المماثلة إن السجع لطبعه، وإن ما أسمعك كلفة، ولو امتد به طلق الكلام، وجرت أفراسه فى ميدان البيان، لصلى كودنه([235])، وكل برثنه، وما أراك إلا من اللكن اللذين ذكر وإلا فما للفصاحة لا تهدر، ولا للأعرابية لا تومض ؟ فقلت فى نفسى : طبع عبد الحميد ومساقه ورب الكعبة، فقلت له: لقد عجلت أبا هبيرة، وقد كان زهير عرفنى كنيته، إن قوسك لنبع([236])، وإن ماء سهمك لسم، أحماراً رميت أم إنساناً ؟ وقعقة طلبت أم بياناً ؟ وأبيك إن البيان لصعب، وإنك منه لفى عباءة تتكشف عنها استاه معانيك تكشف است العنزة عن ذنبها. الزمان دفء لاقر، والكلام عراقى لا شامى([237]) إنى لأرى من دم اليربوع بكفيك، وألمح من كشى([238]) الضب على ماضغيك، فتبسم إلى وقال : أهكذا أنت يا أطليس([239]) تركب لكل بهجه، وتعج إليه عجه([240]) فقلت : الذئب أطلس، وإن التيس ما علمت. فصاح به أبو عيينه : لا تعرض له، وبالحرى أن تخلص منه، فقلت : الحمد لله خالق الأنام، فى بطون الأنعام، فقال : إنها كافية ولو كان له حجر([241])، فبسطانى وسألانى أن أقرأ عليهما من رسائلى، فقرأت رسالتى فى صفة البرد والنار والحطب فاستحسناها([242]) ومن رسالتى فى الحلواء حيث أقول :

خرجت فى لمة([243]) من الأصحاب، وتبة([244]) من الأتراب، فيهم فقيه ذو لقم([245])، ولم أعرف به، وغريم بطن، ولم أشعر له، رأى الحلوى فاستخفه الشر، واضطرب به الوله، فدار فى ثيابه، وأسأل من لعابه، حتى وقف بالأكداس([246]) وخالط غمار الناس، ونظر إلى الفالوذج([247]) فقال : بأبى هذا اللمص([248])، انظروه كأنه الفص، مجاجة الزنابير([249])، أجريت على شوابير([250]) وخالطها لباب الحبة، فجاءت أعذب من ريق الأحبة، ورأى الخبيص([251])، فقال : بأبى هذا الغالى الرخيص، هذا جليد سماء الرحمة، تمخضت به فأبرزت منه زبد النعمة، يجرح بالحظ ويذوب من اللفظ، ثم ابيض، قالوا بماء البيض البض، قال غض من غض، ما أطيب خلوة الحبيب، لولا حضرة الرقيب.

ولمح القبيطاء([252])، فصاح : بأبى نقرة الفضة، البيضاء لا ترد عن العضة، أبنار طبخت أم بنور، فإنى أراها كقطع البلور، وبلوز عجنت أم بجوز، فإنى أراها عين عجين الموز ومشى إليها وقد عدل صاحبها أرطال نحاسه، وعلق قسطاسه من أم راسه، فقال : رطل بدرهمين، وانتهشها بالنابين، وصاح القارعة، هيه، ويل للمرء من فيه.

ورأى الزلابية فقال : ويل لأمها الزانية، أبأحشائى نسجت، أم من صفاق قلبى([253]) ألفت ؟ فإنى أجد مكانها من نفسى مكينا، وحبل هوها على كبدى متينا، فمن أين وصلت كف طابخها إلى باطنى، فاقتطعتها من دواجنى([254])، والعزيز الغفار، لأطلبنها بالثأر، ومشى إليها فتملظ له لسان الميزان، فأجفل يصيح : الثعبان الثعبان.

ورفع له تمر النشا([255])، غير مهضوم الحشا، فقال : مهيم([256])، من أين لكم حتى جنى نخلة مريم، ما أنتم إلا السحار، وما جزاؤكم إلا السيف والنار. وهم أن يأخذ منها، فأثبت (البائع) فى صدره العصا، فجلس القرفصا ، يذرى الدموع، ويبدى الخشوع، وما منا أحد إلا عن الضحك قد تجلد فرقت ضلوعى ، وعلمت أن الله فيه غير مضيعى ، وقد تجلد الصدقة على ذوى وفر، وفى كل ذى كبد رطبة أجر، فأمرت الغلام بابتياع أرطال منها تجمع أنواعها التى أنطقته، وتحتوى على ضروبها التى أضرعته([257])، وجاء بها، وسرنا إلى مكان حال طيب، كوصف المهلبى:

خان تطيب لباغى النسك خلوته       وفيه ستر على الفتاك([258]) إن فتكوا

فصبها رطبة الوقوع، كراديس كقطع الجذوع، وجعل يقطع ويبلع، ويدحو فاه ويدفع وعيناه تبصان، كأنهما جمرتان... ([259])، وأنا أقول له : على رسلك أبا فلان، البطنة تذهب الفطنة، فلما التقم جملة جماهيرها، وأتى على مآخيرها، ووصل خورنقها بسديرها([260])، تجشأ فهبت منه ريح عقيم([261])، أيقنا لها بالعذاب الأليم، فنثرنا شذر مذر، وفرقتنا شغر بغر([262])، فالتمحنا منه الظربان([263])، وصدق الخبر فيه العيان، نفح ذلك فشرد الأنعام، ونفخ هذا فبدد الأنام، فلم نجتمع بعدها والسلام.

فاستحسناها، وضحكا عليها، وقالا : إن لسجعك موضعاً من القلب، ومكاناً من النفس، وقد أعرته من طبعك، وحلاوة لفظك، وملاحة سوقيك ما أزال أفنه([264])، ورفع غينه([265]). وقد بلغنا أنك لاتجازى فى أبناء جنسك، ولا يمل من الطعن عليك، والاعتراض لك، فمن أشهدهم عليك ؟ قلت : جاران دارهما صقب، وثالث نابته نوب، فامتطى ظهر النوى، وألقت به فى سرقسطة العصا، فقالا : إلى أبى محمد تشير، وأبى القاسم وأبى بكر؟ قلت : أجل. قالا : فأين بلغت فيهم ؟ قلت : أما أبو محمد فانتضى علىَّ لسانه عند المستعين([266])، وساعدته زرافة([267]) من الناس استهواها من الحاسدين، وبلغنى ذلك فأنشدت شعراً منه :

وبلغت أقوامـاً تجيش صدورهم على، وإنى منـــهم فارغ الصدر

أصاخوا إلى قولى فأسمعت معجزاً      وغاصوا على سرى فأعياهم أمرى..

وأما أبو بكر فأقصر، واقتصر على قوله : له تابعة تؤيده. وأما أبو القاسم الإفليلى، فمكانه من نفسى مكين، وحبه بفؤادى دخيل، على أنه حامل على ومنتسب إلى.

فصاحا : يا أنف الناقة بن معمر، من سكان خيبر، فقام إليهما جنى أسمط ربعة وارم الأنف، يتظالع([268]) فى مشيته، كاسرا لطرفة، زاويا لأنفه، وهو ينشد.

قوم هم الأنف والأذناب غيرهم         ومن يسوى بأنف الناقة الذنبا

فقالا لى : هذا صاحب أبى القاسم : ما قولك فيه يا أنف الناقة ؟ قال : فتى لم أعرف على من قرأ. فقلت لنفسى : العصا من العصية، إن لم تعربى عن ذاتك وتظهرى بعض أدواتك، وأنت بين فرسان الكلام، ولم يطر لك بعدها طائر، وكنت غرضا لكل حجر عابر ».

وتجرى مناظرة حادة ساخرة بين أبى عامر وبين أنف الناقة شيطان الإفليلى يصب فيها أبو عامر جام غضبه ومنتهى زرايته على شيطان خصمه فيقول : « وأخذت للكلام أهبته، ولبست للبيان بزته، فقلت : وأنا أيضاً أعرف على من قرأت ؟ قال : ألمثلى يقال هذا ؟ فقلت : فكان ماذا؟

 قال : فطارحنى كتاب الخليل. قلت : هو عندى فى زنبيل. قال : فناظرنى على كتاب سيبويه قلت : خريت الهرة عندى عليه، وعلى شرح ابن درستويه. قال لى : دع عنك، أنا أبو البيان، قلت : لاه([269]) الله، إنما أنت كمغن وسط، لا يحسن فيطرب، ولا يسئ فيلهى([270]).. ».

وينال أبو عامر من أنف الناقة نيلاً شديداً ويفاخره ببلاغته وأسلوبه وفكاهته ويتمثل برسالته فى وصف البرغوث، كما يزهو عليه برسالته القصيرة فى وصف ثعلب.

على أن أبا عامر حريص الحرص كله على مقابلة شيطان بديع الزمان ومنازلته رغم أن أبا عامر نفسه غرس أدبى من حصاد أدب بديع الزمان كما سوف نبين عند انتهائنا من تقديم القصة. يقول ابن شهيد عن مقابلته لزبدة الحقب شيطان الهمذانى :

« وكان فيما يقابلنى من ناديهم فتى قد رمانى بطرفه، واتكأ لى على كفه فقال : تحيل على الكلام لطيف وأبيك !! فقلت : وكيف ذلك ؟ قال : أو ما علمت أن الواصف إذا وصف شيئاً لم يتقدم إلى صفته، ولا سلط الكلام على نعته، اكتفى بقليل الإحسان، واجتزى بيسير البيان، لأنه لم يتقدم وصف يقرن بوصفه، ولا جرى مساق يضاف إلى مسافة، وهذه نكتة بغدادية أنى لك بها يا فتى المغرب ؟

فقلت لزهير : من هذا ؟ قال : زبدة الحقب صاحب بديع الزمان. فقلت : يا زبدة الحقب، اقترح لى، قال : صف جارية، فوصفتها، قال : أحسنت ما شئت أن تحسن، قلت اسمعنى وصفك للماء، قال : ذلك من العقم([271])، قلت بحياتى هاته، قال : أزرق كعين السنور، صاف كقضيب البلور انتخب من الفرات ، واستعمل بعد البيات، فجاء كلسان الشمعة، فى صفاء الدمعة.

فقلت : انظره، يا سيدى، كأنه عصير صباح، أو ذوب قمر لياح([272]) ينصب من إنائه، انصباب الكوكب من سمائه، العين([273]) حانوته، والفم عفريته، كأنه خيط من غزل فلق، أو مخصر([274]) يضرب به من ورق، يرفع عنك فتردى([275])، ويصدع به قلبك فتحيا.

فلما انتهيت فى الصفة، ضرب زبدة الحقب الأرض برجله، فانفرجت له عن مثل برهوت([276])، وتدهدى([277]) إليها، واجتمعت عليه، وغابت عينه، وانقطع أثره، فاستضحك الأستاذان من فعله، واشتد غيظ أنف الناقة على».

وكأن ابن شهيد لا يريد أن ينهى مقارعته أو قل مبارزته لشياطين كبار الأدباء عند هذا الحد، إن فى نفسه الكثير من الإفليلى، وهو يريد أن يثأر لنفسه من شيطانه أنف الناقة، ولكنه فى نفس الوقت يكن له مودة كانت قد سلفت، وعلما لم ينكره عليه، وهو لذلك يبتدع شخصية جنى اسمه أبو الآداب، وأبو الآداب هو تابع جار لأبى عامر اسمه أبو إسحاق بن حمام، ومن ثم فإن أبا عامر يصطنع نوعا من الإنصاف حين يجرى بعض الأوصاف الطيبة لأنف الناقة على لسان أبى الآداب حين يقول :
«
فإنه على علاته زير علم ، وزنبيل فهم ، وكنف رواية » ويمضى أبو عامر فى اصطناع العتاب فيقول مجيباً أبا الآداب : « وهل كان يضر أنف الناقة وينقص من علمه، أو يفل شفرة فهمه أن يصبر لى على زلة تمر به فى شعر أو خطبة، فلا يهتف بها بين تلاميذه، ويجعلها طرمذة([278]) من طراميذه ».

وينهى أبو عامر هذا المشهد من قصته بأن يزجى المديح لنفسه على لسان شيطانى الجاحظ وعبد الحميد اللذين يقولان له : « إنا لنخبط منك فى بيداء حيرة، وتُفتق أسماعنا منك بعبرة، وما ندرى أنقول : شاعر أم خطيب، فقلت : الإنصاف أولى، والصدع بالحق أحجى، ولابد من قضاء فقالا : اذهب فإنك شاعر خطيب ».

ويمضى بنا ابن شهيد إلى مشهد آخر من مشاهد قصته الممتعة، ولكنه هنا يصطنع مجلساً للأدب والنقد حضوره من نقاد الجن، يناقشون أبياتاً فى وصف الطير من شعر الأفوه الأودى والنابغة وأبى نواس وصريع الغوانى وأبى تمام والمتنبى، ولكل من هؤلاء الشعراء سهم وافر فى وصف الطيور الجارحة، فيقول ناقد من الجن اسمه شمردل السحابى إن أكثرهم إحساناً المتنبى حيث يقول :

له عسكرا خيل وطير إذا رمى          بها عسكرا لم تبق إلا جماجمه

ويأخذ الكلمة شاعر جنى اسمه فاتك بن الصقعب، وينشد أبياتاً يدعى أنها أبلغ من قول جميع الشعراء، ثم يتبين المجلس أن هذه الأبيات إنما هى من صنع الشاعر نفسه وليست من قبيل الاستشهاد بشعر الغير، فيهتز المجلس به طرباً وإعجاباً، يقول فيها :

وتدرى سباع الطير أن كماته            إذا لقيت صيد الكماة سباع

لهن لعاب فى الهواء وهــزة             إذا جد بين الدارعين قـراع

تطير جياعا فوقــه وتردها                ظباه إلى الأوكار وهى شباع

تملك بالإحسان ربقـة رقـها             فهن رقيق يشترى ويبــاع

ويسهم ابن شهيد نفسه فى المناقشة ليظهر قدرته على النقد، وملكته فى الجدل، وتمييز ردئ المعنى من جيده، وضعيف القول من حسنه، ويصطنع مبادئ نقدية يجريها على لسان شيخ يعلم ابنه صناعة الشعر فيقول له : « إذا اعتمدت معنى قد سبقك إليك غيرك فأحسن تركيبه وأرق حاشيته، فاضرب عنه جملة، وإن لم يكن بد ففى غير العروض التى تقدم إليها ذلك المحسن، لتنشط طبيعتك، وتقوى منتك([279]) ».

ويمضى أبو عامر على سنته فيجعل ابن الصقعب يستنشده بعض شعره ويبدى إعجابه به، ويقع بالمصادفة إنشاده فى سمع جنى كان على مقربة منهما، كأنه – على حد تعبير أبى عامر – هضبة لركانته وتقبضه، يرميه بسهمين نافذين، وأبو عامر يلوذ بطرفه عنه، ويستعيذ بالله منه لأنه ملأ عينه ونفسه ويسأل هذا الجنى أبا عامر أن ينشده شيئاً من شعره، فيستجيب له أبو عامر وينشده قدراً كبيراً فى فنون مختلفة لا يتسع المقام هنا لذكرها وكلها من جيد الشعر ومنتقاه.

وينهى أبو عامر هذا المشهد بأن يجعل ذلك الجنى يسأله عن اشعار بعينها فيجيبه أبو عامر إنها تارة لأبيه وتارة أخرى لأخيه، وثالثة لعمه، وأخرى لجده أو جد أبيه. كل ذلك لكى يثبت أبو عامر أنه شاعر كبير ورث الشعر كابرا عن كابر. على أن الجنى هنا لا يجيز أبا عامر وحسب، بل يقول : « والذى نفس فرعون بيده لاعرضت لك أمراً، إنى أراك عريقاً فى الكلام. ثم قل واضمحل حتى إن الخنفساء لتدوسه فلا يشغل رجليها ».

ويسأل ابن شهيد صاحبه زهير عن اسم هذا الجنى، فيقول : استعذ بالله، هذا فرعون بن الجون.

وأما المشهد الأخير فى التوابع والزوابع، فإنه تحفة أدبية فكهة، اعتمد فيها ابن شهيد على قريحته أكثر من اعتماده على قريحة كبار الشعراء والخطباء على ما مر بنا فى المشاهد التى سلفت. وهو فى هذا المشهد يمتع ويطرف، ويسخر ويفكه، ويصف ويجادل، ويمر ويحلو، فهو هذه المرة يترك عالم الإنسان من الجن إلى عالم جن الحيوان، ولكنه حيوان أديب شاعر عاشق. وتطلب إليه عانة من الجن أن يحكم بين حمار وبغل عاشقين شاعرين فيستقبح زهير شعر الحمار ويجدها فرصة سانحة فيعود للتعريض بأنف الناقة، ثم تجرى مناقشة طريفة بينه وبين بغلة يتضح فيما بعد أنها بغلة صديقه أبى عيسى، ويتخذ حوراهما طابع المودة وأسلوب السخرية، ويتطارحان الذكريات، وتسأله بغلة عيسى عن أصدقائها من بغال الدنيا فيجيبها فى سخرية لاذعة أن من إخوانها من بلغ الإمارة، وأن منهم من انتهى إلى الوزارة، فلنستمع إلى ابن شهيد يقص علينا هذا الجانب الطريف من هذا المشهد قبل أن ينتقل إلى غيره !

« ومشيت يوماً أنا وزهير بأرض الجن أيضاً، نتقرى الفوائد، ونعتمد أندية أهل الآداب منهم، إذ أشرفنا على قرارة غناء([280])، تفتر عن بركة ماء وفيها عانة([281]) من حمر الجن وبغالهم، قد أصابها أولق([282])، فهى تصطك بالحوافر، وتنفخ من المفاخر، وقد اشتد ضراطها، وعلا شحيجها([283]) ونهاقها. فلما بصرت بنا، أجفلت إلينا، وهى تقول : جاءكم على رجليه، فارتعت لذلك، فتبسم زهير وقد عرف القصد، وقال لى : تهيأ للحكم، فلما لحقت بنا، بدأتنى بالتفدية([284])، وحيتنى بالتكنية([285]). فقلت : ما الخطب ؟ حمى حماك أيتها العانة، وأخصب مرعاك. قالت : شعران لحمار وبغل من عشاقنا اختلفنا فيهما، وقد رضيناك. قلت : حتى اسمع. فتقدمت إلى بغلة شهباء عليها جلها وبرقعها، لم تدخل فيما دخلت فيه العانة من سوء العجلة، وسخف الحركة، فقالت أحد الشعرين لبغل من بغالنا، وهو :

على كل صب من هواه دليل           سقام على حر الجوى ونحـول

وما زال هذا الحب داء مبرحا          إذا ما اعترى بغلا فليس يـزول

بنفسى التى أما ملاحظ طرفها          فسحر وأما خدها فأســـيل

تعبت بما حملت من ثقل حبها                وإنى لبغل للقتال حـــمول