د/ عبير عبد الصادق محمد بدوي

أستاذ الأدب المشارك بكلية تربية الزلفي

أحمد شوقي

س: تحدثِ عن البيئة التي عاش بها أمير الشعراء.

س: متى اختلط أحمد شوقي بأبناء الشعب؟

هو أمير الشعراء وزعيم المجددين في الشعر العربي الحديث، ولد بالقاهرة، وعاش فيها، ويرجع في نسبه إلى أصول عديدة، تحدث بها عن نفسه فقال: أنا إذن عربي، تركي ، يوناني، جركسي، وقد كفلته جدته لأمه، ونشأ معها في ترف ونعيم في قصر الخديوي، حيث كانت من وصائف القصر، فنشأ شوقي في بيئة أرستقراطية مترفة، وأخذ يختلف منذ سنته الرابعة إلى الكُتّاب، ثم انتقل إلى المدارس الابتدائية ، والثانوية فكان ذلك فرصة له ليختلط بأبناء الشعب وحياتهم الديمقراطية ولكنه سرعان ما كان يعود إلى بيئته وما بها من نعيم الحياة.

والتحق بمدرسة الحقوق، وأنشئ بها قسم للترجمة فالتحق به وتخرج في قسم الترجمة سنة 1887م، فعينه توفيق بالقصر ثم أرسله في بعثة إلى فرنسا ليدرس الحقوق، فانتظم في مدرسة بمبونبلييه لمدة عامين، ثم انتقل إلى باريس، وظل بها عامين آخرين، حصل فيهما على إجازته النهائية.

وهيئت له فرص مختلفة ليذرع فرنسا طولاً وعرضاً وليزور لندن وبلاد الإنجليز، وكان طوال إقامته في باريس يشاهد مسارحها ويتصل بحياتها الأدبية، وأقبل على قراءة فيكتور هيجو ودي موسيه، ولافونتين، ولامرتين، وترجم للأخير قصيدة "البحيرة "شعراً.

وعاد شوقي إلى مصر، فعمل رئيساً للقسم الإفرنجي بالقصر، وسرعان ما أصبح شاعر عباس، وكان أهم ما يعجب عباساً فيه مدائحه له في أعياد حكمه لمصر وفي كل مناسبة تمر به، وأخذ شوقي يدور معه في كل أهوائه السياسية، فتارة يمدح له الخليفة العثماني، وتارة يلوم الإنجليز ويندد بهم، ولم يكن شوقي حينئذ يختلط بالشعب، لذلك تفوق عليه حافظ في ميدان الوطنية وما يتصل بها من عواطف الجمهور السياسية، إذ كان ابن الشعب، وكان يحس آلامه في عمق وقوة.

س: في أي فترة من الفترات تفوق حافظ على شوقي ؟وفي أي مجال؟

ومن المحقق أن شوقي لم تكفل له حريته في هذه الحقبة، إذ كان مشدوداً بحكم وظيفته إلى القصر وصاحبه.

س: ما سبب نفي أحمد شوقي إلى أسبانيا ؟

وأعلنت الحرب العالمية الأولى وكان عباس غائباً بتركيا، فمنعه الإنجليز من دخول مصر، وأقاموا عليها السلطان حسين كامل، وأخذوا يبعدون عن القصر من يستشعرون الولاء لعباس، ولم يسكت شوقي بل نظم قصيدة تحدث فيها عن الحماية التي أعلنتها إنجلترا على مصر وقال فيها:

«إن الرواية لم تتم فصولاً» فنفاه الإنجليز إلى أسبانيا، وظل بها طوال الحرب هو وأسرته، وهناك أخذ ينظم قصائده في أمجاد العرب ودولتهم الزاهرة التي اندثرت في الأندلس، ويضمنها حنيناً شديداً إلى وطنه.

س:متى بدأ شوقى في نظم القصائد في أمجاد العرب؟

ورجع إلى مصر، فوجد أرضها تخضبها دماء شبابنا في ثورتنا الوطنية الأولى، ولم تلبث حريتنا أن ردت إلينا، كما ردت حرية شوقي إليه.

ومن هنا تبدأ الدورة الثانية في حياته الأدبية فإنه لم يعد يفكر في القصر ولا في وظيفته فيه، فقد أصبح حراً طليقاً، وهيأ له ثراؤه أن ينعم إلى أقصى حد بهذه الحرية، فخلص لفنه ولشعبه وأخذ يغنيه أغاني وطنية رائعة.

ولم يغن مواطنيه وحدهم أهواءهم وعواطفهم السياسية، بل أخذ يغني الشعوب العربية أهواءها وعواطفها القومية، وله في ثورات سوريا على الفرنسيين قصائد باهرة، ولا نبالغ إذا قلنا إنه كان بشيراً بفكرة الجامعة العربية التي تأسست من بعده، فشعره في هذه الدورة من حياته يفيض بالوحدة العربية وأن العرب جسم واحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى.

س: صفِ شعر شوقي في هذه الفترة الثانية من حياته .

ومن أبياته الدائرة في نوادي العرب ومجالسهم قوله:

ونحن في الشرق والفصحى بنو رحم

ونحن في الجرح والآلام إخوان

وقوله:

كلما أنّ بالعراق جريحٌ

لَمس الشـرقُ جَنْبه في عمُانه

وبمثل هذا الشعر الذي نظمه في الحرب وبما نظمه من سياسيات ووطنيات في قومه احتل شوقي مكانة مرموقة ،وفي سنة 1927م أقيم له حفل تكريم عظيم اشتركت فيه الحكومة المصرية والبلاد العربية، إذ قدمت منها وفود مختلفة تمجد شاعر مصر وتشيد بعبقريته ونبوغه، وقد وضع الشعراء في هذا الحفل على مفرقة تاج إمارة الشعر لا في مصر وحدها بل في سائر الأقطار العربية، وأعلن حافظ هذا التتويج أو هذه البيعة قائلاً:

أمير القوافي قد أتيت مبايعاً

وهذي وفود الشرق قد بايعت معي

ولم تسترح نفس شوقي عند هذا الظفر العظيم، بل طمحت إلى أن تحقق أملاً منشوداً كان يرواد  دعاة  التجديد عندنا من أوائل القرن الحاضر  وهو إدخال  الشعر  التمثيلي إلى دوائر شعرنا العربي، فنظم مسرحياته: «مصرع كليوباترة»، و«مجنون ليلى»، و«قمبيز»و «عنترة» و«الست هدى» و«البخيلة» و«علي بك الكبير».

س: أدخل شوقي الشعر ..................مثل مسرحيات ..............

ورأى أن يصوغ بعض الأزجال للغناء، فنظم منها طائفة بديعة من مثل زجله:

النيل نجاشي

 

حليوه أسمر

عجب للونه

 

دهب ومرمر

غير أن قيثارة الشعر العربي لم تلبث أن سقطت من يده في أكتوبر سنة 1932م، فلبى داعي ربه، مخلفاً لمصر والبلاد العربية تراثه الشعري الخالد، وتسارع الشعراء إلى رثائه، والكتاب ورجال الصحافة إلى الإشادة بفضله والاعتراف بعبقريته([1]).

س: تحدثِ عن عوامل شاعرية شوقي.

عوامل شاعريته:

تتشابك في تكوين شاعرية شوقي وشخصيته الأدبية عناصر كثيرة أهمها:

1. جنسه: إذ تعددت أجناسه فهو عربي ،كردي ، تركي ، شركسي يوناني فقد التأمت فيه خمسة عناصر، ومن اجتمعت فيه هذه الأجناس اجتمع له في شعره من خصائصها ما يتميز به عن غيره. وخاصة أنه يجمع بين الجنسين العربي واليوناني اللذين يشتهران من قديم بالشعر والشاعرية.

2. قوة عارضته، وشدة ذكائه واتقاد ذهنه، فقد  كان ينظم شعره وهو في الطريق، أو زحام الناس، وفي قلب الصخب والضجيج.

3. ثقافته: فقد حذق الفرنسية والعربية، وتلقن  التركية في بيته ولكن أثرها لم يكن واسعاً في فنه سوى بعض أبيات ترجمها منها وأثبتها في ديوانه، أما تيار العربية والفرنسية فيجريان واضحين في شعره.

وكان أكبر نبع ينتقي منه كتاب «الوسيلة الأدبية» للشيخ حسين المرصفي.

4. قراءاته الكثيرة لدواوين الشعراء مثل أبي نواس ،والبحتري، وأبي تمام ، والمتنبي ، والشريف الرضي ، وأبي فراس وأمثالهم.

وهو بهذا يسلك نفس الدروب التي سلكها البارودي من قبله، أسلوب يقوم على الاحتذاء للقوالب العباسية، ولا يجد صاحبه حرجاً في أن يعارض أصحابها، بل يعلن ذلك إعلاناً كما كان يعلنه سلفه، فتلك أمارة الإجادة الفنية، وهي إجادة تقوم على بعث الصياغة القديمة وإحيائها.

5. كان لنفيه إلى بلاد الأندلس وإبعاده عن وطنه أثر كبير في قوة شاعريته وفي تجديده في معاني الشعر وأخيلته وصوره وأغراضه وفنونه ومنهجه يقول شوقي:

أحرام على بلابله الدو

ح حلال للطير من كل جنس

وطني لو شغلت بالخلد عنه

نازعتني إليه في الخلد نفسـي

6. الفترة الزمنية التي عاشها كانت ثرية بالرقي الفكري والعلمي والثقافي فقد كثرت التراجم عن الغرب.

7. الأحداث الكبرى التي أحاطت به في حياته مثل سيطرة الاستعمار على العالم العربي، وحادثة دنشواي، ونفى سعد زغلول، والثورة العرابية، والأحزاب الكثيرة المتضاربة.

خصائص شعره:

س: كون شوقي لنفسه أسلوبا، اشرحي العبارة .

أسلوبه ومعانيه: استطاع شوقي أن يكوّن لنفسه أسلوباً أصيلاً، أسلوباً لا يتحرر من القديم ولكن في الوقت نفسه يعبر عن الشاعر وعصره وكل ما يريد من معانٍ وأفكار، وهو أسلوب يقوم على الجزالة والرصانة ، والمتانة ، والقوة، وهو في ذلك يقترب من ذوق البارودي، ولكنه دون البارودي في اختيار اللفظ وإحكام الصياغة وجودة السبك وبخاصة قبل نفيه إلى الأندلس؛ لأن البارودي في وصفه وتراكيبه كان يصدر عن مجاراة قدماء العصر العباسي، فجاء لفظه جزلاً قوياً وأسلوبه محكماً، وكان شوقي يصدر في شعره عن طبع لا عن معارضة لغيره، وعن سجية لا عن قصد في إحياء التراث الشعري.

س: اعقدِ مقارنة بين أسلوب كلامن البارودي وشوقي .

س: كان اهتمام البارودي.........

وكان اهتمام شوقي................

ولذلك ظهرت في أول حياته عنايته بالمعنى دون اللفظ، فأعطاه من نفسه ما لا يعطيه للتركيب، وأحس بأن البارودي قفز في شعره إلى القمة في الأسلوب التي يأملها الشعراء في الشعر العربي فأغناهم عن الاهتمام باللفظ، وبحث شوقي عن جديد آخر فوجده في المعنى واهتم به أكثر من اهتمامه باللفظ، ولكنه استطاع في الشعر العربي فأغناهم عن الاهتمام باللفظ، وبحث شوقي عن جديد آخر فوجده في المعنى واهتم به أكثر من اهتمامه باللفظ، ولكنه استطاع أن يذلل الأسلوب للمعنى ويهيئ الموسيقى للفكرة، مما جعل شعره أطوع للغناء من شعر صاحبيه البارودي وحافظ، فنراه يعتصر من الألفاظ والأساليب خير ما فيها من ألحان، تسعفه في ذلك فطرة موسيقية رائعة تقيس قياساً دقيقاً ذبذبات الحروف والحركات وتآلف النغم في الألفاظ والكلمات.

ولما أحس شوقي بأنه أوفى على المعنى حقه، انصرف إلى تجويد اللفظ، كما ابتكر المعنى واعتنى بالأسلوب، وجدد في الفكرة فعكف على دواوين الشعراء يغترف من نبعهم وينطق بلسانهم كما صنع البارودي وبخاصة وهو في المنفى فقرأ الكثير من عيون الشعر العربي، حتى استقام له اللفظ، وذل له الأسلوب، فكانت عبارته جزلة، وصياغته فخمة، وأسلوبه محكماً، وتراكيبه قوية رضينة.

أغراضه الشعرية:

نظم أمير الشعراء في كل الأغراض الشعرية القديمة ماعدا...............لأنه .......................................................

و..............لأنه .........................................................

نظم أمير الشعراء في كل الأغراض الشعرية القديمة من مدح وفخر ورثاء، ووصف وغزل، وشكوى وعتاب، وغير ذلك من الشعر السياسي والاجتماعي والتاريخي والوطني ورثاء الحضارات، ووصف الآثار، ما عدا الهجاء لأنه كان عف فيه اللسان لا يجرؤ على الهجاء والاقذاع وكان أيضاً في نسيبه لا يعبر فيه عن عاطفة صادقة بل يغلب عليه الوصف، ويجاري فيه الشعراء مثل معارضته للحصري في قوله:

مضناك جفاه مرقده

وبكاه ورحم عوده

أما الأغراض الجديدة في شعره فهي:

س:اكتبِ في غرض من أغراض الشعر الجديدة عند شوقي.

الشعر التاريخي: الذي كان يتميز بعمق العاطفة الدينية، وحرارة العاطفة الوطنية، ولم يعتمد على سرد الأحداث كالتاريخ ولكنه كان يختار من التاريخ ما فيه عظمة لقومه، وتذكير بأمجادهم الماضية، وتفوقهم الحضاري، وملحمته الإسلامية نهج البردة، والهزيمة وغيرها تعبر عن هذا يقول:

أتيت والناس فوضى لا تمر بهم

 

إلا على صنم قد هام في صنم

والأرض مملؤة جوراً مسخرة

 

بكل طاغية في الخلق محتكم

الشعر الوطني: يتجلى حب شوقي لمصر وحنينه إليها في الشعر الذي نظمه في منفاه، وقد ذابت نفسه فيه شوقاً، وذاب قلبه حنيناً، ومنه نونية عارض بها نونية ابن زيدون ومطلعها:

يا نائح الطلح أشباه عوادينا

نشجي لواديك أم نأسى لوادينا

والثانية سينية عارض فيها سينية البحتري ومطلعها:

اختلاف النهار والليل ينسـي

فاذكرا لي الصبا وأيام أنسـي

انفجر الشاعر في هاتين القصيدتين يتغنى بمحاسن مصر وحضارتها وتاريخها، ومصر في كل عبارة وفي كل بيت روح تحن إليها الروح، ووطن يمتد إليه القلب المجروح:

وطني لو شغلت بالخلد عنه

نازعتني إليه في الخلد نفسـي

شهد الله لم يغب عن جفوني

شخصه ساعة ولم يخل حسـي

وقد تغنى بعد عودته من منفاه عواطف الأوطان العربية المختلفة وشاركها في ثوراتها مشاركة قلبية حارة، أن فيها وناح مقابلاً بين حاضر العرب وماضيهم، وحقاً ما يقوله:

الشعر السياسي: عاش شوقي مع الأحداث السياسية، فصورها بحرارة صادقة ونظم بديع، فهو ينادي بوحدة المسلمين في ظل الخلافة العثمانية يقول مخاطباً الخليفة:

أيا القمرين عرشك في قلوب

نجاوز في الولاء المستطاعا

ويصور حادثة دنشواي فيقول في مطلع القصيدة:

يا دنشواي على رباك سلام

ذهبت بأنس ربوعك الأيام

ومن خير ما قاله قصيدته التي نظمها في سنة 1924م يدعو فيها الأحزاب إلى الاتحاد والائتلاف، ومطلعها:

إلام الخُلف بينكم إلا ما؟

 

وهذه الضجة الكبرى علاما؟

وفيم يكيد بعضكم لبعض

 

وتبدون العداوة والخصاما؟

شببتم بينك في القطر ناراً

 

على محتله كانت سلاما

وكانت مصـر أول من أصبتم

 

فلم تحص الجراح ولا الكلاما

ولم يكتف شوقي بوطنه، فقد ذهب يتغنى بأمجاد العرب وقصيدته عبدالرحمن الداخل «صقر قريش» تدل على ذلك، وله ديوان شعر سماه «دول العرب وعظماء الإسلام» وقد قصره كما يتضح من عنوانه على تاريخ العرب في عصورهم الزاهية.

ويُعد هذا الديوان ملحمة طويلة كان لشوقي بها فخر الكتابة في الشعر الملحمي وفي هذا الديوان الإسلامي يعظم شوقي من شأن اللغة العربية ويدعو الشباب العربي إلى الاعتزاز بها، وبكتاب العربية الخالد، وبتراث الإسلام وثقافته، فيقول:

لسانك الأول في الكتاب

 

ولغة الصبوة والعتاب

فخض عباب فقهه وسره

 

وغص على صحيحه وحره

لا ترض منه مبلغ الرعاع

 

وحصة الأعمى من الشعاع

واقرأ علوم السلف الأعلام

 

فإنها معالم الكلام

رب قديم كشعاع الشمس

 

أين غد واليوم من أمس

وخل ما زيفت الليالي

 

وما نفت مصارف الأجيال

ولا تضع فضل الجديد كله

 

يفتك وضع الشـيء في محله

رب جديد عنده المعول

 

ورب كنز لم يثره الأول

إن طريق العقل لا يسد

 

ومذهب الأفكار لا يحد

وما أجل ما رسم شوقي هنا من منهج قوي يحافظ على العربية، وإن كان لا يتنكر للتجديد المقبول يقره أئمتها سواء في مفرداتها أو قواعدها.

س: اكتبِ مذكرات أدبية عن دول العرب وعظماء الإسلام.

الشعر الاجتماعي: كتب شوقي في كل القضايا الاجتماعية المطروحة على الساحة في هذا الوقت فتغنى بمطامح الشعب الاجتماعية في التعليم، وفي وجوه الإصلاح الاجتماعي، وفي إنشاء الجامعة، وبنك مصر، وقضية المرأة، والسفور والحجاب، والعمال ودورهم في النهضة يقول في قصيدته «العمال»:

أيها العمال أفنو الـ

 

ـعمر كداً واكتسابا

أين أنتم من جدود

 

خَلَّدوا هذا الترابا

قلدوه الأثر المُعـ

 

ـجز والفنَّ العُجابا

ويقول في إحساسه بالظلم الاجتماعي في الطبقات الكادحة يحث الأغنياء على التبرع:

جبريل هلل في السماء وكبر

 

واكتب ثواب المحسنين وسطر

سل للفقير على تكرمه الغنى

 

واطلب مزيداً في الرخاء لموسر

ونادى بالتعليم ونشره وتقديره العلم والعلماء يقول:

قم للمعلم وفه التبجيلا

 

كاد المعلم أن يكون رسولا

الشعر المسرحي والتمثيلي: ويعد رائد هذا الفن فهو الذي هذبه وصقله وعمقه حتى صار ينسب إليه، وتتلمذ عليه من نظم بعده فيه مثل عزيز أباظة، وعلي أحمد باكثير، وصلاح عبد الصبور، ومن مسرحياته الشعرية : «مصر كليوباترة»، و«قمبيز» و «علي بك الكبير» و«مجنون ليلى» و«عنترة» و«أميرة الأندلس» و«الست هدى» و«البخيلة» وله روايات أخرى نثرية منها: لادياس، وورقة الآس، ومذكرات بنتاؤر، وأميرة الأندلس.

ومن الممكن أن نقسم شعره إلى قسمين واضحين: قسم قبل منفاه وقسم بعده، وهو في القسم الأول يعيش في القصر ويسوق شعره في قيود هذه المعيشة، فهو شاعر الخديوي عباس الثاني، وشعره يكاد يكون مقصوراً على ما يتصل به من قريب أو بعيد، فهو يمدحه في جميع المناسبات، وهو يشيد بالترك والخلافة العثمانية، وهو في ذلك يسير سيرة الشعراء القدماء، وإن كان يتأثر بالثقافة الأوربية، وقد حدث في هذه الحقبة من حياته تطور في فنه، فهو يُعْنى أحياناً بالأوزان القصيرة، وبوصف الرقص والخمر على نحو ما قال:

حف كأسها الحبَبُ

 

فهي فضةٌ ذهبُ

وحدث تطور آخر أعمق من هذا التطور إذ تأثر بشعراء الغرب في شعرهم التاريخي وما كانوا يقولونه في أطلال اليونان والرومان فنظم قصيدته «كبار الحوادث في وادي النيل» ونظم قصيدته المشهورة «النيل»:

من أيّ عهد في القرى تتدفَّقُ

وبأي كف في المدائن تُغدقُ

وشوقي في كل ذلك لم يكن يعنى بالجمهور عناية دقيقة، فهو شاعر القصر، وهو بعيد عن الجمهور بحكم أسرته الارستقراطية وبحكم وظيفته الرسمية، وطبع شوقي ديوانه للجمهور طبعته الأولى سنة 1898م، وكان ينشر شعره في الصحف.

ومن هنا حدث تطور في مدائحه، إذ كان يراعي فيها مناسبة تهم الجمهور، كأن يفتتح عباس مدرسة أو يأخذ بنظام الشورى في حكمه أو يغاضب الإنجليز في سياسته، وكان يمد آفاق شعره إلى حدود أبعد من ذلك خارج وطنه، إذ كان يعتصر في بعض قصائده اللحن الإسلامي الذي يهم المسلمين في جميع الأقطار على نحو القصيدة التي مدح بها عباساً حين حج إلى بيت الله، ولعل ذلك ما جعله يصوغ قصائده في مديح الرسول ×، وأشاد مراراً بعيسى عليه السلام، وله وقفات نبيلة يدعو فيها المصريين إلى توحيد صفوفهم من أقباط ومسلمين.

وينفى إلى إسبانيا، فينظم قصائد يقارن فيها بين فردوسه المفقود وفردوس العرب الضائع في الأندلس.

ويعود من المنفى بعد الحرب، فيجد الشعب في ثورته السياسية ويجد أبواب القصر مغلقة من دونه فيتجه إلى الجمهور، ويصور عواطفه وأهواءه السياسية تصويراً قوياً باهراً يتفوق فيه على حافظ.

على كل حال أهم ما يميز شعر شوقي في هذه المرحلة الثانية من حياته أنه تحول من القصر إلى الشعب، فصوره في آماله الوطنية وحركاته السياسية.

وهكذا كان شوقي من أظهر أعلام مدرسة البارودي، فالبارودي بعث الشعر القديم من رقدته وإن لم يجدد فيه كل التجديد، أما شوقي فالتجديد قد بدأ واضحاً في شعره. ذلك لأنه استطاع أن يتحلل من قيود الشعر الجاهلي ومن تقاليده العتيقة، فهو لا يبدأ القصيدة بالغزل كما بدأ القدماء وفعل البارودي، وهو لا يجعل الفخر منتهى همه ومبلغ مزاجه الأدبي كما فعل أسلافه، بل يضرب المثل بإجادته في ألوان الشعر جميعاً، وهو في ذلك فضلاً عن تحرره مبتدع، أمين على أساليب الشعر.

نماذج من شعر شوقي:

يقول في قصيدته «نهج البردة»([2]):

ريمٌ على القاع بين البان والعلم

 

أحل سفك دمي في الأشهر الحُرُم([3])

رَمى القضاءُ بعَيني جُؤذَرٍ أسداً

 

يا ساكن القاع أدرِك ساكِنَ الأجَم([4])

لَمّا رَنا حدثتني النفَسُ قائلة

 

يا ويَحَ جَنبِكَ بالسَهمِ المُصيب رُمي([5])

جَحَدتُها وَكَتَمتُ السَهمَ في كبدي

 

جُرحُ الأحِبَّة عندي غيرُ ذي ألَم

 

 

 

رُزِقتَ أَسمَحَ ما في الناس مِن خُلقٍ

 

إذا رُزِقتَ الِتماسَ العُذرِ في الشيم([6])

يا لائمي في هواةُ وَالهَوى قَدَرٌ

 

لو شَفكَ الوَجدُ لم تَعذل وَلم تلُم([7])

لَقَد أنلتكَ أذنا غيرَ واعية

 

وَرُبَّ مُنتصتٍ والقلبُ في صَمم

يا ناعِسَ الطَرفِ لا ذُقتَ الهَوى أبداً

 

أسهَرتَ مُضناكَ في حِفظِ الهوى فنم([8])

أفديك إلفاً وَلا آلو الخَيالَ فِدى

 

أغراك بالبُخلِ مَن أغراهُ بِالكَرَم([9])

سَرى فصادَف جُرحاً دامياً فأسا

 

وَرُب فَضلٍ على العشاق للحُلم([10])

مَنِ المَوائِسُ باناً بِالرُبى وَقَتاً

 

اللاعباتُ بِروحي السافِحاتُ دَمي؟([11])

السافِراتُ كَأمثالِ البُدورِ ضُحىً

 

يُغِرن شَمس الضُحى بالحَلي وَالعِصمَ([12])

القاتِلاتُ بِأجفانٍ بِها سَقَمٌ

 

ولَلِمَنِيَّةِ أسبابٌ مِنَ السقَمِ

العاثراتُ بِألبابِ الرِجالِ وَما

 

أُقِلنَ مِن عَثراتِ الدَلِّ في الرَسَمِ([13])

المُضـرِماتُ خُدوداً أسفَرَت وَجَلت

 

عَن فِتنةِ تُسلمُ الأكبادَ للِضـَرَمِ([14])

الحامِلاتُ لِواءَ الحُسنِ مُختلفاً

 

أشكالُهُ وَهوَ فَردُ غَيرُ مُنقَسِمِ([15])

مِن كُلِّ بَيضاءَ أو سَمراءَ زُيِّنَتا

 

للِعَينِ وَالحُسنُ في الآرامِ كَالعُصُم([16])

يُرَعنَ لِلبَصَـرِ السامي وَمِن عَجَبٍ

 

إِذا أشَرنَ أَسَرنَ اللَيثَ بالعَنَمِ([17])

وَضَعتُ خَدّي وقَسْمتُ الفؤاد رُبىً

 

يَرتَعنَ في كُنُسٍ منِهُ وَفي أكَمِ([18])

يا بِنتَ ذي اللَبَدِ المُحَمى جانُبِهُ

 

ألقاكِ في الغابِ أم ألقاكِ في الأطُمِ؟([19])

ما كَنتُ أَعلَمُ حَتّى عَنَّ مَسكَنهُ

 

أنَّ المُنى وَالمَنايا مَضـربُ الخيَم([20])

مَن أنبتَ الغُصنَ مِن صمَصامَة ذكر؟

 

وَأخرَجَ الريمَ من ضرغامَة قَرِم؟([21])

 

 

 

بَيني وَبَينكِ من سُمر القَنا حُجُبٌ

 

وَمِثلها عِفةً عُذريَّةُ العِصم([22])

لَم أغش مَغناكَ إلا في غضون كرىً

 

مَغَناكَ أبَعَدُ للمُشتاق من إرَم([23])

يا نَفسُ دُنياكِ تخفي كُلَّ مُبكية

 

وَإن بَدا لَك منها حُسنُ مُبتَسَمِ([24])

فضـي بِتَقواكِ فَاهاً كلما ضَحِكَت

 

كما يَفُضُ أذَى الرقشاءِ بالثَرَمِ([25])

مخطوبة مُنذُ كان الناسُ خاطبةٌ

 

مِن أوَّلِ الدَهرِ لم تُرمِل وَلَم تَئِمِ([26])

يفنى الزمَانُ ويبقى من إساءتها

 

جُرحٌ بآدَمَ يبكي مِنهُ في الأَدَمِ([27])

لا تَحفَلي بِجَناها أو جنايتها

 

المَوتُ بِالزَهرِ مِثلُ المَوتِ بِالفَحم([28])

كَم نائم لا يَراها وَهيَ ساهِرةٌ

 

لَولا الأمانِيُّ وَالأحلامُ لَم يَنَمِ([29])

 

 

 

طوراً تُمُدُكَ في نُعمى وَعافيةٍ

 

وتارَة في قرارِ البُؤسِ وَالوَصَمِ([30])

كَم ضَللتكَ وَمن تُحجب بَصيرَتُهُ

 

إن يَلقَ صابا يَرد أو علقماً يَسُم([31])

يا وَيَلَتاهُ لِنفسـي راعَها وَدَها

 

مُسودة الصُحفِ في مبيضة اللَمَمِ([32])

ركضتُها في مرَيعِ المَعصيات وَما

 

أخَذتُ مِن حمية الطاعاتِ للتُخَمِ([33])

هامت عَلى أثَر اللذاتِ تطلبُها

 

وَالنَفسُ إِن يَدعُها داعي الصبا تهم([34])

صلاحُ أمرِكَ للأخلاقِ مَرجِعُهُ

 

فَقَوِّم النفس بِالأخلاقِ تَستقِم

 

 

 

وَالنَفسُ مِن خَيرِها في خَيرِ عافِيَةٍ

 

وَالنَفسُ مِن شَرِّها في مَرتَعِ وَخِم([35])

تَطغى إِذا مُكِّنَت مِن لَذَّةٍ وَهَوىً

 

طَغيَ الجِيادِ إِذا عضَّت عَلى الشُكُمِ([36])

إن جَل ذَنبي عَنِ الغُفرانِ لي أَمَلٌ

 

في الله يَجعَلني في خَيرِ مُعتصمِ([37])

ألقى رَجائي إذا عَزَّ المُجيرُ علَى

 

مُفَرِّج الكَرَبِ في الدارَينِ وَالغَمَمِ([38])

إذا خَفَضتُ جناحَ الذُلِّ أسألُهُ

 

عِزَّ الشَفاعَةِ لَم أسأل سِوى أُمَمِ([39])

وَإن تَقَدَّمَ ذو تَقوى بِصالِحَةٍ

 

قدَّمتُ بَينَ يَدَيهِ عَبرَة النَدَمِ([40])

لَزِمتُ بابَ أميرِ الأنبياءِ وَمَن

 

يُمسِك بمفتاح باب الله يَغتنِمِ([41])

فَكُلُ فضلٍ وَإِحسانٍ وَعارِفَةٍ

 

ما بَينَ مُستلِمٍ مِنهُ وَمُلتزِمِ([42])

 

 

 

علَّقتُ مِن مَدحِهِ حَبلاً أعَز بِهِ

 

في يَومِ لا عِزَّ بِالأنسابِ وَاللُحَمِ([43])

يُزري قريضـي زُهَيراً حينَ أمدَحُهُ

 

ولا يُقاسُ إِلى جودي لَدى هَرِم([44])

مُحَمَّدٌ صَفوَةُ الباري وَرَحَمتُهُ

 

وَبُغيةُ اللهِ مِن خَلقٍ وَمِن نَسَمِ([45])

وَصاحِبُ الحَوضِ يَوم الرُسل سائِلةُ

 

مَتى الوُرودُ وَجَبِريلُ الأمينُ ظَمي([46])

سَناؤُهُ وَسَناهُ الشمسُ طالِعَةً

 

فَالجِرمُ في فَلَكٍ والضوءُ في عَلَمِ([47])

قَد أخطَأ النَجمَ ما نالَت أُبُوَّتُهُ

 

مِن سُؤدُدٍ باذِخٍ في مَظهَرِ سَنِمِ([48])

نُموا إِلَيهِ فَزادوا في الورَى شَرَفاً

 

وَرُبَّ أصلٍ لِفَرعٍ في الفَخارِ نُمي([49])

حَواهُ في سُبُحاتِ الطُهرِ قَبلَهُمُ

 

نورانِ قاما مَقامَ الصُلبِ والرَحِمِ([50])

لَمّا رَآهُ بَحيرا قالَ نَعرِفُهُ

 

بِما حَفِظنا مِنَ الأسماءِ وَالسِيَمِ([51])

سائِل حِراءَ وَروحَ القُدسِ هَل عَلِما

 

مَصون سِرِّ عَنِ الإِدراكِ مُنكَتِمِ؟([52])

كَم جيئة وَهَابٍ شُرِّفَت بِهِمُا

 

بَطحاءُ مَكَّةَ في الإصباحِ وَالغَسَمِ([53])

وَوَحشَةٍ لابِنِ عبد الله بينهُما

 

أشهى من الأُنسِ بِالأحبابِ وَالحَشَمِ([54])

يُسامِرُ الوَحيَ فيها قَبلَ مَهبِطِهِ

 

وَمَن يُبَشـِّر بِسيمى الخَيرِ يَتَّسِمِ([55])

لَمّا دَعا الصَحبُ يَستسقونَ مِن ظَمأِ

 

فاضَت يَداهُ مِنَ التَسنيمِ بِالسَنَمِ([56])

وَظللتهُ فَصارَت تَستظِلُ بِهِ

 

غَمامَة جَذَبَتها خيرَة الدِيَمِ([57])

مَحَبَّةٌ لِرَسولِ الله أشربِها

 

قَعائِدُ الدَيرِ وَالرُهبانُ في القِمَمِ([58])

إِن الشَمائِلَ إِن رَقَّت يَكادُ بِها

 

يُغرى الجَمادُ ويَغرى كُلُّ ذي نسَمِ

وَنودي اقرأ تَعالى اللهُ قائِلُها

 

لَم تَتَّصِل قَبلَ مَن قيلَت لَهُ بِفَمِ

هُنالكَ أَذن للِرحَمَنِ فامتلأت

 

أسماعُ مكَّة من قدسية النَغَمِ([59])

فلا تَسلَ عَن قُريش كَيف حَيرَتُها

 

وَكَيفَ نُفرَّتُها في السهَلِ وَالعَلَمِ؟([60])

تساءَلوا عن عَظيم قد أَلمَّ بِهِم

 

رَمى المَشايِخَ والولدانِ بِالَلمَمِ([61])

يا جاهلينَ على الهادي وَدَعوتِهِ

 

هَل تَجَهلون مَكانَ الصادِقِ العَلَمِ؟([62])

لَقَّبتُموهُ أمينَ القومِ في صِغَرٍ

 

وَما الأمينُ عَلى قولٍ بِمُتَّهَمِ

فاقَ البُدور وَفاقَ الأنبياءَ فَكَم

 

بِالخُلقِ وَالخَلقِ مِن حُسنٍ وَمِن عِظَمِ

جاءَ النبيّون بِالآياتِ فَانصـرَمَت

 

وَجِئتنا بِحكيمٍ غَيرِ مُنصـرِمِ([63])

آياتُهُ كُلَّما طال المَدى جُدُدٌ

 

يَزينُهُنَّ جَلالُ العِتقِ وَالقِدَمِ([64])

يكادُ في لَفَظةِ مِنهُ مُشـرَّفة

 

يوصيك بِالحَقِّ والتَقوى وبِالرَحِمِ

يا أفصَحَ الناطقِينَ الضادَ قاطبَةً

 

حَديثُكَ الشَهدُ عِندَ الذائِقِ الفَهِمِ

حَلَّيتَ مِن عَطَلٍ جيدَ البَيانِ بِهِ

 

في كُلِّ مُنتَثَرٍ في حُسن  مُنتَظِمِ([65])

بِكُلِّ قَولٍ كَريمٍ أنتَ قائِلُهُ

 

تُحيِ القُلوبَ وَتُحيِ مَيِّت الهِمَمِ

سَرَت بَشائِرُ بِالهادي وَمَولِدِه

 

في الشرقِ وَالغَربِ مَسـرى النور في الظُلَمِ

تَخَطَّفَت مُهَجَ الطاغينَ مِن عَرَبٍ

 

وَطَيَّرتَ أنُفسَ الباغينَ مِن عُجُمِ([66])

ريعَت لَها شَرَفُ الإيوانِ فَانصَدَعَت

 

مِن صدَمَة الحقُ لا من صدمة القُدُم([67])

أتَيتَ وَالناسُ فوضى لا تمُرُّ بهِم

 

إلا على صنم قد هامً في صنمِ

وَالأرضُ ممَلوءةٌ جوراً مُسخرًةٌ

 

لِكُلِّ طاغية في الخلق مُحتكم

مُسيطرُ الفُرس يبغي في رعيته

 

وقيصـر الروم من كبر أصم عمِ

يُعَذِّبانِ عبادَ الله في شُبِهٍ

 

ويَذبحان كما ضحيت بالغنم

وَالخَلقُ يَفتِكُ أقواهُم بأضعفهم

 

كَالليثِ بالبَهمِ أو كالحوت بالبلَمِ([68])

أسرى بِكَ اللهُ ليلاً إذ مَلائِكُهُ

 

وَالرُسلُ في المسجِدِ الأقصـى على قَدَمِ([69])

لَـمّا خَطرت بِه التَفّوا بسيدِّهِم

 

كَالشهُب بِالبَدرِ أو كَالجُندِ بالعلّمِ

صَلّى ورَاءَكَ مِنهُم كُلُّ ذي خَطَرٍ

 

وَمَن يَفُز بِحبيبِ الله يأتمِمِ([70])

جُبتَ السموات أو ما فوقَهُنَّ بِهِم

 

عَلى مُنَوَّرةٍ دُرَّيةِ اللُجُمِ([71])

رَكوبةً لَكَ مِن عِزَّ وَمِن شَرَفٍ

 

لا في الجيادِ وَلا في الأينقِ الرُسُمِ([72])

مَشيئةُ الخالِقِ الباري وَصَنعتُهُ

 

وَقُدرَةُ اللهِ فَوقَ الشَكِّ وَالتُهَمِ

حَتّى بَلَغتَ سَماءً لا يُطارُ لَها

 

عَلى جَنَاحٍ وَلا يُسعى عَلى قَدَمِ

وَقيلَ كُلُّ نَبِيٍّ عِندَ رُتَبَتِهِ

 

وَيا مُحَمَّدُ هَذا العَرشُ فَاستَلِمِ

خَطَطتَ لِلدينِ وَالدُنيا عُلومَهُما

 

يا قارئِ اللَوحِ بَل يا لامِس القَلَمِ([73])

 

 

 

أحَطتَ بَينَهُما بِالسِرِّ وَانكَشَفَت

 

لَكَ الخَزائِنُ مِن عِلمٍ وَمِن حِكَم([74])

وَضَاعَف القُربُ ما قُلِّدت مِن مِنَنٍ

 

بِلا عِدادٍ وَما طُوِّقت مِن نِعَمِ([75])

سَل عُصبَةَ الشِركِ حَولَ الغارِ سائِمَةً


 

لَولا مُطارَدَةُ المُختارِ لَم تُسَمِ([76])

هَل أبصـَروا الأَثَرَ الوَضّاءَ أم سَمِعوا

 

هَمسَ التَسابيحِ وَالقُرآنِ مِن أُمَمِ([77])

وَهَلَ تَمَثَّلَ نَسجُ العَنَكبوتِ لَهُم

 

كَالغابِ وَالحائِماتُ والزُغبُ كَالرُخُمِ؟([78])

فَأدبَروا وَوُجوهُ الأرضِ تَلعَنُهُم

 

كَباطِلٍ مِن جَلالِ الحَقِّ مُنهَزِمِ([79])

 

 

 

لَولا يَدُ الله بِالجارَينَ ما سَلِما

 

وَعَينُهُ حَولَ رُكنِ الدينِ لَم يَقُمِ([80])

تَوارَيا بِجَناحِ الله واستتَرا

 

وَمَن يَضُمُّ جَناحُ الله لا يُضَمِ([81])

يا أحمَدَ الخَيرِ لي جاهٌ بِتَسميِتي

 

وَكَيفَ لا يَتَسامى بِالرَسولِ سَمي؟([82])

المادِحونَ وَأربابُ الهوى تَبَعٌ

 

لِصاحِب البُردَةِ الفَيحاءِ ذي القَدَم([83])

مَديحُهُ فيكَ حُبِّ خالصُ وَهَوىً

 

وَصادقُ الحُبِّ يُملي صادق الكَلَمِ([84])

اللهُ يَشهَدُ أَنَي لا أُعارضُهُ

 

من ذا يُعارض صَوب العارِض العَرِم؟([85])

وَإِنْما أنا بعضُ الغابِطينَ وَمَن

 

يَغبِط وَلِيَّكَ لا يُذمَم وَلا يُلَمِ([86])

هَذا مَقامٌ مِن الرَحمنِ مُقتبسٌ

 

تَرمي مَهابَتُهُ سَحبانَ بِالبكَمِ([87])

البَدرُ دونَك في حُسنٍ وَفي شَرَفٍ

 

وَالبَحرُ دونَكَ في خَيِرٍ وَفي كَرمِ

شُمُّ الجِبالِ إذا طاوَلَتها اِنخَفَضَت

 

وَالأنجُمُ الزُهرُ ما واسَمتَها تَسِمِ([88])

وَالليثُ دونَكَ بَأساً عِندَ وَثبتِهِ

 

إِذا مَشَيتَ إلى شاكي السِلاحِ كَمي([89])

تَهفو إِليكَ وَإن أدمَيتَ حَبَّتَها

 

في الحَربِ أفئِدةُ الأبطالِ والبُهَمِ([90])

مَحَبَّةُ الله ألقَاها وَهَيَبتُهُ

 

عَلى ابن آمِنَةٍ في كُلِّ مُصطدَمِ([91])

كَأنَّ وَجَهَكَ تَحتَ النَقعِ بَدرُ دُجىً

 

يُضـيءُ مُلتَثماً أو غَيرَ مُلتَثِمِ([92])

بَدرٌ تَطَلَّعَ في بَدرٍ فَغُرَّتُهُ

 

كَغُرَّةِ النَصـر تَجلو داجِي الظُلَمِ([93])

ذُكِرتَ بِاليُتم في القُرآنِ تَكرمِةً

 

وَقيمةُ اللُؤلُؤ المَكنونِ في اليُتُمِ([94])

 

 

 

اللهُ قَسَّمَ بَينَ الناسِ رزِقَهُمُ

 

وَأَنتَ خُيِّرتَ في الأرزاقِ وَالقِسَمِ([95])

إن قُلتَ في الأمرِ لا أو قُلتَ فيه: نَعَم

 

فَخيرَةُ اللهِ في لا مِنكَ أو«نَعَمِ»

أخوكَ عيسى دَعا مَيتاً فَقَامَ لَهُ

 

وَأنتَ أحيَيتَ أجيالاً مِنَ الرمَمِ

وَالجَهلُ مَوتٌ فَإن أوتيتَ مُعجزةً

 

فَابعَث مِنَ الجَهلِ أو فَابَعث من الرَجَمِ([96])

قالوا غَزَوتَ وَرُسلُ الله ما بُعثوا

 

لِقتلِ نَفسٍ وَلا جاؤوا لسفَك دَمِ

جَهلُ وَتَضليلُ أحلامٍ وَسَفسطةٌ

 

فَتَحتَ بِالسيفِ بَعَدَ الفَتحِ بالقلَمِ

لَـمّا أتى لَكَ عَفواً كُلُّ ذي حَسَبٍ

 

تَكَفَّلَ السَيفُ بِالجُهّالِ وَالعَمَمِ([97])

وَالشَـرُّ إِن تَلقَهُ بِالخَيرِ ضِقتَ بِهِ

 

ذَرعاً وَإن تَلَقهُ بِالشـَرِّ ينحَسِمِ

سَلِ المَسيحيَّةَ الغَرّاءَ كَم شَرِبَت

 

بِالصابِ مِن شَهَواتِ الظالمِ الغَلِمِ([98])

طَريدةُ الـشركِ يُؤذيها وَيوسِعُها

 

في كُلِّ حينٍ قِتالاً ساطِعَ الحَدَمِ([99])

لَولا حُماةٌ لها هَبّوا لِنُصـرَتِها

 

بِالسَيفِ ما اِنتَفَعت بِالرِفقِ وَالرُحَمِ([100])

لَولا مكانٌ لِعيسى عِندَ مُرسِلِهِ

 

وَحُرمةٌ وَجَبَت للِروحِ في القِدَمِ([101])

لَسُمِّرَ البَدَنُ الطُهرُ الشـَريفُ عَلى

 

لَوحَينِ لَم يَخشَ مُؤذيهِ وَلَم يَجِمِ([102])

جَلَّ المسيحُ وَذاقَ الصَلبَ شانئُهُ

 

إِنَّ العِقابَ بَقَدر الذَنبِ وَالجُرُمِ([103])

أَخو النَبِيِّ وَروحُ اللهِ في نُزُلٍ

 

فَوقَ السَماءِ وَدون العَرشِ مُحتَرَمِ([104])

عَلَّمتَهُم كُلَّ شيءٍ يَجهَلونَ بِهِ

 

حَتى القِتالَ وَما فيهِ مِنَ الذِمَمِ([105])

دَعوتَهُم لِجهادٍ فيه سُؤدُدُهُم

 

وَالحَربُ أُسُ نِظامِ الكَونِ وَالأُمَمِ

لَولاهُ لَم نَرَ للِدَولاتِ في زَمَنٍ

 

ما طالَ مِن عُمُدٍ أو قَرَّ مِن دُهُمِ([106])

تِلكَ الشَواهِدُ تَترى كُلَّ آونةٍ

 

في الأعصُـرِ الغُزِّ لا في الأعصُـرِ الدُهُم([107])

بِالأمسِ مالَت عُروشٌ وَاِعتَلَت سُرُرٌ

 

لَولا القَذائِفُ لَم تثلَم وَلَم تَصُمِ([108])

أشياعُ عيسى أعَدّوا كُلَّ قاصِمَةٍ

 

وَلَم نُعِدُ سِوى حالاتِ مُنقصِمِ([109])

مهَما دُعيتَ إِلى الهَيجاء قُمتَ لَها

 

تَرمي بِأُسدٍ ويَرَمي اللهُ بِالرُجُمِ([110])

عَلى لِوائِكَ مِنهمُ كُلُ مُنتَقِمٍ

 

للهِ مُستَقتِلٍ في الله مُعتزِمِ([111])

مُسبَّحٍ للقاء الله مُضطَرِمٍ


 

شَوقاً عَلى سابِخٍ كَالبرقِ مُضطَرِمِ([112])

لو صادَف الدَهرَ يَبغي نَقَلةً فَرَمى

 

بِعَزمِهِ في رِحالِ الدَهر لَم يَرِمِ([113])

بيضٌ مَفاليلُ مِن فِعلِ الحُروب بِهِم

 

مِن أَسيُفِ الله لا الهِنديَّةُ الخُذُمِ([114])

كَم في التُراب إذا فَتَّشتَ عَن رَجُلٍ

 

مَن ماتَ بِالعَهدِ أو مَن مات بِالقَسَمِ([115])

 

 

 

لَولا مَواهبُ في بَعضِ الأنامِ لَـمـا

 

تَفاوَتَ الناسُ في الأقدار وَالقِيَمِ([116])

شَريعةٌ لَكَ فجَّرتَ العُقول بِها

 

عَن زاخِرٍ بِصنُوف العِلمِ مُلتطِمِ

يَلوحُ حَولَ سَنا التَوحيدِ جَوهَرُها

 

كَالحَليِ للِسيَفِ أو كَالوَشي للِعَلَمِ([117])

غَرّاءُ حامَت عَلَيها أنُفسٌ وَنُهى

 

وَمَن يَجِد سَلسَلاً مِن حِكمَة يَحُمِ([118])

نورُ السبَيلِ يُساسُ العالمِونَ بِها

 

تَكَفَّلَت بِشَبابِ الدَهرِ وَالهَرَمِ([119])

يَجري الزَمانُ وَأحكامُ الزَمان عَلى

 

حُكمٍ لَها نافِذٍ في الخَلقِ مُرتَسمِ

لَـمّـا اعتَلَت دَولَةُ الإسلامِ وَاتَّسَعَت

 

مَشَت مَمالِكُهُ في نورِها التَمَمِ([120])

وَعَلَّمَت أُمَّةً بِالقَفرِ نازِلةً

 

رَعيَ القياصِرِ بَعدَ الشاءِ وَالنَعَمِ

كَم شَيَّدَ المُصلِحونَ العامِلون بِها

 

في الشـَرقِ وَالغربِ مُلكاً باذِخ العِظَمِ

 

 

 

للِعِلم وَالعَدلِ وَالتَمديِن ما عَزَموا

 

مِنَ الأُمورِ وَما شَدّوا مِنَ الحُزُمِ([121])

سُرعانَ ما فَتَحوا الدُنيا لِمِلَّتِهِم

 

وَأَنهَلوا الناسَ مِن سَلسالِها الشيمِ([122])

ساروا عليها هُداةَ الناس فَهي بِهِم

 

إِلى الفَلاحِ طَريقٌ واضِحُ العَظَم([123])



([1]) للاستزادة راجع: الأدب العربي المعاصر في مصر، د. شوقي ضيف، ص 110، وما بعدها والجامع في تاريخ الأدب العربي، حنا الفاخوري، ص 435، وما بعدها، وشعراء مصر وبيئاتهم في الجيل الماضي ، العقاد /149 ، وما بعدها.

([2]) الشوقيات، أحمد شوقي، ط مكتبة مصر، 1993م، 1/178-195.

([3]) الريم (بالهمزة ويخفف بقلب الهمزة ياء) الظبي الخالص البياض. والقاع: الأرض السهلة المطمئنة. والبان: جمع بانة، ضرب من الشجر، والعلم: الجبل والأشهر الحرم: أربعة ثلاثة متتابعة هي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، وواحد فرد وهو رجب، وكانت العرب لا تستحل فيها القتال.

([4]) الجؤذر: ولد البقرة الوحشية،  الأجم: جمعة أجمة وهي الشجر الكثير الملتف، وهو مسكن الأسد، يريد بالجؤذر: المحبوبة التي شبهها في البيت السابق بالريم، تشبيها لها بالجؤذر في جمال عينيه واستاعهما. ويريد بالأسد: نفسه.

([5]) رنا: أدام النظر مع سكون الطرف. ياويح:كلمة تقال لمن وقع في الشدة والمكروه يستجد له بالرأفة والرحمة مما وقع فيه.

([6]) الشيم:جمع شيمة وهي الخلق والطبيعة.

([7]) شفه الوجد: أهزله وانحل جسمه.

([8]) الناعس: الوسنان، والطرف: بالفتح: العين، المضني: الذي أثقله المرض.

([9]) الألو: المنع والتقصير.

([10]) السرى: المشي في الليل. وأسا الجرح يأسوه: داواه.

([11]) الموانس:جمع مائسة وهو المتبخترة، والقنا: جمع قناة وهي الرمح وسفح الدم: سفكه وأساله.

([12]) السافرات: يقال سفرت المرأة: أي كشفت عن وجهها، والعصم: القلائد.

([13]) العثرة: الزلة والسقطة، وأقاله من عثرته: أنهضه منها.

      والدل: قريب المعنى من الهدى، وهما من السكينة والوقار في الهيئة والمنظر والشمائل وغير ذلك، والرسم: حسن المشي.

([14]) الضرم: اشتعال النار.

([15]) اللواء: العلم. وحمل لواء الحسن: كناية عن نهاية الحسن فيه.

([16]) العصم: جمع أعصم، الذي فيه العصمة (بالضم)، وهي بياض اليدين، والعصماء من المعز: البيضاء الذراعين وسائرها أسود أو أحمر، وحرك الصاد اتباعا لحركة العين قبلها.

([17]) يرعن: يخفن. والعنم: شجرة حجازية لها ثمرة حمراء تشبه بها البنان المخضوبة. وفي البيت جناس بين قوله: «أشرن»، وقوله: «أسرن».

([18]) وضع الخد: هنا كناية عن الخضوع والاستسلام. والكنس (بضمتين): جمع كناس وهو مستقر الظباء في الشجر. والأكم: جمع أكمة وهي الموضع يكون أشد ارتفاعا مما حوله.

([19]) اللبد: جمع لبدة وهي الشعر المتراكب بين كتفي الأسد، والغاب: جمع غابة وهي الشجر المتكاثف. والأطم:القصر، وكل حصن مبني بالحجارة.

([20]) عن الشيء: بان وظهر: والمنايا: جمع المنية وهي الموت. يريد بـ «المنى» محبوبته أو لقاءها، وبـ «المنايا» أباها أو لقاءه، مبالغة. ومضرب الخيم: المكان الذي تضرب فيه وتقام، أي حيث تنزل تلك المحبوبة في جوار أبيها. وفي البيت جناس.

([21]) الصمصامة: السيف. والضرغامة: الأسد. والقرم: شديد الشهوة إلى اللحم، وهنا كناية عن شدة البأس والافتراس. وأراد بـ «الغصن» و«الريم» معشوقته وبـ «الصمصامة» و«الضرغامة» أباها. يتعجب كيف يولد لمثل هذا الرجل، الشبه بالسيف في صلابته ومضائه، مثل هذه المعشوقة، التي هي كالغصن في اللدونة ولطف التثني؟! وأيضاً كيف يكون لمن يشبه الأسد في قوته وسطوته وبأسه، مثل هذ التي تشبه الغزال في رقته وضعفه؟!

([22]) العفة العذرية: نسبة لقبيلة بني عذرة، اشتهر شبابها بالعشق والعفاف. والعصم: جمع عصمة وهي المنع والحفظ.

([23]) غشى المكان: وافاه. والمغنى: المنزل الذي غنى به أهله. والكرى: النوم. وإرم: هي إرم ذات العماد: التي ورد ذكرها في القرآن الكريم.

([24]) المبتسم: بمعنى المصدر أي الابتسام، ويجوز أن يراد به الموضع أي الثغر، والإضافة فيه من إضافة الصفة للموصوف.

([25]) الرقشاء من الحيات: المنقطة بالسواد والبياض. وأذى الرقشاء: سمها. والثرم: كسر السن من أصلها.

([26]) أرملت المرأة: إذا مات عنها زوجها. وآمت المرأة المرأة تئيم، والأيم: التي لا زوج لها سواء أكانت بكراً أم كان لها زوج فقدته.

([27]) الأدم: الجلد، يقول: مع أن حالها وحال الناس ما ذكرنا، فإن إساءتها ما تنتهي، حتى أن آدم (عليه السلام) لا ينسى كيدها إلى آخر الزمان. وفي البيت جناس بين آدم والأدم.

([28]) الجنى: ما يجتنى من الشجرة ويقطف من ثمرها.

([29]) يريد بالنائم: المغتر بالدنيا الغافل عن مصائبها وغيرها.

([30]) الوصم (بالتحريك): الألم والمرض، يقال: وصمته الحمى فتوصم أي آلمته فتألم.

([31]) الصاب: جمع صابة وهو شجر مر، والعلقم، والحنظل. ويسم: من سام يسوم أي رعى يرعى.

([32]) دها: أي دهاها.اللم:جمع لمة وهي الشعر يجاوز شحمة الأذن. مسودة الصحف: كناية عن العمل السيئ. ومبيضة اللمم: الشيب، والإضافة فيها من إضافة الصفة للموصوف.

([33]) ركضتها: أصل الركض تحريك الرِّجل، ويقال: ركضت الفرس برجلي إذا استحثثته ليعدو والمراد عنا مجرد إطلاق النفس وإرسالها في طريق غوايتها، وفيه تشبيه النفس بالسائمة تشبيها مضمراً في النفس على سبيل الاستعارة المكنية.والمريع: الخصيب. ومريع المعصيات: من إضافة المشبه به للمشبه، أي المعصيات التي هي شبيهة بالمرعى المريع تستطيبه الدابة؛ ففيه تشبيه ضمني لمن يرسل نفسه في المعاصي بالبهيم الذي يستطيب المرعى ويسترسل فيه. وحمية الطاعات: كذلك من إضافة المشبه به للمشبه، أي الطاعات التي شبيهة بالحمية، وفيها أيضاً تشبيه ضمني لمن يتعفف عن مساورة المعاصي بمن يمسك نفسه أن ينال ما يهيضه من ألوان الطعام..والتخيم:جمع تخمة، قيل: هي فساد الطعام بالمعدة، وقيل: فساد المعدة بالطعام. وقوله: «للتخم» أي للتحرز عن التخم.

([34]) هامت الناقة على وجهها: ذهبت ترعى. وداعي الصبا: اللهو والشباب.

([35]) المرتع: من رتعت الماشية ترتع رتوعاً أي أكلت ما شاءت. والمرتع موضع الرتوع. والوخم: الردئ الوبى.

([36]) الشكم: جمع شكيمة وهي الحديدة المعترضة في لجام الفرس.

([37]) عصمة الله العبد: حفظه مما يوبقه ويهلكه، والمعتصم: الموضع منها، أو بمعنى المصدر أي الاعتصام.

([38]) الغمم: جمع غمة وهي الهم والحزن. والمجير: هنا بمعنى المنقذ. إذا عز المجير: أي يوم القيامة. ومفرج الكرب في الدارين: هو الرسول الأمين صلوات الله وتسليماته عليه؛ لأنه أخرج الناس في الدنيا من ظلمة الغواية إلى نور الهداية، وهو في الآخرة صاحب الشفاعة العظمى.

([39]) الأمم: اليسير. وخفض جناح الذل: كناية عن شدة التواضع والانكسار.

([40]) العبرة: تحلب الدمع.

([41]) أمير الأنبياء: هو محمد × ولزوم بابه: ولزوم بابه: كناية عن الالتجاء إلى كرمه، وعدم الانحراف عن التوسل به في قضاء الطلبات.

([42]) العارفة: المعروف.

([43]) اللحم: جمع لحمة وهي القرابة.

([44]) يزري: يعيب. والقريض: الشعر. وزهير: هو زهير بن أبي سلمى المزني، كان سيداً غنياً في الجاهلية، معروفاً بالحلم والحكمة، شاعراً فحلاً. وهرم (بكسر الراء) : هو هرم بن سنان بن أبي حارثة المري، مدح زهير هرماً فأحسن، ووصله هرم فأجزل الصلة وبالغ في العطاء.

([45]) النسم: جمع نسمة وهي النفس، أو هي الإنسان.

([46]) وجبريل الأمين ظمي: الملائكة لا تظمأ، فلعل مراده بالظمأ هنا لازمه وهو الطلب أي الناس، بمعنى أن حاله تقتضي ذلك إشفاقاً على حالهم، لما يرهقهم من شدة الظمأ وحرج الموقف.

([47]) سنأوه: رفعته. وسناه: نوره. والعلم: هنا بمعنى العالم.

([48]) السؤدد: السيادة.والباذخ:العالي. والسنم (ككتف):المرتفع. وأبوته: أي ذوو أبوته، والأبوة:المعنى المأخوذ من الأب كالأخوة والبنوة.

([49]) نموا: نسبوا.

([50]) السبحات (بضمتين): مواضع السجود.وسبحات وجه الله: أنواره.

([51]) السيم: كعلب، جمع سيمة وهي العلامة. وبحيرا (بفتح الباء وكسر الحاء):الراهب النصراني المشهور.

([52]) حراء: جبل بمكة فيه غار كان يتعبد فيه النبي × قبل الرسالة. ورح القدس: جبريل عليه السلام، والإضافة فيه من إضافة الصفة للموصوف، أي الروح القدس، والقدس: الطهر.ومصون سر: من إضافة الصفة للموصوف.وقوله: «منكتم»: وصف مؤكد للسر المصون؛ لأن السر لا يكون إلا كذلك: وتنكير «سر» للتعظيم.

([53]) البطحاء: المسيل الواسع فيه دقاق الحصى.والغسم:الإمساء وظلمة الليل. الإصباح والغسم: أي من كل مرة كان يطلب فيها النبي × حراء لا كل صباح وكل غسم، فإنه × كان يتزود، فيقيم في حراء الليالي والأيام.

([54]) ابن عبد الله :هو النبي × والحشم: الخدم الخاصون بمولاهم. والوحشة: الخلوة والهم، والمراد بهم هنا مجرد الخلوة والانقطاع عن الناس.

([55]) مهبطه: هنا بمعنى هبوطه.

([56])التسنيم: ماء بالجنة يجري فوق الغرف، وسنم الإناء تسنيما: فكأنه أراد بالسنم هنا الإناء المملوء. والأحاديث الواردة في نبع الماء من بين أصابعه الشريفة كثيرة.

([57]) الديم: جمع ديمة وهي المطر الدائم.

([58])القعائد: جمع قعيدة، وقعائد الدين: ملازموه من متنسكة النصارى. والقمم: جمع قمة وهي أعلى الرأس من كل شيء، والمراد بها هنا أعالي الجبل.

([59]) أذن للرحمن: أي دعا إلى الله.وقوله «من قدسية النغم»: ترشيح لتشبيه الدعاء إلى الله تعالى بالصوت الجميل، وقدسية النغم: النغم المطهرة المنزهة عن تطريب الغناء بتكبير الألفاظ واعتصار الحناجر وإيقاع الأصوات.

([60]) فلا تسل: يعني أن الأمر واضح غني عن السؤال، يقال عند ظهور الأمر ووضوحه: لا تسأل: العلم: الجبل.

([61]) ألم: نزل. واللمم (محركة): الجنون، والمعنى أنه قد أقبل بعضهم على بعض يتساؤلون عن الأمر العظيم الذي نزل بهم، وهو أن يقوم رجل ليس له ما لهم من البأس والمنعة يزعجهم عما كان يعبد آباؤهم ـ وهمم سادات قريش وجباهها ـ ويأخذهم عما ألفوا من عاداتهم وأخلاقهم المغروزة فيهم، دهشوا لهذا واستعظموه، حتى جن منه شيبهم وشبابهم.

([62]) العلم: الظاهر المشتهر.والجاهلون على الهادي: المتعنتون، والاستفهام في قوله «هل تجهلون» استنكاري.

([63]) انصرمت: انقطعت. منصرم: منقطع. الحكيم: القرآن، وقد وصفه الله تعالى بالحكيم في مواضع منه.

([64]) جدد: جمع جديد كسرر وسرير.

([65]) يقال: عطلت المرأة عطلا إذا لم يكن عليها حلي.

([66]) مهج:جمع مهجة وهي دم القلب.

([67]) ريعت: ذعرت وخافت، وشرف: جمع شرفة وهي ما يوضع على القصور ونحوها. والقدم: جمع قدوم، روى أن شرف الإيوان ـ وهو مأوى سلطان الأكاسرة ـ ارتجت وهوت ليلة مولده ×، لم تعمل فيها المعاول ولم تهدمها القدم، بل تداعت من صدمة الحق.

([68]) البهم: جمع بهمة وهي ولد الضأن والمعز. والبلم: صغار السمك.

([69]) المسجد الأقصى: بيت المقدس. وعلى قدم: قائمون محتشدون.

([70]) ذي خطر: ذي قدرة ومنزلة. ويأتمم:أي يأتم، والأصل: ومن يأتم بحبيب الله يفز، ولكنه قلب للمبالغة والمبادرة بذكر الفوز.

([71]) بهم: أي بملابسة بعضهم فيها، فإنه ورد أنه مر ببعضهم في السموات لا كما هو المتبادر من قوله إنهم صاحبوه حين جاب السموات.ويريد بقوله «منورة درية اللجم»: البرق.

([72]) «من» في قوله «من عز ومن شرف» للتعليل، أي لأجل عزك وشرفك.والأينق الرسم: النوق الشديدة الوطء لقوتها، حتى كأنها ترسم في الأرض بمشيها آثار ظاهرة. والرسم: واحدها رسوم. والجياد: جمع جواد وهو الفرس الرائع البين الجودة.

([73]) خطه علوم الدين والدنيا: كناية عن تعليمها الناس وبثها فيهم. وقراءة اللوح ولمس القلم: كناية عن اطلاع الله له على ما أطلعه عليه من الغيوب.

([74]) عن ابن عباس رضي الله عنه أنه × قال: «علمني ربي ليلة الإسراء علوما شتى: علم أخذ على كتمانه، وعلم خيرني فيه، وعلم أمرني بتبليغه».

([75]) يجوز أن يكون «القرب» فاعلا لـ «ضاعف» و «ما» وما بعدها مفعولا به، والمعنى أن قربه من الله تعالى قد أربى على جميع ما وليه × من النعم التي لا يدركها العد، فكانت بإضافة القرب إليها أضعاف ما كانت قبله، ويجوز أن يكون مفعولاً، والفاعل «ما» وما بعدها، والمعنى أن ما تجلى الله تعالى عليه به من النعم التي لا تعد وأولاه من الفضائل التي لاتحصى قد زاد قربه؛ لأنه قرب على قرب، والأول أولى.

([76]) عصبة الشرك: أي عصبة من أهل الشرك الذين ذهبوا يطلبونه × يوم هجرته.والغار: كالثقب بجبل أسفل مكة. سائمة: راعية.

([77]) من أمم: من قرب.

([78]) الغاب: الشجر الكثير المتكاثف. والحائمات الزغب: الحمام. والرخم: جمع رخمة وهي طائر على شكل النسر إلا أنه منقط السواد والبياض.

([79]) شبه إدبارهم ونكوصهم على أعقابهم خائبين بدمغ الباطل وإدحاضه، قال الله تعالى: â ö@t/ ß$ɋø)tR Èd,ptø:$$Î/ ’n?tã È@ÏÜ»t7ø9$# ¼çmäótBô‰uŠsù #sŒÎ*sù uqèd ×,Ïd#y—  á [الأنبياء:21] ونسبة اللعن لوجوه الأرض مجاز عقلي، واللاعن: من فيها من المسلمين والملائكة، أو المراد وجوه أهلها أي أعيانهم وأفاضلهم.

([80]) الجاران: الرسول × وأبوبكر الصديق رضي الله عنه. والمراد باليد: النعمة. وعينه: عنايته، وحرف الشرط مقدر في الجملة الثانية.

([81]) جناح الله: لطفه وستره.ويضم: يلحق به الضيم.

([82]) من أسمائه ×: أحمد، وقد سمى الشاعر به تيمنا باسم الرسول الأكرم، ويتسامى:يتعالى، والاستفهام في البيت إنكاري.

([83]) تبع: أخبر بالمصدر مبالغة، وأفرده لأنه يستوي فيه الواحد والجمع، أو على تقدير مضاف أي ذوو تبع، أي مقتدون به. والقدم: التقدم والمنزلة. وصاحب البردة: هو الإمام البوصيري.

([84]) مديحه  حب: أي ناشئ من الحب، أو ذو حب أي دال عليه.

([85]) الصوب: الانصباب، ومجيء السماء بالمطر. والعارض: السحاب المعترض في الأفق. والعرم: يريد المطر الشديد.

([86]) الغابط: الذي يتمنى مثل ما للغير، وليس هذا القدر بمذموم، ويذمم: يذم.

([87]) البكم: الخرس. وسحبان: هو سحبان وائل من بني باهلة، كان يضرب بفصاحته المثل.

([88]) يقال:واسمه في الحسن فوسمه أي غلبه فيه. انخفاض الجبال: كناية عن ظهورها قصيرة بالنسبة لارتفاع قدره × وعلو شأنه.

([89]) الكمي: لابس السلاح.

([90]) تهفو: هفا الظبي في المشي يهفو هفواً وهفوانا: أسرع وخف فيه. والمراد هنا شدة ميل القلوب له وانجذابها إليه ×. وحبة القلب: سويداؤه.والمبهم: جمع بهمة وهو الشجاع.

([91]) مصطدم: بمعنى المصدر أي الاصطدام، أو الموضع أي موضع الاصطدام وهو ميدان الحرب.

([92]) النقع: غبار الحرب.

([93]) بدر: موضع بين الحرمين الشريفين، وفيه كانت الغزوة المشهورة التي دمغ فيها الشرك وأعز الإسلام.

([94]) اليتم في الناس: فقدان الأب، وهو في الأشياء:التفرد وعدم وجود نظائر لها. واللؤلؤة اليتيمة: التي لا نظير لها في العقد. ذكرت باليتم في القرآن: يشير إلى قوله تعالى: â öNs9r& x8ô‰Égs† $VJŠÏKtƒ 3“ur$t«sù  á [الضحى:6] وحرك التاء اتباعاً لحركة الباء قبلها في قوله (اليتم)، ولا يخفى ما فيه من حسن التعليل.

([95]) روى الترمذي عنه × أنه قال: «عرض عليّ ربي أن يجعل لي بطحاء مكة ذهباً فقلت: لا يارب، ولكن أشبع يوماً وأجوع يوماً».

([96]) والجهل موت: كالترشيح للاستعارة في البيت السابق، وهو تشبيه بليغ. وأوتيت:خطاب لغير معين.والرجم:القبر.

([97]) العمم:اسم جمع للعامة.

([98]) الغلم: الهائج الثائر.

([99]) الحدم (بالتحريك): شدة احتراق النار.

([100]) الرحم: الرقة والمغفرة والتعطف.

      لم يكن استعمال القوة في إقامة الدعوة للدين شأن الدين الإسلامي وحده، وهذه الديانة المسيحية الموصوفة بديانة الرهبنة والسلام. لم تبدأ الدعوة إليها حتى أصاب أهلها ما = =أصابهم، من الطرد والقتل والتعذيب والتشريد والتمثيل، بأيدي الجبابرة الطغاة من الملوك والقصاصرة، بل بأيدي الشعوب والأمم، وتاريخ المسيحية بين أهل رومية مما تشيب له الولادان، فترى الدين المسيحي دين الرهبنة والسلام ما دخل البلاد إلا على رؤوس الأسنة، ولا حمل إلى الأمم إلا على متون السيوف.

([101]) المكان: المكانة بمعنى القرب وارتفاع المنزلة؛ لأن الله تعالى منزه عن المكان والجهة. ووجبت ثبتت له من القدم؛ لأن الله تعالى علم الأشياء وأرادها أزلا فصارت واجبة، بمعنى أنها لم تتخلف أبداً، والخبر محذوف في قوله «مكان» و «حرمة» أي ثابتان.

([102]) لسمر: جواب الشرط في البيت السابق. والطهر: الطاهر من أدران المعاصي، ووصف بالمصدر مبالغة. واللوحان:الصليب الذي أعد له عليه السلام. والمراد بالتسمير الصلب لم يجم : لم يفزع.

([103]) جل المسيح:تنزه عما رماه به اليهود من كاذب التهم وباطل الأقاويل، وعما زعموا من أنهم صلبوه وشائنه: مبغضه. وحرك الراء في قوله «والجرم» اتباعاً لحركة الجيم قبلها.

([104]) أخو النبي: أي في الرسالة. روح الله: أي روح منه، قال تعالى: â $yJ¯RÎ) ßxŠÅ¡yJø9$# Ó|¤ŠÏã ßûøó$# zNtƒótB Ú^qޙu‘ «!$# ÿ¼çmçFyJÎ=Ÿ2ur !$yg9s)ø9r& 4’n<Î) zNtƒótB Óyrâ‘ur çm÷ZÏiB ( á [النساء:171] وسمي روحاً لإحيائه الموتى بإذن الله، ولأنه نفخة من جبريل، قال تعالى: â $sY÷‚xÿoYsù $ygŠÏù `ÏB $oYÏmr•‘  á [الأنبياء:91] ونسبة النفخ إلى الله تعالى مجاز، و «من» في الآية للابتداء. فوق السماء. أي السماء الدنيا. محترم: صفة لقوله «نزل» بضمتين، وهو في الأصل المنزل، وما هيئ للضيف أن ينزل عليه.؟

([105]) الذمم: جمع ذمة، وهي العهد والأمان، والحق.

([106]) عمد: جمع عمود. وقر. ثبت ودعم، جمع دعام، وهو عماد البيت، والدعم هنا كناية عما يستقيم به نظام الممالك، ويرتفع به شأن الأمم.

([107]) الغر: جمع أغر: صفة لذي الغرة، وهي بياض في الجبهة، والأعصر الغر: التي ساد فيها العلم وعمت أسباب العدل .الدهم: المظلمة التي شاع في أهلها الجهل وفشا فيهم الظلم.

      ما زالت الغلبة للقوة، ولا زالت معتمد الدول ومستند الأمم، في رفع عماد الملك، وتثبيت دعامة الحكم، استوت في ذلك الأزمان السالفة التي يظنونها أزمان تأخر وتقهقرن والأيام الحاضرة التي يزعمونها أيام تقدر وتنور. وفي البيت الطباق.

([108]) أعتلت: علت.

([109]) قاصمة: كاسرة: ومنقصم: منكسر. في هذا البيت مقارنة بين أهل الديانة المسيحية، وأهل الديانة الإسلامية، فذكر أن المتشيعيين اليوم إلى الدين المسيحي «دين الهدوء والسلام» هم أهل القوة الحربية، الدائبون على إعداد المهلكات في الحروب، حتى كأنهم أصبحوا، ولم يبق لهم من شغل يشغلهم، إلا استخراج الذهب من بطون الأرض، وإنفاقه على مصانع الحديد والفولاذ لطبع آلات الحرب في طول الأرض وعرض البحر، وقدافتنوا في أسباب الإهلاك والتدمير، ولم يكفهم أن يدمدموا على الناس، ويأخذوهم بالبلاء عن إيمانهم وعن شمائلهم، ومن خلفهم ومن تحت أرجلهم، حتى قاموا على تسخير الرياح، ليرموهم من فوق رؤوسهم بكل دهياء، على حين أن أهل الديانة الإسلامية، الذين يتهمهم الظالمون بحب الفتح، والجهاد ويشينون سمعتهم بحب الطن والجلاد، والولوع في دماء العباد، هم القوم أهل السكينة والسلام، وهيهات أن يدانوا أهل الديانة المسيحية في حب الفتوح والحروب، أو يشاكلوهم في ادخار آلات الحرب استعداد معدات الكفاح.

([110]) الهيجاء: الحرب. الرجم: النجوم التي يرمى بها. رجع إلى خطابه ×، وشبه أصحابه بالأسود، لما لهم من شجاعتهم وبأسهم. ورميه بهم:كناية عن ندبه إياهم للجهاد، وتقديمهم إلى مواطن الطعن والجلاد. والرمي بالرجم يكون للشياطين، ففيه استعارة مكنية أي إنهم كالشياطين يرمون بالرجم.