أصول غربية لنظرية التناص: [Intertext]. 

تبين لنا ـ في ضوء مسيرة الحركة النقدية الغربية ـ أن كل نظرية نقدية كانت تمهد لأختها دون أن تلغيها؛ وإن اتجهت اتجاهاً مغايراً لها في أحيان كثيرة. بل إن كثيراً من النظريات ولدت في أحضان نظرية سابقة فكانت أشبه بالبنت لها كالتشريحية والتركيبية اللتين ولدتا في قلب البنيوية، وهما آخر ما انتهت إليه الحداثة في مرحلة ما بعد البنيوية؛ (Post - structuralism).‏ 

أما نظرية التناص ـ وهي نظرية من نظريات ما بعد الحداثة ـ فإنها ولدت في أحضان السيمولوجية (السيميائية) والبنيوية ابتداء بالشكلانية وانتهاء بالتشريحية، وإن كانت مدينة بكثير من ملامحها لغيرهما.‏ 

وقد رصد حركتها التاريخية كل من الناقد مارك أنجينو في بحثه (التناصية)(7)، وليون سُمفل في بحثه الذي يحمل العنوان نفسه(8). وقد انطلقت شرارتها الأولى من الشكلانيين كما في كتابات (شلوفسكي) ومن ثم (باختين) الذي اتجه بها نحو النص. ثم تسلمتها جوليا كريستيفا واستخدمت للمرة الأولى مصطلح (التناص) في كتاباتها وكانت تهتم بالإنتاج وتهمل التلقي والقارئ(9).‏ 

وإذا كنا سنعرض لهذا كله في الصفحات القادمة فإننا ننبه هنا على أن مصطلح (التناص) كان في بداياته يتسم بعدم القصدية والمباشرة، فالنصوص تتقاطع فيما بينها بشكل عفوي غير واعٍ ولا شعوري، وكذا هو عند أغلب أصحاب نظرية التناص من بعدُ... علماً أن بعضهم الآخر لم يمنع فيه القصدية والوعي فاقترب من مفهوم التأثر والتأثير، ومن مفاهيم العرب في السرقة والأخذ وغيرها، وهو ما عرف بالتناص المقصود والمباشر والظاهر...‏ 

وكان بارت قد بدأ سيمولوجياً في كتابه عن راسين سنة 1963م وعناصر السيمولوجيا سنة 1964م، ثم ظهر مصطلح التناص في بحثه (لذة النصّ سنة 1973م)(10). والقراءة السيمولوجية "تقوم على إطلاق الإشارات كدوالَّ حرة لا تقيدها حدود المعاني المعجمية، ويصير للنص فعالية قرائية إبداعية... ويصير القارئ المدرب هو صانع النص"(11).‏ 

ويقول بارت: "ليس النص مقترن الوجود بالمعنى ولكن بمروره وعبوره... ولا تتعلق تعددية النص في الحقيقة بغموض مضمونه ولكن بما نستطيع تسميته بالتعددية المضخمة للدوالّ التي تنسجه"(12). وأصبحت القراءة على يد (لاكان) اتجاهاً جديداً "يقوم على مبدأ أن البنية الشاملة للغة هي بنية لا شعورية"(13). ففي التحليل الدلالي (Semanalyse) تتشكل دائماً الإشارات اللغوية بفعل الدالّ الدائم الذي ينتج مكونات جديدة.‏ 

ويرى العديد من النقاد العرب وغيرهم أمثال عبد الله الغذامي ولاسيما في كتابه (الخطيئة والتكفير ص 64 ـ 74)؛ أن (رولان بارت) يظل لـه القِدْح المعلى في التناصية... فقد صار بجدارة من رواد البنيوية السيمولوجية؛ وكان أخرج أبحاثه الأولى في ضوئها؛ ثم تحول عنها إلى البنيوية التشريحية بعد ست سنوات في كتابه (الكتابة في درجة الصفر) سنة 1970م. فصار رائداً لها؛ ومن بعدُ غدا فارساً للنص حين أصبح رائداً للتناص في كتابه (لذة النص) الذي ظهر سنة 1973م وغير ذلك من الأبحاث التي رأت أن تطوير النّص لا يتم إلا بالاستغناء عن المؤلف؛ إذ بات موته ضرورة ملحة إن لم يكن موته فضيلة كبرى.‏ 

أما (لاكان) ـ كما يرى الغَذَّامي وغيره ـ فقد حرر الدال من قيد المدلول الثابت؛ فصار المدلول متحركاً ومتغيراً فأحدث صَدْعاً بين الحقيقة واللغة حين تركنا وجهاً لوجه مع الإشارات العائمة؛ وهي إشارات اعتباطية عند بارت.‏ 

وكان جاك ديريدا (رائد البنيوية) قد رفع لواء علم النقد التشريحي، ولمع اسمه حين صدر كتابه (في النحوية) سنة 1967م. وقد دعا إلى إحلال النحوية محل السيمولوجية، وادعى أن "هذا العلم لم يوجد بعدُ"(14). وكان كتاب (ديريدا) قد ترجم إلى اللغة الإنكليزية سنة (1983م)، وصدر عن جامعة (كولومبيا).‏ 

فالتشريحية أكدت بعد السيمولوجية قيمة النص؛ لأنه أساس النقد ومنطلق عملية التلقي. ولهذا قال (ديريدا): "لا وجود لشيء خارج النص"(15). ومن ثم شدد في دعوته على قيمة اللغة باعتبارها دوالَّ حرة لا نهائية من المعاني ولاسيما في كتابه (الانتشار) سنة (1972م).‏ 

فالتشريحية "تعمل من داخل النص لتبحث عن الأثر"، على حد تعبير (ليتش)؛ وهكذا فعلت التناصية. ومفهوم الأثر ـ بهذا الإدراك والتحليل ـ ينبع من قلب النص عند ديريدا وليتش، ويمثل الوحدة النظرية في (النحوية)؛ مما جعله هدفاً للقارئ الناقد؛ ولم يخرج بارت عن ذلك(16).‏ 

وحين نتأمل مفهوم الأثر ندرك أنه مفهوم جمالي يحصّله القارئ بوساطة عناصر البنية النصية وشفراتها. وسبق إليه ابن طباطبا، ثم قُنن بما يشبه لدى التناصية في نظرية (النظم) عند عبد القاهر الجرجاني. فهي قائمة على "تضافر بلاغيات الجملة مع نحوها لتأسيس جماليتها بعيداً عن قيد المدلولات". كما أحسبه "سحر البيان الذي أشار إليه القول النبوي"(17)، "إن من البيان لسحرا"(18). فالغذامي يفيد من الجرجاني كثيراً في فهمه لنظرية التناص في ضوء نظرية (النظم) التي تستند الصياغة فيها إلى اللفظ العام والخاص والمشترك والمؤول.‏ 

إذاً؛ أخذت التشريحية تتحول نحو اتجاه نقدي جديد يمكن تسميته بالتناصية وفق نظرة شمولية. والبنيوية ـ عامة ـ قدَّمت إسهامات كبرى في صياغة جملة من مبادئ نظرية التناص ولاسيما ما يتصل بالوظيفة الشعرية. وكان (رومان جاكبسون) أحد روادها ونقادها المشهورين؛ وهو من حصر الوظيفة الجمالية أو الشعرية في إسقاط العلامات اللغوية من محور الاختيار باعتباره استبدالياً على المحول التركيبي باعتباره محوراً تأليفياً تبعاً للعلاقات الدلالية في التماثل والتضاد والتنافر... و... ثم أخذ مفهوم الوظيفة الجمالية يرتقي في إطار السياق الشعري لا المرجعي(19).‏ 

هكذا أفادت نظرية التناص من ذلك كله؛ وإن حاول بعض نقادها أن يربطوا بين النصوص السابقة والنص الموجود وعلاقته الكبرى بالمتلقي له... وقد سعى الغَذَّامي إلى بيان وظيفة الاتِّصال عند (رومان جاكبسون) وأوضح أن حازم القرطاجني كان قد سبقه إلى التعريف بقيمة هذه الوظيفة... على حين أغفل أو تغافل عن أسبقية مفهوم الأثر عند ابن طباطبا (ت 322 هـ).‏ 

فناقدنا سبق الجميع إلى مفهوم الأثر في (عيار الشعر ص 29) ولم يشر إليه الغذامي في (الخطيئة و التكفير)، في هذا الجانب... ولا يمكننا في هذا المقام أن نتغافل عما قدمه محمد عبد المطلب في كتابه (قضايا الحداثة عند عبد القاهر الجرجاني)، فقد أشار إلى قضايا كثيرة سبق بها الجرجاني الغربيين تتعلق بآليات التناص، وأشكاله...‏ 

ونكتفي بهذه الإشارات؛ لأن البحث ليس معقوداً للتفصيل في نظرية التناص وإنما لبيان أثر العرب في الغرب على صعيد الترابط بين النُصوص. ومن ثم على صعيد الحديث عن تفسير مفهوم النّص وأثر التوارد وغيره فيه. وهو ينطلق من النص ذاته؛ فيقول (بول دي مان): "يعتمد التفسير اعتماداً مطلقاً على النص؛ كما أن النص يعتمد اعتماداً مطلقاً على التفسير"(20). أما‏ 

(بارت) فقد جعل الأثر الفني للنص لا يتوقف؛ لأن تحليله "ينكر وجود مدلول نهائي"(21). وهو عينه ما وجدناه عند عبد القاهر في بيان أثر معاني النحْو، الأُوَل والثواني...‏ 

إن تلك الإشارات كافية لتؤكد لنا مدى الفائدة التي قدمتها النظريات النقدية الغربية لنظرية التناص؛ ولتبرز أن الغرب حاول أن يجعل النظرية اللاحقة مبنية على السابقة دون أن يلغيها؛ لأنها غدت ملك الأجيال والإنسانية... ثم جاء الخطاب النقدي العربي فأخذ كل جديد قدمه الغرب. وهذا ليس بعيب لكن العيب فيه أن يبقى في إطار النقل والنسخ. وأن يتغافل عما قدمه النقاد العربُ القدامى- غالباً-.‏ 

وهذا يفرض علينا أن نتبين بسرعة نشأة نظرية التناص ومفهومها.‏