د/ عبير عبد الصادق محمد بدوي

أستاذ الأدب المشارك بكلية تربية الزلفي

أعمال أمل دنقل

قصيدة : البكاء بين يدي زرقاء اليمامة
____________________________

أيتها العرافة المقدَّسةْ ..
جئتُ إليك .. مثخناً بالطعنات والدماءْ
أزحف في معاطف القتلى، وفوق الجثث المكدّسة
منكسر السيف، مغبَّر الجبين والأعضاءْ.
أسأل يا زرقاءْ ..
عن فمكِ الياقوتِ عن، نبوءة العذراء
عن ساعدي المقطوع.. وهو ما يزال ممسكاً بالراية المنكَّسة
عن صور الأطفال في الخوذات.. ملقاةً على الصحراء
عن جاريَ الذي يَهُمُّ بارتشاف الماء..
فيثقب الرصاصُ رأسَه .. في لحظة الملامسة !
عن الفم المحشوِّ بالرمال والدماء !!
أسأل يا زرقاء ..
عن وقفتي العزلاء بين السيف .. والجدارْ !
عن صرخة المرأة بين السَّبي. والفرارْ ؟
كيف حملتُ العار..
ثم مشيتُ ؟ دون أن أقتل نفسي ؟ ! دون أن أنهار ؟ !
ودون أن يسقط لحمي .. من غبار التربة المدنسة ؟ !
تكلَّمي أيتها النبية المقدسة
تكلمي ...
لا تغمضي عينيكِ، فالجرذان ..
تلعق من دمي حساءَها .. ولا أردُّها !
تكلمي ... لشدَّ ما أنا مُهان
لا اللَّيل يُخفي عورتي .. كلا ولا الجدران !
ولا اختبائي في الصحيفة التي أشدُّها ..
ولا احتمائي في سحائب الدخان !
.. تقفز حولي طفلةٌ واسعةُ العينين .. عذبةُ المشاكسة
( - كان يَقُصُّ عنك يا صغيرتي .. ونحن في الخنادْق
فنفتح الأزرار في ستراتنا .. ونسند البنادقْ
وحين مات عَطَشاً في الصحَراء المشمسة ..
رطَّب باسمك الشفاه اليابسة ..
وارتخت العينان !)
فأين أخفي وجهيَ المتَّهمَ المدان ؟
والضحكةَ الطروب : ضحكتهُ..
والوجهُ .. والغمازتانْ ! ؟
* * *
أيتها النبية المقدسة ..
لا تسكتي .. فقد سَكَتُّ سَنَةً فَسَنَةً ..
لكي أنال فضلة الأمانْ
قيل ليَ "اخرسْ .."
فخرستُ .. وعميت .. وائتممتُ بالخصيان !
ظللتُ في عبيد ( عبسِ ) أحرس القطعان
أجتزُّ صوفَها ..
أردُّ نوقها ..
أنام في حظائر النسيان
طعاميَ : الكسرةُ .. والماءُ .. وبعض الثمرات اليابسة .
وها أنا في ساعة الطعانْ
ساعةَ أن تخاذل الكماةُ .. والرماةُ .. والفرسانْ
دُعيت للميدان !
أنا الذي ما ذقتُ لحمَ الضأن ..
أنا الذي لا حولَ لي أو شأن ..
أنا الذي أقصيت عن مجالس الفتيان ،
أدعى إلى الموت .. ولم أدع الى المجالسة !!
تكلمي أيتها النبية المقدسة
تكلمي .. تكلمي ..
فها أنا على التراب سائلٌ دمي
وهو ظمئُ .. يطلب المزيدا .
أسائل الصمتَ الذي يخنقني :
" ما للجمال مشيُها وئيدا .. ؟! "
أجندلاً يحملن أم حديدا .. ؟!"
فمن تُرى يصدُقْني ؟
أسائل الركَّع والسجودا
أسائل القيودا :
" ما للجمال مشيُها وئيدا .. ؟! "
" ما للجمال مشيُها وئيدا .. ؟! "
أيتها العَّرافة المقدسة ..
ماذا تفيد الكلمات البائسة ؟
قلتِ لهم ما قلتِ عن قوافل الغبارْ ..
فاتهموا عينيكِ، يا زرقاء، بالبوار !
قلتِ لهم ما قلتِ عن مسيرة الأشجار ..
فاستضحكوا من وهمكِ الثرثار !
وحين فُوجئوا بحدِّ السيف : قايضوا بنا ..
والتمسوا النجاةَ والفرار !
ونحن جرحى القلبِ ،
جرحى الروحِ والفم .
لم يبق إلا الموتُ ..
والحطامُ ..
والدمارْ ..
وصبيةٌ مشرّدون يعبرون آخرَ الأنهارْ
ونسوةٌ يسقن في سلاسل الأسرِ،
وفي ثياب العارْ
مطأطئات الرأس.. لا يملكن إلا الصرخات الناعسة !
ها أنت يا زرقاءْ
وحيدةٌ ... عمياءْ !
وما تزال أغنياتُ الحبِّ .. والأضواءْ
والعرباتُ الفارهاتُ .. والأزياءْ !
فأين أخفي وجهيَ المُشَوَّها
كي لا أعكِّر الصفاء .. الأبله.. المموَّها.
في أعين الرجال والنساءْ !؟
وأنت يا زرقاء ..
وحيدة .. عمياء !
وحيدة .. عمياء !

الربيع العربي
01-15-2013, 02:54 AM
عن قصيدة / البكاء بين يدي زرقاء اليمامة
_______________________________

كانت هزيمة يونيو 1967(النكسة) بداية الإنعطافة الحقيقية لدنقل نحو الشهرة ونحو الشعر، وفي الأيام الأولى للنكسة أو الهزيمة كان أمل دنقل يقرأ قصيدة ( البكاء بين يدي زرقاء اليمامة) قبل النشر وهي قصيدة جريئة أكدت خطواته على طريق الشعر ولم يكن قد بلغ الثلاثين من عمرة بعد، متخذا من الأسطورة رمزا كما عودنا من ذي قبل في كثير من قصائده، وكانت عنواناً لأهم دواوينه "البكاء بين يدي زرقاء اليمامة"، وكان بعضهم يحذره من نشر القصيدة، وفيما تبقى من عام 1967 وإلى أوائل السبعينات كانت القصيدة على كل لسان، فقد كانت تعبيراً عميقاً وصادقاً عن الموقف

أعادت هذه القصيدة إلى الأذهان مأساة (زرقاء اليمامة) التي حذرت قومها من الخطر القادم فلم يصدقوها، كأنها صوت الابداع الذي كان يحذر من الخطر القادم في العام 1967 (النكسة) فلم يصدقه أحد إلا بعد أن حدثت الكارثة، وإذ أكد (البكاء بين يدي زرقاء اليمامة) التشابه بين الماضي والحاضر.
تأتي التساؤلات في القصيدة لتجسد صوت المواطن العربي الذي ذبحته الهزيمة من جهة، وصوت الشاعر الذي خذلوه بعد أن حذرهم من جهة أخري، فتحدث الأبيات عن ذلك العبد العبسي البائس الذي دعي إلى الميدان والذي لا حول له ولا شأن، فانهزم وخرج من جحيم هزيمته عاجزاً، عارياً، مهاناً، صارخاً، كأنه صدى يجسد ما في داخل كل قارئ عربي للقصيدة في الوقت الذي كتبت فيه، وإذا كان صوت هذا العبد العبسي شاهدا على الهزيمة فإن بكاءه في حضرة زرقاء اليمامة -العرافة المقدسة- شاهد على ما يمكن أن يفعله الشعر في زمن الهزيمة، خصوصا من حيث هي صورة أخرى من هذه العرافة: يرى ما لا يراه الآخرون ويرهص بالكارثة قبل وقوعها، وينطق شهادته عليها وقوعها، ويتولى تعرية الأسباب التي أدت إليها، غير مقتصر على الإدانة السلبية في سعيه إلى استشراف أفق الوعد بالمستقبل الذي يأتي بالخلاص .

وبعد ثلاثة أعوام تقريبا من وقوع الهزيمة التي مزقت حياة العرب المعاصرين رحل جمال عبد الناصر، وكانت وفاته أو بالأصح كان غيابه في الساحة العربية في مثل تلك الظروف الفاجعة هزيمة أخرى، وبعد رحيل عبد الناصر بأربعين يوماً التقى الشعراء العرب من مختلف الأقطار العربية لتأبين الزعيم الراحل وفي الاستراحة الجانبية للقاعة الكبرى للاتحاد الاشتراكي كان عدد من الشعراء والنقاد يقطعون الوقت في انتظار لحظة افتتاح الاحتفال التأبيني...
انفجر أمل في الشعر الحديث بهدوء؛ لكن بنوع مرير من السخرية لم تتوفر كثيراً في هذا الشعر، وصارت هذه الخاصية من أرقى ملامح شعره، فيقول:

(قيل لي أخرس)
فخرست، وعميت وائتممت بالخصيان
ظللت في عبيد "عبس" أحرس القطعان
أجز صوفها
أرد نوقها
أنام في حضائر النسيان
طعامي: الكسرة والماء وبعض التمرات اليابسة
وها أنا في ساعة الطعان
ساعة أن تخاذل الكماة والرماة والفرسان
دعيت للميدان
أنا الذي ما ذقت لحم الضان
أنا الذي لا حول لي أو شان
أنا الذي أقصيت عن مجالس الفتيان
أدعى إلي الموت .. ولم أدع إلي المجالسة

يتحدث هذا الجزء من قصيده البكاء بين يدي زرقاء اليمامة عن عبد من عبيد عبس يظل يحرس القطعان، يصل الليل بالنهار في خدمة السادة، طعامه الكسرة والماء وبعض التمرات اليابسة، وحين تقع الواقعة لا يملك هذا العبد سوى التوجه الى (زرقاء اليمامة) التي يعتبرها أمل كاهنه المستقبل ، كي ينفجر في حضرتها شعراً .

الربيع العربي
01-15-2013, 02:54 AM
◘●◘



http://www.3roos.com/files/ups/2012/232160/01338882217.jpg (http://www.3roos.com/files/ups/2012/232160/01338882217.jpg)



قصيدة : ضد من
____________

في غُرَفِ العمليات,
كان نِقابُ الأطباءِ أبيضَ,
لونُ المعاطفِ أبيض,
تاجُ الحكيماتِ أبيضَ, أرديةُ الراهبات,
الملاءاتُ,
لونُ الأسرّةِ, أربطةُ الشاشِ والقُطْن,
قرصُ المنوِّمِ, أُنبوبةُ المَصْلِ,
كوبُ اللَّبن,
كلُّ هذا يُشيعُ بِقَلْبي الوَهَنْ.
كلُّ هذا البياضِ يذكِّرني بالكَفَنْ!
فلماذا إذا متُّ..
يأتي المعزونَ مُتَّشِحينَ..
بشاراتِ لونِ الحِدادْ?
هل لأنَّ السوادْ..
هو لونُ النجاة من الموتِ,
لونُ التميمةِ ضدّ.. الزمنْ,
***
ضِدُّ منْ..?
ومتى القلبُ - في الخَفَقَانِ - اطْمأَنْ?!
***
بين لونين: أستقبِلُ الأَصدِقاء..
الذينَ يرون سريريَ قبرا
وحياتيَ.. دهرا
وأرى في العيونِ العَميقةِ
لونَ الحقيقةِ
لونَ تُرابِ الوطنْ!

الربيع العربي
01-15-2013, 02:57 AM
◘●◘

عن قصيدة / ضد من
________________

في قصيدة "ضد من"، يصور الشاعر أمل دنقل المشهد الأخير نقلاً عن المستشفى الذي عانى على سريره الوحدة مع المرض. بعدها وبعد قصائد المجموعة "أوراق الغرفة 8" أسدلت الستارة على رحلته الإبداعية التي استمرت بضعة وعشرين عاماً. وحياته القصيرة التي توقفت عند سن الثالثة والأربعين.

يلخص دنقل فيها معاناة البشر بقوله "ومتى القلب في الخفقان اطمأن؟"، في القصيدة يحتار دنقل بين السواد والبياض ومدلولاتهما وهو على سرير الموت والمرض، ولكنه يستقر مؤخراً على لون الحقيقة.. لون تراب الوطن.

الربيع العربي
01-15-2013, 02:58 AM
قصيدة : زهور ◘●◘


http://www.3roos.com/files/ups/2012/205182/11338513238.jpg (http://www.3roos.com/files/ups/2012/205182/11338513238.jpg)




قصيدة : زهور
__________

وسلالٌ منَ الورِد,
ألمحُها بينَ إغفاءةٍ وإفاقه
وعلى كلِّ باقةٍ
اسمُ حامِلِها في بِطاقه
***
تَتَحدثُ لي الزَهراتُ الجميلهْ
أن أَعيُنَها اتَّسَعَتْ - دهشةً -
َلحظةَ القَطْف,
َلحظةَ القَصْف
لحظة إعدامها في الخميلهْ!
تَتَحدثُ لي..
أَنها سَقَطتْ منْ على عرشِها في البسَاتين
ثم أَفَاقَتْ على عَرْضِها في زُجاجِ الدكاكينِ, أو بينَ أيدي المُنادين,
حتى اشترَتْها اليدُ المتَفضِّلةُ العابِرهْ
تَتَحدثُ لي..
كيف جاءتْ إليّ..
(وأحزانُها الملَكيةُ ترفع أعناقَها الخضْرَ)
كي تَتَمني ليَ العُمرَ!
وهي تجودُ بأنفاسِها الآخرهْ!!
***
كلُّ باقهْ..
بينَ إغماءة وإفاقهْ
تتنفسُ مِثلِىَ - بالكادِ - ثانيةً.. ثانيهْ
وعلى صدرِها حمَلتْ - راضيهْ...
اسمَ قاتِلها في بطاقهْ!

الربيع العربي
01-15-2013, 02:59 AM
عن قصيدة / زهور ◘●◘


عن قصيدة / زهور
_____________

يختار الشاعر موضوع قصيدة "زهور" من موقف حياتي بسيط، قد يكون عابرا؛ فتحدثت القصيدة عن باقات الورد المصفف في سلال مزدانة، إنه لا يراها كذلك، بل إنه يرى في محنتها وقطفها من بستانها وإزالة روح الحياة من بين حناياها مثالا أو معادلا موضوعيا لبؤسه هو/ بؤس الإنسان العربي المسحوق والمهان، المقتول أو المصلوب في بؤس الحياة، وكما أن هذه الزهور تحمل اسم صاحبها، فإن الإنسان العربي كذلك يحمل اسم قاتله في بطاقة.

نشر الشاعر أمل نقل هذه القصيدة في ديوانه الأخير "أوراق الغرفة 8" عام 1983، وجاءت في مرحلة متأخرة من مسيرته الشعرية الحافلة بعدة دواوين، وتعبر القصيدة في المجمل عن حالة الشاعر المتردية التي وصل إليها نتيجة أوضاع سياسية قاهرة، فبعد أن عاش الشاعر ما عاش لم يظفر بيوم، وها هي الحياة تمضي سريعا بذل كبير، وكأن الشاعر يتنبأ في هذه القصيدة بموته، الذي فاجأه في 21/5/1983، إنها اللحظة التي يفقد فيها الإنسان أمل الحياة وأمل التغيير.
قسم الشاعر القصيدة إلى ثلاثة أقسام؛ يمثل المقطع الأول مفتتح النص، وتكون القاف والهاء الساكنة قافية لهذا المقطع، يعرض فيه الشاعر مشهدا عابرا للزهور:

وسلال من الورد
ألمحها بين إغفاءة وإفاقهْ
وعلى كل باقهْ
اسم حاملها في بطاقهْ

أما المقطع الثاني، وهو أطول مقاطع القصيدة، إذ يمتد على مساحة (15) سطرا شعريا من أصل (19) سطرا هي مجموع أسطر القصيدة، وتحاور تلك الزهرات التي رآها في المشهد السابق، فتعبر بدهشة عن قطفها وإسقاطها عن عرشها في بستان نضر، لتصحو على نفسها، وإذا بها تزين واجهات محلات بيع الزهور، وتهان بين أيدي البائعين المتجولين، لتستقر بين أيدي إنسان متفضل، يجود بها على الشاعر متمنيا من خلال هذه الزهور طول العمر، فتهمس هذه الباقة المعذبة في ضمير الشاعر، عن مأساتها "وهي تجود بأنفاسها الأخيرة" .
ويعتمد الشاعر كذلك في هذا النص القصير والمعبر على أسلوب السرد، الذي جعل القصيدة مشهداً قصصيا قصيرا دالا ومكثفا لمعاناة طويلة، مستخدما في ذلك الجمل الفعلية، في زمن ماضٍ، وتحقيقا للنغم الموسيقي، وعناصر الإيقاع الخارجي، فقد بنى الشاعر المقطع الثاني على عدة قواف تبدو برتابة معينة، فجاءت اللام والهاء الساكنة " الخميلهْ/ الجميلهْ" ثم الفاء الساكنة في "القطفْ/ القصفْ" والنون المسبوقة بياء المد " البساتينْ/ المنادينْ" والراء الساكنة " الخضرْ/ الفجرْ" والراء التي تليها الهاء الساكنة" العابرهْ/ الآخرهْ"، ولعل هذا التنوع الموسيقي الكثيف يدل على الاحتدام العاطفي في نفس الشاعر، وجاء على لسان تلكم الزهور.
ثم تنتهي القصيدة بمثل ما بدئت به، جاعلا الشاعر من تجربة الزهرة تجربة له، ولكل إنسان عربي يموت على امتداد الوطن العربي، إن لم يمت فيزيائيا إلا أنه في حكم الميت، فالزهرة التي لفظت أنفاسها الأخيرة بين يديه، يتنفس بالكاد مثلها، فقد حملت اسم قاتلها، وهو كذلك سيحمل يوما اسم قاتله، ويعلقه على صدره، وكأنه يشير من طرف خفي بعلاقة المثقف مع السلطة، فإن استسلم المثقف للسلطة فقد باء بالموت.
وقد بُنيَ هذا المقطع على نسق مفتتح القصيدة؛ فقد جاء المقطع قـصيرا دالا مكثفا ينضح بالنغــم، بنبرة صوتية يحس الإنسان فيها بالمرارة:
كل باقهْ
بين إغفاءة وإفاقهْ
تتنفس مثلي بالكاد ثانية ثانيهْ
وعلى صدرها حملت راضيهْ
اسم قاتلها في بطاقهْ
وهكذا فقد نجح الشاعر عبر هذا النص ببناء صورة شعرية مشهدية، مستعينا ببعض الصور الجزئية، فقد نقل تشخيص الزهرة في القصيدة الزهرة من مجرد عنصر طبيعي إلى معادل موضوعي ورمزي للإنسان العربي المقهور، الذي لم يجد شيئا يواسيه سوى هذه الزهرة التي تتمنى له طول العمر، وعلى الرغم من النفَس الساخر في العبارة، إلا أنها قد تعبر من جانب آخر عن الحزن الذي يحياه الإنسان العربي والشيء العربي، وبالتالي الحياة العربية بمجملها، جراء أوضاع لا يحسد عليها، مما جعل الزهرة تسلم أنفاسها الأخيرة بين يدي الشاعر الذي عرف مأساتها وعبرت هي بالتالي عن مأساته، وجاءت القوافي الساكنة لتحمل تلك المأساة؛ فما السكون إلا تجلٍّ من تجليات الموت.

الربيع العربي
01-15-2013, 02:59 AM
قصيدة : الجنوبي ◘●◘



http://www.3roos.com/files/ups/2012/205182/01338513238.jpg (http://www.3roos.com/files/ups/2012/205182/01338513238.jpg)



قصيدة : الجنوبي
____________

صورة
هل أنا كنت طفلاً
أم أن الذي كان طفلاً سواي
هذه الصورة العائلية
كان أبي جالساً، وأنا واقفُ .. تتدلى يداي
رفسة من فرس
تركت في جبيني شجاً، وعلَّمت القلب أن يحترس
أتذكر
سال دمي
أتذكر
مات أبي نازفاً
أتذكر
هذا الطريق إلى قبره
أتذكر
أختي الصغيرة ذات الربيعين
لا أتذكر حتى الطريق إلى قبرها
المنطمس
أو كان الصبي الصغير أنا ؟
أم ترى كان غيري ؟
أحدق
لكن تلك الملامح ذات العذوبة
لا تنتمي الآن لي
و العيون التي تترقرق بالطيبة
الآن لا تنتمي لي
صرتُ عني غريباً
ولم يتبق من السنوات الغريبة
الا صدى اسمي
وأسماء من أتذكرهم -فجأة-
بين أعمدة النعي
أولئك الغامضون : رفاق صباي
يقبلون من الصمت وجها فوجها فيجتمع الشمل كل صباح
لكي نأتنس.
وجه
كان يسكن قلبي
وأسكن غرفته
نتقاسم نصف السرير
ونصف الرغيف
ونصف اللفافة
والكتب المستعارة
هجرته حبيبته في الصباح فمزق شريانه في المساء
ولكنه يعد يومين مزق صورتها
واندهش.
خاض حربين بين جنود المظلات
لم ينخدش
واستراح من الحرب
عاد ليسكن بيتاً جديداً
ويكسب قوتاً جديدا
يدخن علبة تبغ بكاملها
ويجادل أصحابه حول أبخرة الشاي
لكنه لا يطيل الزيارة
عندما احتقنت لوزتاه، استشار الطبيب
وفي غرفة العمليات
لم يصطحب أحداً غير خف
وأنبوبة لقياس الحرارة.
فجأة مات !
لم يحتمل قلبه سريان المخدر
وانسحبت من على وجهه سنوات العذابات
عاد كما كان طفلاً
سيشاركني في سريري
وفي كسرة الخبز، والتبغ
لكنه لا يشاركني .. في المرارة.
وجه
ومن أقاصي الجنوب أتى،
عاملاً للبناء
كان يصعد "سقالة" ويغني لهذا الفضاء
كنت أجلس خارج مقهى قريب
وبالأعين الشاردة
كنت أقرأ نصف الصحيفة
والنصف أخفي به وسخ المائدة
لم أجد غير عينين لا تبصران
وخيط الدماء.
وانحنيت عليه أجس يده
قال آخر : لا فائدة
صار نصف الصحيفة كل الغطاء
و أنا ... في العراء
وجه
ليت أسماء تعرف أن أباها صعد
لم يمت
هل يموت الذي كان يحيا
كأن الحياة أبد
وكأن الشراب نفد
و كأن البنات الجميلات يمشين فوق الزبد
عاش منتصباً، بينما
ينحني القلب يبحث عما فقد.
ليت "أسماء"
تعرف أن أباها الذي
حفظ الحب والأصدقاء تصاويره
وهو يضحك
وهو يفكر
وهو يفتش عما يقيم الأود .
ليت "أسماء" تعرف أن البنات الجميلات
خبأنه بين أوراقهن
وعلمنه أن يسير
ولا يلتقي بأحد .
مرآة
-هل تريد قليلاً من البحر ؟
-إن الجنوبي لا يطمئن إلى اثنين يا سيدي
البحر و المرأة الكاذبة.
-سوف آتيك بالرمل منه
وتلاشى به الظل شيئاً فشيئاً
فلم أستبنه.
.
.
-هل تريد قليلاً من الخمر؟
-إن الجنوبي يا سيدي يتهيب شيئين :
قنينة الخمر و الآلة الحاسبة.
-سوف آتيك بالثلج منه
وتلاشى به الظل شيئاً فشيئاً
فلم أستبنه
.
.
بعدما لم أجد صاحبي
لم يعد واحد منهما لي بشيئ
-هل نريد قليلاً من الصبر ؟
-لا ..
فالجنوبي يا سيدي يشتهي أن يكون الذي لم يكنه
يشتهي أن يلاقي اثنتين:
الحقيقة و الأوجه الغائبة

الربيع العربي
01-15-2013, 03:01 AM
قصيدة : الطيور ◘●◘



http://www.3roos.com/files/ups/2012/205182/21338513238.jpg (http://www.3roos.com/files/ups/2012/205182/21338513238.jpg)



قصيدة : الطيور
____________

(1)
الطيورُ مُشردةٌ في السَّموات,
ليسَ لها أن تحطَّ على الأرضِ,
ليسَ لها غيرَ أن تتقاذفَها فلواتُ الرّياح!
ربما تتنزلُ..
كي تَستريحَ دقائقَ..
فوق النخيلِ - النجيلِ - التماثيلِ -
أعمِدةِ الكهرباء -
حوافِ الشبابيكِ والمشربيَّاتِ
والأَسْطحِ الخرَسانية.
(اهدأ, ليلتقطَ القلبُ تنهيدةً,
والفمُ العذبُ تغريدةً
والقطِ الرزق..)
سُرعانَ ما تتفزّعُ..
من نقلةِ الرِّجْل,
من نبلةِ الطّفلِ,
من ميلةِ الظلُّ عبرَ الحوائط,
من حَصوات الصَّياح!)
***
الطيورُ معلّقةٌ في السموات
ما بين أنسجةِ العَنكبوتِ الفَضائيِّ: للريح
مرشوقةٌ في امتدادِ السِّهام المُضيئةِ
للشمس,
(رفرفْ..
فليسَ أمامَك -
والبشرُ المستبيحونَ والمستباحونَ: صاحون -
ليس أمامك غيرُ الفرارْ..
الفرارُ الذي يتجدّد. كُلَّ صباح!
(2)
والطيورُ التي أقعدتْها مخالَطةُ الناس,
مرتْ طمأنينةُ العَيشِ فَوقَ مناسِرِها..
فانتخَتْ,
وبأعينِها.. فارتخَتْ,
وارتضتْ أن تُقأقَىَء حولَ الطَّعامِ المتاحْ
ما الذي يَتَبقى لهَا.. غيرُ سَكينةِ الذَّبح,
غيرُ انتظارِ النهايه
إن اليدَ الآدميةَ.. واهبةَ القمح
تعرفُ كيفَ تَسنُّ السِّلاح!
(3)
الطيورُ.. الطيورْ
تحتوي الأرضُ جُثمانَها.. في السُّقوطِ الأخيرْ!
والطُّيُورُ التي لا تَطيرْ..
طوتِ الريشَ, واستَسلَمتْ
هل تُرى علِمتْ
أن عُمرَ الجنَاحِ قصيرٌ.. قصيرْ?!
الجناحُ حَياة
والجناحُ رَدى.
والجناحُ نجاة.
والجناحُ.. سُدى!



http://www.youtube.com/watch?v=G71cNPMIMxU

الربيع العربي
01-15-2013, 03:02 AM
عن قصيدة / الطيور ◘●◘


عن قصيدة / الطيور
____________

تمهيد

نص "الطيور" للشاعر المصري الراحل" أمل دنقل" كان قد كتب في مرحلة عصيبة من حياته وهي مرحلة مرضه، حيث كتبه الشاعر في العام 1981 أي قبل وفاته التي حدثت في مايو1983 ومن هنا تتأتى أهمية النص بوصفه حالة إسقاطية أو مرآوية لما يحدث في عالم الطيور فيسقطه الشاعر أو يعكسه على عالمه ومن ثم عالم البشر، والنص مكتوب بطريقة شفافة وتكاد تكون صادقة فليس أمام إنسان يموت سوى الشفافية واليقينية المبدعة، إن طيور أمل دنقل وحسب ما سوف نفصله لاحقا كناية عن مصير الإنسان ورحلته الوجودية، ما يواجه الطيور يجانس ما يواجهه الإنسان، فالهجرة والتشرد أو حتى التدجين والقتل والسجن هي عوالم تعيشها الطيور ويعيشها الإنسان على السواء، وهو ما يلمح إليه النص بلغة شعرية شفيفة، إن شعرنة عالم الطيور بهذه اللغة المبدعة، وإسقاطها على عالم الشاعر،هو ما يلتقطه الشاعر أمل دنقل وهو ما سنبينه في قراءتنا لهذا النص.

المتن

النص على مستو التكنيك متكون من ثلاثة مقاطع مرقمة بالأرقام 1، 2، 3 على التوالي، المقطع الأول يتكون من جزأين، أما الثاني والثالث فهما ينطويان على جزء واحد لكل منهما، ولو بدأنا بالمقطع الأول(رقم 1)، سنقرأ عن طيور يسميها الشاعر "مشردة"، هذه الطيور المحلقة عاليا على شكل أسراب أو فرادى لا وطن لها وهي مندفعة بشكل غريزي إلى المجهول، إنها مشردة لا مكان لها على الأرض وبيوتها هناك في أعالي الرياح، حيث الرياح فراشا ودثارا، والرياح وطنا والصفير قرينا، إنها الطيور المهاجرة، حيث العلى والرحيل القصي، هنالك وإذ تلمحها عين الشاعر، تكون أنامله طقسا ويلهو على خافقيه المدى، إنها صورة للحراك البشري في، في كافة الأزمان والعصور، وهي لما تنزل الأرض لا للمكوث بل هي كالفرسان تترجل للاستراحة قليلا ليس إلا:-

الطيور مشردة في السموات ،
ليس لها أن تحط على الأرض،
ليس لها غير أن تتقاذفها فلوات الرياح
ربما تتنزلُ..
كي تستريح دقائق..

الطيور لا يمكنها أن تنزل أنى تشاء، بل هنالك أمكنة معينة هي ما يجب أن تقف وتستريح عليها، إن هذه الطيور تختار الأمكنة المرتفعة عن سطح الأرض لأنها الأكثر أمنا لها، لأن دقائق الاستراحة هذه قد تتحول إلى موت أكيد ، لذا فهي تقف على التماثيل أو فوق الأشجار أو على سطوح المباني:-

فوق النخيل-النجيل-التماثيل-
أعمدة الكهرباء-
حواف الشبابيك والمشربيات
والأسطح الخرسانية

إن نزول هذه الطيور يتوسله الشاعر، فهي بالرغم مما يثيره وجودها من شجن في نفسه من خلال جمال أشكالها وأصواتها، إلا أنها سوف لن تكون بمنجى عن الأشرار (القطط هنا)، إذن فإن نزولها مرغوب به ليس حبا بها ولكن هنالك من يستغلها لمآربه:-

( اهدأ ، ليلتقط القلب تنهيدة،
والفم العذب تغريدة
والقط الرزق..)

إن الشاعر وكأنه يغبط الطيور على ما هي فيه ،لكنه يستشعر الخوف الذي تعيشه الطيور المهاجرة وهي تنزل للاستراحة، فهي عندما تنزل عالم البشر فإنها تكون مرتعبة وتفزع من أية حركة غير عادية سواء كانت خفق حذاء أو حجر تطلقه كف طفل صغير أو حتى عندما يتحول الظل من حائط إلى آخر، فضلا عن تعالي الأصوات التي يسميها الشاعر "حصوات الصياح" :-

سرعان ما تتفزعُ ..
من نقلة الرجل،
من نبلة الطفل،
من ميلة الظل عبر الحوائط،
من حصوات الصياح!

في الجزء الثاني يلتفت الشاعر إلى نوع ثان من الطيور وهي الطيور الباقية في بلدانها ويصفها بالطيور المعلقة في السماء:-

الطيور معلقة في السماوات
ما بين أنسجة العنكبوت الفضائي: للريح
مرشوقة في امتداد السهام المضيئة
للشمس،

إن هذه الطيور والتي ليس لها القدرة على الهجرة هي طيور معلقة في سماء بلدانها، وكأنها ثريات تتلاعب بها الأنسجة العنكبوتية للريح وتتقافز من على أجسادها السهام المضيئة لأشعة الشمس، إن هذا النوع من الطيور كناية للناس التي لا تستطيع مغادرة أوطانها فهي لا تستطيع أن تعيش في وطن آخر، أما لضيق ذات اليد أو حبا في البقاء في وطنها الأم، ولكن مع ذلك فإن الشاعر يطالبها بالحركة والطيران :-

(رفرفْ..
فليس أمامك-
والبشر المستبيحون والمستباحون:صاحون-
ليس أمامك غير الفرار..
الفرار الذي يتجدد.كل صباح!)

إن المقطع أعلاه مكتوب بين قوسين وهو كمن يخاطب نفسه عندما وجد نفسه بين أناس ارتضت أن تكون مابين مستبيح ومستباح، إن الشاعر وجد أن لا طائل من مصير ليس له القدرة على تغييره ،وليس هنالك سوى الفرار ، وهو قرار يكاد يتجدد كل صباح.
على المستوى التقني نقرأ تشاكلا بين جزأي المقطع الأول، فهنالك وصف ثم استدراك،أي هنالك إخبار عن حالة ثم استدراك بصيغة المخاطب وهو متمثل في المقطعين الذين يبدءان بفعلي الأمر(اهدأ وكذلك رفرفْ)، ولكن كما أسلفنا فإن المقطع الأول يتكلم عن طيور مشردة (مهاجرة) ليس لها وطن أو لفظتها أوطانها وفي الجزء الثاني يتكلم عن طيور معلقة لا تبارح مكانها ولكنها تمارس لعبة مزرية بحق نفسها تتناوب فيها على دور الجلاد والضحية.
في المقطع الثاني نقرأ عن طيور من نوع آخر، وهي طيور لا تطير وليس لها القدرة على الطيران ،هذه الطيور هي الطيور الداجنة، وهي ليس لها قدرة على تغيير مصيرها، إذ إن مصيرها بيد الآخرين، وهي سعيدة على ماهي فيه، وراضية على أسرها بسعادة غامرة:-

والطيور التي أقعدتها مخالطة الناس،
مرت طمأنينة العيش فوق منا سرها..
فانتفخت،
وبأعينها.. فارتخت،
وارتضت أن تقاقئ حول الطعام المتاح

إن هذا النوع من الطيور هو كناية للبشر العبيد والذين ليس لهم القدرة على تغيير واقعهم، إن الشاعر أمل دنقل لم يعطهم اسما بل أعطاهم صفة تأتي بعد أداة وصل تصغيرا لهم، إن هذا النوع من الطيور أرتضى مخالطة الناس (كناية عن السادة والأقوياء) ‘وبالتالي ارتضوا ما يجود به عليهم هؤلاء الأقوياء، إذ إن منا سرها(مناقيرها) مطمئنة فلن تستخدمها في صيد الغذاء بل تستخدمها فقط في تناول الغذاء الذي يأتي إليها جاهزا وما عليها سوى أن تقاقئ حوله إلى أن يحين موعد ذبحها:-

مالذي يتبقى لها.. غير سكينة الذبح،
غير انتظار النهاية
إن اليد الآدمية..واهبة القمح
تعرف كيف تسن السلاح

إن هكذا نوع من الطيور ليس له وظيفة سوى أن يكون طعاما، هي طيور ليست كأي طيور، كما أن خير نهاية لها أن تموت ذبحاً، إذ إن اليد الآدمية التي تطش القمح لها كل يوم هي ذاته اليد التي ستمرر السكين على رقبتها ذات يوم، والشاعر أمل دنقل لا يريد للبشر بأية حال من الأحوال أن يكونوا من هذا النوع من الطيور، إذ إن الروح الشاعرة والمتوثبة فيه تقول له (رفرف)، فمكان الشاعر بين الأرض والسماء، أو كما يقول هايدغر في "البين بين".
في المقطع الثالث والأخير من هذا النص، يلخص الشاعر الدراما الوجودية للمخلوقات متمثلة بالطيور والتي هي قطعا تشاكل الدراما الإنسانية في تفاصيلها حيث يقول:-

الطيور..الطيور
تحتوي الأرض جثمانها..في السقوط الأخير!
والطيور التي لا تطير..
طوت الريش واستسلمت

إن ما يطلق عليه الشاعر بكل حب"الطيور..الطيور" في المقطع أعلاه، هي الطيور التي لا يأكلها أحد، ولن تكون بأي حال من الأحوال طعاما للآخرين، هي الطيور الحرة السعيدة بحريتها بالرغم مما تعانيه في تفاصيل حياتها، هي الطيور التي تموت في الفضاء وتسقط كمحارب شجاع في رحلتها الحياتية الأسطورية، هذه الطيور سترحب بها الأرض وتدفن كما يدفن الفرسان..وعلى عكسها هنالك الطيور التي لا تطير، فهذه طيور داجنة ومستسلمة ومذعنة وليس لها مكان لتدفن فيه بل هي ستصير طعاما للآخرين، إن الشاعر ليتساءل هنا عن هذا الاختلاف بين فصيلتين من الطيور حين يقول:-

هل ترى علمت
أن عمر الجناح قصيرٌ..قصيرْ؟!

إنه تساؤل وجودي عميق يطلقه أمل دنقل، وهو كناية عن قصر الحياة وتهافتها، ولما كانت الحياة قصيرة أليس الأجدى أن نعيش حياتنا بطريقة محترمة وغير مهينة، وما المانع إذا كان لكل طائر جناح:-

الجناح حياة
الجناح ردى
والجناح نجاة
والجناحُ..سدى!

إذن فالجناح يمثل مصيرا للطائر،وهو كناية لقدرة الإنسان وطموحه..فقد يكون هذا الجناح حياة كريمة أو لا يكون وقد يكون ميتة كريمة أو يكون ميتة حقيرة، قد يكون نجاة وقلوع نحو المجد، إذن فالجناح حسب أمل دنقل يمثل ثوبا(سدى) نلبسه وننزعه بأيدينا ..وكل سيختار الميتة تناسبه، مع الإقرار بحقيقة أنها قد لا تكون الميتة التي ستحدث فعلا.
في الأخير نقول إن هذا النص المرهف للشاعر أمل دنقل يعبر عن صراع الإنسان مع الحياة ،وإذا علمنا بأن الشاعر كان قد كتبه في أيام محنته ومرضه، فهو يحيل إلى رسالة يريد الشاعر إيصالها للمتلقي والقارئ في كل حين، وهي رسالة معبرة وتدل على روح شاعرة وشفافة تصارع الموت بكل نبل، إن الشاعر أمل دنقل كان طائرا معلقا ومرفرفا في سماء مصر عاش ومات فيها،إلا أن عمر جناحه قصير، فأورثه حياة بعد حياته ومكانة يستحقها.

الربيع العربي
01-15-2013, 03:02 AM
قصيدة : مقابلة خاصة مع ابن نوح ◘●◘



http://www.3roos.com/files/ups/2012/205182/31338513238.jpg (http://www.3roos.com/files/ups/2012/205182/31338513238.jpg)



قصيدة : مقابلة خاصة مع ابن نوح
__________________________

جاء طوفانُ نوحْ!
المدينةُ تغْرقُ شيئاً.. فشيئاً
تفرُّ العصافيرُ,
والماءُ يعلو.
على دَرَجاتِ البيوتِ
- الحوانيتِ -
- مَبْنى البريدِ -
- البنوكِ -
- التماثيلِ (أجدادِنا الخالدين) -
- المعابدِ -
- أجْوِلةِ القَمْح -
- مستشفياتِ الولادةِ -
- بوابةِ السِّجنِ -
- دارِ الولايةِ -
أروقةِ الثّكناتِ الحَصينهْ.
العصافيرُ تجلو..
رويداً..
رويدا..
ويطفو الإوز على الماء,
يطفو الأثاثُ..
ولُعبةُ طفل..
وشَهقةُ أمٍ حَزينه
الصَّبايا يُلوّحن فوقَ السُطوحْ!
جاءَ طوفانُ نوحْ.
هاهمُ "الحكماءُ" يفرّونَ نحوَ السَّفينهْ
المغنونَ- سائس خيل الأمير- المرابونَ- قاضى القضاةِ
(.. ومملوكُهُ!) -
حاملُ السيفُ - راقصةُ المعبدِ
(ابتهجَت عندما انتشلتْ شعرَها المُسْتعارْ)
- جباةُ الضرائبِ - مستوردو شَحناتِ السّلاحِ -
عشيقُ الأميرةِ في سمْتِه الأنثوي الصَّبوحْ!
جاءَ طوفان نوحْ.
ها همُ الجُبناءُ يفرّون نحو السَّفينهْ.
بينما كُنتُ..
كانَ شبابُ المدينةْ
يلجمونَ جوادَ المياه الجَمُوحْ
ينقلونَ المِياهَ على الكَتفين.
ويستبقونَ الزمنْ
يبتنونَ سُدود الحجارةِ
عَلَّهم يُنقذونَ مِهادَ الصِّبا والحضاره
علَّهم يُنقذونَ.. الوطنْ!
.. صاحَ بي سيدُ الفُلكِ - قبل حُلولِ
السَّكينهْ:
"انجِ من بلدٍ.. لمْ تعدْ فيهِ روحْ!"
قلتُ:
طوبى لمن طعِموا خُبزه..
في الزمانِ الحسنْ
وأداروا له الظَّهرَ
يوم المِحَن!
ولنا المجدُ - نحنُ الذينَ وقَفْنا
(وقد طَمسَ اللهُ أسماءنا!)
نتحدى الدَّمارَ..
ونأوي الى جبلٍِ لا يموت
(يسمونَه الشَّعب!)
نأبي الفرارَ..
ونأبي النُزوحْ!
كان قلبي الذي نَسجتْه الجروحْ
كان قَلبي الذي لَعنتْه الشُروحْ
يرقدُ - الآن - فوقَ بقايا المدينه
وردةً من عَطنْ
هادئاً..
بعد أن قالَ "لا" للسفينهْ
.. وأحب الوطن!

الربيع العربي
01-15-2013, 03:02 AM
دراسة عن قصيدة / مقابلة خاصة مع ابن نوح ◘●◘



دراسة عن قصيدة / مقابلة خاصة مع ابن نوح
_____________________________

1-افتتاحية القصيدة تنبئ عن وقوع حدث ماض.. يجري استحضاره بجملة فعلية، تحمل دلالات الفعل الماضي وحضوره بذهن ومخيلة الشاعر في آن معاً:‏

"جاء طوفان نوح".‏

وحين يستخدم الشاعر أو الكاتب جملة فعلية، يعني أن هناك حدثاً ما قد وقع، أو يقع، تتناولـه حركة الفعل على لسان الراوي أو الشاهد، والجملة بتكوينها هذا تشير إلى أن طوفان نوح حدثٌ قد وقع فعلاً في الزمن الماضي.. البعيد، لكن حركة الفعل داخل النّص الشعري /الحكاية/ وما يوحيه لنا العنوان، تشي أن المقابلة مع ابن نوح جرت في الزمن الراهن، وليس لنوح أية علاقة بالمقابلة وبالتالي فالحكاية القصيدة، ليست رصداً للحادثة التاريخية. فالمقطع الثاني من القصيدة يخلو تماماً من الفعل الماضي، بينما يعتمد على الأفعال المضارعة المتعددة: //المدينة تغرق.. والعصافير تفرّ.. ويطفو الأوزّ على الماء.. والصبايا يلوّحن فوق السطوح.. إلخ//.‏

هنا تدخل القصيدة /الحكاية/ في لعبة الزمن. فطوفان نوح ضارب في القدم لكنّ طبيعة الأسماء ودلالات الأمكنة، ومفردات الحياة الواردة في محور القصيدة، طبيعة معاصرة وحاضرة في الذهن والواقع: ((مبنى البريد –البنوك- مستشفيات الولادة- بوابة السجن- أروقة الثكنات- إلخ)).‏

ثم نتلمس في المقطع الثالث –رغم استخدامه للفعل المضارع- طبيعة الأسماء الحاضرة في التاريخ القديم. وليس لها علاقة بالراهن كمفردات تحمل دلالات الزمن الذي تنتمي إليه: //الحكماء –قاضي القضاة- حامل السيف- راقصة المعبد-)). ثم في المقطع الرابع يعود الزمن الراهن بمفرداته المعاشة: ((الجبناء –السفينة- شباب المدينة- مهاد الصبا- الوطن.. الخ)).‏

هكذا يتيسّر لنا أن نكتشف تداخل الأزمنة عبر صراع الحركة والتحول، كعنصر هام من عناصر الفن الحكائي- القصصي- لدى أمل دنقل، مستفيداً من أشكال وبنى فنية تعامل معها فن القصة والرواية. مما أثرى فن الحكاية الشعرية لديه. وطوّره بشكل يكاد يكون كثيفاً في مرحلة ما بعد السياب وعبد الصبور وأدونيس ودرويش وسعدي يوسف- فالزمن لديه ليس في تحديد زمن وقوع الفعل فحسب، وإنّما أيضاً مدى الحركة والحيوية.. حيوية العلاقة بالراهن التي يمنحها للنص الشعري، لتكتسب في النهاية رموزها ودلالاتها الفكرية والفنية.‏

2-يشير عنوان القصيدة إلى /الحكاية/ الأسطورة التي وردت في "التوراة" و"القرآن"، وفي أساطير شعوب أخرى كثيرة مثل الهند وبلاد ما بين النهرين /أسطورة جلجامش/.‏

وقد ركّزت تلك الأساطير –كما في طوفان نوح- على الدلالة الأخيرة التي توجّت الطوفان الذي يرمز بشكل واضح- في الأسطورة- إلى بدايةٍ جديدة للحياة على الأرض. أو بداية تكوين العالم من السديم. وبالتالي هو رمز الولادة الجديدة للحياة، هو إنقاذ حفنة نيّرة من البشرية، من شرور حفنة من "الكافرين".‏

غير أننا سنكتشف /في القصيدة/ أن أمل دنقل قد نسف المعادل الرمزي للأسطورة، وحوّلها إلى دلالة أخرى تماماً، هي دلالة الهدم والخراب والفزع، حتى العصافير ولّت هاربة، من رهبة هذا الطوفان المدمّر.. الذي أغرق كل شيء على وجه الأرض: ((البيوت- الحوانيت- مبنى البريد- البنوك- التماثيل لأجدادنا الخالدين –المعابد- أجولة القمح- مستشفيات الولادة.. دار الولاية.. الخ)).‏

ثم تشي لنا القصيدة أن جزءاً كبيراً منها يرصد حركة الطوفان وحركة البشر معتمداً على النص القرآني* الذي يبدأ مباشرة بوصف السفينة الناجية، وذكر ابن نوح- الذي لم يذكره النص التوراتي** الحافل بالتفاصيل في وصف حركة الطوفان:‏

كيف محى الله- بالطوفان- كل قائم على الأرض/-:‏

//فتغطّت الجبال. فمات كل ذي جسد كان يدبّ على الأرض. من الطيور والبهائم والوحوش وكل الزحافات والتي كانت تزحف على الأرض وجميع الناس)).‏

ولم يبق سوى نوح والذين صعدوا إلى السفينة من "الطاهرين". غير أن الشاعر يرى –عبر المفارقة في الرمز والدلالة- أن الناجين من الموت في الطوفان هم: الجبناء –الحكماء –المغنون- سائس الخيل- المرابون- قاضي القضاة /ومملوكه/ -حامل السيف- راقصة المعبد- جباة الضرائب- مستوردو الأسلحة- عشيق الأميرة في سمته الأنثوي.. الخ)).‏

كل هذه الرموز، بما تحمله من دلالات اجتماعية وفكرية وسياسية، تنفي فكرة إنقاذ البشر الطيبين من الشرور، وتعترف بشكل خفي بوحدة التناقض وصراع الأضداد في الطبيعة والبشر، عبر مفارقة فكرية فلسفية بين الشاعر والأسطورة، مستخدماً إياها للتدليل على حركة الخراب الراهنة.‏

هكذا تبنى القصيدة /الحكاية/ عبر حركة التحام وتداخل مع الواقع المعاصر، نكتشفها شيئاً فشيئاً في حركة طوفان من نوح آخر، حركة تغرق الأشياء المادّية المكوّنة للحياة- للحضارة بصفة عامة. فالطوفان هنا يمثل الغزو بمعناه الشمولي، كمقدمة للخراب الاجتماعي والثقافي والسياسي؛ على نقيض المعنى الدلالي للأسطورة /الطوفان" الذي يمثل إنقاذ البشرية من المهانة والفساد والشرور.‏

لذلك جاءت بعض أجزاء القصيدة –التي تحفل بدرجة عالية من الرصد الخارجي- الموضوعي- لتعزّز بناء الحكاية في رصد حركة الحدث وانعكاسه الداخلي /الذاتي/ على موقف ومعاناة الشاعر في الزمن الراهن. فالتحمت حركة الصراع الخارجي- أي طغيان الطوفان- وحركة المجتمع- برؤية الشاعر الطبقية إزاء هذا الطوفان- مع الموقف الفكري للشاعر، الذي تماثل مع موقف "ابن نوح" برفض النزوح، والتمرّد، وهذا هو أساس وجذر القصيدة الحكاية وغايتها، وهذا ما يفسر أيضاً استخدام ضمير المتكلم، عبر حالة الصراع /الفعل/ متخذاً "ابن نوح" قناعاً له. تحقّقت فيه خصائص القناع التراثي، /كما سنرى لدى أدونيس، والبياتي في مكان آخر من هذا البحث- كتقنية فنيّة يتوحّد بها الشاعر تماماً للتعبير عن موقف تمرّدي أيديولوجي.‏

وهنا تجدر الإشارة إلى أن الشاعر كثيراً ما يتخذ من التراث قناعاً، ويتبناه في كثير من قصائده، مع ملاحظة أن الشخصيات التي يختارها "قناعاً" هي في الغالب شخصيات قلقة، متمرّدة، وعناصر مناوئة وانقلابية، وليست سلطوية؛ عناصر تمثل فكرة الرفض في التراث العربي "زرقاء اليمامة –عنترة العبسي- المتنبي- أبو موسى الأشعري- أبو نواس.. الخ- وسبارتاكوس من التراث العالمي.‏

ومن الملاحظ أيضاً أن كل من هذه الشخصيات التراثية، صاحب قضية، يناضل من أجلها بطريقة أو بأخرى- بعضها قدم حياته من أجل قضيته- وهي في الغالب شخصيات معادية للسلطة، غير أنها جميعاً- وهذه ملاحظة هامة- شخصيات فردية وليست جماعية، لذلك لم تصل إلى حالة ثورية- باستثناء سبارتاكوس- أو إلى حالة تناقض فكري مع السلطة والتقاليد، رغم أن تمرّدها اكتسب في عصرنا الراهن قيماً عظيمة، ولا شك أن اختيار الشاعر لهذه الشخصيات ينسجم مع منطق التمرّد المطلق الذي تبنّاه أمل دنقل طيلة حياته*.‏

3-إن الحنين إلى الماضي عند أمل دنقل يمكن أن يفسّر لنا هاجس البحث عن المثل الأعلى، الكامن في ذهنه، والغائب عن الحياة المعاصرة، إنه يحنّ دائماً إلى المجتمع البدائي في كثير من قصائده –زرقاء اليمامة- حرب البسوس- لا تصالح- الخيول- في انتظار السيف- حكايا المدينة القصيّة-.. الخ.‏

وهذا يقودنا إلى ميّزة أخرى لدى أمل دنقل –ليس متفرداً بها- هي (التناص): أي اعتماد نصّ على نصّ آخر أو أكثر-، ولعله ميزة أساسية في شعر "دنقل" وبالتالي هو أحد أهم خصائص الشعر العربي المعاصر، حيث برز عند كبار الشعراء الذين يحملون همّ وقلق البحث عن شكل وأسلوب ومضامين جديدة للقصيدة العربية، ويتخذون من التناص، أو القناع، -وهو أحد أشكال التناص-، منطلقاً للتعبير عمّا لا يستطيعون الإفصاح عنه أو الإجهار به.‏

وبهذا المعنى فإن التناص هو أبرز عناصر قصيدة أمل دنقل، حيث اعتمد على نصّ أسطوري ورد في "التوراة"** والقرآن*** لكن موقف الشاعر –كما ذكرت –مختلف تماماً- وهذه ميزة أخرى داخل التناص نفسه، فهو على نقيض فكري، يعتبر الطوفان كما مرّ معنا بمثابة اجتياح استعماري لغزوٍ يحمل كل معاني الموت والخراب؛ وهذا الطوفان المدمّر لم يكن يحمل يوماً معنى الإنقاذ سوى بالأسطورة التوراتية، فالتجربة البشرية عبر التاريخ لا تزال تعاني من الشرور والفساد والقهر والقمع والجوع مما لم تستطع أن تعبر عنه كفاية المخيلة البشرية في عصرنا الراهن*.‏

لذلك اختار الشاعر "ابن نوح" الذي لم يصعد إلى "الفلك"؛ والذي لم يكن له وجود في النصّ التوراتي، كمعنى للرفض والتمرّد.‏

4-تأسيساً على ما سبق نستطيع أن نرصد حركية القصيدة /الحدث/ فهي تبدأ بصراع متواصل تطغى فيه حركية الخارج الوصفي، على حركية الداخلي، النفسي ثم يتوازنان في المقاطع الوسط. عبر رؤية فكرية تعلن عن موقفها الانقلابي الرافض لمفهوم الطوفان.‏

غير أن امتداد القصيدة وحتى النهاية، يعبر عن حالة الرفض السّلبي الذي لا يستطيع الانتقال إلى المعنى الإيجابي لهذا الرفض: /كان قلبي الذي نسجته الجروح -.. يرقد الآن فوق المدينة وردةً من عطن- أو زهرة من عطن- بعد أن قال "لا" للسفينة، وأحبّ الوطن /..، هذا الرافض الأعزل، يشير بعد بدء الطوفان وانحسار الحالة التمرديّة، إلى عودة الفرد، الطاغية،:‏

//صالح بي سيّد الفلك" قبل حلول السكينة –انج من بلدٍ… لم تعد فيه روح//.‏

هكذا نجد في جسد القصيدة معالم الهزيمة والصمود معاً، فقد قال الشاعر /بن نوح/: لا للسفينة.. وأحبّ الوطن /فهو بذلك ينسف فكرة اللا جدوى من موقف الرفض –كما يحلو لبعض الدارسين أن يفسّروا ذلك، لتجنيب الشاعر تلك المفارقة الفكرية مع النصّ القرآني فيما يتعلق بالأسطورة وما ترمز إليه في إنقاذ البشرية من الشرور؛ فلولا تلك المفارقة لما لجأ الشاعر إلى استخدام الأسطورة للتعبير عن الخراب الذي أحدثه الطوفان الجديد، في الواقع الراهن. الذي يدعو الشاعر إلى رفضه والتمرّد عليه ثم تغييره:‏

//لنا المجد –نحن الذين وقفنا –وقد طمس الله أسماءنا-.. نتحدّى الدمار- ونأوي إلى جبل لا يموت- يسمونه الشعب- نأبى الفرار ونأبى النزوح-))، ثم يأتي مقطع فارغ، فاصل زمني تغيب فيه الكائنات والأسماء ومعالم الحياة؛ دلالة على حدوث الطوفان العنيف، الذي ألغى لوهلةٍ من الزمن الفكر وأعجز اللسان عن الكلام، ثم يصحو الشاعر من الصدمة في المقطع الأخير "كان قلبي".." لتنتهي القصيدة /الحكاية/ بانتصار الحركة الداخلية التي تتوضح بامتياز في المحور الأخيرة القصيدة/ عبر سيطرة الذات على المحور الدرامي فيها. إذ يخلص الشاعر إلى تجربته الصادقة التي تتمثل في معاناته الخفيّة. ثم اختياره للموقف الرافض، الذي يصرّ عليه دائماً في معظم قصائده. معتمداً على فكرة التناص أو القناع.‏

فالطوفان في القصيدة دلالة واضحة ترمز إلى بدء زمن الانفتاح الاقتصادي- في زمن القصيدة- وما كان يعنيه من خراب ودمار للوطن بالنسبة لشاعر مثل أمل دنقل، يسكنه الحزن والصخب معاً، والحلم والعدمية معاً، والرفض والتمرد رغم إيمانه بحتمية موته الذي قد يباغته بين لحظة وأخرى.‏

أخيراً لابد من التنويه إلى أن أمل دنقل –كغيره من الشعراء المجددين كسر ألفة القيود التي تؤطر مفهوم الحكاية الكلاسيكي في الشعر – حيث لا يمكن الثبات في مكان، أو تجاهل هذا السيل من التجدد والتجريب المستمر في الحركة الشعرية العربية، فجاءت حكايته مع /ابن نوح/ حاملة لعناصرها الجديدة. كما حدث للقصة والرواية والفنون الأخرى… وما زال يحدث.‏

الربيع العربي
01-15-2013, 03:03 AM
قصيدة : خطاب غير تاريخي ◘●◘


http://www.3roos.com/files/ups/2012/205182/01339982515.jpg (http://www.3roos.com/files/ups/2012/205182/01339982515.jpg)



قصيدة : خطاب غير تاريخي

___________________



ها أنتَ تَسْترخي أخيراً..
فوداعاً..
يا صَلاحَ الدينْ.
يا أيُها الطَبلُ البِدائيُّ الذي تراقصَ الموتى
على إيقاعِه المجنونِ.
يا قاربَ الفَلِّينِ
للعربِ الغرقى الذين شَتَّتتْهُمْ سُفنُ القراصِنه
وأدركتهم لعنةُ الفراعِنه.
وسنةً.. بعدَ سنه..
صارت لهم "حِطينْ"..
تميمةَ الطِّفِل, وأكسيرَ الغدِ العِنّينْ
(جبل التوباد حياك الحيا)
(وسقى الله ثرانا الأجنبي!)
مرَّتْ خيولُ التُركْ
مَرت خُيولُ الشِّركْ
مرت خُيول الملكِ - النَّسر,
مرتْ خيول التترِ الباقينْ
ونحن - جيلاً بعد جيل - في ميادينِ المراهنه
نموتُ تحتَ الأحصِنه!
وأنتَ في المِذياعِ, في جرائدِ التَّهوينْ
تستوقفُ الفارين
تخطبُ فيهم صائِحاً: "حِطّينْ"..
وترتدي العِقالَ تارةً,
وترتدي مَلابس الفدائييّنْ
وتشربُ الشَّايَ مع الجنود
في المُعسكراتِ الخشِنه
وترفعُ الرايةَ,
حتى تستردَ المدنَ المرتهنَة
وتطلقُ النارَ على جوادِكَ المِسكينْ
حتى سقطتَ - أيها الزَّعيم
واغتالتْك أيدي الكَهَنه!
***
(وطني لو شُغِلتُ بالخلدِ عَنه..)
(نازعتني - لمجلسِ الأمنِ - نَفسي!)
***
نم يا صلاحَ الدين
نم.. تَتَدلى فوقَ قَبرِك الورودُ..
كالمظلِّيين!
ونحنُ ساهرونَ في نافذةِ الحَنينْ
نُقشّر التُفاحَ بالسِّكينْ
ونسألُ اللهَ "القُروضَ الحسَنه"!
فاتحةً:
آمينْ.

الربيع العربي
01-15-2013, 03:03 AM
دراسة عن قصيدة / خطاب غير تاريخي ◘●◘


دراسة عن قصيدة / خطاب غير تاريخي

_______________________


العنوان هنا وحده، يحمل قدرا كبيرا من الاكتناز الدلالي، ولعل القارئ يلاحظ، أن العنوان يرتبط أشد الارتباط بالنص الذي يعنونه، فهو إن شئت نص مختصر، يتعامل مع نص مفصل، فالعنوان دوما عبارة عن نص مختصر، يتعامل مع نص أكبر حجما، يعكس كل أغواره وأبعاده، ومن هنا لا نجد بدا من الاشارة إلى ' أن أغلب الذين يتعاطون الكتابة، إنما يجدون كل الصعوبة في اختيار عنوان أعمالهم' (2)، وبهذا فالعنوان عبارة عن رسالة يبثها المرسل إلى المرسل إليه، وهي مزودة بشفرة لغوية يحللها المستقبل ويؤولها، بلغته الواصفة، وترسل عبر قناة، وظيفتها الحفاظ على الاتصال، ولفهم هذه الوظائف، يستحسن الاعتماد، على الوظائف الست، التي تكلم عنها ' رومان جاكبسون' وهي: ' الوظيفة المرجعية والانفعالية والافهامية، والشعرية أو الجمالية والتنبيهية، والانعكاسية'(3)

نبرزها في المخطط التالي :

العنوان: خطاب غير تاريخي على قبر صلاح الدين.

الخطاب: يمثل الحركة والحاضر.

التاريخ: يمثل الماضي والاستنجاد به أو اقتباسه وتقمصه و(غير) رد فعل رافض لهذا التاريخ لدى الشاعر.

صلاح الدين والقبر: يمثل رفضا مطلقا في خيال الشاعر للبطل الفرد فأمل يرى أن التكامل لاثبات الوجود ليس شخصا ولا مؤسسة مهما كانت وإنما هو التواجد الجماعي لتحقيق الغاية.

إن الأحداث السياسية والأوضاع الاجتماعية، كانت مصدرا هاما، من مصادر، التجربة الشعرية لدى أمل فقد برز في ظروف منكسرة من تاريخ مصر الحديث، تشابكت فيها الأحداث السياسية، وتفاعلت مع نفسه، مكونة كتلة من الأحاسيس، القاتمة، الممزوجة بألوان الحزن والألم واليأس والخوف على المصير المشترك، الذي آلت إليه البلاد العربية، بما منيت به من انكسارات وشروخات، أضاعت هيبتها ومست سيادتها، فاتخذ له في ذلك، طريقا سياسيا في شعره، مستمدا مواضيعه من أوضاع شعبه الممزق، بين ظلمة الاستعمار في الماضي، وسلطة الحكام المستبدين في الحاضر:

هَا أنْتَ تَسْتَرْخِي أخِيرًا..

يتخذ السطر الاول، كطبيعة بسيطة في تحصيل الحاصل، ونزع إفرازات الهلوسة، في تشيؤ الفكرة، يعني أن الاسترخاء، أمر معلوم جدا، ومنطقي لا يستهدف الحاضر بالسلبية أو الإيجابية، فالمرحلة التي تمثل المجد والتوحد الشعبي، التي رمز إليها في شخص ' صلاح الدين'، يعتبرها اللاجدوى في تحريك الواقع، الفكري، فالطبْل البدائي لا يضيف تجديدا ولا فائدة من توظيفه، إنما للنشء مفاهيم تتعدى عصر الواقع في إطار الماضي وتشجيع الواقع على تقمص الماضي، فالرغبة الحقيقية للتغيير والمقاومة، تكون من الحاضر نفسه، باعتبار أن الحاضر يفرض حضورا على الساحة الدولية، لا تغييبا عنها وذلك يتحقق حسب مصطلحات العصر ومغيرات الفكر، وتجديد المجتمع، وتسليح الفرد واستقطاب المعيار الواقعي، لخلق تحدّ ٍ يوازي الضعف، كانت السفينة فلينية ( يَاقَارِبَ الفِلِّينْ)، وكان الشعب عربا أي ضعفا، ولاوجودية في الحسابات الدولية، لأن الحسابات العالمية، لا تنطلق من الأرقام، البشرية وإنما من التكتلات التكنولوجية والاقتصادية، ولمزيد من الايضاح نستعين بالمخطط التحليلي الآتي:

خطاب تاريخي على قبر صلاح الدين

ها أنت تسترخي أخيرا.. - يا أيها الطبل -

يا قارب الفلين للعرب الغرقى

فالطبل لايضيف شيئا ولا جديدا ولا تجديدا فالنشء له مفاهيم تتعدى حصر الواقع في إطار الماضي وهذا ما يؤكده العنوان في نفي التاريخية.. للحاضر.. ! وحالة الاسترخاء في نظر الشاعر.. أمر معلوم.. وطبيعي جدا!! الشاعر أيضا يشير إلى فلينية السفينة وهنا تتدفق رؤاه الجمالية في تناص ذاتي مع قصيدة ' مقابلة خاصة مع ابن نوح'، فهاهم الحكماء الجبناء يفرون نحو السفينة.. سفينة فلينية، هشة، تدفعها الرياح أنى شاءت!! وها هم العرب الغرقى، الذين يمثلون الضعف، والترهل: ( المغنون ـ سائس خيل الأمير ـ المرابون ـ قاضي القضاة ـ راقصة المعبد ـ جباة الضرائب ـ مستوردو شحنات السلاح ـ عشيق الأميرةô) !!

يقول الشاعر: ' يجب التنبه إلى أن العودة للتراث لا يجوز أن تعني السكن فيه، بل اختراق الماضي كي نصل إلى الحاضر استشرافا للمستقبل' (**) ولذلك وظف هذه الإيحاءات:

وَلَنَا المَجْدُ ـ نَحْنُ الذِينَ وَقَفْنَا

( وَقَدْ طَمَسَ اللهُ أَسْمَاءَنَا)

' مقابلة خاصة مع ابن نوح'.

وَنَحْنُ ـ جِيلاً بَعْدَ جِيلٍ - فِي مَيَادِينَ المُرَاهَنَة

نَمُوتُ تَحْتَ الأَحْصِنَةِ !

' خطاب غير تاريخي على قبر صلاح الدين'.

بطبيعة الحال، تغيرت من حول النفس الباطنية عند الشاعر أمل دنقل كل رموز الخلق الإبداعي، في تطوير المجتمعات من زاوية إلى زاوية أخرى، وهذا ما يجعل صورة ( الفلين)، أكثر دلالة على عمق الضعف والترهل للذي يحاول أن يتزعم الفكرة، مهما كانت.. أن يجعل منها قارب ( نجاة!) ـ كما يفعل الحكماء، الجبناء عندما فروا إلى السفينة طالبين النجاة في قصيدة ' مقابلة خاصة مع ابن نوح' للشاعر نفسه - حيث يصيح سيد الفلك:

( انْجُ مِنْ بَلَدٍ.. لَمْ تَعُدْ فِيهِ رُوحْ!). كان طبيعيا جدا، أن تكون كصيغة مادية، تجسد قيمة الانحطاط الاجتماعي الذي يعاني منه الفراغ القومي الذي كان فكرة تعدت حدود الوطن الواحد وعقلية الشاعر الواحد، إلا أن الاستمرار في التمسك بهذه القوة الضعيفة، يعني عودة إلى ما سلف من معاني الاندثار الروحي، فالقومية أساءت إلى عقلية كانت أكثر علمية، ورقعة كانت أكثر اتساعا، فعامل التقزيم، داخل رفض القصيدة، كان شديد اللهجة :

وأَدْرَكَتْهُم لَعْنَةُ الفَرَاعِنَة ْ

وَسَنَةً .. بَعْدَ سَنَة ْ..

صَارَتْ لَهُمْ ' حِطِينْ' ..

تَمِيمَةَ الطِفْلِ، وَاكْسِير الغَدِ العِنّينْ .

والفرعونية كرمز من رموز القصيدة، يدل على الانغلاق على ما يعتبرونه ساميا، وأحد أسباب الأفول في الحضارة الفرعونية نفسها، أي أن رمز ( حطين) يريد به الشاعر أن يفجر الشعور عند الشعوب التي فقدت علاقة القرابة بين بعضها البعض، في اللسان إلى البصيرة والعقيدة والهدف. حاول الشاعر تضخيم الحدود الزجاجية، التي لا تصلح إلا للمتاحف، أي لكل ما أنهكه الأفول وقضى عليه، أي أن إحياء الموت، لا يعني العودة إلى الحياة.

ويستمر الانكسار، وتستمر الرغبة الشديدة في المطالبة بالحل، كان الحل عملية همسية، ليست بالوضوح الذي يكون في لغة الأرقام، بل في لغة تكون جامعة بين الشعب والسلطة، هكذا اكسير الغد العنين، رمز يعني فوضى تحديد الموقف بشكل علاجي بحت وإنما هو محاولة للاعتراف بالداء، والفرق شاسع. يبقى عامل التاريخ أحد المصطلحات التي رافقت تطور القصيدة في باطن المعنى، هو عند الشاعر قوي جدا :

( جَبَل التَوبادِ حَيَّاكَ الحَيَا)

( وَسَقَى اللَّهُ ثَرَانَا الأَجْنَبِي!)

مَرَّتْ خُيُولُ التركْ

مَرَّتْ خُيُولُ الشرْكْ

مَرَّتْ خُيُولُ المَلِكِ ـ النِسْر،

مَرَّتْ خُيُولُ التَتْر البَاقِينْ

وَنَحْنُ ـ جِيلاً بَعْدَ جِيلٍ - فِي مَيَادِينِ المُرَاهَنَة ْ

نَمُوتُ تَحْتَ الأحْصِنَة ْ! (4)

إن الجمع بين ( التتار، الشرك، الملك النسر)، وبقاء التتار مربوط بفعل ( مَرَّ)، ويعني هنا ( أحدث وأثَّر)، والشاعر يعرف وجوههم واحدا، واحدا : الحكماء، الجبناء، الذين مروا أيضا على ' نوح' ـ عليه السلام - ورأوه منهمكا في صنع السفينة.. والجفاف سائد.. وليست هناك أنهار قريبة، أو بحار.. كيف ستجري هذه السفينة إذن يا نوح؟ .. هل ستجري على الأرض.. أين الماء، الذي يمكن أن تسبح فيه سفينتك؟ ' وترتفع ضحكات الكافرين، وتزداد سخريتهم من نوح.. إن قمة الصراع في قصة نوح تتجلى في هذه المساحة الزمنية.. إن الباطل يسخر من الحق.. يضحك عليه طويلا، ويسخر منه طويلا' (5).

قال تعالى، في سورة هود: ) وَيصْنَعُ الفُلْكَ وَكُلَمَا مَرَّ عَلَيهِ مَلأٌ مِنْ قَوْمِهِ، سَخِرُوا مِنْهُ، قَالَ إنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُون َ (6) ، كذلك الترك والمشركون والملك النسر.. كلهم رموز مختلفة لقوى استلابية واحدة!.

والملك النسر، ليس هو سبيل النجاة، في نظر الشاعر، لأن القوة الحضارية الآن، ترتبط بشخص مهما كان، ولكنها ترتبـــط ارتباطــا، عضويــا وكليــا بالشعـــب نفســـه، وهذا يجعلنا نتساءل عن الكيفية التي نجعل بها من الكتل البشرية ( الشعب)، الراكدة المتجمعة حول غايات بسيطة، سطحية، قوى ديناميكية، تصنع التاريخ وتغير مجراه، نحو هذا الهدف أو ذاك؟ ، ويقوم المفكر الكبير ' مالك بن نبي' ( ***) ، بعملية تحليل جد مركزة ( الاستعصار)، ليخلص في النهاية، إلى أن أي مجتمع في نقطة إقلاعه، ليس أمامه من رأس مال ' سوى ثلاثة عوامل مادية: ( الانسان ـ التراب ـ الوقت) '(****) .

ومن ثمة استطاع صياغة معادلته الحضارية المشهورة: ( حضارة = إنسان + تراب + وقت ).

وينقلنا المفكر الكبير، إلى حقل آخر من حقول المعرفة البشرية، التفاعلات الكيميائية، ليقيم مقارنة بين معادلته الحضارية والمعادلة الكيميائية: ( ماء = أكسجين + هيدروجين ) .

حيث لا يتشكل الماء إلا بوجود ( مركب) ، أي شرارة كهربائية، ومن ثمة يؤكد أنه لنا الحق في أن نقول: ' أن هناك ما يطلق عليه ( مركب الحضارة)، أي العامل الذي يؤثر في مزج العناصر الثلاثة بعضها ببعض، فكما يدل عليه التحليل التاريخي.. نجد أن هذا المركب موجود فعلا، هو الفكرة الدينية، التي رافقت دائما، تركيب الحضارة خلال التاريخ' (7) ، فالقاعدة والبنية الحقيقية للمجتمعات، ليست شريحة من المجتمع نفسه، مهما بلغت مكانة هذه الأخيرة، وإنما الرأي السديد، وتحديد المصير الروحي يكون في يد الشعوب كما عرفنا ذلك، أي الطاقة الحقيقية، ليست وطنا يمثله شخص بعينه مهما علا شأنه وعظم سلطانه، وإنما الثروة الحقيقية، هي الطاقة البشرية، الانسانية، الروحية، التي يعتمد عليها الشخص الواحد في تغيير أدوار الحركة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، والتكنولوجية والعسكرية، بذلك يثبت لنا أن التتار، ليس رمزا للموت والخراب والدمار، كما أن الملك النسر ليس رمزا للحياة :

وَأنْتَ فِي المِذْيَاعِ، فِي جَرَائِدِ التَهْويِنْ

تَسْتَوْقِفُ الفَارِينَ

تَخُطُبُ فِيهِم صَائِحًا: 'حِطِّينْ '..

وَتَرْتَدِي العقَالَ تَارَةً،

وَتَرْتَدِي مَلابِسَ الفِدَائِيِينْ

وَتَشْرَبُ الشَايَ مَعَ الجُنُودْ

فِي المُعَسْكَرَاتِ الخَشِنَةِ

وَتَرْفَعُ الرَايَةْ،

حَتَى تَسْتَرِدَّ المُدُنَ المُرْتَهنَة ْ

وَتطْلِقُ النَارَ عَلَى جَوادِكَ المِسْكِينً

حَتَى سَقَطْتَ ـ أيُهَا الزَعِيمْ

وَاغْتَالَتْكَ أيْدِي الكَهَنَة ْ!

( وَطَنِي لَو شُغِلْتُ بٍالخلْدِ عَنْهْ..)

( نَازَعَتْنِي ـ لِمَجْلِسِ الأَمْنِ - نَفْسِي ! )

نَمْ يَا صَلاَحَ الدِينْ

نَمْ.. تَتَدَلَى فَوقَ قَبْرَكَ الوِرْودُ..

كَالمِظَلَيين !(8)

تتواصل رواسب المعاناة والأفكار، التي تشعر بإرهاق كبير شديد، أكثر ما يرهقها، هو طريقة تفجير المغيرات في عقول المتغيرات، وهو باب مفتوح في أفكار القصيدة، غير مغلق، بإمكان أي شاعر أن يواصل من خلاله كتابة شعرية تنصب في إطار القصيدة العام لأنها فكرة جوهرية وأفكار جزئية، وأحاسيس مشتركة بين عامة أبناء هذا الوطن الكبير، يواصل الشاعر سرد المعاناة التاريخية، في تحديد الشخص الواحد، حيث يعطيه أدوارا كثيرة في ارتداء العقال وملابس الفدائيين وأشياء كثيرة يحاول من خلالها إبراز الخلل التاريخي والتحذير الكلي من الوقوع فيه، إلى غاية المقطع الأخير :

وَنَحْنُ سَاهِرُونَ فٍي نَافِذَةِ الحَنِينْ

نُقَشِرُ التُفَاحَ بِالسِكِينْ

وَنَسْأَلُ اللَّهَ ' القُرُوضَ الحَسَنَة ْ'!

فَاتِحَة:

آمِينْ. (9)

وهنا تعبير قائم في شبه اللامعاناة، التي كانت محور القصيدة، وبهذا كان النص يعبر عن تحليل فكري يخص الشاعر ويخص المرحلة التاريخية التي سبقت كتابة القصيدة، ولكنه تحليل يمتاز بمنطقية شديدة وحسية بالغة الأهمية، مَثَّلَ الشاعر في قصيدته، دور المدافع عن الملك أو الحاكم، لتجسيد قيمة حقيقية للخلفية الشعبية، المغيبة تماما.

وإذا عدنا إلى القصيدة فسنجد أن الشاعر ما زال يغترف ويستوحي نصوصه عن طريق ( التناص) في علائق مع خطابات أخرى، في مثاقفة حصيفة مع أبيات الشاعر ' أحمد شوقي'، تضفي على شعر ( أمل)، عدا جمالياته عتاقة وجلالا، وصيغة حضارية، متواصلة، ويظهر نسيج التناص في البيتين التاليين:

(جَبَل التَوبادِ حَيَّاكَ الحَيَا)

( وَسَقَى اللَّهُ ثَرَانَا الأَجْنَبِي!)

( وَطَنِي لَو شُغِلْتُ بٍالخُلْدِ عَنْهْ..)

( نَازَعَتْنِي ـ لِمَجْلِسِ الأَمْن ِ- نَفْسِي!).

فالبيت الأول يتناص مع بيت من مسرحية ( مجنون ليلى) لأحمد شوقي :

جَبَل التَوبادِ حَيَّاكَ الحَيَا وَسَقَى اللَّهُ صِبَانَا وَرَعَى (10)

ويستخدم الشاعر المفارقة الصارخة الساخرة حيث الشاعر ' يدمر التوقع الذي يثيره البيت المضمن عن طريق بناء صيغة ساخرة مناقضة لمستوى مشابهة الحقيقة ، في البيت المضمن، وتشكل الصيغة الساخرة، في العبارة ( ثرانا الأجنبي ) تحولا تاما في المضمون والقافية'(11) ،أما البيت الثاني، فيتناص مع بيت من قصيدة للشاعر أحمد شوقي وهي معارضة لسينية البحتري:

وَطَنِي لَو شُغِلْتُ بٍالخُلْدِ عَنْهُ نَازَعَتْنِي إلَيْهِ فِي الخُلْدِ نَفْسِي (12)

حيث ' تكسر صيغة - مجلس الأمن - السياق المضموني في السطر الشعري مع الاحتفاظ بالقافية'(13)، فهذه التناقضات والمفارقات بين مستويات الخطاب ' تعادل الواقع المعيش، وتشكل في الوقت نفسه انقطاعا تاريخيا،.. يماثل الانقطاع في الذاكرة الشعرية ومن ثم انقطاع الاستمرارية التاريخية والثقافية على السواء' (14) ، وحيث الخطاب يبقى غير تاريخي! في هذا الزمن اللاتاريخي!.

الربيع العربي
01-15-2013, 03:04 AM
قصيدة : شجوية ◘●◘


http://www.3roos.com/files/ups/2012/205182/11341821300.jpg (http://www.3roos.com/files/ups/2012/205182/11341821300.jpg)



شجوية
_____


لماذا يُتابِعُني أينما سِرتُ صوتُ الكَمانْ?
أسافرُ في القَاطراتِ العتيقه,
(كي أتحدَّث للغُرباء المُسِنِّينَ)
أرفعُ صوتي ليطغي على ضجَّةِ العَجلاتِ
وأغفو على نَبَضاتِ القِطارِ الحديديَّةِ القلبِ
(تهدُرُ مثل الطَّواحين)
لكنَّها بغتةً..
تَتباعدُ شيئاً فشيئا..
ويصحو نِداءُ الكَمان!
***
أسيرُ مع الناسِ, في المَهرجانات:
أُُصغى لبوقِ الجُنودِ النُّحاسيّ..
يملأُُ حَلقي غُبارُ النَّشيدِ الحماسيّ..
لكنّني فَجأةً.. لا أرى!
تَتَلاشى الصُفوفُ أمامي!
وينسرِبُ الصَّوتُ مُبْتعِدا..
ورويداً..
رويداً يعودُ الى القلبِ صوتُ الكَمانْ!
***
لماذا إذا ما تهيَّأت للنوم.. يأتي الكَمان?..
فأصغي له.. آتياً من مَكانٍ بعيد..
فتصمتُ: هَمْهمةُ الريحُ خلفَ الشَّبابيكِ,
نبضُ الوِسادةِ في أُذنُي,
تَتراجعُ دقاتُ قَلْبي,..
وأرحلُ.. في مُدنٍ لم أزُرها!
شوارعُها: فِضّةٌ!
وبناياتُها: من خُيوطِ الأَشعَّةِ..
ألْقى التي واعَدَتْني على ضَفَّةِ النهرِ.. واقفةً!
وعلى كَتفيها يحطُّ اليمامُ الغريبُ
ومن راحتيها يغطُّ الحنانْ!
أُحبُّكِ,
صارَ الكمانُ.. كعوبَ بنادقْ!
وصارَ يمامُ الحدائقْ.
قنابلَ تَسقطُ في كلِّ آنْ
وغَابَ الكَمانْ!

الربيع العربي
01-15-2013, 03:04 AM
قصيدة : من أوراق أبو نوّاس ◘●◘


http://www.3roos.com/files/ups/2012/205182/01341821300.gif (http://www.3roos.com/files/ups/2012/205182/01341821300.gif)



من أوراق أبو نوّاس
____________


من أوراق أبونواس
(الورقة الأولى)
"ملِكٌ أم كتابهْ?"
صاحَ بي صاحبي; وهو يُلْقى بدرهمهِ في الهَواءْ
ثم يَلْقُفُهُ..
(خَارَجيْن من الدرسِ كُنّا.. وحبْرُ الطفْولةِ فوقَ الرداءْ
والعصافيرُ تمرقُ عبرَ البيوت,
وتهبطُ فوق النخيلِ البعيدْ!)
"ملِك أم كتابه?"
صاح بي.. فانتبهتُ, ورفَّتْ ذُبابه
حولَ عينيْنِ لامِعتيْنِ..!
فقلتْ: "الكِتابهْ"
... فَتَحَ اليدَ مبتَسِماً; كانَ وجهُ المليكِ السَّعيدْ
باسماً في مهابه!
...
"ملِكٌ أم كتابة?"
صحتُ فيهِ بدوري..
فرفرفَ في مقلتيهِ الصِّبا والنجابه
وأجابَ: "الملِكْ"
(دون أن يتلعثَمَ.. أو يرتبكْ!)
وفتحتُ يدي..
كانَ نقشُ الكتابه
بارزاً في صَلابه!
دارتِ الأرضُ دورتَها..
حَمَلَتْنا الشَّواديفُ من هدأةِ النهرِ
ألقتْ بنا في جداولِ أرضِ الغرابه
نتفرَّقُ بينَ حقولِ الأسى.. وحقولِ الصبابه.
قطرتيْنِ; التقينا على سُلَّم القَصرِ..
ذاتَ مَساءٍ وحيدْ
كنتُ فيهِ: نديمَ الرشِيد!
بينما صاحبي.. يتولى الحِجابه!!
***
(الورقة الثانية)
من يملكُ العملةَ
يُمسكُ بالوجهيْن!
والفقراءُ: بَيْنَ.. بيْنْ!
***
(الورقة الثالثة)
نائماً كنتُ جانبَه; وسمعتُ الحرسْ
يوقظون أبي!..
- خارجيٌّ?.
- أنا.. ?!
- مارقٌ?
- منْ? أنا!!
صرخَ الطفلُ في صدر أمّي..
(وأمّيَ محلولةُ الشَّعر واقفةٌ.. في ملابِسها المنزليه)
- إخرَسوا
واختبأنا وراءَ الجدارِ,
- إخرَسوا
وتسللَ في الحلقِ خيطٌ من الدمِ.
(كان أبي يُمسكُ الجرحَ,
يمسكُ قامته.. ومَهابَتَه العائليه!)
- يا أبي
- اخرسوا
وتواريتُ في ثوب أمِّيَ,
والطِّفلُ في صدرها ما نَبَسْ
ومَضوا بأبي
تاركين لنا اليُتم.. متَّشِحاً بالخرَس!!
***
(الورقة الرابعة)
أيها الشِعرُ.. يا أيُها الفَرحُ. المُخْتَلَسْ!!
(كلُّ ما كنتُ أكتبُ في هذهِ الصفحةِ الوَرَقيّه
صادرته العَسسْ!!)
***
(الورقة الخامسة)
... وأمّي خادمةٌ فارسيَّه
يَتَنَاقَلُ سادتُها قهوةَ الجِنسِ وهي تدير الحَطبْ
يتبادلُ سادتُها النظراتِ لأردافِها..
عندما تَنْحني لتُضيءَ اللَّهبْ
يتندَّر سادتُها الطيِّبون بلهجتِها الأعجميَّه!
نائماً كنتُ جانبَها, ورأيتُ ملاكَ القُدُسْ
ينحني, ويُرَبِّتَ وجنَتَها
وتراخى الذراعانِ عني قليلاً
قليلا..
وسارتْ بقلبي قُشَعْريرةُ الصمتِ:
- أمِّي;
وعادَ لي الصوتُ!
- أمِّي;
وجاوبني الموتُ!
- أمِّي;
وعانقتُها.. وبكيتْ!
وغامَ بي الدَّمعُ حتى احتَبَسْ!!
***
(الورقة السادسة)
لا تسألْني إن كانَ القُرآنْ
مخلوقاً.. أو أزَليّ.
بل سَلْني إن كان السُّلطانْ
لِصّاً.. أو نصفَ نبيّ!!
***
(الورقة السابعة)
كنتُ في كَرْبلاءْ
قال لي الشيخُ إن الحُسينْ
ماتَ من أجلِ جرعةِ ماءْ!
وتساءلتُ
كيف السيوفُ استباحتْ بني الأكرمينْ
فأجابَ الذي بصَّرتْه السَّماءْ:
إنه الذَّهبُ المتلألىءُ: في كلِّ عينْ.
إن تكُن كلماتُ الحسينْ..
وسُيوفُ الحُسينْ..
وجَلالُ الحُسينْ..
سَقَطَتْ دون أن تُنقذ الحقَّ من ذهبِ الأمراءْ?
أفتقدرُ أن تنقذ الحقَّ ثرثرةُ الشُّعراء?
والفراتُ لسانٌ من الدمِ لا يجدُ الشَّفتينْ?!
...
ماتَ من أجل جرعة ماءْ!
فاسقني يا غُلام.. صباحَ مساء
اسقِني يا غُلام..
علَّني بالمُدام..
أتناسى الدّماءْ!!
...
آه
من يوقف في رأسي الطواحين
ومن ينزع من قلبي السكاكين
ومن يقتل أطفالي المساكين
لئلا يكبروا في الشقق المفروشة الحمراء خدّامين
من يقتل أطفالي المساكين
لكيلا يصبحوا في الغد شحاذين
يستجدون أصحاب الدكاكين وأبواب المرابين
يبيعون لسيارات أصحاب الملايين الرياحين
وفي المترو يبيعون الدبابيس وياسين
وينسلون في الليل
يبيعون الجعارين لأفواج الغزاة السائحين
...
هذه الأرض التي ما وعد الله بها
من خرجوا من صلبها
وانغرسوا في تربها
وانطرحوا في حبها مستشهدين
فادخلوها بسلام آمنين
ادخلوها بسلام آمنين..

الربيع العربي
01-15-2013, 03:05 AM
عن قصيدة / من أوراق أبو نواس ◘●◘


عن قصيدة / من أوراق أبو نواس
______________________


من أوراق أبو نواس .. قصيدة فيها الكثير من الاسقاطات على القضايا السياسية و الاجتماعية و الدينية ..
.
يعرض فيها أمل دنقل قضاياه من شيوعية و رغبة في عالم جديد لا يوجد به فقر أو ترصد لأصحاب الفكر أو قمعهم أو قتلهم .. مرورا بقضايا الجدل الديني السقيم من خلال إستعراض لحظات من حياة أبو نواس و كأنه كتب مذكراته بالنيابة عنه في تجربة شعرية فريدة. و يستخدم سيرة أبي نواس في الاسقاط على الواقع العربي الحالي.
.
أبو نواس هو شاعر عبقري من شعراء العصر العباسي من أصل يمني و ام فارسية, و تسقط القصيدة على فترات من طفولته و حياته (رغم تعرض أبو نواس لحملة من التشويه لتاريخه بسبب موالاته لأهل بيت الرسول الكريم) .. و يشير أمل دنقل ضمنيا لهذا في آخر القصيدة في رثاءة للإمام الحسين.
.
و في ختام القصيدة يلقي أمل دنقل خاتمته الشيوعية الخالدة و يصرخ في وجه الفقر و الظلم الاجتماعي ..آه من يوقف في رأسي الطواحين .. و من ينزع من قلبي السكاكين ..
.
يتباكى فيها على فقراء وطنه !!
.
كما تعودنا يحتاج شعر أمل دنقل لكثير من الـتأمل لفهمه .. لأن شعره كما قال عنه فاروق شوشة شديد الكثافة .. مثلا بعض الملاحظات على القصيدة:
.
الورقة الأولى
---------------
- لاحظ "ملك أم كتابة"
قد يرمز الملك للموالاة للسلطة .. بينما ترمز الكتابة للكاتب و الشاعر و الأديب الحر الذي يقول الحق مثل أبو نواس. و الطبيعي أن يختار أبو نواس الكتابة
الحجابة : وظيفة في القصر .. يمنع يحجب صاحبها الناس عن السلطان و ينظر مشاكلهم.
نديم الرشيد: النديم هو شخص يتولى الترفيه عن الملك بالقاء الشعر و النكات و المسايرة و كان أبو نواس نديم هارون الرشيد!.

الورقة الثانية:
--------------
و في الآخر من يملك العملة يمسك بالوجهين حيث يجذب له الشعراء و الأدباء غصبا (و هي وسائل الاعلام و الثقافة في هذا العصر)!!

الورقة الثالثة :
---------------
إخرسوا في حوار العسكر مع أبوه .. الخرس هنا يرمز للخرس العام خرس الشعوب أمام القهر و القتل .. فكان يجب على أبو نواس أن يأخذ هذه الكلمة "إخرسوا" التي يكررها أمل دنقل على لسان العسكر و يعيش و يتذكرها طول عمره و يعيش باليتم و الخرس

الورقة الرابعة:
---------------
مصادرة العسس للرأي و الفكر .. و مصادرتهم لفرحته بالتعبير عن رأيه

الورقة الخامسة
-----------------
لا ندري لماذا اختار أن يزور أمه ملاك القدس .. هل يسقط أمل دنقل في وفاة أم أبي نواس بوفاة الأمة العربية و ضياع القدس منها؟

الورقة السادسة
-------------------
كانت تجوب هذا العصر خلافات دينية عقيمة و مريضة حول ما إذا كان القرآن مخلوقا أم أزلي .. و هي تشبه الخلافات الدينية التي يطلع بها الشيوخ هذه الأيام حول أشياء لا تقدم و لا تؤخر و لا تفيد و لا تضر (اللحية مثلا و غيرها) .. و الهدف منها دائما هو إلهاء الناس عن ما يعيشونه من قهر و ظلم و فقر. فكانت قضية الفقهاء في ذلك العصر أيضا "هل القرآن مخلوقا أم أزلي؟"
فيعلنها على لسان أبو نواس الذي نفترض أنه كان له من البصيرة لتبني هذا الرأي
"لا تسألني إن كان القرآن مخلوقا أم أزلي"
أي لا تجهد عقلي و طاقتي بهذه الفتاوى المضللة
"بل سلني إن كان السلطان لصا أم نصف نبي!"
اللص بالطبع هو السلطان بينما تشير نصف نبي كناية عن الامام الحسين أو شخص من أهل بيت الرسول الكريم كما كان يعتقد أبو نواس الذي دأب على مدحهم و هو ما سبب له الكثير من المشاكل

الورقة السابعة
----------------
كربلاء .. إسقاط على مشكلة أبو نواس انه تساءل كيف استباحت السيوف الامام الحسين و أهل بيت الرسول الكريم.. و هو كما يقول البعض المشكلة الأساسية التي سببت له السجن و القتل لأنه لم يلتزم بالأمر الذي أمره به العسكر في طفولته .. عندما كرروا له "إخرسوا"!!
و أخيرا إسقني يا غلام صباح مساء علني بالمدام -الخمر- أتناسى الدماء و هي تهمة أبو نواس الأساسية كما يقول التاريخ الذي ظلم أبو نواس كثيرا

الخاتمة
---------
صراخ في وجه الظلم الاجتماعي و الفقر
لاحظ "أفواج الغزاة السائحين" ليس بالضرورة أن يأتي الغازي محاربا قد يأتي مستثمر أو سائحا!!
.
"أدخلوها بسلام أمنين"
كلمة تقال على مصر من أيام النبي يوسف (لاحظ انها قيلت في بني إسرائيل!) .. و لكن .. من يدخلها هم الغزاة و ليس الضيوف .. فهذه الأرض لم يعد الله بها من خرجوا من صلبها .. مصيرهم الحرمان .. بينما هي للغزاة أمنة

الربيع العربي
01-15-2013, 03:06 AM
قصيدة : سفر ألف دال ◘●◘


http://www.3roos.com/files/ups/2012/205182/01341882236.jpg (http://www.3roos.com/files/ups/2012/205182/01341882236.jpg)



سفر ألف دال
_________


(الإصحاح الأول)
القِطاراتُ ترحلُ فوق قضيبينِ: ما كانَ ما سيكُونْ!
والسماءُ: رمادٌ;.. به صنعَ الموتُ قهوتَهُ,
ثم ذَرّاه كي تَتَنَشَّقَه الكائناتُ,
فينسَلّ بينَ الشَّرايينِ والأفئِده.
كلُّ شيءٍ - خلال الزّجاج - يَفِرُّ:
رذاذُ الغبارِ على بُقعةِ الضَّوءِ,
أغنيةُ الرِّيحِ,
قَنْطرةُ النهرِ,
سِربُ العَصافيرِ والأعمِدهْ.
كلُّ شيءٍ يفِرُّ,
فلا الماءُ تُمسِكُه اليدُ,
والحُلْمُ لا يتبقَّى على شُرفاتِ العُيونْ.
***
والقطاراتُ تَرحلُ, والراحلونْ..
يَصِلُونَ.. ولا يَصلُونْ!
(الإصحاح الثاني)
سنترال:
أعطِ للفتياتِ
- اللواتي يَنَمْنَ الى جانب الآلةِ الباردةِ -
(شارداتِ الخيالْ)
رقمي; رقمَ الموتِ; حتى أجيءَ الى العُرْسِ..
ذي الليلةِ الواحِدهْ!
أَعطِه للرجالْ..
عِندما يلثُمُون حَبيباتهم في الصَّباحِ, ويرتحلونَ
الى جَبَهاتِ القِتالْ!!
(الإصحاح الثالث)
الشُهورُ: زُهُورٌ; على حافَةِ القَلبِ تَنْمو.
وتُحرقُها الشَّمسُ ذاتُ العُيون الشَّتائيَّةِ المُطفأهْ.
***
زهرةٌ في إناءْ
تتوهَّجُ - في أوَّلِ الحبِّ - بيني وبينَكِ..
تُصبحُ طفلاً.. وأرجوحةً.. وامرأة.
زهرةً في الرِّداء
تَتَفَتَّحُ أوراقُها في حَياءْ
عندما نَتَخَاصرُّ في المشْيةِ الهادِئه.
زهرةُ من غِناء
تَتَورَّدُ فوق كَمنجاتِ صوتكِ
حين تفاجئكِ القُبلةُ الدافِئه.
زهرةٌ من بُكاء
تتجمَّدُ - فوقَ شُجيرةِ عينيكِ - في لحظاتِ الشِّجارِ الصغيرةِ,
أشواكُها: الحزنُ.. والكِبرياءْ.
زهرةٌ فوق قبرٍ صغيـرْ
تنحني; وأنا أتحاشى التطلعَ نحوكِ..
في لحظات الودَاعِ الأَخيرْ.
تَتَعرَّى; وتلتفُّ بالدَّمعِ - في كلِّ ليلٍ - إذا الصَّمتُ جاءْ.
لم يَعُدْ غيرُها.. من زهورِ المسَاء
هذه الزهرةُ - اللؤلؤه!
(الإصحاح الرابع)
تحبلُ الفتياتْ
في زيارات أعمامِهنَّ الى العائله.
ثم.. يُجْهِضُهُنَّ الزحامُ على سُلَّم "الحافِله"
وترام الضَّجيج!
***
تذهبُ السَّيداتْ
ليُعَالجْنَ أسنانَهنَّ فَيُؤْمِنَّ بالوحْدَة الشامله!
ويُجِدْنَ الهوى بلِسانِ "الخليج"!
***
يا أبانا الذي صارَ في الصَّيدليَّات والعُلَبِ العازله
نجّنا من يدِ "القابِلهْ"
نَجنّا.. حين نقضُم - في جنَّة البؤسِ - تفّاحَةَ العَربات وثيابِ الخُروجْ!!
(الإصحاح الخامس)
تصْرخين.. وتخترقينَ صُفوفَ الجُنودْ.
نتعانقُ في اللحظاتِ الأخيرةِ,..
في الدرجاتِ الأخيرةِ.. من سلّم المِقصلَهْ.
أتحسَّسُ وجهَكِ!
(هل أنت طِفلتيَ المستحيلةُ أم أمِّيَ الأرملةْ?)
أتحسسُ وجهَكِ!
(لمْ أكُ أعمى;.
ولكنَّهم أرفقُوا مقلتي ويدي بمَلَفِّ اعترافي
لتنظرَه السلُطاتُ..
فتعرفَ أنِّيَ راجعتهُ كلمةً.. كلمةً..
ثم وَقَّعتُهُ بيدي..
- ربما دسَّ هذا المحقِّقُ لي جملةً تنتهي بي الى الموتِ!
لكنهمْ وعدوا أن يُعيدوا اليَّ يديَّ وعينيَّ بعدَ
انتهاءِ المحاكمة العادِلهْ!)
زمنُ الموتِ لا ينتهي يا ابنتي الثاكلهْ
وأنا لستُ أوَّلَ من نبَّأ الناسَ عن زمنِ الزلزلهْ
وأنا لستُ أوَّلَ من قال في السُّوقِ..
إن الحمامةَ - في العُشِّ - تحتضنُ القنبلهْ!.
قَبّلبيني;.. لأنقلَ سرِّي الى شفتيك,
لأنقل شوقي الوحيد
لك, للسنبله,
للزُهور التي تَتَبرْعمُ في السنة المقبلهْ
قبّليني.. ولا تدْمعي..
سُحُبُ الدمعِ تَحجبني عن عيونِك..
في هذه اللَّحظةِ المُثقله
كثُرتْ بيننا السُّتُرُ الفاصِله
لا تُضيفي إليها سِتاراً جديدْ!
(الإصحاح السادس)
كان يجلسُ في هذه الزاويهْ.
كان يكتبُ, والمرأةُ العاريهْ
تتجوَّل بين الموائِدِ; تعرضُ فتنتَها بالثَّمنْ.
عندما سألَتْه عَن الحَربِ;
قال لها..
لا تخافي على الثروةِ الغاليهْ
فعَدوُّ الوطنْ
مثلُنا.. يخْتتنْ
مثلنا.. يعشقُ السّلَعَ الأجنبيَّهْ,
يكره لحمَ الخنازيرِ,
يدفعُ للبندقيَّةِ.. والغانيهْ!
.. فبكتْ!
كان يجلسُ في هذه الزّاويهْ.
عندما مرَّت المرأةُ العاريهْ
ودعاها; فقالتْ له إنها لن تُطيل القُعودْ
فهي منذُ الصباحِ تُفَتّشُ مُستشفياتِ الجُنودْ
عن أخيها المحاصرِ في الضفَّةِ الثانيهْ
(عادتِ الأرضُ.. لكنَّه لا يعودْ!)
وحكَتْ كَيف تحتملُ العبءَ طِيلة غربتهِ القاسيهْ
وحكتْ كيفَ تلبسُ - حين يجيءُ - ملابسَها الضافيهْ
وأرَتْهُ لهُ صورةً بين أطفالِهِ.. ذاتَ عيد
.. وبكت!!
(الإصحاح السابع)
أشعر الآنَ أني وحيدٌ;..
وأن المدينةَ في الليلِ..
(أشباحَها وبناياتِها الشَّاهِقه)
سُفنٌ غارقه
نهبتْها قراصنةُ الموتِ ثم رمتْها الى القاعِ.. منذُ سِنينْ.
أسندَ الرأسَ ربَّانُها فوقَ حافتِها,
وزجاجةُ خمرٍ مُحطّمةٌ تحت أقدامهِ;
وبقايا وسامٍ ثمين.
وتشَبَّث بحَّارةُ الأمسِ فيها بأعمدةِ الصَّمتِ في الأَروِقه
يتسلَّل من بين أسمالِهم سمكُ الذكريات الحزينْ.
وخناجرُ صامتهٌ,..
وطحالبُ نابتهٌ,
وسِلالٌ من القِططِ النافقه.
ليس ما ينبضُ الآنَ بالروحِ في ذلك العالمِ المستكينْ
غير ما ينشرُ الموجُ من عَلَمٍ.. (كان في هبّةِ الريحِ)
والآن يفركُ كفَّيْهِ في هذه الرُّقعةِ الضيِّقه!
سَيظلُّ.. على السَّارياتِ الكَسيرةِ يخفقُ..
حتى يذوبَ.. رويداً.. رويداً..
ويصدأُ فيه الحنينْ
دون أن يلثمَ الريحَ.. ثانيةً,
أو.. يرى الأرضَ,
أو.. يتنهَّدَ من شَمسِها المُحرِقه!
(الإصحاح الثامن)
آهِ.. سَيدتي المسبلهْ.
آه.. سيدةَ الصّمتِ واللفتاتِ الوَدودْ.
***
لم يكنْ داخلَ الشقَّةِ المُقفله
غيرُ قطٍ وحيدْ.
حين عادت من السُّوق تحملُ سلَّتها المُثقله
عرفتْ أن ساعي البريدْ
مَرَّ..
(في فُتحةِ البابِ..
كان الخِطابُ,
طريحاً..
ككلبِ الشَّهيدْ!)
.. قفز القِطٌ في الولوله!
قفزت من شبابيكِ جيرانِها الأَسئِله
آه.. سيدةَ الصمتِ والكلماتِ الشَّرُودْ
آه.. أيتُها الأَرملَه!
(الإصحاح التاسع)
دائماً - حين أمشي - أرى السُّتْرةَ القُرمزيَّةَ
بينَ الزحام.
وأرى شعرَكِ المتهدِّلَ فوقَ الكتِف.
وأرى وجهَك المتبدِّلَ..
فوق مرايا الحوانيتِ,
في الصُّور الجانبيَّةِ,
في لفتاتِ البناتِ الوحيداتِ,
في لمعانِ خدودِ المُحبين عندَ حُلول الظلامْ.
دائماً أتحسَّسُ ملمَسَ كفِّك.. في كلِّ كفّ.
المقاهي التي وهبَتْنَا الشَّرابَ,
الزوايا التي لا يرانا بها الناس,
تلكَ الليالي التي كانَ شعرُكِ يبتلُّ فيها..
فتختبيئينَ بصدري من المطرِ العَصَبي,
الهدايا التي نتشاجرُ من أجلِها,
حلقاتُ الدخانِ التي تتجَمَّعُ في لحظاتِ الخِصام
دائماً أنتِ في المُنتصف!
أنتِ بيني وبين كِتابي,
وبيني وبينَ فراشي,
وبيني وبينَ هدُوئي,
وبيني وبينَ الكَلامْ.
ذكرياتُكِ سِّجني, وصوتكِ يجلِدني
ودمي: قطرةٌ - بين عينيكِ - ليستْ تجِفْ!
فامنحيني السَّلام!
امنحيني السَّلامْ!
(الإصحاح العاشر)
الشوارعُ في آخرِ اللّيل... آه..
أراملُ متَّشحاتٌ.. يُنَهْنِهْنَ في عَتباتِ القُبورِ - البيوتْ.
قطرةً.. قطرةً; تتساقطُ أدمُعُهنَّ مصابيحَ ذابلةً,
تتشبث في وجْنةِ الليلِ, ثم.. تموتْ!
الشوارعُ - في آخر الليلِ - آه..
خيوطٌ من العَنْكبوتْ.
والمَصابيحُ - تلكَ الفراشاتُ - عالقةٌ في مخالبِها,
تتلوَّى.. فتعصرها, ثم تَنْحَلُّ شيئاً.. فشيئا..
فتمتصُّ من دمها قطرةً.. قطرةً;
فالمصابيحُ: قُوتْ!
الشوارعُ - في آخرِ الليلِ - آه..
أفاعٍ تنامُ على راحةِ القَمرِ الأبديّ الصَّموتْ
لَمَعانُ الجلودِ المفضَّضةِ المُسْتَطيلةِ يَغْدُو.. مصابيحَ..
مَسْمومةَ الضوءِ, يغفو بداخلِها الموتُ;
حتى إذا غَرَبَ القمرُ: انطفأتْ,
وغَلى في شرايينها السُّمُّ
تَنزفُه: قطرةً.. قطرةً; في السُكون المميتْ!
وأنا كنتُ بينَ الشوارعِ.. وحدي!
وبين المصابيحِ.. وحدي!
أتصبَّبُ بالحزنِ بين قميصي وجِلْدي.
قَطرةً.. قطرةً; كان حبي يموتْ!
وأنا خارجٌ من فراديسِهِ..
دون وَرْقَةِ تُوتْ!

الربيع العربي
01-15-2013, 03:06 AM
عن قصيدة / سفر ألف دال ◘●◘


عن قصيدة / سفر ألف دال
___________________

يعجبني كل الإعجاب المقطع الذي تبدأ به قصيدة أمل دنقل “سفر ألف دال” وهو عنوان مربك لمن لا يعرف شعر أمل أو يعرفه شخصيًا، فالمقطع الذي أشير إليه هو بداية قصيدة يضعها الشاعر عن نفسه، كأنه يصوغ سيرة شعرية عن ألف الذي هو أمل، ودال الذي هو دنقل وتبدأ القصيدة على النحو التالي:

القطارات ترحل فوق قضيبين: ما كان ـ ما سيكون
والسماء رماد به صنع الموت قهوته
ثم ذراه كي تتنشقه الكائنات
فينسل بين الشرايين والأفئدة
رذاذ الغبار على بقعة الضوء
أغنية الريح
قنطرة النهر
سرب العصافير والأعمدة
كل شيء يفرّ،
فلا الماء تمسكه اليد
والحلم لا يتبقى على شرفات العين.
هذا المقطع الافتتاحي ينطوي على درجة عالية من الكثافة الشعرية، تختزل الحياة كلها بعامة، وحياة الشاعر الخاصة، ما بين طرفي الوجود والعدم، أو ما بين الثنائية الضدية لفعل الكينونة المنقسم ما بين الماضي والمستقبل، في ثنائية تمتد بامتداد السماء التي صنع بها الموت قهوته، وذرى به الموت في أجوائها كي تتنشقه الكائنات، ويغدو له حال وجوده المنسرب في الشرايين والأفئدة، منتقلا منها إلى كل ما يتحرك في هذا العالم. والنتيجة هي حال من الموجود الموصول بالموت منذ البداية، أو ينسرب فيه الموت كما لو كان يضع بذرة العدم لكي تنبت أصل الشجرة التي يكون مآلها متضمنا في مبتداها، ولا شيء يقيني أو ثابت في هذا العالم، فكل حضور إلى غياب، وكل وجود إلى عدم، وكل ثابت إلى نقيضه الذي يفقده معناه هكذا، يفرّ كل شيء، سرب العصافير، الأعمدة التي لا تبين إلا لكي تختفي، والحلم الذي يبدو كالوهم، ما إن نراه حتى نفقده. وكيف يمكن أن تتحقق الرؤية في كون لا ثبات فيه لشيء، بل كيف يمكن لشيء أن يكتمل نموه وجرثومة العطب في أصل الشجرة، وكيف للشجرة نفسها أن يكتمل إثمارها وهي محكوم عليها بما يشبه الجدب؟ والنتيجة هي تحول الكون المشدود بين الماضي والحاضر إلى كون ينطوي على نقيضه، تماما كما ينطوي الوجود على العدم، والحياة على الموت. والسؤال كيف نواجه هذا العالم، وبأي وسيلة نتصدى للموت الساري في هوائه؟ لا شيء سوى الإبداع الذي هو انتزاع للوجود من العدم، والحضور من الغياب، والولادة من الموت، ولكن في مدى تغدو المحاولة فيه حضورا في ذاتها، والمقاومة رغبة عنيدة في صنع العالم حتى إن لم نستطع إكمال المهمة، فالأهم هو مواصلة المقاومة في امتداد السفر الذي يبدأ بالألف ولا ينتهى بالدال، فالحركة الكونية للوجود الدوار تظل مستمرة ومتواصلة بين نقيضين، ما كان وما سوف يكون، وبينهما يرمي الموت شباكه التي تنسدل على كل شيء منذرة بالنهاية التي هي بداية، أو البداية التي هي نهاية.

الربيع العربي
01-15-2013, 03:07 AM
قصيدة : سفر الخروج ◘●◘


http://www.3roos.com/files/ups/2012/205182/11341882236.jpg (http://www.3roos.com/files/ups/2012/205182/11341882236.jpg)



سفر الخروج
________


(أغنية الكعكة الحجرية)
(الإصحاح الأول)
أيها الواقِفونَ على حافةِ المذبحهْ
أَشهِروا الأَسلِحهْ!
سَقطَ الموتُ; وانفرطَ القلبُ كالمسبحَهْ.
والدمُ انسابَ فوقَ الوِشاحْ!
المنَازلُ أضرحَةٌ,
والزنازن أضرحَةٌ,
والمدَى.. أضرِحهْ
فارفَعوا الأسلِحهْ
واتبَعُوني!
أنا نَدَمُ الغَدِ والبارحهْ
رايتي: عظمتان.. وجُمْجُمهْ,
وشِعاري: الصَّباحْ!
(الإصحاح الثاني)
دَقت الساعةُ المُتعبهْ
رَفعت أمُّه الطيبهْ
عينَها..!
(دفعتهُ كُعُوبُ البنادقِ في المركَبه!)
دقتِ السَّاعةُ المتْعبه
نَهَضتْ; نَسَّقتْ مكتبه..
(صَفعته يَدٌ..
- أَدخلتْهُ يدُ اللهِ في التجرُبه!)
دقَّت السَّاعةُ المُتعبه
جَلسَت أمهُ; رَتَقَتْ جوربهْ...
(وخزنةُ عُيونُ المُحقَّقِ..
حتى تفجّر من جلدِه الدَّمُ والأجوبه!)
دقَّتِ السَّاعةُ المتعبهْ!
دقَّتِ السَّاعة المتعبهْ!
(الإصحاح الثالث)
عِندما تهبطينَ على سَاحةِ القَومِ, لا تَبْدئي بالسَّلامْ.
فهمُ الآن يقتَسِمون صغارَك فوقَ صِحَافِ الطعام
بعد أن أشعَلوا النارَ في العشِّ..
والقشِّ..
والسُّنبلهْ.!
وغداً يذبحونكِ..
بحثاً عن الكَنزِ في الحوصله!
وغداً تَغْتَدي مُدُنُ الألفِ عامْ.!
مدناً.. للخِيام!
مدناً ترتقي دَرَجَ المقصلهْ!
(الإصحاح الرابع)
دقّتِ الساعةُ القاسيهْ
وقفوا في ميادينها الجهْمةِ الخَاويهْ
واستداروا على دَرَجاتِ النُّصُبْ
شجراً من لَهَبْ
تعصفُ الريحُ بين وُريقاتِه الغضَّةِ الدانيه
فَيئِنُّ: "بلادي.. بلادي"
(بلادي البعيدهْ!)
دقت الساعةُ القاسيهْ
"انظروا.."; هتفتْ غانيهْ
تتلوى بسيارة الرقَمِ الجُمركيِّ;

الربيع العربي
01-15-2013, 03:07 AM
قصيدة : صفحات من كتاب الصيف والشتاء ◘●◘




http://www.3roos.com/files/ups/2012/205182/21341882236.jpg (http://www.3roos.com/files/ups/2012/205182/21341882236.jpg)





صفحات من كتاب الصيف والشتاء
_______________________


1 - حمامة
حين سَرَتْ في الشارعِ الضَّوضاءْ
واندفَعَتْ سيارةٌ مَجنونةُ السَّائقْ
تطلقُ صوتَ بُوقِها الزاعقْ
في كبدِ الأَشياءْ:
تَفَزَّعَتْ حمامةٌ بيضاءْ
(كانت على تمثالِ نهضةِ مصرْ..
تَحْلُمُ في استِرخاءْ)
طارتْ, وحطَّتْ فوقَ قُبَّةِ الجامعةِ النُّحاسْ
لاهثةً, تلتقط الأَنفاسْ
وفجأةً: دندنتِ الساعه
ودقتِ الأجراسْ
فحلَّقتْ في الأُفْقِ.. مُرتاعهْ!
أيتُها الحمامةُ التي استقرَّتْ
فوقَ رأسِ الجسرْ
(وعندما أدارَ شُرطيُّ المرورِ يَدَهُ..
ظنتُه ناطوراً.. يصدُّ الطَّيرْ
فامتَلأتْ رعباً!)
أيتها الحمامةُ التَّعبى:
دُوري على قِبابِ هذه المدينةِ الحزينهْ
وأنشِدي للموتِ فيها.. والأسى.. والذُّعرْ
حتى نرى عندَ قُدومِ الفجرْ
جناحَكِ المُلقى..
على قاعدةِ التّمثالِ في المدينهْ
.. وتعرفين راحةَ السَّكينهْ!

الربيع العربي
01-15-2013, 03:07 AM
قصيدة : فقرات من كتاب الموت ◘●◘


http://www.3roos.com/files/ups/2012/205182/31341882236.jpg (http://www.3roos.com/files/ups/2012/205182/31341882236.jpg)



فقرات من كتاب الموت
_______________


- 1 -
كلَّ صَباح..
أفتحُ الصنبورَ في إرهاقْ
مُغتسِلاً في مائِه الرقْراقْ
فيسقُطُ الماءُ على يدي.. دَمَا!
وعِندما..
أجلسُ للطّعام.. مُرغما:
أبصرُ في دوائِر الأطباقْ
جماجِماً..
جماجِماً..
مفغورةَ الأفواهِ والأَحداقْ!!
- 2 -
أحفظُ رأسي في الخزائنِ الحديديّهْ
وعندما أبدأُ رِحلتي النهاريّة
أحمل في مكانِها.. مذياعا!
(أنشرُ حوليَ البياناتِ الحماسيّةَ.. والصُّدَاعا)
وبعد أن أعودَ في خِتامِ جولتي المسائيّة
أحملُ في مكان رأسي الحقيقيّه:
.. قنّينيةَ الخمرِ الزُجاجيّه!
أعودُ مخموراً الى بيتيَ..
في الليلِ الأخيرْ
يوقفُني الشرْطيُّ في الشّارع.. للشُّبْهه
يوقفُني.. برهه!
وبعد أن أرشُوَهُ.. أواصل المسير!

الربيع العربي
01-15-2013, 03:07 AM
قصيدة : خمس أغنيات إلى حبيبتي..! ◘●◘


http://www.3roos.com/files/ups/2012/205182/41341882236.jpg (http://www.3roos.com/files/ups/2012/205182/41341882236.jpg)



خمس أغنيات إلى حبيبتي..!
____________________


على جناح طائر
مسافر..
مسافر..
تأتيك خمس أغنيات حب
تأتيك كالمشاعر الضريرة
من غربة المصب
إليك: يا حبيبتي الاميره
الأغنية الأولى
مازلت أنت.....أنت
تأتلقين يا وسام الليل في ابتهال صمت
لكن أنا ،
أنا هنـــــــا:
بلا (( أنا ))
سألت أمس طفلة عن اسم شارع
فأجفلت..........ولم ترد
بلا هدى أسير في شوارع تمتد
وينتهي الطريق إذا بآخـر يطل
تقاطعُ ،
تقاطع
مدينتي طريقها بلا مصير
فأين أنت يا حبيبتي
لكي نسير
معا......،
فلا نعود،
لانصل.
الأغنية الثانية
تشاجرت امرأتان عند باب بيتنا
قولهما علي الجدران صفرة انفعال
لكن لفظا واحدا حيرني مدلوله
قالته إحداهن للأخرى
قالته فارتعشت كابتسامة الأسرى
تري حبيبتي تخونني
أنا الذي ارش الدموع ..نجم شوقنا
ولتغفري حبيبتي
فأنت تعرفين أن زمرة النساء حولنا
قد انهدلت في مزلق اللهيب المزمنة
وانت يا حبيبتي بشر
في قرننا العشرين تعشقين أمسياته الملونة
قد دار حبيبتي بخاطري هذا الكدر
لكني بلا بصر:
أبصرت في حقيبتي تذكارك العريق
يضمنا هناك في بحيرة القمر
عيناك فيهما يصل ألف رب
وجبهة ماسية تفنى في بشرتها سماحة المحب
أحسست أني فوق فوق أن اشك
وأنت فوق كل شك
وإني أثمت حينما قرأت اسم ذلك الطريق
لذا كتبت لك
لتغفري
الأغنية الثالثة
ماذا لديك يا هوى
اكثر مما سقيتني
اقمت بها بلا ارتحال
حبيبتي: قد جاءني هذا الهوى
بكلمة من فمك لذا تركته يقيم
وظل ياحبيبتي يشب
حتى يفع
حتى غدا في عنفوان رب
ولم يعد في غرفتي مكان
ما عادت الجدران تتسع
حطمت يا حبيبتي الجدران
حملته ، يحملني ،
الى مدائن هناك خلف الزمن
اسكرته ، اسكرني
من خمرة أكوابها قليلة التوازن
لم افلت
من قبضة تطير بي الى مدى الحقيقة
بأنني أصبت،....اشتاق يا حبيبتي

الربيع العربي
01-15-2013, 03:08 AM
قصيدة : الزيارة ◘●◘


http://www.3roos.com/files/ups/2012/205182/01341884450.jpg (http://www.3roos.com/files/ups/2012/205182/01341884450.jpg)



الزيارة
____


يقال لم يجئ..
وقيل: لا .. بل جاء بالأمس
واستقبلته في المطار بعثة الشرف
وأطلقوا عشرين طلقة- لدى وصوله-
وطلقة..في كبد الشمس
(لذا فإن الشمس لم تشرق علينا ذلك الصباح)
*
.. وقيل.. قيل إنه بعد مجئيه انصرف!
فلم يطب له المقام.
وقيل معشوقته هى التى لم ترض بالمقام
ثارت.. لأن كلبها الأثير لم يحتمل الحر..
فعافت نفسه الطعام
(أصدرت السلطات مرسوماً بأن يكف الطقس عن حرارته!!
لذا فإن الشمس لم تشرق علينا هذا الصباح)
*
من منكم الذي رأى صورته تنشر في صدارة الصحف
يقال إن أذنه مقطوعة الصوان!
هل شظيه في الحرب؟!
هل خنجر لأمرأة غيور؟
أم.. شده سيده منها مؤنباً..
ما فاقتلعتها يده في الجذب؟!
وقيل إن أنفه ملتهب من الشراب
ويدمن النساء في نداوة الشباب
(فهومن الفرسان في هذا المجال:
قرر أن ينضم باسم شعبة للأمم المتحده..
حين رأى موظفاتها بديعات الجمال ! )
أنّى مشى..تحوطه حاشيه من النساء
يكسفن وجه الشمس أو يخسفن القمر
(لذا فإن الشمس لم تشرق علينا هذا الصباح )
***
ظللتُ أصغي للذي يشيع
حتى تهدلت على أذني أقاويل الوشاة
لكنني...حين أويت في نهاية المساء
عثرت في الراديو على محطة تغدق فوقه الثناء
تقول عنه..انه لولاه..ما تساقط المطر
ولا تبلور الندى...ولا تنفس الشجر
ولا تدفأت عاصفير الشتاء
..كان المذيع لاينأى يقول
يصفه بأنه حامي حمى الدين المنيع
وانه ينهج في حياته نهج الرسول
****
ترى ..أكان صدقا ما تتناقل الشفاه ؟!؟
أم كان صدقا مايقوله المذيع؟!؟

الربيع العربي
01-15-2013, 03:08 AM
قصيدة : إلى صديقة دمشقية ◘●◘


http://www.3roos.com/files/ups/2012/205182/11341884450.jpg (http://www.3roos.com/files/ups/2012/205182/11341884450.jpg)



إلى صديقة دمشقية
____________


إذا سباكِ قائدُ التتار
وصرتِ محظية..
فشد شعرا منك سعار
وافتض عذرية..
واغرورقت عيونك الزرق السماوية
بدمعة كالصيف ، ماسية
وغبت في الأسوار ،
فمن ترى فتح عين الليل بابتسامة النهار؟
***
مازلتِ رغم الصمت والحصار
أذكر عينيك المضيئتين من خلف الخمار
وبسمة الثغر الطفولية..
أذكر أمسياتنا القصار
ورحلة السفح الصباحية
حين التقينا نضرب الأشجار
ونقذف الأحجار
في مساء فسقية !
****
قلتِ – ونحن نسدل الأستار
في شرفة البيت الأمامية:
لاتبتعد عني
انظرْ إلى عيني
هل تستحق دمعةً من أدمع الحزن؟
ولم أجبكِ، فالمباخر الشآمية
والحب والتذكار
طغت على لحني
لم تبق مني وهم ، أغنية !
وقلتُ ، والصمت العميق تدقه الأمطار
على الشوارع الجليدية:
عدتُ إليك..بعد طول التيه في البحار
أدفن حزني في عبير الخصلات الكستنائية
أسير في جناتك الخضر الربيعية
أبلٌ ريق الشوق من غدرانها ،
أغسل عن وجهي الغبار!!
نافحتُ عنك قائد التتار
رشقتُ في جواده..مدية
لكنني خشيت أن تَمسّكِ الأخطار
حين استحالت في الدجى الرؤية
لذا استطاع في سحابة الغبار
ان يخطف العذراء....تاركا على يدي الأزرار
كالوهم ، كالفريه !
.......... ............ .........
(......ما بالنا نستذكر الماضي ، دعي الأظفار...
لا تنبش الموتى ، تعرى حرمة الأسرار.....)
****
يا كم تمنت زمرة الأشرار
لو مزقوا تنورة في الخصر...بُنيّة
لو علموك العزف في القيثار
لتطربيهم كل امسية
حتى إذا انفضت أغنياتك الدمشقية
تناهبوك ؛ القادة الأقزام..والأنصار
ثم رموك للجنود الانكشارية
يقضون من شبابك الأوطار
****
الآن...مهما يقرع الإعصار
نوافذ البيت الزجاجية ،
لن ينطفي في الموقد المكدود رقص النار
تستدفئ الأيدى على وهج العناق الحار
كي تولد الشمس التي نختار
في وحشة الليل الشتائية!

الربيع العربي
01-15-2013, 03:09 AM
قصيدة : العشاء ..! ◘●◘


http://www.3roos.com/files/ups/2012/205182/21341884450.jpg (http://www.3roos.com/files/ups/2012/205182/21341884450.jpg)



العشاء ..!
_______


قصدتهم في موعد العشاء
تطالعوا لي برهة ،
ولم يرد واحد منهم تحية المساء !
......وعادت الأيدي تراوح الملاعق الصغيرة
في طبق الحساء
........ ....... .........
نظرت في الوعـــاء :
هتفت : (( ويحكم ....دمي
هذا دمي .....فانتبهوا ))
........لم يــأبهوا !
وظلّت الأيدي تراوح الملاعق الصغيرة
وظلت الشفاة تلعق الدماء !

الربيع العربي
01-15-2013, 03:09 AM
قصيدة : مقتل القمر ◘●◘


http://www.3roos.com/files/ups/2012/205182/31341884450.jpg (http://www.3roos.com/files/ups/2012/205182/31341884450.jpg)



مقتل القمر
________


....وتناقلوا النبأ الأليم على بريد الشمس
في كل مدينة ،
(( قُتِل القمـــر ))!
شهدوه مصلوباً تَتَدَلَّى رأسه فوق الشجر !
نهب اللصوص قلادة الماس الثمينة من صدره!
تركوه في الأعواد ،
كالأسطورة السوداء في عيني ضرير
ويقول جاري :
-(( كان قديساً ، لماذا يقتلونه ؟))
وتقول جارتنا الصبية :
- (( كان يعجبه غنائي في المساء
وكان يهديني قوارير العطور
فبأي ذنب يقتلونه ؟
هل شاهدوه عند نافذتي _قبيل الفجر _ يصغي للغناء!؟!؟))
..... ........ .......
وتدلت الدمعات من كل العيون
كأنها الأيتام – أطفال القمر
وترحموا...
وتفرقوا.....
فكما يموت الناس.....مات !
وجلست ،
أسأله عن الأيدي التي غدرت به
لكنه لم يستمع لي ،
..... كان مات !
****
دثرته بعباءته
وسحبت جفنيه على عينيه...
حتى لايرى من فارقوه!
وخرجت من باب المدينة
للريف:
يا أبناء قريتنا أبوكم مات
قد قتلته أبناء المدينة
ذرفوا عليه دموع أخوة يوسف
وتفرَّقوا
تركوه فوق شوارع الإسفلت والدم والضغينة
يا أخوتي : هذا أبوكم مات !
- ماذا ؟ لا.......أبونا لا يموت
- بالأمس طول الليل كان هنا
- يقص لنا حكايته الحزينة !
- يا أخوتي بيديّ هاتين احتضنته
أسبلت جفنيه على عينيه حتى تدفنوه !
قالوا : كفاك ، اصمت
فإنك لست تدري ما تقول !
قلت : الحقيقة ما أقول
قالوا : انتظر
لم تبق إلا بضع ساعات...
ويأتي!
***
حط المساء
وأطل من فوقي القمر
متألق البسمات ، ماسيّ النظر
- يا إخوتي هذا أبوكم ما يزال هنا
فمن هو ذلك المُلْقىَ على أرض المدينة ؟
قالوا: غريب
ظنه الناس القمر
قتلوه ، ثم بكوا عليه
ورددوا (( قُتِل القمر ))
لكن أبونا لا يموت
أبداً أبونا لايموت !

الربيع العربي
01-15-2013, 03:09 AM
قصيدة : الوقوف على قدم واحدة! ◘●◘


http://www.3roos.com/files/ups/2012/205182/41341884450.jpg (http://www.3roos.com/files/ups/2012/205182/41341884450.jpg)



الوقوف على قدم واحدة!
________________


كادت تقول لى ((من أنت ؟))
.. .. .. ..
(.. العقرب الأسود كان يلدغ الشمس ..
وعيناه الشّهيتان تلمعان ! )
_أأنت ؟!
لكنّى رددت باب وجهى .. واستكنت
(.. عرفت أنّها ..
تنسى حزام خصرها .
فى العربات الفارهة !
***
أسقط فى أنياب اللحظات الدنسة
أتشاغل بالرشفة من كوب الصمت المكسور
بمطاردة فراش الوهم المخمور
أتلاشى فى الخيط الواهن :
ما بين شروع الخنجر .. والرقبة
ما بين القدم العاربة وبين الصحراء الملتهبة
ما بين الطلّقة .. والعصفور .. والعصفور !
***
يهتزّ قرطها الطويل ..
يراقص ارتعاش ظلّه ..
على تلفّتات العنق الجميل
وعندما تلفظ بذر الفاكهة
وتطفىء التبغة فى المنفضة العتيقة الطراز
تقول عيناها : استرح !
والشفتان .. شوكتان !!
***
(تبقّين أنت : شبحا يفصل بين الأخوين
وعندما يفور كأس الجعة المملوء ..
فى يد الكبير :
يقتلك المقتول مرتين!
أتأذنين لى بمعطفى
أخفى به ..
عورة هذا القمر الغارق فى البحيرة
عورة هذا المتسول الأمير
وهو يحاور الظلال من شجيرة إلى شجيرة
يطالع الكفّ لعصفور مكسّر الساقين
يلقط حبّة العينين
لأنه صدّق _ ذات ليلة مضت _
عطاء فمك الصغير ..
عطاء حلمك القصير ..

الربيع العربي
01-15-2013, 03:09 AM
قصيدة : فى انتظار السيف (يوليو 1970) ◘●◘


http://www.3roos.com/files/ups/2012/205182/01341945311.jpg (http://www.3roos.com/files/ups/2012/205182/01341945311.jpg)


فى انتظار السيف (يوليو 1970)
_____________________


وردة فى عروة السّرة:
ماذا تلدين الآن ؟
طفلا .. أم جريمة ؟
أم تنوحين على بوّابة القدس القديمة؟
عادت الخيل من المشرق،
عاد (الحسن الأعصم ) والموت المغير
بالرداء الأرجوانىّ ، وبالوجه اللصوصى ،
وبالسيف الأجير
فانظرى تمثاله الواقف فى الميدان ..
(يهتّز مع الريح .!)
انظرى من فرجة الشبّاك :
أيدى صبية مقطوعة ..
مرفوعة .. فوق السّنان
(..مردفا زوجته الحبلى على ظهر الحصان)
أنظرى خيط الدم القانى على الأرض
((هنا مرّ .. هنا ))
فانفقأت تحت خطى الجند ...
عيون الماء ،
واستلقت على التربة .. قامات السنابل .
ثم..ها نحن جياع الأرض نصطف ..
لكى يلقى لنا عهد الأمان .
ينقش السكة باسم الملك الغالب ،
يلقى خطبة الجمعة باسم الملك الغالب ،
يرقى منبر المسجد ..
بالسيف الذى يبقر أحشاء الحوامل .
***
تلدين الآن من يحبو..
فلا تسنده الأيدى ،
ومن يمشى .. فلا يرفع عينيه الى الناس ،
ومن يخطفه النخّاس :
قد يصبح مملوكا يلوطون به فى القصر،
يلقون به فى ساحة الحرب ..
لقاء النصر ،
هذا قدر المهزوم :
لا أرض .. ولا مال .
ولا بيت يردّ الباب فيه ..
دون أن يطرقه جاب ..
وجندى رأى زوجته الحسناء فى البيت المقابل)
أنظرى أمّتك الأولى العظيمة
أصبحت : شرذمة من جثث القتلى ،
وشحّادين يستجدون عطف السيف
والمال الذى ينثره الغازى ..
فيهوي ما تبقى من رجال ..
وأرومة .
أنظرى ..
لا تفزعى من جرعة الخزى،
أنظرى ..
حتى تقيئي ما بأحشائك ..
من دفء الأمومة .
***
تقفز الأسواق يومين ..
وتعتاد على ((النقد)) الجديد
تشتكى الأضلاع يومين ..
وتعتاد على السوط الجديد
يسكت المذياع يومين
ويعتاد على الصوت الجديد
وأنا منتظر .. جنب فراشك
جالس أرقب فى حمّى ارتعاشك_
صرخة الطفل الذى يفتح عينيه ..
على مرأى الجنود!

الربيع العربي
01-15-2013, 03:10 AM
قصيدة : بكائية ليلية ◘●◘


http://www.3roos.com/files/ups/2012/205182/11341945311.jpg (http://www.3roos.com/files/ups/2012/205182/11341945311.jpg)



بكائية ليلية
_______


للوهلة الأولى
قرأت في عينيه يومه الذي يموت فيه
رأيته في صحراء " النقب " مقتولا ..
منكفئا .. يغرز فيها شفتيه ،
و هي لا تردّ قبلة ..لفيه !
كنا نتوه في القاهرة العجوز ، ننسى الزمنا
نفلت من ضجيج سياراتها ، و أغنيات المتسوّلين
تظلّنا محطّة المترو مع المساء .. متعبين
و كان يبكي وطنا .. و كنت أبكي وطنا
نبكي إلى أن تنضبّ الأشعار
نسألها : أين خطوط النار ؟
و هل ترى الرصاصة الأولى هناك .. أم هنا ؟
و الآن .. ها أنا
أظلّ طول اللّيل لا يذوق جفني وسنا
أنظر في ساعتي الملقاة في جواري
حتّى تجيء . عابرا من نقط التفتيش و الحصار
تتّسع الدائرة الحمراء في قميصك الأبيض ، تبكي شجنا
من بعد أن تكسّرت في " النقب " رايتك !
تسألني : " أين رصاصتك ؟ "
" أين رصاصتك "
ثمّ تغيب : طائرا .. جريحا
تضرب أفقك الفسيحا
تسقط في ظلال الضّفّة الأخرى ، و ترجو كفنا !
و حين يأتي الصبح – في المذياع – بالبشائر
أزيح عن نافذتي السّتائر
فلا أراك .. !
أسقط في عاري . بلا حراك
أسأل إن كانت هنا الرصاصة الأولى ؟
أم أنّها هناك ؟؟

الربيع العربي
01-15-2013, 03:10 AM
قصيدة : الموت في لوحات ◘●◘


http://www.3roos.com/files/ups/2012/205182/21341945311.jpg (http://www.3roos.com/files/ups/2012/205182/21341945311.jpg)



الموت في لوحات
____________

(1)

مصفوفة حقائبي على رفوف الذاكرة
و السفر الطويل ..
يبدأ دون أن تسير القاطرة !
رسائلي للشمس ..
تعود دون أن تمسّ !
رسائلي للأرض ..
تردّ دون أن تفضّ !
يميل ظلّي في الغروب دون أن أميل !
و ها أنا في مقعدي القانط .
وريقة .. و ريقة .. يسقط عمري من نتيجة الحائط
و الورق الساقط
يطفو على بحيرة الذكرى ، فتلتوي دوائرا
و تختفي .. دائرة .. فدائرة !


(2)

شقيقتي " رجاء " ماتت و هي دون الثالثة .
ماتت و ما يزال في دولاب أمّي السّري
صندلها الفضّيّ!
صديرها المشغول ، قرطها ، غطاء رأسها الصّوفيّ
أرنبها القطنيّ !
و عندما أدخل بهو بيتنا الصامت
فلا أراها تمسك الحائط .. علّها تقف !
أنسى بأنّها ماتت ..
أقول . ربّما نامت ..
أبحث عنها في الغرف .
و عندما تسألني أمّي بصوتها الخافت
أرى الأسى في وجهها الممتقع الباهت
و أستبين الكارثة !


(4)

من شرفتي كنت أراها في صباح العطلة الهاديء
تنشر في شرفتها على خيوط النور و الغناء
ثياب طفليها ، ثياب زوجها الرسميّة الصفراء
قمصانه المغسولة البيضاء
تنشر حولها نقاء قلبها الهانيء
و هي تروح و تجيء
... ... ... ... ... ... ...
و الآن بعد أشهر الصيف الرديء
رأيتها .. ذابلة العينين و الأعضاء
تنشر في شرفتها على حبال الصّمت و البكاء
ثيابها السوداء !

الربيع العربي
01-15-2013, 03:10 AM
قصيدة : مزامير ◘●◘


http://www.3roos.com/files/ups/2012/205182/31341945311.jpg (http://www.3roos.com/files/ups/2012/205182/31341945311.jpg)



مزامير
____

(2)

المزمور الثاني
قلت لها في اللّيلة الماطرة
البحر عنكبوت
و أنت – في شراكه – فراشة تموت
و انتفضت كالقطّة النافره
و انتصبت في خفقان الريح و الأمواج
( ثديان من زجاج
و جسد من عاج )
و انفلتت مبحرة في رحلة المجهول ، فوق الزّبد المهتاج
ناديت .. ما ردّت !
صرخت .. ما ارتدّت !
و ظلّ صوتي يتلاشى .. في تلاشيها ..
وراء الموجة الكاسرة )
... .... ....
( خاسرة ، خاسرة
إن تنظري في الغريمة الساحرة
أو ترفعي عينيك نحو الماسة التي تزيّن التاج ! )


(3)

لفظ البحر أعضاءها في صباح أليم
فرأيت الكلوم
ورأيت أظافرها الدمويّة
تتلوّى على خصلة " ذهبيّة "
فحشوت جراحاتها بالرمال ،
و أدفأتها بنبيذ الكروم .
... ... ... ....
و تعيش معي الآن !
ما بيننا حائط من وجوم
بيننا نسمات " الغريم "
كلّ أمسية ..
تتسلّل في ساعة المد ، في الساعة القمريّة
تستريح على صخرة الأبديّة
تتسمّع سخرية الموج من تحت أقدامها
و صفير البواخر .. راحلة في السواد الفحميم
تتصاعد من شفتيها المملّحتين رياح السموم
تتساقط أدمعها في سهوم
و النجوم
( الغريقة في القاع )
تصعد ... واحدة .. بعد أخرى ..
فتلقطها
و تعدّ النجوم
في انتظار الحبيب القديم !

الربيع العربي
01-15-2013, 03:11 AM
قصيدة : كلمات سبارتكوس الأخيرة ◘●◘


http://www.3roos.com/files/ups/2012/205182/01341967757.jpg (http://www.3roos.com/files/ups/2012/205182/01341967757.jpg)



كلمات سبارتكوس الأخيرة
___________________


( مزج أوّل ) :
******************
من قال " لا " في وجه من قالوا " نعم "
من علّم الإنسان تمزيق العدم
من قال " لا " .. فلم يمت ,
وظلّ روحا أبديّة الألم !
( مزج ثان ) :
معلّق أنا على مشانق الصباح
و جبهتي – بالموت – محنيّة
لأنّني لم أحنها .. حيّه !
... ...
يا اخوتي الذين يعبرون في الميدان مطرقين
منحدرين في نهاية المساء
في شارع الاسكندر الأكبر :
لا تخجلوا ..و لترفعوا عيونكم إليّ
لأنّكم معلقون جانبي .. على مشانق القيصر
فلترفعوا عيونكم إليّ
لربّما .. إذا التقت عيونكم بالموت في عينيّ
يبتسم الفناء داخلي .. لأنّكم رفعتم رأسكم .. مرّه !
" سيزيف " لم تعد على أكتافه الصّخره
يحملها الذين يولدون في مخادع الرّقيق
و البحر .. كالصحراء .. لا يروى العطش
لأنّ من يقول " لا " لا يرتوي إلاّ من الدموع !
.. فلترفعوا عيونكم للثائر المشنوق
فسوف تنتهون مثله .. غدا
و قبّلوا زوجاتكم .. هنا .. على قارعة الطريق
فسوف تنتهون ها هنا .. غدا
فالانحناء مرّ ..
و العنكبوت فوق أعناق الرجال ينسج الردى
فقبّلوا زوجاتكم .. إنّي تركت زوجتي بلا وداع
و إن رأيتم طفلي الذي تركته على ذراعها بلا ذراع
فعلّموه الانحناء !
علّموه الانحناء !
الله . لم يغفر خطيئة الشيطان حين قال لا !
و الودعاء الطيّبون ..
هم الذين يرثون الأرض في نهاية المدى
لأنّهم .. لا يشنقون !
فعلّموه الانحناء ..
و ليس ثمّ من مفر
لا تحلموا بعالم سعيد
فخلف كلّ قيصر يموت : قيصر جديد !
وخلف كلّ ثائر يموت : أحزان بلا جدوى ..
و دمعة سدى !
( مزج ثالث ) :
يا قيصر العظيم : قد أخطأت .. إنّي أعترف
دعني- على مشنقتي – ألثم يدك
ها أنذا أقبّل الحبل الذي في عنقي يلتف
فهو يداك ، و هو مجدك الذي يجبرنا أن نعبدك
دعني أكفّر عن خطيئتي
أمنحك – بعد ميتتي – جمجمتي
تصوغ منها لك كأسا لشرابك القويّ
.. فان فعلت ما أريد :
إن يسألوك مرّة عن دمي الشهيد