الالتزام في شعر أمل دنقل
بقلم سمية مهتاب
الملخّص

الالتزام، هو مشارکة الشاعر أو الأديب الناس همومهم الاجتماعية و السياسية و مواقفهم الوطنية، والوقوف بحزم لمواجهة ما يتطلبه ذلک، إلي حد إنکار الذات في سبيل ما إلتزم به الشاعر أو الأديب و الملتزم هو الذي يتخذ موقفاً في النزاعات السياسية و الإجتماعية مُعبّراً عن أيدئولوجية طبقة ما، أوحزب أو نزعة. و ليس الأمر مقتصراً علي المشارکة في هذه القضايا، و إنما يقوم الإلتزام في الدرجة الأولي علي الموقف الذي يتّخذه المفکر أو الأديب أو الفنان فيها. أولي مراحل الإلتزام تبدَأ ُ با لتمرّد علي المجتمع و الحکومة و الناس و حتي الميتافيزيقيا. لقد کانت الظروف الإجتماعية و السياسية التي عايشها الشاعر أمل دنقل، کافية ً لتخصيب جانب الرفض في تجربته الشعرية، و کافية ً أيضاً لتخصيب جانب الإلتزام في شعره کإنعکاس من ذلک الرفض أمام الحکومة و السياسة. الشاعر يتمرّد علي الحکومة و السياسة و لکن في مقابلها يلتزم قومه و مجتمعه ويلتزم المباديء الإنسانية. هنايبرز هدف الإلتزام في جدة ألکشف عن الواقع، و محاولته تغييره، بمايتطابق مع الخير و الحق و العدل عن طريق الکلمة التي تسري بين الناس فتفعل فيهم علي نحوما تفعل الخميرة في العجين علي أن لا يقف الإلتزام عند القول و التنظير، إذ ليس الإلتزام مجرد تأييد نظري للفکرة و إنما هو سعي لتحقيقها. و لانبالغ إذ نقول أن أمل دنقل أکثر الشعراء التزاماً إذ أن فهمه له مکنه من تطويعه ليصبح في کثيرٍ من الأحيان مادة فنية تمد قصائده بالعمق الدّلالي و التوهج الشعري المتميّز.

التمهيد:

أظهر معاني الإلتزام في اللغة: ألتعلق بالشيء والمداومة عليه و عدم مفارقته. أما الإلزام فقد يکون فيه مداومة علي الشيء، و عدم مفارقة له، ولکن يصحب ذلک في الغالب إکراه و تبکيت، ولهذا لا يکون لدي الشخص الملزم تعلّق بما ألزم به ولا رغبة فيه. 1و بهذا
المعني: لزم الشيء لزماً و لزوماً، و لازمه ملازمةً و لزاماًٌ، و إلتزمه و ألزمه إياه فالتزمه (. . .) إعتنقه (. . .) إلتزم العمل و المال: أوجبه علي نفسه وقد جاءَ في الآية الکريمة: ( و ألزمهم کلمة التقوي و کانوا أحق بها و أهلها) 2و تطوّر المعني اللغوي إلي المعني الإصطلاحي في ضوء التطوّرات الجديدة و لا سيّما علي صعد الفکر و الفن و الأدب حيث مضامين الإلتزام هي الإسهام بمشارکات واعية للمشاکل الإنسانية في کُلّ مجالاتها. 

و هذا الإسهام الواعي يباعد ما بين حالي الإلتزام و الإلزام. ففي حين ترصد الحرية حرکة الإلتزام،مناخاًو سلوکاً وفکراً، نجد الإلزام يفسد علي الحرّية أجواءها ونتاجها. و يوقع الملزم في عكس الغايات التي يراد له أن يکبّل بها، و ليس هذا فحسب، فقضية الإلتزام أبعد من الإسهام بمشارکات، عندما تصل إلي الحقيقة حيث يلتزم المرء الموقف، سلوکاً و فعلاً، يختار عامداً مسئوولية حرة، يترتب عليها استعداد لتحمّل نتائج هذا الإلتزام، فالحرية في أساس الإلتزام، ولا مکان فيها للممالأةوالمخادعة و المجاراة، لأنّ الإلتزام أرفع أوجه تحقق الحرية المسؤولة: فالحرية شرط أساسي من شروط الإلتزام، و ليس ملتزماً من کان إلتزامه صادر أعن قصر أو ممالأة أونفاق إجتماعي (3) وفي هذا الإطار تبرز مسؤولية الملتزم أمام نفسه و أمام الآخرين، في تکوين التزامي، طبعي يمنعه من أن يحاول إبتعاداً عن غاية تحقيق ذاته في سياق مبادرته الحرة المسؤولة في هذا الإتجاه. يوضح الدکتور محمد غنيمي هلال المراد بالإلتزام قائلاً : " ويراد بالتزام الشاعر وجوب مشارکته بالفکر و الشعور و الفن في قضايا الوطنية و الإنسانية و فيما يُعانون من آلام و ما يبنون من آمال "(4) يقرّر محمود تيمور عراقة الإلتزام في الأدب فيقول : أما معني الإلتزام فعريق في الأدب، قديم مثل کل أدب أصيل، و کل تفکير صميم، ذلك أن الإلتزام في الأدب لا يعدو في معناه الصحيح أن يکون الأدب ملتزماً الجوهري من الشؤون، منصرفاً عن الزخرف اللفظي و عن الزينة الصورية التي هي لغوووهم وخداع، و الإلتزام هو أن يکون الأدب مرآة جماع قصّة الإنسان و خلاصة مغامراته و تجربته للکيان، وزبدة ما يستنبطه من عمق أعماقه و ألطف أحشائه من أجوبة عن حيرته و تساؤلاته، و هو أن يکون الأدب رسالة الإنسان إلي الإنسان، رسالة يستوحيها من الجانب الإلهي من فکره و روحه، و من هذاالوجدان أو الحدس الإلهي، الذي هو الفکر و مافوق الفکر، و العقل و ما فوق العقل، و الخيال مع العلم و المعرفة، مع الإنطلاق مجرباً في کليته و شموليته. (5) والمتتبع لقضيةالإلتزام عند الأمم المتقدمة يري أنّ هذه القضية ليست واضحة المعالم، متکاملة الصورة کما هو الحال في منظار الإصطلاح الأدبي المعاصر، و إنما هي في الجملة نظرات و ومضات تختلف من أمةٍ إلي أخري ظهوراً أو غموضاً، سطحية ً أو عمقاً تبعاً لمعتقدات الأمة و ثقافتها السائدة. وفي النهاية في مفهوم الإلتزام أن الفکر ليس منفصلا ً عن العالم الذي يحيا فيه، و لا هو مستقل عنه، بل علي العکس من ذلك " هو غارقٌ فيه و موجود و فاعل و حاضر، و ليس العالم بالنسبة إليه مجرّد مشهد يَمُرّأمام ناظريه مستقلاً عن فعله. " (6)و لا ريب في أن لوجودية سارتر أثراً بعيداً في هذا المفهوم. فهويري أن کُل إنسان – شاءَ أم أبي – ملتزم في هذا العالم الذي نحن فيه مبحرون هوفي غمار المعمعة من رأسه حتي القدم؛ و مهما يفعل، فإنه موسوم، معرض للخطر حتي في أنأي حلوة له. (7) بناءً علي ما مضي کان شعر أمل يمتلي بعاطفة نارية تُمجّد الدم و الموت و العنف وهو يحمل العنف و القوة من تراثه، تراث الصعيد، يکره الضعف و لا يحترمه. إنه يصرخ ضد واقعه، و يتمرد عليه صعيدياً محباً للحياة، مقبلاً عليها، حتي لا يکون هناک مثل أعلي يحتذيه، أو تکون رغبته في إعلان التمرد علي الواقع المحيط به. عبيد التقاليد و والعادة و من يئدون الضياءَ المنير يلوم الشاعر بني قومه علي تقاعسهم و غفلتهم، کما يلوم الزعماء ويندّد بخياناتهم، و لا سيما من إحترف منهم السمسرة للعدو، وهو يدّعي الشهامة والوطنية. و يحمل علي السياسيين حملة لا هوادة فيها، ويحذر أبناءَ وطنه من إتباعهم و تصديق أقوالهم، فهم يخدعون الناس، و يحيطون أنفسهم بهالات من القداسة، و يأکلون حقوق الشعب، و يقنصون رئاستهم من بيع البلاد و التعاون مع العدو. فأخرج مخزون التراث الصعيدي في شعره يتغنّي به. فحين يخرج صورة من صور التراث مثل زرقاءِ اليمامة و صلاح الدين و المتنبي و کافور و عنترة و کليب و المهلهل لا يستخدم قناعاً و إنما يستخدم عالماً حياً يعيش فيه. (8)فالتراث عنده واقع و التراث حياة معيشة. مما ينبغي الإشارة إليه سيطرة التراث القومي العربي والإسلامي و غلبته علي الأنماط الأخري في شعر أمل دنقل، بحيث تقلّ فيه الرموزالأسطورية اليونانية و الفرعونية و الرومانية. ومما يُفَسّر هذا النزوع القوي إلي التراث و إلتزامه القومي، بحثه المستمرعن أرضية مشترکة بينه و بين المتلقي. لأن الميثولوجيا والأساطير الأجنبية غريبة عن القاريء العربي ولا تشکل لدية خلفية ثقافية.

الأرضية و المجالات التي و فرّت الظروف للإلتزام و الرّفض و التمرّد عند أمل دنقل: في عام 1945 و ضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها، ودخل العالم کل في عهد جديد وقد حمل هذا العهد إلي البلاد العربية جملة من التغييرات و التطورات السياسية و الإجتماعية و الأقتصادية و الحضارية، أهمها:

أ- استقلال الدول العربية:

بعد أن کانت هذه الدول تناضل في فترة ما بين الحربين من أجل الحصول علي الإستقلال، جاءت نهاية الحرب العالمية الثانية لتکرّس هذا الإستقلال في عدد من الدول العربية، کمصر و العراق وسوريا و لبنان، إضافة إلي السعودية و اليمن ثم تبعتها في ذلک تونس، و المملکة المغربية و الکويت و الجزائر و ليبيا و السودان و سائر الدول العربية. فما أن حَلّ العام 1962، حتي اصبحت المنطقة العربية. بمجملها مستقلّة عملياً.ما عدا فلسطين التي کان لها شأن آخر. (9)

ب- قضية فلسطين:

شکّلت القضية الفلسطينية، الجرج العربي المفتوح، ينزف المأساة علي حروف الكلمات، تتمرّد وتتعذّب مع ذکري الأرض ترسم وجه الأم، تنسج لها أغنيات الفرح والأسي، ترتبط الأولي بالعودة إلي حضنها، و تلتزم الثانية مصير الغياب القاتم و قد کشفت هذه القضية الصراع بمستوياته کافة بين: المواطن يقهر و الحکام يعيشون علي لحمه، کما أسقطت صدمتها القناع عن موت يحاصر العربي في کُلّ شيءِ و باتت فلسطين وجهه الحضاري و التحدّي الحقيقي له، في کُلّ غيبتها الحاضرة بوجود آخر، يطرح نفسه بديلاً صالحاً عن کُلّ القيم و المفاهيم و التواريخ السابقة علي وجوده، دولة تقوم علي إنقاذ شعب، و قد تصير علي إنقاذ أمة. تتسم أعمال الشعرية لأمل دنقل بأنها تتمحور حول موقف محدد هو: الدفاع عن قضايا الوطن (مصر و فلسطين) والأمة (العروبة)، خرج أمل دنقل إلي الحياة وسط هجير الحرب العالمية الثانية، و ما أشاعته من بؤس و يأس في الواقع العربي، و شبَّ مع نکبة فلسطين التي تُجسّد محنة العرب، و تشکل التحدي الحقيقي لإثبات ما إذا کان هناک عرب و عروبة . . . أم لا ؟ إستيقظ أمل وجيله من الأحلام علي حقيقة مرّة وهي نكسة 1967، و رغم الجروح العميقة من القضية الفلسطينية فإنه لم يفقد ايمانه بمستقبل أفضل. علي هذا فقد بدأ أمل عمره مع آلام النکسة، من هنا کان ديوان شاعرنا کله تقريباً عزفاً علي سيمفونية الألم و الأمل:

الألم من واقع مُرّ کالواقع الفلسطينيّ و الأمل في غدٍ تسترد فيه صفوف ممزّقة من هيبتها المضّيعة:

أيتُها العرافة ُ المقدسة: جئت إليك مثخناً بالطعنات و الدماءِ أزحف في معاطف القتلي وفوق الجثث المكدّسة مُنکسرَ السيف مُغبَّر الجبين وَ الأعضاءأسأل يا زرقاء: عن فمک الياقوت . . . عن نبوءة العذراء ، عن ساعدي المقطوع، وهو ما يزال مُمسکاً بالرّاية المنکسّة " (10(فالشاعريعود مرة بعد مرة ليؤکد العلاقة الوثيقة التي تربط بين ذاته و بين أرض فلسطين، و ما يتصل بها من هوية الشعب و کيانه و حضارته وقيمه.في هذا الشعر يتحد الشعر بلسان الأرض و لسان الإلتزام القومي.و قد ظََلَّ شاعرنا حتي اللحظات الأخيرة من عمره القصير وآلامه الکبيرة ملتزماً حتي الموت و مستصرخاً عالي الصوت. (11) لهذا نجد أن الرفض السياسي خاصة ً في قضية فلسطين يشغل حيزاً کبيراً، و هذا يستجيب للشروط التاريخية التي و اکبت کتابة قصائده. إن مبرّر وفرة هذا النوع متعلّق بالأحداث السياسية التي عرفتها مصر والاُمة العربية. والشاعر عاش هذه الأحداث خاصة نکبة فلسطين منفعلا ً بها و رغم أنه حاول في کثير ٍ من الأحيان، التخفي وراء القناع التراثي، إلا أن غضبه کان يحول دون ذلک، فتسقط الأقنعة و يتصاعد الصوت واضحاً و صريحاً:

لا تصالِح . . . و لو منحوك الذهب أترُي حين أفقأ عينيك ثم أثبت جوهرتين مکانهما هل تري . . . .؟

ج- الحرکات الثورية:

عندما حصلت الدول العربية علي إستقلالها، کان منتظراً من حکامها أن يعملوا بِکُلّ ما أوتو من وسيلة لنقل البلاد. إلي المستوي الذي يتناسب و تطلعات الشعوب المستقلة، وفي مقدمتها توطيد الحکم الوطني علي أسس ديموقراطيه صحيحة، و تطوير المؤسسات العامة لبناء دولة الإستقلال في جميع المرافق، و أن تدفع به إلي مستوي الحياة العصرية و لکن شيئاً من ذلك لم يتحقَّق في أعقاب الحرب العالمية الثانية. شعرت الشعوب العربية " بِأن قادتها قد فشلوا في إحداث التغيير الذي يرقي إلي مستوي توقعاتها و بدأت تبحث عن قيادة جديدة متنورة قادرة علي إنجازهذه التوقعات. و هکذا نشب صراع بين الحکام والمحکومين خلق مناخاً في الرأي العام مناسباً للتغيير الثوري.(12) هذا الجيل رفض أن تظلّ البلادمتخلفة و أن يظلّ حکمها في أيدي الزعماء التقليديين الذين يحرصون علي إمتيازاتهم و يسخرون کل شيء في سبيل المحافظة علي زعاماتهم و علي مصالح الذين يُؤيدون هذه الزعامات و يساندونها و قد تبنّي جملة من المفاهيم الوطنية، و المباديء الديموقراطيه، و طرح شعارات التحديث و العدل الإجتماعي و الإشتراکية و النضال القومي و التنمية في مجالاتها المختلفة. (13) لذلک إتجهت أنظار المفکرين و زعماء الأحزاب و النقابات إلي الشبان من ضباط الجيش الذين ينتمون إلي الجيل الجديد بأفکارهم و تطلعاتهم. و هکذا نضجت في الثکنات العسکرية و في عدد من الأوطان العربية ثورات سياسية و إنقلابات أطاحت بالحکام التقليديين و وضعت البلاد في مسارات جديدة. و قد بدأ ذلک في سوريا عام 1949 ثم في مصر عام 1952 و في اليمن عام 1955 و العراق عام 1958 و السودان عام 1985 أيضاً و الجزائر عام 1962 و ليبيا عام 1969. لم ينشد أمل دنقل للحرية و للثورة باعتبار هما قيمة مجردة و إنما قام بتشعيرهما في صورهما العديدة، ممارساً حريته التعبيرية و هو يفعل ذلك برشاقة بالغة . مثلاً إشتبك مع خيوط عنکبوت النظام الشمولي المتمثلة في أجهزة التخابر و المباحث، فضح تألههم موظفاً نصوص العهد المقدس و أبنية تراکيب القرآن الکريم لوصم خزيهم المدنس، في قصيدته التي ما فتيء الشباب من أبناء جيله المطاردين من تلک الأجهزة يتغنون بها حيث يقول:

أبانا الذي في المباحث، نحن رعاياک، و باق ٍ لمن تحرس الرهبوت. تفرّدت وحدک باليسر، إن اليمين لفي خسر، أما اليسار ففي العسر، إلا الذين يُماشون . . . . هذا التناص هو محاولة تقليد الأسلوب القرآني في تراکييه و إيقاعاته، وهو بذلك يستهدف سلب الجملة القرآنية قداستها و نفي مسألة الإعجاز عنها، محاولاً أن يستثمر ذلك في انتقاد الإتجاهات الأيدئولوجية و سلوک الناس إزاءَ ها. (14) و الطريف أنّ هذا التناص الصريح مع نصوص الإنجيل و القرآن يفجر آليات المفارقة و السخرية لنزع القداسة و الشرعية عن هذه الممارسات المضادة لحقوق الإنسان و قواعد الحريات في الواقع الاجتماعي المحدد، مما يجسد موقفه ويشعل معرکته الطويلة في سبيل الحرية التي يناضل بالشعر الحي المفعم بالدلالة و هو يکتشف أقنعة غيابها و أخطار فقدها. و ربّما وصل لذروة الإحتدام الدرامي في الدّفاع عنها في رائعته التي کتبها عقب مظاهرات الطلاب أوائل السبعينيات " ألکعکة الحجرية " التي يتكي فيها بشکل واع ٍ أو لا شعوري علي رائعة " لورکا " في رثاء مصارع الثيران " إجناثيو ميخياس " بلازمتها الأساسية: (15)" في الساعة الخامسة مساء " ليجعلها أمل في نهايات إصحاحاته الدرامية " دقت الساعة المتعبة " ثم " دقت الساعة القاسية " حتي يصل إلي " دقت الساعات الخامسة " و يختمها بالدعوة الثائرة " فارفعوا الأسلحة " کأنه يقود مظاهرة جماعية للطلاب و القراء ضد السلطة في ساحة الجامعة و أرجاء الوطن. کما قلنا إن مبررة و فرة هذا النوع متعلق بالأحداث السياسية التي عرفتها مصر و الأمة العربية. يُطالعنا المقطع السابق " لا تصالح " بأسلوب النهي المنطوي علي النصيحة، نهياً عن المصالحة مع العدو و رفضاً لها مهما تنوّعت الإغراء ات. إن أسلوب النهي في هذه القصيدة قد تکرّرعشرين مرة في المقاطع العشرة التي إشتملت عليها. و قد وظفه الشاعر بمعان مختلفة بحسب سياق المبرر الذي من أجله يرفض المصالحة.فهو مثلاً في المقطع التالي يوظف النهي الذي يفيد التوبيخ: (16)

لا تصالح علي الدم . . . . حتي بدم!
لا تصالح ولو قيل رأس برأس
أکلَّ الرأس سواء؟!
أقلب الغريب کقلب أخيك؟!

هکذا نجد في هذه القصيدة إلتزاماً دنقلياً من نوع آخر فهو ليس الإلتزام المصري ، و إن کان لا يعارضه و لا يناقضه، و إنما هو إلتزام قومي عربي، يلتفّ بغلالة عربية قومية، تشفُ عن حنين قومي، غرسه في فؤاد شاعر نشأته القومية و العربية.يفسر أمل دنقل في تعليقات ملحقة بالنص، دلالة شخوصه علي أنه جعل من کليب، صوت القصيدة، رمزاً للمجد العربي القتيل أو لِلأرض السلبية التي تريد أن تعود إلي الحياة مرة أُخري، و لا سبيل لذلك سوي الدم. وهو تأويل يخرجها من دائرة النار الضيقة و المتعصبه، علي الرغم من توظيفه لبعض إشاراته، مثل " الهامة " أو طيف القتيل الذي ينادي بالثأر في ظمأ لايرتوي سوي بالدم المراق، لکن نشدان العدل بعودة الحق السليب و تحرير الأرض من مغتصبيها يضع القصيدة في منطق شعر الحرية في منظور إنساني و التزام قومي رفيع، هي أشياء لا تشتري . . . . ذکريات الطفولة بين أخيک و بينکحسّکما – فجأة – بالرّجولة هذا الحياء الذي يکبت الشوق . . . . حين تعانقه. الصمت – مبتسمين – لتأنيب أمکما. . . و کأنکما ما تزالان طفلين تلک الطمأنينة الأبدية بينکما أن سيفان سيفك صوتان صوتك إنك إن مت:

للبيت رب
وللطفل أب
. . .
إنها الحرب قد تثقل القلب
لکن خلفك عار العرب
لا تصالح و لا تتوّخ الهرب(17)

و إذا کانت قصيدة " الوصايا العشر " قد عمقت بنية الدم المؤسسة علي التحريض و الدعوة إلي الثأر لِلأخ المغتال (کليب)، الذي يرمز إلي " المجد العربي القتيل " فإنه في قصائد أخري قد جسد حسه الوطني و التزامه القومي و الوطني من خلال تعميق الجرح الذي تعاني منه الأرض العربية السلبية.

فهو أحياناً يعمد إلي تصوير مأساة صحراء " سينا " من خلال تقنية فنية يتداخل فيها التشکيلي بالشعري، بمعني أنه يرصد الجرح في لوحة فنية معلقة، ضمن " رسوم في بهو عربي ": (18)

اللوحة الأخيرة:
خريطة متبورة الأجزاء
کان إسمها " سيناء "
و لطخة سوداء
تملأ کُلّ الصورة (19)

في هذا الکلام دعوة إلي أرض مصر الأصيلة و الي الأصالة ، والي ارتداد مصريين إلي أرضهم.

وهذه الخرائط التي صارت بها سيناء
عبرية الأسماء
کيف نراها . . . دون أن يُصيبنا العمي (20)

في هذا الحوار يتجلي إلتزام الشاعر، و دور الکلمة التي تنطق بالحق. تمثل کلمات سيناء و العرب الفکر الملتزم و الکلمة الملتزمة وليس له ما يشفع له في هذه "التقريرية " إلا طبيعة المرحلة السياسية التي کانت تمرّ بها مصر. فقد کان الوضع يتطلب تکثيف الغضب لدي الجماهير، و تحريضها علي خوض معارك الکرامة و تصحيح الخرائط المتبورة إلتزاماً بالوطن و الأرض العربية. ولعلنا نلتمس له العذر عند صديقه أحمد عبدالمعطي حجازي حين عبّر عن شعر دنقل في هذه المرحلة قائلاً: " بعد يونيو 1967 ، أصبح أمل دنقل هو شاعر المرحلة بلا منازع. (21) لقد ظل أمل دنقل شاعراً ملتزماً بالوطن و القومية و رافضاً لکل أشکال الإستهانة بالمواطنين داخل مصر من قبل مؤسسات القمع. و واکب کل حرکات التمرد يمدّها بما تحتاج إليه من حماس و تحريض.

ففي مظاهرة الطلبة عام 1973 لم يجد حرجاً في إعلان رفضه السياسي عن خلال قصيدة " أغنية الکعکة الحجرية " أبرز فيها موقفه السياسي المباشر عبر خطاب تحريضي يصل في بعض الأحيان إلي حدالمطالبه بشهر الأسلحة في وجه القمع:

أيها الواقفون علي حافة المذبحة
أشهروا الأسلحة!
سقط الموت، و اِنفرط القلب کالمسبحة
و الدم إنساب فوق الوشاح

و لا يلبث أن ينخرط في طلب اللحظة المأساوية، فينتقل من أسلوب الخطاب إلي نقل الحدث بطريقة السرد:

يغنون "نحن فداؤک يا مصر"
"نحن فداؤ . . . ."
و تسقط حنجرة مخرسة

معها يسقط إسمك – يا مصر – في الأرض و هکذا يتضح من هذه القصيدة نوع من الإلتزام القومي المتمثل في إلتزام الثورة المصرية و قضيتها القومية و الإنسانية، عبر شعر مصريّ ٍ ينضح صدقاً و اخلاصاً و نهوضاً بالمسئوولية التي يلقيها الإلتزام علي عاتقه بکل فخر و اعتزاز رغم ما يسببه له هذا الإلتزام من عذاب و شقاء.

المحصلات التي توصلت إليها في هذه دراسة:

1- کان الشاعر ثائراً و ملتزماً، يحب الثورة و التمرّد و الإلتزام،يتطلع الي تحقيق العزة و الکرامة للأمة العربية المطعونة في شرفها و لذلک نلفيه ينهي عن المصالحة مع العدو مهما يبد مسالماً
2- کان أمل دنقل ملتزماً في معظم أشعاره لأنه عاش في قلب الأحداث و جاذبه أمواج التغيير والجوانب القومية و الإنسانية طغت علي الإلتزام في شعره.
3- ظل إهتمامه بالتراث و بأبطال العرب يرجع بالأساس الي محاولته الدائمة للبحث عن هوية انطلاقاً من إلتزامه القومي و حسه العربي و ايمان بأن مصر عربية الروح ، عربية الإنتماء.
4- لأن الشاعر أمل دنقل قد ارتبط بمشکلات قومه و احتک بمعاناتهم، و من ثم نشأت فکرة الإلتزام في شعره، و غدا تعبيره نقداً للواقع القائم و استشرافاً لآخر أفضل.

مراجع

1- القرآن الکريم، سورة الفتح، الآية 26
2- أبوحاقة، أحمد، الإلتزام في الشعر العربي، دارالعلمم للملايين، بيروت،ط1، 1979
3- إسماعيل، عزالدين، الشعرالعربي المعاصر، دارالعودة، بيروت ، ط3، 1981
4- تيمور، محمود : مجلة القصة، العددالخامس، السنة الخامسه، القاهره، 1965
5- خدوري، مجيد، الإتجاهات السياسية في العالم العربي، الدار المتحدة للنشر، بيروت، ط1، 1972
6- دنقل، أمل، الأعمال الکاملة، مکتبة مدبولي، القاهرة، دارالعودة، بيروت، ط2، 1985
7- شمس الدين الحجاجي، أحمد، أمل دنقل الإنجاز و القيمة، المجلس الأعلي للثقافة، 2009
8- العالم، محمود امين، الثقافة و الثورة، دارالآداب، بيروت، 1970
9- عبدالرحمن النحنين، ناصر، دارالإصالة للثقافة والنشر و الأعلام، 1985
10- عبدالمعطي حجازي، أحمد، مجلة الموقف العربي، يا شوارع القاهرة مات أمل دنقل، يونيو 1983
11- عبدالملک، أنور، الفکرالعربي في معرکة النهضة، دارالآداب، بيروت، 1974
12- عوض، لويس، ثقافتنا في مفترق الطرق، دارالآداب، بيروت، ط3، 1983
13- المساوي، عبدالسلام، البنيات الدالة في شعر أمل دنقل، منشورات اتحاد الکتاب العرب، 1994
14- هلال، محمد غنيمي، النقد الأدبي الحديث، دارالشعب، القاهرة، 1964
15- وادي، طه، جماليات القصيدة المعاصرة، دارالمعارف، القاهرة، ط3، 1994

حواشي

1. عبدالرحمن النحنين، ناصر،1985: 25
2. قرآن کريم، سورة الفتح، الآية 26
3. العالم،محمود أمين، 1970: 54
4. هلال،محمد غنيمي، 1973: 456
5. تيمور ،محمود، 1965: 15
6. أبو حاقة، أحمد، 1979 : 16
7. أبو حاقة، أحمد، 1979 : 16
8. شمس الدين الحجاجي، أحمد، 2009 : 8
9. أبو حاقة، أحمد، 1979: 291
10. دنقل، أمل، 1973: 25
11. وادي، طه، 1994: 96
12. خدوري، مجيد، 1985: 141
13. عبدالملک، أنور، 1974: 23
14. عوض، لويس، 1988: 109
15. إسماعيل، عزالدين، 1985 : 395
16. المساوي، عبدالسلام، 1994 : 262
17. دنقل، أمل، 1987 : 324
18. المساوي،عبدالسلام ، 1994 : 263
19. دنقل، أمل، 1987: 323
20. دنقل، أمل، 1986: 317
21. عبدالمعطي حجازي، أحمد، 1983: 17