د/ عبير عبد الصادق محمد بدوي

أستاذ الأدب المشارك بكلية تربية الزلفي

البنية الحوارية في

البنية الحوارية في شعر محمود درويش


د. رمضان عمر

[email protected]

رئيس رابطة أدباء بيت المقدس / فلسطين



تمهيد

استطاع الدرس النقدي الحديث أن يتجاوز- من خلال منهجية نقدية مقصودة أو متبناة- الدراسات النقدية التقليدية القائمة على المتابعات التاريخية لأدب كاتب أو شاعر. أو تناول نصه ضمن منطق لغوي بلاغي محض يتكئ على العبارة الشعرية، وفق معيارية الدرس النقدي القديم.

وأصبحت مجالات الدرس النقدي تطال جملة من المعطيات الفنية التي لم تكن- في يوم من الأيام- من معايير النقد للنص الشعري، كالسردية الشعرية، والبنية الحوارية، والبنية الدرامية، والتناص، والرؤية والتشكيل، والمؤلف، والراوي وتعدد الضمائر والأصوات، وما سوى ذلك من تقنيات ومصطلحات استعارتها القراءة النقدية الحديثة للشعر من حقول عديدة، كالموسيقا، والرسم، والبناء، والهندسة، إضافة إلى الرواية، والمسرحية، والحكاية، والسينما، وما سوى ذلك من فنون كانت- وفق الرؤية الكلاسيكية- منفصلة عن بعضها البعض، ضمن نظرية فصل الأنواع عند أرسطو وتلامذته؛ فجاءت الدراسات الحديثة لتمزج الأنواع مزجا مريبا مربكا- أحيانا- ومجددا معمقا في أحيان أخرى، وتطلق على المنتج المتناول عبارة "نص" دون تفريق بين شعر ونثر؛ فتداخلت مع هذا المسمى الجديد تسميات اقتضتها العمليات الإجرائية للنقد، كالبناء والحوارية والتناص.

أما الحوارية فهي بنية تركيبية تنطلق دلالتها من دلالة الخطاب([1]) بشكل عام، والخطاب وإن انطلق- في دلالته- من التلفظ أي المنطوق به، إلا أن مفهومه اتسع ليلتقي مع مفهوم "النص"([2]) أي المكتوب في بعض دلالاته، ومن هنا؛ فإن كل نص منتج يحتمل- من خلال علاقته بمتلقيه- دلالة تفاعلية حوارية.

والخطاب Discourse- في عرف المصطلح النقدي الحديث- لفظ مشتق من الأصل اللاتيني Discoursus أو Discourere، وتعنى في اللاتينية الحوار([3]) وقد عرفه (هاريس) بقوله: "إن الخطاب منهج في البحث في أيما مادة مشكلة من عناصر متميزة ومترابطة في امتداد طولي سواء أكانت لغة أم شيئا شبيها باللغة، ومشتمل على أكثر من جملة أولية، إنها بنية شاملة تشخص الخطاب في جملته.. أو أجزاء كبيرة منه"([4])

أما (مشلر) فقد حصر مفهوم الخطاب في الحوار ثم قام "بإجراء تحليلاته للخطاب وكانت توحي بتأثره بآراء مدرسة (بيرفكام) التي حصرت الخطاب في "الحوار"، والتي أثرت في تعريفات العديد من اللسانيين الذين يكتبون الإنجليزية مثل: (مايكل هوو) في كتابه "حول ظاهر الخطاب" الذي أكد بأنه سيتعامل مع الخطاب باعتباره "المونولوج" شفوياً كان أم كتابياً"([5])

لكن (بنفينست benveniste) توسع في تعريفه فرأى أنه "قول يفترض متكلما ومخاطبا، ويتضمن رغبة الأول بالتأثير في الثاني بشكل من الأشكال، وهذا يشمل الخطاب الشفهي بكل أنواعه ومستوياته ومدوناته الخطية، ويشمل الخطاب الخطي الذي يستعير وسائل الخطاب الشفهي وغاياته، كالرسائل والمذكرات والمسرحيات والمؤلفات التعليمية، أي كل خطاب يتوجه به شخص إلى شخص آخر معبرا عن نفسه بضمير المتكلم"([6]).

وقد اتخذ (باختين) التلفظ منطلقاً لتفسير مفهوم الحوارية؛ فهو يرى أنه لا يوجد هناك- بصورة عامة-"من تلفظ يمكن نسبته إلى متكلم بصورة حصرية؛ إنه نتاج تفاعل بين المتحاورين"([7]) و(باختين) يرى أن "التفاعل اللفظي خاصية واقعيه أساسية من خصائص اللغة. والحوار-بالمعنى الضيق للكلمة-هو فقط شكل من أشكال هذا التفاعل اللفظي، وان يكن أهم هذه الأشكال. لكن يمكن لنا أن نفهم الحوار فهما أكثر اتساعا، عانين به أكثر من كونه ذلك التواصل اللفظي المباشر الشفاهي بين شخصين، بل كل تواصل لفظي مهما كان شكله"([8])

والتلفظ يقوم بدور هام في البنية الدرامية للعمل الأدبي؛ ذلك أن أبسط تلفظ في نظر (باختين) "يقوم بدور دراما صغيرة، ويضطلع بأدوارها الأقل: المتكلم، والموضوع، والمستمع"([9]).

والعنصر اللفظي في الدراما يمثل (السنياريو) الأساس الذي تبنى عليه المسرحية، وهذا اللفظ هو الذي يحدد طبيعة الحدث، ويحدد- أيضاً- علاقة الشخصية بالحدث، وعلاقة الحدث بالزمن، وما سوى ذلك من عناصر درامية.

ويرى (باختين) أن الخطاب هو سيناريو حدث محدد، بحيث يعمل المعنى التام للخطاب على "إعادة إنتاج هذا الحدث المؤلف من علاقات متبادلة بين المتكلمين"([10])

كذلك، يجب الانطلاق في تحديد مفهوم (الحوارية الباختينية) من خلال طبيعة الخطاب العام الذي يفترض وجود ثلاثة عناصر أساسية لعملية التواصل: (المؤلف، والمتلقي، والرسالة). والرسالة- في المفهوم السيميائي- تتحدد من خلال نظام رمزي جاهز ومعد مسبقا، غير أنها تتشكل -في الحياة المعيشية- من خلال عملية التراسل والبث.

لكن باختين يتوسع في مصطلح "الحوارية" ليلتقي مع مفهوم التناص الذي طورته (كرستيفا) لاحقا.

لا بد من الوقوف أمام كل من فهم (باختين) و(جوليا كريستيفا) لطبيعة العلاقة بين النصوص، أي بين مفهوم الحوارية (dialogism) لدى (باختين) والتناص ( (Intertextualityلدى (كرستيفا)؛ فـ(باختين) ينطلق في تعريفه للحوارية من القاعدة العامة التي تقول: "لا يوجد تعبير لا تربطه علاقة بتعبيرات أخرى"([11])، وهذه العلاقة التي يتحدث عنها (باختين) هي علاقة دلالية، وقد سماها (الحوارية)، وهي علاقة تقع ضمن دائرة التواصل اللفظي. وهذه" العلاقات (الحوارية) خاصة ومميزة بصورة عميقة، ولا يمكن اختزالها إلى علاقات من نمط منطقي، أو لغوي، أو نفسي، أو آلي، أو أي نوع من العلاقات الطبيعية، إنها نمط استثنائي وخاص من العلاقات الدلالية التي ينبغي أن تتشكل أجزاؤها من تعبيرات برمّتها (أو تعبيرات تعد تامة أو تتضمن احتمال كونها تامة)، يقف خلفها (ويعبرون عن أنفسهم) فاعلون متكلمون حقيقيون أو فاعلون متكلمون محتملون، مؤلفو التعبيرات موضوع الكلام"([12]).

ويخلص (باختين) إلى حد اعتبار أن"التوجيه الحواري هو بوضوح ظاهرة مشخصة لكل خطاب، وهو الغاية الطبيعية لكل خطاب حي. يفاجئ الخطاب خطاب الآخر بكل الطرق التي تقود إلى غايته ـولا يستطيع شيئا سوى الدخول معه في تفاعل حاد وحي"([13])

أما مصطلح التناص عند (كريستيفا)، فقد انبثق من توجيهات (باختين) السابقة؛ حيث رأت (كريستيفا) أن التناص هو "التفاعل النصي في نص بعينه"([14]) وأن "كل نص يتشكل من تركيبة فسيفسائية من الاستشهادات وكل نص هو امتصاص أو تحويل لنصوص أخرى"([15])، وعرفه د: محمد مفتاح بأنه: "تعانق نصوص مع نص حدث بكيفيات مختلفة"([16]).

يمكن اعتبار التناص حوارية بين النصوص، أي سمتا حواريا على مستوى النص لا على مستوى التلفظ، والحوراية وعاء لهذا وذاك، أي وعاء للتشابك النصي، وللعلاقة المتشكلة من عملية التواصل بين المؤلف والمتلقي، فإذا كان التناص تعاقبيا من خلال تتابع النصوص؛ فإن الحوار تزامني من خلال استحضار اللحظة والمكان لانتقال اللفظ (من / إلى). مع أن التلقي قد يتأخر في حالة النصوص المكتوبة.

والتناص يشكل ـ وفق تلك الرؤية ـ قطباً منهجياً في مجال النصوص على اختلاف أجناسها وأنماطها، شعرية أم سردية، ويأخذ بعين الاعتبار أفق الفضاء التفاعلي بين العديد من النصوص.

وعليه، فإن التقاطع بين نص وآخر، هو أسلوب لتشكيل فضاء النصّ من وجهة نظر (جوليا كرستيفا) القائلة بتقاطع نصين أو أكثر داخل النص الواحد" وعليه يتحول كلّ عمل فني يدخل في علاقة معقدة مع أعمال الماضي([17]).

أما الحوار-وهو الأقرب إلى مفهوم "الحوارية" التي ينهض عليها هذا الفصل- فهو مأخوذ من مادة (حَوَرَ) كما تنبئ بذلك المعاجم العربية؛ ففي (اللسان) "الحَوْرُ: الرجوع عن الشيء وإِلى الشيء، حارَ إِلى الشيء وعنه حَوْراً ومَحاراً ومَحارَةً وحُؤُورواً، الجوهري: حارَ يَحُورُ حَوْراً وحُؤُوراً رجع. وفي الحديث: من دعا رجلاً بالكفر وليس كذلك حارَ عليه؛ أَي رجع إِليه ما نسب إِليه"([18]). وفي (المعجم الوسيط): حاوره محاورة وحوارا: جاوبه وجادله"([19])،  قال القرطبي: "أي لن يرجع حياً مبعوثاً.. فالحور في كلام العرب الرجوع"([20]).

قال القرطبي: "أي يراجعه في الكلام ويجاوبه، والمحاورة: المجاوبة. والتحاور التجاوب".([21])

مما سبق يتبين أن الحوار في معناه اللغوي: مراجعة الكلام وتداوله، وهو ما يكون عادة بين طرفين أو أكثر.

الحوار الدرامي

أما الحوار الدرامي، فهو حديث فني "ينتمي بكليته إلى عالم الفن، ولا يجوز الحكم عليه بمقاييس الحديث العادي في الحياة اليومية”([22])، وهو"لا يكسب صفة الدرامية إذا كان يفتقر إلى الهدف أو الأثر الكلي، بمعنى أنه ليس فيه وحدة عاطفية أو فكرية تحكم الصراع الذي يصوره ذلك الحوار، لا لأنه يفتقر إلى الجدية أو الصراع، ومثل ذلك ما يجري بين صديقين من حوار في المقهى أو قطار أو طائرة يتجاذبان أطراف الحديث في مواضيع شتى، فهما ينتقلان من موضوع إلى آخر دون رابط وكيفما اتفق فهو مجرد تمضية وقت ليس إلا"([23])

وقد ظل الحوار مرهونا بالفن المسرحي إلى أن جاءت النظريات النقدية الحديثة، واتسع نطاق السرد، ومفهوم الخطاب، والتناص؛ فأصبح الحوار مادة أساسية مشكلة للبنى السردية. بل إن (السيميائية)([24])، وسعت من مفهوم الحوار، وجعلته يدخل ضمن دائرة المنطوق، أو ضمن دائرة العلاقة بين المؤلف والمتلقي، مستفيدة- بذلك- من علم اللسانيات الحديث الذي"جمع بين البحث في اللغة كفعل والبحث فيها كلعب، أي بين اللغة المحققة في الاستعمال الفعلي واللغة المحققة في الاستعمال الوهمي"([25])

وارتباط الحوار بالدراما يجعله من أهم لوازم المسرح، فبدونه لا وجود هناك لأدب مسرحي، فهو أداة لتقديم حدث درامي يصور صراعاً بين إرادتين تحاول كل منهما كسر الأخرى. يقول (راشيل كروثرس) عن الحوار: "إنه ذلك الشيء السحري الذي يعد بمثابة الزهرة المتفتحة لكل ما في المسرحية من عناصر"([26]).

عُد الحوار من أهم الفروق بين المسرحية والرواية، فهو أساس في الأولى، بينما يشكل السرد أساس الأخرى، لكن الحوار في العمل الدرامي" ليس حوارا لذاته، ليس مجرد شخصية أو شخصيتين تقفان على خشبة المسرح لتتجاذبا الحوار أيا كان، فليس كل حوار يصلح أن يكون حوارا دراميا"([27])، فالحوار أداة لتقديم الحدث، وتمثيل عالم الصراع، ورسم معالم الشخصية، وهو محكوم بقواعد فنية، تستدعيه الحاجة الإبداعية.

ويمكن تقسيم الحوار الدرامي إلى قسمين عامين: الحوار الخارجي، والحوار الداخلي، ويقسم كل منهما إلى: مباشر وغير مباشر.

أما الحوار المباشر: فهو حوار يتصف "بالواقعية والمباشرة، وللشخصية في هذا الأسلوب صيغة خاصة، إذ تستعمل ضمير المتكلم (أنا) للتعبير عن ذاتها، فضلا عن استخدام صيغة المضارع للدلالة على كلام الشخصية في حاضر وقتها، فـ (الكلام مخاطبة أو حوار لا يمكن أن يكون إلا في زمن حاضر يستوجب صيغة المضارع له، وهو ما يدل على أن المتكلم ينطق بصوته"([28]).

أما غير المباشر، فهو حوار" منقول، إذ يبنى الشاعر وظيفة نقل الصوت المحاور بطريقتهِ الفنية"([29]). لكن الحوار الداخلي (المونولوج): "أحادي الإرسال تُعبر فيه شخصية واحدة عن حركة وعيها الداخلي، في حضور متلقِ، واحدٍ، متعددٍ، حقيقي أو وهمي، صامت غير مشارك في الإجابة"([30])

والحوار وان كان تقنية بارزة في كثير من قصائد الشعر الحديث، إلا أن وجوده في الشعر القديم لم يكن نادرا، ولعل في مغامرات امرئ القيس مع صويحباته ما يؤكد هذا الزعم:

"ويَوْمَ دَخَلْتُ الخِدْرَ خِدْرَ عُنَيْـزَةٍ           فَقَالَتْ لَكَ الوَيْلاَتُ إنَّــــــكَ مُرْجِلِي

تَقُولُ وقَدْ مَالَ الغَبِيْطُ بِنَا مَعــــــاً           عَقَرْتَ بَعِيْرِي يَا امْرأَ القَيْسِ فَانْزِلِ

فَقُلْتُ لَهَا سِيْرِي وأَرْخِي زِمَامَـهُ            ولاَ تُبْعـِدِيْنِي مِنْ جَنَاكِ المُعَلَّـلِ"([31])

يتكئ هذا الخطاب الشعري - في جملته- على تقنيتين فنيتين:

أولاهما - البنية السردية، التي تشكلت من خلال الدال الزمني المتمثل في لفظة" يوم" وهو دال مرتبط بالحدث المشكل للحكاية "دخلت الخدر"، ثم بالشخوص الذين نهض السرد على عاتقهم، شخصية البطل (الراوي / الشاعر) وشخصية المعشوقة "عنيزة" التي دارت مقاطع السرد حولها.

أما القيمة الثانية- فهي الحوارية بين الشاعر ومحبوبته "عنيزة" وقد دلت عليها الأفعال: (قالت/تقول / قلت).

ومن أمثلة الحوار الخارجي- أيضاً- ما ورد في شعر عمر بن أبي ربيعة من مثل قوله:

"وآخر عهدي بالرباب مقالــــها            الست ترى من حولــــــــــنا فترقبا

من الضوء والسمار فيهم مكذب جرئ عليــــــــــــنا أن يقول فيكذبا

فقلت لها في الله والليل ســــــاتر           فلا تشعبي إن تسألي العرف مشعبا

فصدت وقالت بل تريد فضيحتي فأحبب إلى قلبي بها متغضـــــــبا"([32](

ولم يغفل النص الشعري القديم تقنية الحوار الداخلي (المنولوج)، إذ تنبه الشعر القديم إلى هذه التقنية، ووظفها في شعره غير مرة، حيث كان الشاعر يحاور نفسه عندما يجد حاجة ملحة لذلك نتيجة للصراع الذي ألمّ به والناشئ- عادة-: من بعد الأحبة لرحليهم، فيلجأ إليه لتقديم الحالات النفسية التي تتم في وعيه الخاص, وفي شعر امرئ القيس أمثلة كثيرة على هذا النمط الحواري، من مثل قوله:

سَما لَك شوقٌ بعدما كان أقصَرا          وحلّتْ سُلَيـمى بطنَ ظبيٍ فَعرْعَرَا

كِنانِيّةٌ بانتْ وفي الصّدْرِ وُدّهـا           مجـاوِرةً غســّـــان والحيّ يـعـمرا

بِعَيني ظعَنُ الـحيّ لمّا تحــملُوا            إلىَ جانبِ الأفلاجِ مِنْ جنب تيمرا

فَشبّهتُهمْ في الآلِ حين زهــاهم            عصائب دَومٍ أو سَفيـنا مُقــــيرَّا([33])

لقد أستهل الشاعر قصيدته بمخاطبة نفسه، التي ألم بها الشوق وأحاطها الحزن وذهب بها كلّ مذهب، حيث وصل إلى ذروته بعد بُعد سليمى عنه. وقد تمثل صوت الشاعر في قوله "لك"؛ حيث تبرز الضمائر في المطلع الحواري للقصيدة بتجلياتها المتنوعة لتسجل منبها أسلوبياً مهماً يفرض هيمنته في إنتاج الدلالة، وتنوعها من خلال التبادل (تبادل الضمائر) أو التحول (الالتفات)؛ حيث

يبدأ الحوار ب"سما لك" ويبدو- لأول وهلة- أن الكلام يتوجه إلى شخص آخر (مخاطب) جاهل بالأمر، إلا أنه سرعان ما يتبين أن لا وجود للآخر، وأن من يخاطبه هو (ذات الشاعر)، وقد سمى القدماء هذه التقنية بالتجريد، والتجريد-كما ذكر ابن الأثير-: (إخلاص الخطاب لغيرك وأنت تريد به نفسك لا المخاطب نفسه؛ لأن أصله في وضع اللغة من جردت السيف إذا نزعته من غمده وجردت فلاناً إذا نزعت ثيابه)([34]).

أما الحوار في القران الكريم؛ فبابه واسع، ومنطقه عجيب، وفنونه لطيفة؛ فقد تعددت أشكاله، وتنوعت أساليبه، لتشمل:

1- حوار الله- سبحانه وتعالى- مع الملائكة:

2- حوار الله- سبحانه وتعالى - مع الرسل والأنبياء -عليهم صلوات الله وسلامه-

3- حوار الله سبحانه وتعالى مع إبليس عليه لعنة الله:

4- حوار الله مع الأقوام عن طريق الرسل

5- حوار الله مع الإنسان كإنسان

6- حوار الإنسان مع الإنسان. (حوار أهل الجنة والنار)

7- حوار الرسل مع أقوامهم

8- حوار الإنسان مع المخلوقات الأخرى. (الهدهد والنمل)

9- حوار الأنبياء مع الطغاة والحكام والجبابرة

10- حوار الإنسان مع الجماد، مثل حوار الإنسان مع أعضائه التي تشهد عليه وتنطق يوم القيامة

البنية الحوارية عند درويش

1- حوارية الأصوات المتعددة:

القصيدة الدرويشية قصيدة متعددة الإشعاعات؛ وبناؤها الهيكلي قائم على تعدد التقنيات الفنية؛ ذلك أن ثقافة الشاعر وعمق تجربته الشعرية جعلته يوظف جملة من التقنيات الفنية: كالأسطورة، والرمز، والحوار، والتناص، والسرد، إضافة إلى البيان والبديع؛ لتشكيل صورة فنية تشابكية ذات علائق متعددة. وقد كان الحوار جزءا أساسياً في تركيبتها الفنية منذ البدايات، غير أن ملامحه الفنية بدأت تتشكل وفق رؤية فنية مختلفة في أعماله الأخيرة، مما جعل دراسة هذه الظاهرة جزءا من الإضافات المتوخاة في الدرس النقدي.

لكن البنية الحوارية في القصيدة الدرويشية لم تكن عملا مستقلاً حمل بصمات مرحلة من مراحله الشعرية، وإن بدا ذلك أكثر وضوحا في بعض أعماله الأخيرة" لماذا تركت الحصان وحيدا؟" و"حالة حصار" و"كزهر اللوز أو أبعد" ذلك أن درويش كان يحرص- دائماً- على أن يبقى في منطقة وسط تحفظ للشاعرية ألقها، ولا تتوغل في انزلاقات التجريب الضائعة. فمحمود درويش" كان في كل ما كتب يلتزم الغنائية في شعره، وهروبه منها أحياناً، أو وقوفه بين الإيقاع والنثر ليس وقوف المحايد، فهو لا يخرج من الإيقاع، ولا يدخل في النثر، وإنما يقف في المنطقة التي تؤهله لاستخراج كل ما فيهما من مثيرات تغري الشعر بالمغامرة وبالبحث الدائم عن الجديد"([35]). بل إن الإيقاع هو من يختار درويش كما تقول القصيدة:

"يختارُني الإيقاعُ، يَشْرَقُ بي

أنا رَجْعُ الكمان، ولستُ عازِفَهُ

أنا في حضرة الذكرى

صدى الأشياء تنطقُ بي

فأنطقُ... "([36])

وإذا كانت هذه الغنائية تشد النسق التعبيري إلى الأنا (الذات)، وتقلل من الموضوعية ـ القائمة على تعدد الأصوات- فإن المفهوم الحواري الواسع-المبني على فكرة التلفظ - لا يخرجها تماما من الحوارية؛ ذلك أن أي نص شعري سيفترض قارئا يحاوره. وليست الغنائية عيبا شعريا، ولا الحوارية بديلا فنيا عنها، لكنه البناء المعماري والرؤية الإبداعية، حينما يتجلى أحدهما أو كلاهما؛ فينطق النص بجمال صاحبه. وروعة راسمه.

إن المزاوجة بين الغنائية والدرامية في النسق التعبيري للبناء الشعري تعد حداثة شعرية استطاعت أن تلغي المسافة بين الذاتي والموضوعي؛ حيث أصبح الموضوع "هو الحركة الداخلية التي تقسم الذات وتعيد توحيدها، إذ يلجأ الشاعر إلى الحوار المنكر للأطراف الذي يأتي على شكل تداعيات داخلية تقسم الذات على نقيضين متحاورين" ([37])

هذا الاختراق للسياق اللغوي التقليدي من شأنه أن يفجر الطاقات الإيحائية للغة في مدها الدلالي اللامتناهي، ويعيد برمجة الإيقاع في تجليات الغنائية وفق رؤية حداثية تنأى بنفسها عن رتابة الإيقاع المتشكل من النمط التقليدي القائم على الانفعالية والتقريرية والمباشرة.

إن هذه الإيقاعية التي ترسم معالم الغنائية في قصائد درويش ذات الملمح الرومانسي تعد مدخلا هاما من مداخل الحوار، وخصوصا عند الحديث عن حوار الذات" المنولوج"، ولذا أجدني أسارع إلى القول بأن هذه الخاصية لم تفارق درويش في أعماله الكاملة، لكنها تطورت تطورا ملحوظا في أعماله الأخيرة، نقلها من الذات الصارخة في" سجل أنا عربي" إلى ذات متأملة في "لماذا تركت الحصان وحيدا؟" أو"الجدارية" أو"سرير الغريبة". فمع هذه الذات الباحثة عن نفسها سيجد الباحث حوار النفس المعمق، والحوار الخارجي المشتبك مع مفردات الكون المشكلة لفضاء الشاعر وفضاء قصائده. وتجليات المونولوج وتيار الوعي.

ولا يستطيع الباحث أن يغادر ساحة التطور البنائي لهيكلية القصيدة الدرويشية دون أن يشير إلى ذلك النمط الملحمي، الذي ينتظم فيه الحوار والقص والتداعي القائم على التحول من خلال عملية بنائية تراكمية تمثل النزعة الدرامية مركزا أساسيا له، وتدور الأحداث حول محورين أساسيين تشكل الذات واحدا منها، بينما يشكل الفضاء الكوني الآخر المتعدد فيما تقوم تقنيات السرد والحوار والإيقاع بتشكيل لون الأداء الشعري؛ حيث يمثل اشتباك الغنائي مع الدرامي تكثيفا نوعيا يساعد على تشكيل عمليات استدعاء متلاحقة تتداخل فيها سياقات زمانية ومكانية متعددة.

إن الإيقاع الذي اختار درويش في أولى قصائد" لا تعتذر عما فعلت" لن يبقيه فرداً، بل سيسلمه للعالم الجمالي أو للعالم الكوني؛ ليصغي للحجر، ويستمع إلى هديل حمامة بيضاء؛ فتشهق به:

" كُلَّما أصغيتُ للحجرِ استمعتُ إلى

هديلِ يَمامةٍ بيضاءَ

تشهَق بي:

أخي! أنا أُخْتُكَ الصُّغْرى،

فأَذرف باسمها دَمْعَ الكلامِ

وكُلَّما أَبْصَرْتُ جذْعَ الزّنْزَلخْتِ

على الطريق إلى الغمامِ،

سمعتُُ قلبِ الأُمِّ

يخفقُ بي:

أنا امرأة مُطلَّقةٌ،

فألعن باسمها زيزَ الظلامِ

وكُلَّما شاهدتُ مرآةً على قمرٍ

رأيتُ الحبّ شيطاناً

يُحَمْلِقُ بي:

أنا ما زلْتُ موجوداً

ولكن لن تعود كما تركتُك

لن تعود، ولن أعودَ

فيكملُ الإيقاعُ دَوْرَتَهُ

ويشرَقُ بي... "([38])

إذاً هناك ثلاثة أصوات حوارية، تعبر النص مبحرةً لتشكيل هذه الإيقاعية: صوت اليمامة، وصوت الأم، وصوت الحب" لكنها أصوات تشتبك مع صوت الشاعر لتوقظ فيه عالمه الوجودي الذي يبحث عنه، ومن هنا جاءت هذه الأصوات صدى من بعيد، استدعاها الشاعر، دون أن يخضعها للحوار الثنائي القائم على وحدة الزمان والمكان.

لكن تداخل صوت الشاعر مع صوت أمه في القصيدة التالية "في حكمة المحكوم بالإعدام" يجعل الحوارية أقرب إلى تقنية الاسترجاع، وكأن صوت الأم منبه يرتد من بعيد ليتداخل مع صوته الداخلي "المونولوج"

"يا ولدي! سأعطيك البديلَ

فإنني حُبْلى... "

وكُلُّ قصيدة حُلمٌ:

"حَلِمْتُ بأنّ لي حلماً"

سيحملني وأحملُهُ

إلى أن أكتب السطر الأخيرَ

على رخام القبرِ:

"نِمْتُ... لكي أطير"([39])

هذه الأصوات المستدعاة القادمة من بعيد تتداخل مع صوت الذات الدرويشية ليبرز حوار الذات، وتتجلى أسئلة الوجود، وهذا سمت يكاد يطّرد في القصائد الدرويشية الأخيرة؛ حيث تتعدد الضمائر، وتنحل الذوات في صراع مقلق يحلق عاليا في سماء المطلق:

"ما الأبديُّ؟ قُلتُ مخاطباً نفسي

ويا ضيفي... أأنتَ أنا كما كنا؟([40])

هذا المونولوج الداخلي سرعان ما يتحول إلى"ديالوج" خارجي بعد أن تنحل الذات إلى ذاتين "أنا /أنت":

"قلت يا هذا: أنا هو أنت"([41])

إن هذه التحولات الصوتية داخل الخطاب الشعري في النص تنهض على اعتبار أن الصوت الخفي القادم من بعيد يعيد تشكيل اللحظة في"اللامكان" و"اللازمان"، ليتجدد المطلق في تشكيل رؤية ذات بعد فلسفي؛ تعين على فهم الحكمة المتولدة من دلالة الخطاب الكلي" لي حكمة المحكوم بالإعدام"ف" الدلالة اللامكانية مرتبطة بالجهد المحدث والمتصور في تعدديته للصوت، فهو قابل للتصور والتعدد والافتراض داخل منعطف زمني يشكل فضاءه الصوت، والزمن يتشكل من تصورات وتفرعات في لا نهائي متماسك في لحظته وعوالمه الممكنة ولحظة تفرعه ونقطة التقائه في خضم من التصورات المشروطة، وفي أحداث يرسمها العالم المتناهي في الصغر وهو جعل هذه العوالم لانهائي في الخصائص والتصورات الخفية"([42])

وأحيانا يشتبك المونولوج الداخلي مع تناص أدبي لطيف ينقل الصوت الداخلي إلى رؤية فلسفية تتجاذبها عدة أصوات: وذلك من مثل قوله في قصيدة "إن عدت وحدك":

"إن عُدْتَ وَحْدَكَ’ قُلْ لنفسك:

غيَّر المنفى ملامحه....

ألم يفجعْ أَبو تمَّام قَبْلَكَ

حين قابل نفسَهُ:

"لا أَنتِ أَنتِ

ولا الديارُ هِيَ الديارُ"... "([43]).

هذا التشابك الصوتي من خلال تقنية التناص يجعل الحوار يكتسب قيمة إضافية، تتجاوز الشكل الكلاسيكي للحوار الدرامي المباشر القائم على ثنائية التقابل الصوتي. وتنطلق - بعيداً- إلى تجليات الصراع؛ ولا بد من استحضار البعد النفسي في هذا الحوار للكشف عن ملابسات هذا التشظي الذي ولد هذه الغربة.

إن الاستفهام والتعجب يستحضران -هنا- ليتشكل في فضائهما حوار الذات، كاشفا عن أبعاد التجربة النفسية وعمق الصراع الداخلي في هذا المنفى:

" أَمَّا أَنت ’

فالمرآةُ قد خَذَلَتْكَ ’

أنْتَ... ولَسْتَ أنتَ’ تقولُ:

(أَين تركت وجهي؟)

ثم تبحثُ عن شعورك’ خارج الأشياءِ’

بين سعادةٍ تبكي وإحْبَاطٍ يُقَهْقِهُ...

هل وجدت الآن نفسك؟

قل لنفسك: عُدْت وحدي ناقصاً

قَمَرَيْنِ’

لكنَّ الديارَ هي الديار!"([44])

ومن التجليات اللطيفة للبنية الحوارية ذلك التعانق العفوي بين البنية السردية والبنية الحوارية، لتشكيل الحدث الدرامي كما في قصيدة "السروة انكسرت"؛ حيث ينتقل السرد انتقالاً لطيفاً من شكله الحكائي إلى الأسلوب الحواري ليحصل الإدهاش من خلال كسر أفق التوقع، وإدخال الجملة الشعرية في اللامتوقع، لتشكيل حبكة فنية يتكئ عليها النص، منفلتا من رتابته ومنفتحا على لغة شعرية متدفقة، تعتورها جملة من الأساليب المكثفة، كالسرد والحوار والنفي والأمر والتعليل إضافة إلى الإيحاء والغموض والرمز والإحالة والتكثيف، حيث يجد قارئ النص لوحة سردية ذات بعد رمزي في السطور الأولى، لكن سرعان ما تنزاح العبارة الشعرية، ويتحول السرد المشهدي إلى صورة وصفية تمهد لحوار مفاجئ بين امرأتين:

السروةُ انكسرت كمئذنةٍ، ونامت في

الطريق على تَقَشُّف ظِلِّها، خضراءَ، داكنةً،

كما هِيَ. لم يُصَبْ أَحدٌ بسوء. مَرّت

العَرَباتُ مُسْرِعَةً على أغصانها. هَبَّ الغبارُ

على الزجاج... السروةُ انكسرتْ، ولكنَّ"([45])

حرف الاستدراك "لكن" في نهاية المقطع السابق يمثل بداية الانحراف في البنية السردية، وعتبة التشكيل الهندسي للبنية الحوارية؛ فبين انكسار السروة كمئذنة وتبادل طائرين محلقين بعض الرموز تقف امرأة لتحاور جارتها:

وقالت امرأةٌ لجارتها: تُرَى، شاهَدْتِ عاصفةً؟

فقالت: لا، ولا جرَّافةً... والسروةُ

انكسرتْ. وقال العابرون على الحُطام:([46])

لكن هذه البنية الحوارية تستدعي جملة من الحواريات أو الأصوات العابرة إلى ذاكرة الشاعر لتعيد رسم السروة مرة أخرى، وكأن هذا الحوار الدرامي يمثل صورة صدى الحدث وأثره، ويكشف عن المفارقة التصويرية التي خلقتها البنية السردية المتمثلة في انكسار السروة، وما يستدعيه هذا الانكسار من قيم دلالية رمزية؛ ذلك أن السروة تمثل في دلالتها بعدا نفسيا، وربما سياسيا، بل إن الشاعر صدر هذه القصيدة بعبارة نثرية كشفت الغطاء عن الدال المحتمل "لانكسار السروة" وذلك حين قال: "السروة شجن الشجرة وليس الشجرة، ولا ظل لها لأنها ظل الشجرة"([47])

ومن- هنا- فإن تناول البنية الحوارية في هذه القصيدة يفتح باب ثنائية الرؤية والتشكيل ليجيب عن سؤال جوهري في وظيفة الأدب، هذا السؤال يتشكل على هيئة افتراضية تقول: "لماذا اختار درويش هذا النسق التعبيري بالذات؟ لماذا تداخل السرد الحكائي مع الأسلوب الحواري في هذه القصيدة؟ ما الذي قدمه كل أسلوب للآخر؟ وما الذي قدمه الأسلوبان للنص.

إن الشجن الذي تمثل في انكسار السروة هو ذاته الذي تمثل في المفارقة التصويرية التي جاءت على لسان الطفل والطفلة والجارتين، ودرويش الذي قال لنفسه: "لا غُموضَ ولا وُضُوحَ، السروة انكسرتْ، وهذا كُلُّ ما في الأمرِ: إنَّ السروة انكسرتْ" هو الذي سيعيد بناء السروة في ذاكرة المحاورين:

"وقال طفلٌ: كنتُ أَرسمها بلا خطأ،

فإنَّ قوامَها سَهْلٌ. وقالت طفلةٌ: إن

السماءَ اليوم ناقصةٌ لأن السروةٌ انكسرت.

وقال فتىً: ولكنَّ السماءَ اليوم كاملةٌ

لأن السروةَ انكسرتْ. وقُلْتُ أَنا

لنفسي: لا غُموضَ ولا وُضُوحَ،

السروة انكسرتْ، وهذا كُلُّ ما في

الأمرِ: إنَّ السروة انكسرتْ"([48])

وإذا كان الحوار الدرامي قد مثل عنصرا بارزا من عناصر الدراما، من خلال علاقته بحركة الشخوص على خشبة المسرح وتطوير الحدث، ورسم معالم الصراع، وبناء الحبكة الفنية؛ فإن ظاهرة تعدد الأصوات تعد واحدة من التقنيات الحديثة التي دخلت بنية الرواية والقصة القصيرة والشعر المعاصر، وعبرت عن ديمقراطية السرد من خلال إسناد هذه المهمة لعدد من الشخوص، بحيث يقوم كل صوت بتقديم وجهة نظر منتقاة بوعي من الكاتب أو الشاعر، وتقدم على شكل وجبة حوارية، في مشهدية وصفية تحدد فيها معالم الزمان والمكان؛ ولعل قصيدة" لا شيء يعجبني" من ديوان "لا تعتذر عما فعلت" تصلح مثالا لهذه التقنية؛ حيث جمع الشاعر عدة أصوات لاستنطاق دلالة العبارة التي يحملها العنوان "لا شيء يعجبني"؛ فعند إدخال هذه العبارة معمل التأويل السيميائي، تبدأ الحوارية تنحل وفق رؤية فنية، من خلال كشف دلالات الأصوات المفسرة لهذه العبارة، تلك الأصوات التي تمثل وجهات نظر متعددة، يحملها الخطاب الشعري باعتبارها رؤى تخفي في ثناياها ما أراده الشاعر الممسك بزمام السرد، ثم يبثها من خلال منظومة قيم متجانسة تشكل وجهة نظر جمعية تخفي دكتاتورية الذات المنظرة.

إن عبارة "لا شيء يعجبني" التي تشكل منها العنوان تفترض صوتا واحدا، يمثل وجهة النظر الكلية، التي تعبر عن فلسفة الشاعر ورؤيته لكن إشراك عدة أصوات في حوارية تفاعلية يجعل هذه العبارة رؤية جمعية تحمل في ثناياها رمزية ذات بعد سياسي محض:

(لا شيءَ يُعْجبُني)

يقول مسافرٌ في الباصِ- لا الراديو

ولا صُحُفُ الصباح , ولا القلاعُ على التلال.

أُريد أن أبكي([49])

هذا هو الصوت الأول الذي يقدمه درويش في رحلة الحياة المضنية لفك (شيفرة) الرموز الخفية في دلالات العبارة الممكنة، نظرة تشاؤمية، مثقلة بسوداوية تصل حدها العلوي في آخر عبارة لها "أريد أن ابكي". أما الصوت الثاني-في هذه الحوارية- فهو صوت قريب إلى صوت المسافر وهو صوت السائق، وهو صوت قريب من صوت صاحبه، يؤكد دلالة العبارة الأم، ويكشف عن شعور جمعي في نظرته إلى الحياة:

" يقول السائقُ: انتظرِ الوصولَ إلى المحطَّةِ,

وابْكِ وحدك ما استطعتَ/"([50])

فهو وإن رفض البكاء إلا أنه ترك صاحبه وحيدا، وكشف عن سوداوية أخرى في نظرة الإنسان إلى الإنسان، وهي نظرة لا تبشر بفأل حسن، ولا تحفظ للحياة توازنها بين الفرح والترح، بل تصب في ذات النفق الأسود الذي جعله درويش إطارا عاما للقصيدة من خلال العنوان الكلي.

وعند تتبع الأصوات المشاركة في هذه الحوارية يلتقي القارئ مع الصوت الثالث وهو صوت نسوي، يعبر النفق السوداوي، ويتبوأ مقعدا حواريا يكمل حلقات البناء التراكمي لدلالة العبارة الأم:

تقول سيّدةٌ: أَنا أيضاً. أنا لا

شيءَ يُعْجبُني. دَلَلْتُ اُبني على قبري’

فأعْجَبَهُ ونامَ’ ولم يُوَدِّعْني/([51])

ثم يأتي صوت الطالب الجامعي ممثلا للصوت الشبابي، وهو صوت مثقل بآهات المرحلة، مع العلم أن نضارة الشباب تستدعي صوتا مختلفا، إلا أنه الواقع السياسي أو الاجتماعي الذي فرض على النص هذا الصوت، بل ربما هو صوت درويشي محض انطق به الشاب لتشكيل رؤية شاملة تنطق بما يدور في خلده:

يقول الجامعيُّ: ولا أَنا ’ لا شيءَ

يعجبني. دَرَسْتُ الأركيولوجيا دون أَن

أَجِدَ الهُوِيَّةَ في الحجارة. هل أنا

حقاً أَنا؟([52])

ولن يتغير الحال كثيرا مع بقية الأصوات المستدعاة لتشكيل هذه النظرة السوداوية التي يختمها درويش بصوته هو:

ويقول جنديٌّ: أَنا أيضاً. أَنا لا

شيءَ يُعْجبُني. أُحاصِرُ دائماً شَبَحاً

يُحاصِرُني

يقولُ السائقُ العصبيُّ: ها نحن

اقتربنا من محطتنا الأخيرة’ فاستعدوا

للنزول...

فيصرخون: نريدُ ما بَعْدَ المحطَّةِ’

فانطلق!

أمَّا أنا فأقولُ: أنْزِلْني هنا. أنا

مثلهم لا شيء يعجبني ’ ولكني تعبتُ

من السِّفَرْ. "([53])

البنية الحوارية لا تنهض- دائما- في القصيدة الدرويشية على صوتين صاخبين يمثلان طرفين متحاورين، بل ربما تسلل صوت الأنا هامسا ليرسم فكرة أو رؤية؛ أو تشكل الهيكلية المعمارية للقصيدة من خلال رسم معالم شخصيتين متلازمتين لإبراز معالم المفارقة بينهما، ويأتي الحوار واحدا من الأدوات الكاشفة عن سمات هذه الشخصية أو تلك، وقد تجلت هذه التقنية في صورة الآخر المغاير/ المشابه، في قصيدة "هو هادئ، وأنا كذلك" حيث يتجلى حوار غير منطوق به:

"أنا لا أقول لَهُ: السماءُ اليومَ صافيةٌ

وأكثرُ زرقةً.

هو لا يقول لي: السماءُ اليوم صافيةٌ.

هو المرئيُّ والرائي"([54])

هذا المشهد الحواري- نصا لا لفظا- كشف عن اللامنطوق في وعي الشاعر، وأثبت أن الحوارية هنا تقنية فنية لرسم معالم الصورة الهادئة لكليهما، فلم يقل أحدهما شيئا؛ إلا أن تكرار الفعل "قال" مسنودا في الأولى لضمير لمتكلم "أنا" وفي الثانية لضمير الغائب" هو" كان يفترض حوارا لم يقع، لكنه كشف عن طبيعة الشخصية المشابهة أو المخالفة لشخصية "الأنا" في القصيدة. وهذه الحوارية انسجمت مع رؤية القصيدة المتمثلة في دلالة العنوان "هو هادئ وأنا كذلك".

إن كافة العبارات المشكلة لهذا المشهد الحواري في القصيدة ستلتزم هذه الرؤية المبنية على كشف ما يدور في خلج الشخصيتين دون إنطاق الشخصية بها، فالفعل" يسأل" مثلا يوحي بوجود صوت لكنك لن تجد أثرا للعبارة المنطوقة التي تدلك على السؤال؛ إذ يكتفي الشاعر بإغلاق العبارة بكلمة شيء ليتلاشى الصوت دون أن يبِيْن عن معنى محدد:

"يسألُ (الجرسون) شيئاً،

أسألُ (الجرسونَ) شيئاً...([55])

ولا يكاد القارئ يلمح هذا الصوت إلا من خلال المنولوج الذي يأتي في نهاية النص متكئا في تشكيله على الفعل (أفكر):

أفكِّرُ: هل هو المرآة أبصر فيه نفسي؟

ثم انظر نحو عينيه،

ولكن لا أراهُ...

فأتركُ المقهى على عجلٍ.

أفكّر: رُبَّما هو قاتلٌ، أو رُبما

هو عابرٌ قد ظنَّ أني قاتلٌ

هو خائفٌ، وأنا كذلك!([56])

أما حوار الذات مع الذات حين يخرج من دائرة (المونولوج) ليقع في دائرة (الديالوج)، فذلك تجريد يصب في ما يمكن تسميته "لعبة الضمائر":

فهل كتبت قصيدة؟

كلا!

إذن، ماذا كتبتَ؟

كتبتُ درسا جامعيا. "([57])

وأحيانا تتم مسرحة القصيدة من خلال الاعتماد على أسلوب الاستفهام، الذي يشكل من خلال عنصري السؤال والإجابة حوارية ثنائية يقوم بأدائها ممثل واحد هو درويش نفسه:

ماذا سيبقى من هبات الغيمة البيضاء؟

زهرة بيلسانْ

ماذا سيبقى من رذاذ الموجة الزرقاء؟

إيقاع الزمانْ

ماذا سيبقى من نزيف الفكرة الخضراء؟

ماء في عروق السنديانْ

ماذا سيبقى من دموع الحب؟

وشم ناعم في الأرجوان

ماذا سيبقى من غبار البحث عن معنى؟

طريق العنفوانْ

ماذا سيبقى من طريق الرحلة الكبرى الى المجهول؟

أغنية المسافر للحصانْ

ماذا سيبقى من سراب الحلم؟

آثار السماء على الكمانْ

ماذا سيبقى من لقاء الشيء باللاشيء؟

إحساس الالوهة بالأمان

ماذا سيبقى من كلام الشاعر العربي؟

هاوية..... وخيط من دخانْ

ماذا سيبقى من كلامك أنت؟

نسيان ضروري لذاكرة المكانْ !"([58])

تبدأ البنية الحوارية من العنوان نفسه "ماذا سيبقى؟"، فهذا النص يشبه إلى حد بعيد نص"لا شيء يعجبني" بيد أن المدخلات الصوتية -هناك- تمت من عدة شخوص، بينما مثل السؤال والإجابة طرفي حوار، والعنوان كان مفتاحا دلاليا لهذا الحوار، أما التكرار الذي تمثل في لازمة السؤال "ماذا سيبقى". فهو ظاهرة أسلوبية تترك أثرها الانفعالي الواضح في نفس المتلقي، وتعكس جانبا من جوانب الحالة النفسية التي تكتنف النص، وتعبر بصورة واضحة عن رؤية الشاعر، وهو بعد هذا وذاك أداة تزينية جمالية تعمل على ربط النسيج الهيكلي للنص بحلقات بارزة، تستحضر مع كل بينة حوارية مقطعية متشكلة من سؤال وإجابة. بل إن الجانب الإيقاعي في الشعر قائم على التكرار، فبحور الشعر العربي تتكون من مقاطع متساوية والسر في ذلك يعود إلى أن التفعيلات العروضية متكررة في الأبيات. هذا بالإضافة إلى أن التفعيلة نفسها تقوم على تكرار مقاطع متساوية. ومن هنا يأتي التكرار ليحفظ للعبارة الشعرية قيمتها الجمالية ويربط أجزاء القول المشكلة للحوار ربطا محكما رصينا.

وحواريات درويش ذات بعد رمزي، وذات وظائف فنية متعددة، تنزاح من خلاها دلالة العبارة ليصبح مفهوم المحاورة أقرب إلى الصراع؛ فالصمت نفسه، يصبح من هذا المنظور، رمزًا لما يدور في نفس الشاعر ويختلج في صدره، يعكس لغة القلب، لغة الرمز:

حاور السجان صمتي

قال صمتي: برتقالاً

قال صمتي: هذه لغتي([59])

الحوار المباشر

إذا كان الحد الأدنى المطلوب لاعتبار نسق تعبيري ما حواريا أن يتضمن أكثر من صوت أو شخصية، فإن نظرة سريعة لأعمال درويش الشعرية تحقق هذه الغاية، وتذهب بعيدا في تشكيل نسق شعري جديد، قائم على هيكلية درامية تمزج بين السردي والحواري، ومن هنا ستتجلى أمام المتلقي كافة العناصر المشكلة للبنائين: السردي والدرامي.

وقبل تناول الحوار الخارجي في شعر درويش لا بد من وقفة قصيرة مع وظيفة الحوار وضروراته وآليات تشكله في سياق النص الشعري.

وإذا كان البناء السردي- في واحد من أعمال درويش الشعرية وهو" كزهر اللوز أو أبعد"- سينقل النص الشعري من إيقاعيته الغنائية إلى بنيته الحكائية؛ فإن الحوار بشقيه: الخارجي والداخلي سيلعب دورا بارزا في مسرحة الشعر والذهاب به إلى عالم درامي مكتنز وفاعل.

ولعل تقسيم الحوار- هنا- إلى خارجي وداخلي يشير إلى محاولة رياضية أكاديمية، لا يفرضها الدرس النقدي الإجرائي؛ فالقصيدة نص، وبنية، وأساليب ولغة، وتشابكات متعددة؛ والحوار- فيها- (الخارجي منه والداخلي) - غالباً- ما يندغم في نسق شعري متعدد الأساليب، تشكل البنية الحوارية عنصرا من عناصره.

إن الانتقال من التقسيم النظري إلى التحليل العملي يفرض نوعا من التداخل الإجرائي في العملية النقدية؛ فالحوار (في الرواية والمسرحية والقصيدة قد شهد تطورا ملحوظا من خلال" التطور الذي شهدته سيمياء السرد (التي تدرس كل ما يشكل علامة ويعبر عن معنى في السرد) ولسانية القول (التي تدرس الشروط والظروف والمحددات والقواعد والمبادئ-التي ترعى تبادل الكلام. فأصبحت دراسة الحوار تجري عند تقاطع هذين الحقلين، وتجمع بين البحث في اللغة كفعل والبحث فيها كلعب؛ أي بين اللغة المحققة في الاستعمال الفعلي واللغة المحققة في الاستعمال الوهمي. "([60])

والحوار الخارجي هو إنطاق فعلي للشخصية، ومنحها فرصة تشكيل رؤية من خلال حدث فني تهندسه القصيدة، ومن ثم فهو يمنح شخصية أخرى مخلوقة لتشارك صوت الشاعر، وهنا تدخل جملة من التساؤلات حول خصائص الحوار ووظائفه؛ فالحوار هو "تمثيل للتبادل الشفهي، وهذا التمثيل يفترض عرض كلام الشخصيات بحرفيته"([61])

أي هو كلام منقول يتعامل معه المتلقي باعتباره صوتا مغايرا لصوت الكاتب أو الشاعر؛ لذا فهو حوار بعيد عن المجانية، وهو محكوم بحاجة النص إليه، أي انه نوع من الاستدعاء، وهو أيضاً بعيد عن العفوية بسبب طابعه الأدبي

وتتداخل وظائف الحوار مع وظائف السرد في بنية القصيدة الحديثة، ذلك أن استدعاء كل من الوصف السردي، والحوار الوصفي يكشف عن طبيعة الشخصية، ويدفع باتجاه تشكيل فضاء للحدث.

ولا تقف وظيفة الحوار في القصيدة عند هذا الحد، بل تتعداه إلى عدد من الوظائف التي تستدعيها في معظم الأحيان الرؤية الفنية والقيم الجمالية. وقد لخصها بعضهم في هذه النقاط:

يدفع إلى تطور الحدث الدرامي وتجليته، ومن ثم تنتفي وظيفته كعامل زخرفي خالص.

يعبر عما يميز الشخصية من الناحية الجسمية والنفسية والاجتماعية، والبيولوجية.

يوّلد في المشاهد الإحساس بأنه مشابه للواقع، مع أنه ليس نسخة فوتوغرافية للواقع المعاش.

يوحي بأنه نتيجة أخذ ورد بين الشخصيتين المتحاورتين أو (الشخصيات) وليس مجرد ملاحظات لغوية تنطق بالتبادل.([62])

ولعل قارئ درويش في أعماله الأخيرة يستطيع أن يلمح توظيفا موسعا لتقنية الحوار بشقيه: الخارجي والداخلي؛ ففي" سرير الغريبة" كان خطاب المجابهة مع الآخر الأنثوي هو أول عتبات البوح التي كشفت عن جانب من جوانب درويش العاطفي، مع أن رومانسية درويش في" سرير الغريبة" تلفعت ببعد فلسفي ناقش جوهر العلاقة بين الأنا" الذكورية" والآخر" الأنثوي".

وإذا كان أول نص في "سرير الغريبة" قد تشكل من خلال آلية الصوت الواحد المتجه إلى الآخر- من خلال البنية السردية القائمة على فعل الأمر" لنذهب" وضمير الجماعة"نحن"؛ فإن ثنائية الرجل والمرأة ستعمل على بناء قاعدة بيانات الديوان، لينطلق منها الخطاب الثنائي في مجمل قصائده.

إن خطاب العشق في"سرير الغريبة" لا يتبلور إلا من خلال" اكتمال جوانب العلاقة بين المرأة والرجل فيه، وقد سعى نص درويش الشعري كي يحرر المرأة من أبعادها الرمزية. وإن لم يحررها بطبيعة الحال من إيقاع العصر، بكل ما ينطوي عليه هذا الإيقاع من أبعاد وإشكالات، يشتبك فيها الشاعر والعاشق والمرأة، دون أن تكون المرأة نتيجة حتمية لتلك المعطيات"([63]):

أنا امرأة، لا اقل ولا أكثر

أعيش حياتي كما هي

خيطا فخيطا

وأغزل صوفي لألبسه، لا

لا أكمل قصة"هومير" أو شمسه ([64])

إذا- هنا- صوت أنثوي واقعي يعيش حياته ببساطة ويقوم بدوره المنوط به من غزل الصوف، ولا دخل له بقصة (هومير) أو شمسه.

أما الحوار- في الديوان- فقد جاء خفيا في مجمله؛ حيث تشكل من خلال رؤية سردية يمسك بزمامها الراوي الذي يهيكل الخطاب الشعري، دون أن يفلته من يده إلا في لحظات قليلة بحيث تتجلى صورة الذاتين موزعة بين الشاعر ومعشوقته، ويدور الحوار- في أغلب الأحيان- على شكل استجواب يشكل الاستفهام أساسا له:

ماذا سنفعل بالحب؟

قلتِ ونحن ندس ملابسنا في الحقائب

نأخذه معنا، أن نعلقه في الخزانة؟

قلتُ: ليذهب إلى حيث شاء

فقد شب عن طوقنا وانتشر". ([65])

هذه المكاشفة الحوارية من خلال هذا الوضوح والواقعية تكشف عن رغبة درويشية في وصول دلالة العبارة إلى المتلقي كما هي، فالمتلقي بين ذاتين واضحتين، ذات الشاعر التي مثلها ضمير المتكلم في الفعل "قلتُ" وذات الحبيبة التي مثلها ضمير المخاطب في الفعل "قلتِ"، ومع أن هذا الحوار المباشر قد كشف عن هذه الرغبة الدرويشية البوحية؛ فإن استدعاء شخصيات تاريخية تراثية ذات علاقة بموضوع الحب، والتناص معها حواريا سينقل النص من كونه مجرد نص بوحي إلى نص فلسفي يتجاوز اللحظة العابرة، ويغوص في أعماق التجربة الإنسانية لاستكناه معالم العلائق العاطفية بين الرجل والمرأة:

يا جميل ! أتكبر مثلك مثلي بثينة

تكبر يا صاحبي، خارج القلب

في نظر الآخرين، وفي داخلي تستحم

الغزالة في نبعها المتدفق من ذاتها

هي، أم تلك صورتها ([66])

حوار درويش مع جميل بثينة محاولة لنسف دال الزمن، وإعادة صياغة الرواية التاريخية وفق الرؤية الدرويشية، لتصبح بثينة جميل هي معشوقة درويش:

هل هممت بها، يا جميل على عكس

ما قال عنك الرواة، وهمت بك؟

تزوجتها. وهززنا السماء فسالت

حليبنا على خبرنا كلما. كلما جئتها فتحت

جسدي زهرة زهرة"([67])

إن هذا الحوار يكشف عن خفايا دلالية أراد البوح الدرويشي أن يستخرجها، فاحتال على ذلك من خلال هذا التناص، فأخرج على لسان جميل ما لم يستطع قوله مباشرة. مع أن النص الدرويشي لم يغفل الجانب الحسي في علاقته مع المرأة؛ وان كان ذلك الحسي قد اكتنفه كثير من الغموض الذي يستدعي جملة من التأويلات كما في قصيدته" شتاء ريتا" من ديوان" أحد عشر كوكبا"حيث يقول درويش:

البحر خلف الباب، والصحراء خلف البحر

قبلني على شفتي قالت.

قُلتَ: يا ريتا أأرحلُ من جديد

مادام لي عنبٌ وذاكرةٌ، وتتركني الفصول

بين الإشارة والعبارة هاجسا ً؟

ماذا تقول؟

لا شيء يا ريتا، أقلدُ فارساً في أُغنية". ([68])

هذا الغموض يتشكل من خلال وقوع الحوار بعد حالة التمرئي([69]) التي تنطوي عليه عبارة" البحر خلف الباب، والصحراء خلف البحر"، وما" بين حدود هذا التيه، يتردد درويش (أو صوت درويش) في منح قبلة لريتا، وذلك خوفا من التورط في مرحلة جديدة من الرحيل والسفر في عالم التيه والدوران، أو في عالم اللغة (الإشارة والعبارة)، حيث اللغة الشاهد الوحيد الحافظ لهوية من يتورط في تجربة الرحيل والسفر"([70]).

ومن طرق الحوار اللطيفة التي يقدمها درويش ضمن فعالية الخطاب؛ ذلك الحوار القائم على رمزية موغلة في غموضها، حيث تتوارى خلف منطق التناص الديني أو الأسطوري كما في قصيدة" الهدهد" من ديوان "أرى ما أريد"؛ حيث بنيت القصيدة على آليات التفكير الأرسطية الثلاث (الخطابة والجدل والمنطق) - كما يرى الباحث محمد ونّان جاسم- المتشكلة على أسس الحوارية المسرحية بين الواحد والمجموع اللذين يتفقان ويختلفان بين حين وآخر"([71]):

أنا هُدْهُدٌ- قال الدليل- سأهتدي إلى النبع إن جفَّ النباتُ

قلنا له: لسْنا طيوراً. قال: لن تصلوا إليه، الكُلُّ لَهْ

والكُلُّ فيه، وَهْوَ في الكُلِّ، اُبحثوا عنه لكي تجدوهُ فيه، فَهْوَ فيهِ

قلنا له: لسنا طيوراً كي نطير، فقال: أجنحتي زماني

والعشق نار العشق، فاحترقوا لتلقوا عنكم جسد المكان

قلنا له: هل عدت من سبإ لتأخذنا إلى سبإ جديدة؟([72])

عبارة "قال الدليل" تكشف عن الدال الرمزي لكلمة" هدهد"ونون الجمع في قوله "قلنا" تشير إلى المخاطب المفترض، لكن الحوار الذي تشكل من انا الهدهد وواو الجمع نقل النص الى عالم المسرح الشعري القديم وطقوس الجوقة؛ فقد استفاد الشاعر من تقنيات المسرح لا سيّما في جانبه الصوتي من خلال (الجوقة، من خلال هذا التمازج بين الفرد / الهدهد من جهة و"النحن" من جهة أخرى أعطى الشاعر للصوت الجمعي وظيفة مهمة في خلق حركية النص وجذب إنصات المتلقي المشدود لهذين المعنمين أقصد الفرد و "النحن". "مع أن" نا" الجماعة في الخطاب الشعري تفضح دلالة النص، من خلال انتمائية درويش لنون الجماعة باعتباره واحدا من العرب /الفلسطينيين؛ إلا أن جدلية الحوار بين الهدهد (الرمز) والمخاطبين (الجماعة) تدخل النص كله في دائرة الرمزية. بل إن الخطاب كله يتطور دلاليا بعد أن يدخل النص إلى أسطورة طائر الفينيق" احترقوا" ليزداد غموضا، وهنا تتجلى الرؤية الدرويشية لتكشف عن إستراتيجية الحوار القائم على نسف الدال الزمني وإدخال التجربة الجمعية في دائرة التحول والدوران ضمن فلسفة درويش القائمة على التمرئي حول الذات؛ حيث وردت كلمة مرايا في بداية لنص؛ لتكشف عن الرؤية الشعرية التي ينهض عليها الحوار الدرامي:

لم نَقْتَربْ من أرض نجمتنا البعيدة بَعْدُ. تأخذُنا القصيدةْ

من خُرْمِ إِبْرَتِنا لِنَغْزلَ للفضاء عباءَةَ الأْفق الجديدةْ،

أَسْرى، ولو قَفَزَتْ سنابلُنا عن الأسوار وانبثق السنونُو

من قَيْدنا المكسورِ، أسرى ما نحبُّ وما نريدُ وما نكونُ

لكنَّ فينا هُدْهُداً يُملي على زيتونةِ المنفى بريدهْ

عادتْ إلينا من رسائلنا رسائلُنا، لنكتب من جديد

ما تكتبُ الأَمطارُ من زَهْرٍ بدائيَّ على صخر البعيد

ويسافرُ السَّفَرُ- الصدى منَّا إلينا. لم نكن حَبَقاً-

لِنَرْجِعَ في الربيع إلى نوافذنا الصغيرة. لم نكن ورقاً-

لتأخذنا الرياحُ إلى سواحلنا. هنا وهناك خطِّ واضحٌ

للتيهِ. كم سنةٌ سنرفع للغموض العذب موْتانا مرايا؟"([73])

الحوار الداخلي

لا بد لكل تجربة شعرية حقيقية من دفق شعوري وقاد يستنطق الذات، ويكشف عن مكنونات النفس، ويغوص عميقا في خلجات الروح، وأحلامها، وتقلبات الحياة الإنسانية وصراعاتها؛ بغية الوصول إلى رؤية فنية واضحة، تحمل رسالة الأدب، وتنقلها إلى عالم التجربة الإنسانية بصدق وشفافية، دون تملق أو صنعة؛ بشرط أن تنصهر في بوتقة الشكل، وتلتحم معه التحام الروح بالجسد، ليولد الإبداع الخالد من خلال ثنائية الرؤية والتشكيل.

والأدب الخالد هو الأدب الذي يسمو بعالمي الروح والعقل معا؛ فما هو بالجاف الجامد الذي تطغى عليه صلافة المنطق الرياضي، ولا المائع الغث الذي تسيح معه العبارة في انزلاقات العاطفة واسفافاتها المزرية، بل يأخذ من هذا وذاك؛ فيسبر أغوار النفس، ويستخرج مكنونات الروح، ويقدِّم خلاصة التجربة في نسق تعبيري رقيق، تحلق به الصور الفنية، وتتدفق عبر نهره لغة شعرية، وتضبطه الرؤية الواضحة.

بهذا التكامل النوعي يمتاز النص، ويسجل في سفر الأدب الرفيع، ويدخل عالم الخلود.

وهنا يأتي دور الصوت الخافت، القائم على الهمس لا الخطابية والبوح الشعري الشفيف المجلي لتداعيات النفس، والكاشف عن خفايا الرؤى والأفكار؛ ليرسم معالم الإبداع، ويضبط معايير التميز، فما كان الشعر شعراً إلا بهذه النسمة الرقراقة التي تزينه، والتصوير الفني الساحر الذي يغلفه، والغموض الخفي الإيحائي الذي يرفعه عن السطحية والمباشرة إلى عالم التخيل والتصوير؛ ومن هنا ستكثر فيه المجازات والاستعارات؛ لأنها الصق بهذا التحليق؛ واقدر على بناء هيكلية الفن التصويري المنشود.

ويعد (المنولوج) واحدا من تقنيات القصيدة الحديثة التي لعبت دورا بارزا في تحقيق هذه الغاية؛ فهو بمثابة" قصيدة تلقيها على أسماعنا شخصية أخرى، غير الكاتب نفسه، لكننا نتعرف صوته من خلال تلك الشخصية التي تتوحد مع الكاتب، ويتوحد معها، مجسدة في النهاية الموقف الدرامي"([74])

ولا شك أن اللغة الشعرية الحوارية في (المونولوج) تلعب دورها في نقل الجو العام للقصيدة من واقعه الخطابي إلى واقع أكثر موضوعية ودرامية، فالصوت الواحد المنولوجي سيتوجه من الداخل إلى الخارج ليكشف عن خلجات النفس كما تفترض هذه التقنية.

وتبدو أهمية المنولوج الدرامي -في المسرحية- من خلال قدرته الفائقة على كشف "ملامح الشخصية، ومشاعرها الداخلية، فضلا عن استخدامه في تغيير إيقاع المسرحية، وتصعيد الحدث الدرامي"([75]).

أما في القصيدة الدرامية، فإن المنولوج سيتخذ دورا آخر؛ فهو انحراف تعبيري يتيح للشاعر أن يعبر عن أفكاره الداخلية وعواطفه بطريقة غير مباشرة، تعتمد على التكثيف والتركيب والمجابهة الصوتية مع المتلقي؛ فالمنولوج يتيح للمتلقي أن يسمع الصوت الخفي الذي يدور في أعماق الشاعر، وهذا نوع من التجسيد أو التجريد؛ فكأننا مع ذات أخرى غير ذات الشاعر تحاورنا من خلال هذا الصوت الحواري. وكان الأفكار قد تلبست ثوب شخصية مفتعلة لتعلن عن نفسها في بوح مقصود فنيا.

وقد أدى هذا الاستخدام الواضح لهذه التقنية إلى ميلاد أساليب جديدة في التعبير الدرامي أو التعبير الشعري؛ لكشف حالات النفس، وتداعيات الأفكار والعواطف، والدخول إلى عالم التصوير الفني المتلبس بصدق العواطف وتجليات الروح، فتظهر الأصوات المكبوتة، والأفكار الغريبة، والصراعات الداخلية، وينكشف عالم اللاوعي الخفي أمام المتلقي المتشوق إلى معرفة الباطن الخفي؛ مما يكشف عن حالة (سيكلوجية) خفية تستدعي قراءة من نوع جديد، تستحضر معها ذلك العمق الوجداني والصوت الخفي والدرامية المتلفعة بإيقاعية رومانسية خفية تتمظهر في تجليات المناجاة والتداعي والحوار الداخلي.

وقد استعارت القصيدة الحديثة فن المنولوج من الرواية الحديثة، متأثرة- في ذلك- بشكل واضح بتيار الوعي الذي ابتدعه (وليم جيمس جويس)([76])؛ حيث عمدت الرواية الحديثة على كسر رتابة الزمن السردي والتوقف مع الشخصية في لحظات تأملية تكشف عن الجانب النفسي فيها. وتيار الوعي لا يعد مرادفا للمنولوج الداخلي؛ ذلك لأنه لم يكن مصطلحا تكنيكيا، وإنما يشير هذا التيار إلى تلك الروايات التي تتسم بسمات تبدأ من الوعي الذاتي المدرك، وتتناول خفايا النفس، مع أن هذا المصطلح (تيار الوعي) " قد استخدم- أحيانا- في النقد الحديث لمثل هذا الغرض"([77])

وقد خلط كثير من النقاد بين المنولوج وتيار الوعي، وهو خلط ناتج عن اعتبار تيار الوعي تكنيكا لا منهجا. لكن (روبرت همفرى) عده" مصطلحا بلاغيا يشير على نحو مناسب إلى تكنيك أدبي. ومع ذلك فإنه نفسه في حاجة إلى تحديد أكثر دقة، كما أنه في حاجة شديدة إلى مزيد من الضبط في التطبيق، هذا إذا كان يراد له أن يصبح مصطلحا نقديا مفيدا"([78])

إذاً فالمنولوج الداخلي تكنيك قصصي يعمل على تقديم المحتوى النفسي للشخصيات والعمليات النفسية لديها. وهو بهذا المنطق لصيق الصلة بالنزعة الرومنسية، خاصة في المناجاة" وهي أحد أشكال المونولوج.

ففي اللحظات التراجيدية التي يبلع التوتر العاطفي فيها درجة عالية، يتجلى المنولوج لكشف معالم هذا التوتر، حيث تصل تموجات النفس- أحيانا- إلى حالة الهذيان.([79])

ويرى (همفري) أن وظيفة تيار الوعي في الرواية هو تحليل الطبيعة الإنسانية.([80])والمقصود بالوعي -هنا- وعي الإنسان بالتجربة الإنسانية، وهذا الوعي سيتشكل من خلال عاملين متلازمين: العقل والروح. وتيار الوعي- من خلال هذا التوصيف- مرتبط بشكل واضح بعالم التحليل النفسي. أما النقد فإنه يتعامل مع تيار الوعي من خلال تناول اثر التداعيات الناتجة عن ذلك الفعل النفسي (السيكلوجي)، أي انه سيتكئ على المنهج النفسي لكشف الحياة العقلية والنفسية للإنسان.

وإذا كان تيار الوعي قد مثل اتجاها في كتابة الرواية؛ فإنه من نحو آخر ساعد على توليد تكنيكات فنية كان من أهمها وأوضحها:

المنولوج الداخلي المباشر

المنولوج الداخلي غير المباشر

الوصف الذاتي

المناجاة

وفد لخصت الدكتورة مها حسن قصراوي وظيفة (المنولوج) في الرواية في نقطتين، هما:

الغوص في العالم الداخلي للشخصية في لحظة زمنية معينة، حيث يوقف المنولوج حركة الزمن الخارجي، ليطفو العالم الداخلي على سطح السرد.

العمل على إبطاء زمن السرد نتيجة لحالة التأمل النفسي، وتوسيع زمن الخطاب"([81])

ويمكن الإشارة إلى نوعين من أنواع المنولوج الداخلي: المنولوج الداخلي المباشر، وهو: "ذلك النمط من المنولوج الداخلي الذي يمثله عدم الاهتمام بالمؤلف، وعدم افتراض أن هناك سامعا"([82]) والمنولوج غير المباشر، وهو ذلك المنولوج الذي يعطي القارئ إحساسا بوجود المؤلف المستمر. أي انه" هو ذلك النمط من المنولوج الداخلي الذي يقدم فيه المؤلف الواسع المعرفة مادة غير المتكلم بها، ويقدمها كما لو أنها كانت تأتي من وعي شخصية ما، هذا مع القيام بإرشاد القارئ ليجد طريقه خلال تلك المادة، وذلك عن طريق المادة، وعن طريق التعليق والوصف، وهو يختلف عن المنولوج الداخلي المباشر أساسا في أن المؤلف يتدخل فيه بين ذهن الشخصية والقارئ، والمؤلف فيه دليل حاضر في المكان يقوم بإرشاد القارئ، وهذا المنولوج يكتسب الصفة الأساسية للمنولوج الداخلي من أن ما يقدمه ينبع من الوعي مباشرة، أي أنه يقدمه في ثوب لغة الشخصية"([83])

ويمكن الإشارة أيضاً إلى (تكنيكين) آخرين لهما علاقة بالمونولوج الداخلي، وهما: الوصف الذي يقوم به السارد كلي المعرفة ليكشف الحجب، ويغوص في الأعماق، أما الثاني فهو المناجاة. وهي يتفق مع (المنولوج) في غياب المؤلف، لكنه يختلف معه في حضور الجمهور؛ إذ يمكن تعريفه بأنه "تكنيكُ تقديمِ المحتوى الذهني، والعمليات الذهنية للشخصية مباشرة من الشخصية إلى القارئ، بدون حضور المؤلف، ولكن مع افتراض وجود الجمهور افتراضا صامتا"([84])

ومهما يكن من أمر؛ فإن التداخل والتشابك بين هذه التكنيكات الثلاث يجعل فك الارتباط بينها صعبا جدا، والتعامل معها-من خلال هذا التصنيف الثلاثي- مربكا، فلطالما تداخلت المناجاة مع المنولوج أو مع الوصف، لذا سينهض البحث في تناول صوت الشخصية الداخلي باعتباره منولوجا دون إخضاعه للتصنيف السالف.

من ناحية أخرى، لا بد من أخذ الاعتبار- عند تناول المونولوج في القصيدة- والانتباه إلى طبيعة بنيتها الهيكلية؛ ذلك أن الطبيعة لسردية في الرواية تسمح بتشكل هذه التقنية بأريحية، بيد أن الشعر الحديث-وإن تطور تطورا ملحوظا باتجاه البنية السردية- سيبقى مسكونا بخاصية الإيقاع والتنغيم والإيحاء والرمز والتصوير. وإذا كانت الرواية قد عرفت من خلال الشخصية؛ فإن حضور الشخصية في الشعر ليس ملزما؛ ومن هنا، فإن تناول المنولوج وغيره من التقنيات سيقع ضمن تكنيكات متعددة يفرضها البناء الفني للقصيدة.

إن تناول المنولوج في القصيدة الدرويشية يستدعي حضور الشخصية الدرامية والحدث الدرامي معا، أي العودة إلى موضوع رسم الشخصية من خلال التركيز على عالمها النفسي؛ أي أن النص الشعري سيستجيب لمتطلبات القص، ولعل ديوان درويش "كزهر اللوز أو ابعد" قد استجاب لهذا التداخل النوعي بين الشعر والنثر. ولو أنك تتبعت الديوان من أوله إلى آخره لوجدت فيه من هذا وذاك؛ أي أن النص استجاب لعبارة التوحيدي في "الإمتاع والمؤانسة "أحسن الكلام ما قامت صورته بين نظم كأنه نثر، ونثر كأنه نظم... "([85])؛ ليتشكل النص عبر ثنائية الشعرية والنثرية.

جعلت هذه الاستجابة النص- أحيانا- يقترب من بنية القصة القصيرة، وتتشكل الأحداث وفق رؤية سردية، ينمو معها الحدث نموا دراماتيكيا، ليصل إلى ذروته، ثم تنفرج القصة عن حل جدلي يناسب طبيعة الرؤية الشعرية الفلسفية، لكن شيئا آخر تعانق مع هذه البنية السردية، يمكن تلمس معالمه من خلال النظر إلى صوت النص؛ الصوت الدرويشي المحاور لذاته (المونولوج الداخلي):

كما لو فرحتُ: رجعت. ضغطتُ على

جرس الباب أكثر من مرةٍ، وانتظرتُ... "([86])

هذا المقطع سردي بامتياز، من خلال بنية الحدث، وتتابع الزمن، لكن سرعان ما يرتد الصوت إلى الذات في قوله:

"لعّلي تأخرتُ. لا أحدٌ يفتح الباب، لا

نأمةُ في الممرِّ. "([87])

ثم يعود الصوت الخارجي أي صوت السارد وهو صوت درويش نفسه ليكمل مسيرة السرد:

"تذكرتُ أن مفاتيح بيتي معي، فاعتذرتُ لنفسي: نسيتُك فادخل"([88])

لكن- هنا- في "نسيتك فادخل" ارتداد آخر للمنولوج، أي أن النص تتشابك فيه تقنيات السرد من خلال تعاقب الأصوات، والمراوحة بين السرد والحوار الداخلي:

دخلنا... أنا الضيف في منزلي والمضيف.

نظرتُ إلى كل محتويات الفراغ، فلم أرَ

لي أثراً، ربما... ربما لم أكن ههنا. لم

أَجد شبهاً في المرايا. ففكرتُ: أين

أنا، وصرخت لأوقظ نفسي من الهذيان،

فلم أستطع... وانكسرتُ كصوتٍ تدحرج

فوق البلاط. وقلت: لماذا رجعت إذاً؟

واعتذرتُ لنفسي: نسيتُك فاخرج!

فلم أستطع. ومشيت إلى غرفة النوم،

فاندفع الحلم نحوي وعانقني سائلاً:

هل تغيرتَ؟ قلت تغيرتُ، فالموتُ

في البيت أفضلُ من دهسِ سيارةٍ

في الطريق إلى ساحة خالية([89])

إذاً، هنا قصة قصيرة مكتملة العناصر، تشكل الحدث من خلال العملية السردية القائمة على تتابع زمني تشكله الأفعال المتلاحقة: "رجعت، ضغطت، تذكرت، دخلنا، نظرت، وصرخت، وانكسرت، وقلت، مشيت، فاندفع" والشخوص" أنا، المضيف" ثم البنية الحوارية الداخلية التي تمثلت في صوت درويش.

هذه السردية المغرقة في انحيازها للنثر أثبت جدية الرغبة لدى درويش في بناء قصيدة نثرية لا تتحرر من الإيقاع، لكنها تكمل نصاب الخطاب السردي من خلال وحدة الموضوع المبني من أوله إلى آخره على طريقة القص.

وتأتي تقنية الاسترجاع- لإعادة تشكيل الذات الأولى للشاعر من خلال حوار داخلي مع الصورة - في قصيدة" في بيت أمي" من ديوان "لا تعتذر عما فعلت"؛ حيث ينفتح النص على مشهد مكاني تصوري يحمل في ثناياه ذائقة زمنية معتقة بعبق الماضي:

"في بيت أمي صورتي ترنو إلي

ولا تكف عن السؤال:

أأنت، يا ضيفي، أنا؟".([90])

مع أن الشاعر احتال على النص من خلال عملية التجريد فجعل الصورة آخر يحاوره، لكن صوت الصورة سيندمج مع صوت الشاعر ليبدأ المنولوج في رسم معالم الخطاب الشعري"

"هل كنتَ في العشرين من عمري،

بلا نظارة طبية

وبلا حقائب كان ثقب في جدار السور يكفي

كي تعلمك النجوم هواية التحديق

في الأبدي....

ما الأبدي؟ قلت مخاطبا نفسي"([91])

فالفعل "كنتَ" وضميره المستتر "أنت" المخاطب الذي تمثله "الصورة" على الجدار سرعان ما يتحول إلى درويش نفسه في" عمري" من خلال إضافة الاسم إلى ياء المتكلم، مما يعني أن درويش قد اعترف بانتماء الصورة إليه وإلا لقال "عمرك"

بل إن عنوان الديوان نفسه يمثل حوارا داخليا عبرت عنه القصيدة السادسة في الديوان، التي حملت نفس الاسم "لا تعتذر عما فعلت"؛ تقول القصيدة:

لا تعتذر عما فعلت- أقول في

سري. أقول لآخري الشخصي". ([92])

لكن، غالبا ما يأتي المنولوج الداخلي بتدخل من درويش، فبعد أن يجرد من نفسه آخره يعلمه منطق القول ويلقنه كلمات الحوار الداخلي، وهذا يقلل من درامتيكية الحوار ويجعله نصا داخل نص، وذلك من مثل قوله في قصيدة "إن عدت وحدك":

إن عدت وحدك كل لنفسك:

غير المنفى ملامحه"

.......

" هل وجدت الآن نفسك؟

قل لنفسك: عدت وحدي ناقصا

قمرين،

لكن الديار هي الديار !". ([93])

أما في "الجدارية" فإن حوار الذات يأخذ بعده الأقصى من خلال تعانقه مع الصراع الداخلي في رحلة البحث عن الخلود، فتغيب الذات في الآخر، الذات التي ستتوزع في ذوات متعددة/ الإنسان / الجسد / الطيني/الشاعر /درويش الماضي / الحاضر/ ما بعد الموت، لكن حشد الذوات بهذه الكثافة-هنا- وغياب الذات المركزية يدلل على حجم الصراع الداخلي.

إن المنولوج الداخلي هو من سيكشف حجم ذاك الصراع، والقلق الأخير في صراع الجسد مع الموت، والذات الشاعرة مع الهالة الشعرية.

إذاً إنه الوجع على باب القيامة مثقل بالتاريخ، بالعواطف، بالعالم الغيبي، إنها رحلة كشف روحي لما وراء الموت إنه الحديث الخافت سرد الحكاية التي ستكتب فيما بعد:

" وكأنني قد مت قبل الآن....

أعرف هذه الرؤية، وأعرف أنني

أمضي إلى ما لست أعرف.

ما زلت حيا في مكان ما، وأعرف

ما أريد ([94])

الحوار الداخلي في الجدارية يتشكل- غالبا- من خلال تقنيتين تمثلان ظاهرة شعرية بارزة في نصوص درويش الأخيرة وهما: ظاهرة "المرايا"، و"الضمائر المتعددة:

"أفيض عن حاجاتي مفردتي.

وانظر نحو نفسي في المرايا:

هل أنا هو؟

هل أؤدي جيدا دوري من الفصل

الأخير؟

وهل قرأت المسرحية قبل هذا العرض،

أم فرضت علي؟([95]).

وإذا كان هذا الصوت الحواري قد كشف عن مفارقة تصويرية شكلت في مجملها غربة الذات وبررت للمنطق الشعري سؤال الحيرة، وكانت النبرة الصوتية حادة ومرتفعة إلى الحد الذي يقرب المقطع من الصراخ المجلجل عكست صداه مرايا الذات المتعددة؛ فإن الصوت الخافت في الجدارية سيكشف عن البعد التأملي في رحلة البحث عن الخلود، ويمنح هذه الذات قوة مصيرية استعدادا لمجابهة فاصلة:

" انا من يحدث نفسه:

من أصغر الأشياء تولد أكبر الأفكار

والإيقاع لا يأتي من الكلمات،

بل من وحدة الجسدين

في ليل طويل"([96])

حوار الذات ولعبة الضمائر

تعد ظاهرة التحول الأسلوبي أو الانحراف السياقي من الظواهر الفنية الغنية المواكبة لبنية النص الشعري. وقد عرفت هذه الظاهرة لدى القدماء باسم "الالتفات"، ويعرفها ابن رشيق بقوله "هو أن يكون الشاعر آخذا في معنى، ثم يعرض له غيره، فيعدل عن الأول إلى الثاني فيأتي به، ثم يعود إلى الأول، من غير أن يخل في شيء مما يشد الأول"([97]) لكن الأمثلة الكثيرة التي أوردها ابن رشيق تدلل على أن الالتفات عنده يتجاوز هذا الحد، ليدخل فيه التنويع بين الضمائر، والاعتراض والاستدراك..

ومن شواهد هذا التحول الأسلوبي عند القدماء قول امرئ القيس:

تطاول ليلك بالاثمد ونام الخلي ولم ترقد

وبات وباتت له ليلة كليلة ذي العائر الأرمد

وذلك من نبأ جاءني وخبرته عن أبي الأسود([98])

ففي كل بيت من هذه الأبيات التفات من خلال التنويع في استخدام الضمائر؛ ففي البيت الأول تشير كاف الخطاب إلى "الانت" وكذا ترقد "أنت"، بينما يتحول الضمير في البيت الثاني إلى الغائب في "له" ثم يأتي حضور"الأنا" في البيت الثالث" جاءني" مع أن هذه الضمائر الثلاث تشير إلى ذات واحدة هي" ذات امرئ القيس".

والالتفات-كما يرى الزمخشري- يحقق فائدتين: إمتاع المتلقي وجذب انتباهه بتلك النتوءات أو التحولات التي لا يتوقعها في نسق التعبير من نحو، وما يتفتق عن تلك الظاهرة من إشعاعات ترد فيه على شكل إيحاءات ودلالات خاصة([99])، يقول الزمحشري: "لأن الكلام إذا نقل من أسلوب إلى أسلوب كان ذلك أحسن تطرية لنشاط السامع، وإيقاظا للإصغاء إليه من إجرائه على أسلوب واحد، وقد تختص مواقعه بفوائد"([100]).

أما تحولات الضمير في بنية النص القرآني فهي وافرة بديعة، شملت التحول من الغيبة إلى الخطاب كقوله تعالى: ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ [النور: ١٢]؛ حيث أسند الفعل "ظن" إلى الاسم الظاهر "المؤمنون" ولم يسنده إلى ضمير المخاطب كما في" سمع" واستاد الفعل إلى الاسم الظاهر باب من أبواب الغيبة أي: ظنوا هم([101]). ومنها قوله تعالى: [الأنبياء: ٩٢ ]؛ حيث أسند الفعل "فاعبدون" إلى المخاطب، بينما أسند الفعل (تقطعوا) إلى الغائب.

ومن تحولات الغيبة إلى المتكلم قوله تعالى: ﭼ [الأعراف: ١٥٨ ]؛ تمثل ذلك في اسم إن" ياء المتكلم، ثم عدل في نهاية الآية إلى الغائب من خلال الضمير المتصل في "رسوله".

ومن تحولات ضمير المتكلم إلى ضمير المخاطب في كتاب الله قوله تعالى: ﭼ [يس: ٢١ - ٢٢ ].

هذه التحولات الأسلوبية التي وظفت قديما توظيفا بلاغيا من خلال بابين واسعين من أبواب البلاغة، وهما: البديع وعلم المعاني، تحولت لدى المحدثين إلى تقنيات أسلوبية تكتنفها تجليات رمزية ذات أبعاد فلسفية وجمالية. وقد توسع المحدثون فيها توسعا جعلها تدخل أحيانا في باب التعقيد أو التعمية؛ وذلك حينما تتداخل تحولات الضمائر تداخلات متشعبة دون أن يحال هذا الضمير أو ذاك إلى محدد.

والمتابع للنص الدرويشي يجد أن هذه التقنية قد حظيت بانتباه درويش، فوظفها غير مرة في دواوينه المتعاقبة، حيث تكررت في مجموعاته الأخيرة، إذ" قلما خلت منه مجموعة"([102])، ففي الجدارية يفصح درويش عن هذه التقنية من خلال قولة:

" تنحل الضمائر

كلها "هو" في " أنا" في" أنت"

لا كل ولا جزء. ولا حي يقول

لميت: كنيّ([103])

وقد سبق أن تناولها في ديوانه "لماذا تركت الحصان وحيداً؟"حيث قدم درويش أنموذجا واضحا لهذا التنوع الضمائري من خلال قصيدة "قال السافر للمسافر":

"أأنا أنا؟

أأنا هنالك... أنا هنا؟

في كل "أنت" أنا,

أنا أنت المخاطب, ليس منفى

أن أكونك. ليس منفى

أن تكون أناي أنت. وليس منفى

أن يكون البحر والصحراء

أغنية المسافر للمسافر:

لن أعود, كما ذهبت,"([104])

ويبدو أن درويش قد عمد -عن قصد- إلى تقسيم عناوين ديوانه "كزهر اللوز أو ابعد؟" إلى أقسام تشكل ضمائر النحو المعروفة (أنت- هو- أنا- هي) والضمير-كما هو معلوم- يحل محل الظاهر، وهو كناية عن الاسم الذي يدل عليه الخطاب، ف "الأنا" للمتكلم و"الهو" للغائب، وأنت للمخاطب، وهي للمخاطبة.

لكن السؤال المثار جدلا: هل هذه الضمائر المتعددة تقتضي تعددا في كناياتها؟ أم أنها تعود إلى الأنا الممثلة للشاعر؟ لتكشف عن نرجسية بدأت تتعملق لدى درويش منذ أواسط التسعينات، وهو يبحث عن تتويج لشاعريته قبل الرحيل المتوقع؛ عندما عاد من منفاه، بل منذ أواسط الثمانينات عندما كتب "لماذا تركت الحصان وحيدا"، يومها بدأ يبحث عن ذاته بعيداً عن الحصار الجمعي، وأصبح مصطلح الالتزام -الذي نادى به في بداياته الشعرية - من خلال انتمائه الحزبي الذي أراده أن يكون صدى البندقية، أو صدى للجدلية التاريخية وثورة الفقراء- مصطلحا مفرغا من دلالاته ومقلقا لدرويش الباحث عن الموقعية الشعرية العالمية من خلال طرق موضوعات الأدب الإنساني الكوني البعيد كل البعد عن الثورية السياسية التي لازمته في أعماله الأولى.

ولا أدل على ذلك من طبيعة دواوينه الأخيرة التي تصر على الانعتاق من هذا الإلزام "سرير الغريبة- الجدارية- حالة حصار- لا تعتذر عما فعلت... الخ". فالمتأمل للبنية الشعرية في هذه الدواوين لن يعجز عن إدراك ذاك التموج النفسي والقلق الفكري، والتشظي (الضمائري) بين "الأنا" و"الهو".

فتقنية توزيع العناوين من خلال لعبة الضمائر تكشف عن نمط جديد في التجربة الشعرية، وانتقال مقصود من الغنائية الذاتية إلى الدرامية الحوارية، ينتقل النص من خلالها إلى عالمين متنافسين في بنية الحوار: الأصوات المتعددة، والسرد على لسان الشخصية، أي أن الحوار يتحرر من ضمير المتكلم الذي يجعل النص شبيها بالسيرة الذاتية، فينفتح على الغائب اللامتوقع، ويستحضر الآخر (الصورة)، أو يندمج الآخر مع الأنا لاكتمال الصور ة.

هذا الدمج المتعمد من خلال إعادة تشكيل "الأنا" له علاقة بالرؤية الشعرية ومقارباتها على مستوى اللغة، وعلى مستوى الإبداع؛ أي أن الصورة هي التي أحدثت هذا الانحراف الدلالي حين سمحت بامتزاج الضمائر وتداخلها على غير ما رتب النحاة، والصورة هي البعد الدلالي المتخيل في علاقات الحضور والغياب بين "الأنا" و"الهو"، أو بين "الأنا" و"الأنت".

فبقدر ما توحي هذه الضمائر بالحضور المتعدد للأصوات الممثلة للكيانات الإنسانية المشكلة للحياة، فإن نصوص الديوان تذهب عميقا في استحضار جدل الحياة. أي أن لعبة الضمائر هذه تتحول تحولا إبداعيا من خلال تحولات الذات بين الحضور والغياب، أو من خلال تحولات الزمان والمكان، أومن خلال صور الذات المتعددة بتعدد المرايا المستخدمة في هذا البناء الشعري.

والأنا لا تكتمل مهما تعددت ضمائرها الذكورية (الأنا والهو) إلا بعد استحضار الآخر الأنثوي" الهي"، ومن هنا كان حضور هذا الضمير بارزا في نصوص هذا الديوان للكشف عن رؤية الشاعر شكليا ومضمونيا، من خلال تنامي الإيقاع الدرامي في صراع النفس مع الذات "الهالة الشعرية / الموت /التطور الشعري / القلق الفكري / المرض/ العمر" ومع الآخر "الحب /الفقدان /البعد / الرغبة":

قل للغياب نقصتني

وأنا حضرت.. لأكملك([105](

يبدأ درويش مجموعته الأولى- في هذا الديوان- من خلال ضمير" الأنت" حيث تضم هذه المجموعة خمس قصائد" فكر بغيرك / الآن في المنفى / حين تطيل التأمل / إن مشيت على شارع / مقهى وأنت مع الجريدة"، وتتسم بطابع وعظي فلسفي يقدمه الشاعر على شكل نصائح ذات بعد تأملي، ولعل حضور "الأنت" في الذاكرة قبل الأنا يدل على منطق البحث والشعور بالغربة والنظر- بعيدا- إلى الذات المسروقة أو الموغلة في غربتها باعتبارها الأنا الحقيقية التي يجب أن تكون، أو الكمال الذي تسعى القصيدة أن تستحضره.

وكأن البحث عن الذات لم يصل إلى مبتغاه، وبقيت الذات شاردة في غيابات الغربة الشعرية، أو الغربة الفكرية. لكن النقد هو من سيخضع هذه الذوات إلى معمل التشريح لفك الارتباط التشعبي بين هذه المدخلات" الأنا / الهو / الأنت / النحن / الهي).

فالأنا والأنت يشكلان طرفي حوار داخلي، تتمرأى فيه الذات مع صورتها فيحدث الانعكاس أو الاندماج لتشكيل "النحن"، فالأخر هو إحدى مرايا الذات "كما صرح بذلك درويش نفسه"، حيث يقول في: "أما موضوع" الآخر"، فلا يمكن أن يعيش في الذات، الآخر مرآة، إحدى مرايا الذات، ولكن الآخر له درجات، الآخر ليس دائما عدوا، وليس دائما أجنبيا، وليس دائما غريبا، الآخر قد يكون أنا، الذات قد تكون آخر، وهذا ما يريد أن يقوله سرير الغريبة في علاقة الرجل بالمراةكل واحد منهما هو ذات الآخر، أي الذات ترى نفسها آخر ذاتها، هذه الغربة تتعلق بالغربة الإنسانية، إحساس الإنسان بالنفي...... "([106])

أما "الهو" فهو المعادل الآخر للأنا المتشظية، ولا يخفى على القارئ الحصيف أنه شكل آخر من أشكال الذات الدرويشية التي كشف عنها خطابه الشعري التالي:

لم ينتظر أحداً،

ولم يشعر بنقص في الوجود،

أمامه نهر رمادي كمعطفه،

ونور الشمس يملأ نفسه بالصحو،

والأشجار عالية، ولم يشعر بنقص في المكان"([107])

إن حضور" الأنت" أو "الهو" -هنا- لا يعدو أن يكون صورة للانا، لكن الأنت قد تنفصل عن أناها لتصبح الآخر المخاطب في سرد حكائي:

"الآن في المنفى... نعم في البيت،

في الستين من عمر سريع

يوقدون الشمع لك

فافرح، بأقصى ما استطعت من الهدوء،

لأنّ موتا طائشا ضلّ الطريق إليك

من فرط الزحام... وأجلك"([108])

لكن القارئ سيكتشف الأنا من خلال طبيعة السياق الذي تستحضره كاف المخاطبة؛ فمن قراءة الدلالة على أن المخاطب درويش نفسه وان الحوار هنا داخلي قوله: في الستين من عمر سريع" وهو الزمن القريب من كتابة النص، لكن العدول عن الأنا إلى الأنت يحرر النص من تقريريته ومباشرته التي تفرضها طبيعة البوح أو الاعتراف الذاتي ويقربه من القص الحكائي القائم على رسم ملامح شخصية أبدعها النص بوعي من صاحبه

فضمير المخاطب تكشف سره تلك الإشارات الزمنية والمكانية الخاصة بحياة الشاعر"في الستين من عمر سريع"

إذا- ربما- هو حوار الشاعر مع نفسه أو مع أناه أو مع آخره المجرد من ذاته.

وإذا كان الشاعر قد حاور نفسه من خلال ضمير المخاطب "أنت" في المجموعة الأولى، فان ال "هو" لا تبتعد عن "الأنت" في علاقتها مع الأنا الحوارية:

هو، لا غيره، من ترجل عن نجمة

لم تصبه بأيّ أذى.

قال: أسطورتي لن تعيش طويلاً

ولا صورتي في مخيلة الناس /

فلتمتحني الحقيقة"([109])

لكن الحوار هنا يأخذ شكل "الديالوج" من خلال استخدام الأفعال: قال، قلت، أجاب؛ ليخرج الصوت عاليا:

قلت له: إن ظهرت انكسرت، فلا تنكسر

قال لي حُزْنُهُ النَّبَّوي: إلي أين أذهب؟

قلت إلى نجمة غير مرئية

أو إلى الكهف/

قال يحاصرني واقع لا أجيد قراءته

قلت دوّن إذن، ذكرياتك عن نجمة بعُدت

وغد يتلكأ، واسأل خيالك: هل

كان يعلم أن طريقك هذا طويل؟

فقال: ولكنني لا أجيد الكتابة يا صاحبي!

فسألت: كذبت علينا إذاً؟

فأجاب: على الحلم أن يرشد الحالمين

كما الوحي /

ثم تنهد: خذ بيدي أيها المستحيل!

وغاب كما تتمنى الأساطير /

لم ينتصر ليموت، ولم ينكسر ليعيش

فخذ بيدينا معاً، أيها المستحيل !"([110])

هذه الأصوات التي تجعل من البنية الحوارية بنية سردية يلعب درويش فيها دور الراوي أو السارد المصاحب الذي يسمح للشخصيات بأن تدلي بدلوها وتعبر عن آرائها في حرية تامة لتقدم الرؤية الشعرية بعيدا عن النرجسية البارزة وليأخذ الشكل التنظيري البوحي شكلاً آخر بحيث تنوب عن الشاعر شخصيات مخلوقة تنصهر في الذات، وتتحاور معها كاشفة عن أغوار ربما أبت الأنا المتمثلة في درويش أن تعلن عنها.

أما "الأنا"، فهي الباحثة عن السمو، القلقة المتأرجحة بين الحضور والغياب:

"قلت: مازلت حيّاً لأني أرى الكلمات

ترفرف في البال

في البال أغنيةٌ تتأرجح بين الحضور وبين الغياب

ولا تفتح الباب إلا لكي توصد الباب

أغنيةٌ عن حياة الضباب

ولكنها لا تطيع سوى

ما نسيتُ من الكلمات([111])

لكن الأنا في هذا المقطع تكشف عن ظلها الخفي"هو"

وكأنني وحدي. أنا هو أو أنا الثاني

رآني واطمأن على نهاري وابتعد

يوم الأحد"([112])

وتنفتح المقاطع المتعلقة بضمير الغائبة على رؤية تشكيلية مكرورة، وكأن الديوان قسمة بين المذكر والمؤنث؛ فكما بدأ أنت بقصيدة عمودية مع تنويع في القافية بدأ ال "هي" بنفس النمط، وعلى طريقة الحكماء:

الجميلات هنَّ الجميلاتُ

"نقش الكمنجات في الخاصرة"

الجميلات هنَّ الضعيفاتُ

" عــرشٌ طفيفٌ بلا ذاكرة"([113])

ومع "الهي" ينفتح عالم الحب، لتبحث "الأنا" عن "الهي" في محاولة اكتمال النص الجمالي، يبحث الحاضر عن الغائب، عن الغريبة، يسال:

ما لون عينيك، ما اسمك،

كيف أناديك حين تمرين بي،

وأنا جالس في انتظارك؟"([114])

أما المجموعة الأخيرة من الديوان التي حملت عنوان "منفى"، فقد أضافت عنوانا فرعيا يحمل دلالة كلية تستغرق النص وتشكل بؤرته الدلالية، حيث اقترب الشاعر أكثر من قضايا الإنسان الكلية التي تتمثل في الآخر الغريب. لكن هذا الغريب الذي لا يرى درويش صورته فيه، لن يكون بعيدا عن الذات المتشظية التي فقدت صورتها في غربة المنفى، وضياع الذات دليل على عمق مرارة الغربة:

أمشي خفيفا خفيفا، وانظر حولي

لعلي أرى شبها بين أوصاف نفسي

وصفصاف هذا الفضاء فلا أتبين

شيئا يشير إلي؟. "([115])

في المنفى يجثم المكان على جسد القصيدة، ويتمطى الزمان على شكلا إيقاع رتيب، فتنزف النفس الشاعرة كلوما غائرة، وتتلبد سماء القصيدة بضباب كثيف:

قال لي صاحبي، والضباب كثيف

على الجسر:

هل يعرف الشيء من ضده؟

قلت: في الفجر يتضح الأمر

قال وليس هنالك وقت اشد

التباسا من الفجر

فاترك خيالك للنهر

في زرقة الفجر يعدم في

باحة السجن، أو قرب حرش الصنوبر

شاب تفاءل بالنصر"([116])

إن هذه التحولات السياقية - ضمن لعبة الضمائر- تفتح النص أمام تعددات التأويل، وتمنح القارئ مساحة أوسع ليعيد تشكيل دلالة النص من خلال فك رموز التعمية والغموض التي اتسمت بها القصيدة الحديثة.

وليس غريباً أن تحفل دواوين درويش الأخيرة بهذه الظاهرة الأسلوبية؛ مما يجعل إعادة قراءة هذه الدواوين من خلال نظرية التلقي واحدة من الضرورات النقدية الملحة لاستكناه جوهر الخطاب الشعري الدرويشي.

ولعل الوقوف على هذه الظاهرة لدى درويش سيتجاوز "الإشكالية المتحققة فيها حدود الغموض الذي يحيل إلى دلالة أبعد عند إنعام النظر مليا فيها إلى حدود التعمية- أحيانا- التي تحد من التلقي أو تفتح فضاءات متعددة واحتمالات كثيرة أمام التلقي"([117])، ويتناول البعدين: الفني والمضموني في هذه الظاهرة باعتبارها بنية مقصودة فنيا ودلاليا.

ولعل الاستراتيجية الجديدة التي ستخضع لها هذه الظاهرة ضمن قراءة نقدية واعية تقع تحت دائرة استنطاق الدال نفسه، وهز جذع اللغة لتساقط دلالات غير قاموسية وفق ما تراه نظرية التلقي التي تفترض أن كل نص يحتمل أفقا من التوقع، وقارئا ضمنيا مما يتيح لهذا القارئ أن يحاكم النص محاكمة متحررة من معيارية اللغة المنضبطة.

إن ظاهرة الغموض المرتبطة بذلك الانحراف السياقي "إحالات الضمائر" هي من ستفتح الباب على مصراعيه أمام تلك التأويلات المتحررة والمتعددة؛ ذلك أن الضمير في هذه الإحالات لا يعود على مذكور سابق، ولا تدرك مدلولاته ولا مقاصد الشاعر من اصطناعه"([118])

ولو تأمل القارئ قول درويش في قصيدة" كم مرة ينتهي أمرنا" من ديوانه" لماذا تركت الحصان وحيداً" لاكتشف كيف أن درويشا ذهب بعيدا في التعمية والغموض حين أسند أفعاله وأسماءه إلى ضمائر الغياب دون أن يحيل ذلك الإسناد إلى قرينة تدل القارئ على مدلول ذلك المضمر:

يتأمل أيامه في دخان السجائر،

ينظر في ساعة الجيب:

لو أستطيع لأبطأت دقاتها

كي أؤخر نضج الشعير!......... "([119])،

يحيل النص من خلال ضمير الغائب في هذه الأسطر الشعرية إلى ذات متحدث عنها تخاطب نفسها في منولوج داخلي عبر الأسطر الثلاث الأخيرة، بيد أن هذه الذات مجهولة لدى القارئ؛ ذلك أن هذه الأبيات تشكل مطلعا افتتاحيا للقصيدة غير أن هذا الغموض يمكن كشف أستاره من خلال ربط هذه الضمائر بضمير المتكلم الوارد في نفس القصيدة من خلال الجمل الحوارية بين درويش وأبيه إذ سرعان ما يتحول ضمير الغائب الذي تصدرت به القصيدة إلى ضمير متكلم يتصدر به حوار خارجي في بحر القصيدة؛ حيث تقول القصيدة:

_ هل تكلمني يا أبي؟

عقدوا هدنة في جزيرة رودوس،

يا ابني!([120])

هذا الحوار الخارجي لا يحمل أية قيمة رمزية تدخله في غموض أو تعمية، فهو حوار ثنائي بين درويش ووالده، لكن محاولة ربط ضمير المتكلم -هنا- بضمير الغائب في أول النص لا يحمل سندا لغويا تمثله قرينة واضحة، لكن القارئ الحاذق هو من سيقرر أن ضمير الغائب في مطلع القصيدة هو نفسه ضمير المتكلم في وسطها، هذه الإحالة لها مرجعية سياقية من خلال تناول فضاءات النص التي تشير إلى أن ديوان درويش" لماذا تركت الحصان وحيدا" لا يعدو أن يكون سيرة درويش الشعرية، ومن هنا، فإن الأنا المستخدمة- هنا- في سرد الحكاية تعود إلى ذات درويش نفسه إلا أن تكون لها قرائن تعيدها إلى غيره. ولا أدل على هذا من ذلك المضمون الشعري الذي "يعبر عن رحلة الأنا / الشاعر والجماعة التي يمثلها، منذ الرحيل عن المكان الأول إلى زمان التوزع في البلاد، الزمن الحاضر، حيث بدأت ملامح المكان الأول تنأى عن المكان، ولكنها لم تختف من الذاكرة تماما. "([121]) لكن هذا التداخل الزماني والمكاني وسع مساحة الغموض، وكسر أفق التوقع عند المتلقي في مواطن كثيرة بحيث بدت العبارة الشعرية غائرة في رمزيتها، بعد أن صبغها بثيمات متعددة من التناص والرمز والأسطورة والمجاز. ففي قصيدته الافتتاحية لهذا الديوان يطل شبح درويش من بعيد، على شرفة بيت، في نبوءة صوفية ليحقق ما يريد، ويلتحم صوت "الأنا" الدرويشي الغائر في الماضي مع صوت أصدقائه الحاملين بريد المساء، وتتكثف ضبابية المشهد حين يتساءل المتلقي عن دلالة ضمير الجمع في هذا السياق الزماني المتداخل بين الماضي السحيق والحاضر القابع في مكان تحدده الأنا من خلال محور الاختيار عبر أداة التشبيه" "اطل كشرفة بيت":

" أُطِلُّ, كَشُرْفة بَيْتٍ, على ما أُريدْ

أُطِلُّ على أَصدقائي وهم يحملون بريدَ

المساء: نبيذاً وخبزاً,

وبعض الرواياتِ والأسطواناتْ...

أُطلُّ على نَوْرَسٍ, وعلى شحنات جُنُودْ

تُغَيِّرُ أَشجارَ هذا المكانْ.

أُطلَّ على كَلْبِ جاري المُهَاجرِ

مِنْ كَنَدا, منذ عامٍ ونصف... "([122])

ولا شك أن التناص قد لعب دورا بارزاً في هذا الانحراف الزماني والمكاني، إلا أن حالة الاستدعاء هذه تشكل إضاءة نوعية للحاضر المقصود في المعالجة الشعرية وفق الرؤية المحددة للدوال المتوقعة، ومن هنا يتجلى حضور أبي الطيب المتنبي، وأبي فراس الحمداني وامرئ القيس والتتار في هذا الديوان، لما في هذه التناصات من دلائل ذات صلة بحاضر الشاعر.

([1]) قال الراغب الأصفهاني: " الخطب والمخاطبة والتخاطب: المراجعة في الكلام، ومنه الخُطبة، والخِطبة، لكن الخُطبة تختص بالموعظة والخطبة بطلب المرأة قال تعالى: ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء (البقرة، 235) وقال تعالى: فما خطبكم أيها المرسلون" (الداريات /31) وقال تعالى: واتيناه الحكم وفصل الخطاب (ص/20) قال ابن عباس: بيان الكلام" انظر: أبو القاسم الحسين بن محمد بن المفضل المعروف بالراغب الأصفهاني، معجم مفردات ألفاظ القران ن ص170ندار الكتب العلمية، بيروت، 1997. أما مصطلح خطاب"Discours" المأخوذ عن اللاتينية"Discours Sus"ومعناه (الركض هنا وهناك)، فليس أصلا مباشرا لما هو مصطلح عليه بالخطاب، إلا أن الجذر اللغوي اللاتيني أصبح يحمل معنى الخطاب أو ما اشتق منه من معان منذ القرن السابع عشر، فقد دل المصطلح على معنى طريق صدفي، ثم المحادثة والتواصل، كما دل على تشكيل صيغة معنوية سواء أكانت شفهية أم مكتوبة عن فكرة ما.

وللاستزادة يراجع كتاب: تحليل الخطاب الأدبي وقضايا النص: لمؤلفه: د. عبد القادر شرشار، منشورات اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 2006.

([2]) يعرف الدكتور محمد مفتاح النص بأنه: " مدونة حدث كلامي ذي وظائف متعددة"انظر: د. محمد مفتاح، تحليل الخطاب الشعري، استراتيجية التناص، ص120، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ط3، 1992. غير أن علم اللسانيات قد توسع في مفهوم النص حيث تطلق كلمة نص على مجموع الأقوال الخاضعة للتحليل، فالنص بهذا المعنى مرادف للمتن اللغوي (corpus)، ويطلق (بلسلميف hjelmslev) كلمة نص على القول الشفوي أو الخطي، الموسع أو الموجز القديم أو الحديث؛ فكلمة"قف"نص، والرواية بكالمها نص.. " انظر: انظر معجم مصطلحات نقد الرواية، مادة نص، ص167.

([3]) انظر: هبة عبد المعز أحمد، تحليل الخطاب، مركز النور الثقافي، 03/03/2009، رابط المقال: http: //www. alnoor. se/article. asp?id=42116

([4]) ديان مكدونيل: مقدمة في نظريات الخطاب، ص 30، ترجمة د. عز الدين إسماعيل، القاهرة: المكتبة الأكاديمية، ط1، 2001،

[5]) انظر: Martyn Hammersley, Conversation Analysis and Discourse Analysis: Methods or Paradigms?, Discourse & Society, Vol 14, No 6 , 2003 , pp 751-781نقلا عن هبة عبد المعز أحمد، تحليل الخطاب، مركز النور الثقافي

([6]) انظر معجم مصطلحات نقد الرواية، مادة خطب، ص88.

([7]) انظر: تزفتيان تيدوروف، ميخائيل باختين.. المبدأ الحواري، ص68، ترجمة: فخري صالح، المؤسسة العربية للدراسات والنشر ن بيروت، ط2، 1996.

([8]) نفسه، ص94.

([9]) تزفتيان تيدوروف، ميخائيل باختين.. المبدأ الحواري، ص 98.

([10]) نفسه، ص98.

([11]) نفسه نص121.

([12]) نفسه نص 122.

([13]) تزفتيان تيدوروف، ميخائيل باختين.. المبدأ الحواري نص 125.

([14]) شربل داغر، التناص سبيلاً إلى دراسة النص الشعري، ص 128، مجلة فصول، الهيئة المصرية العامة للكتاب، المجلد 16، العدد الأول، القاهرة، 1997،

([15]) أحمد الزعبي، التناص نظرياً وتطبيقياً، ص 12 مؤسسة عمون للنشر والتوزيع، الأردن، ط2، 2000،

([16]) تحليل الخطاب الشعري / ص121.

([17]) التناص نظرياً وتطبيقياً، /ص12.

([18]) أبو الفضل جمال الدين ابن منظور محمد بن مكرم الأنصاري، لسان العرب، مادة حور، ص217، دار صادر، بيروت، ج4. د. ت.

([19]) المعجم الوسيط، مادة حور، ص205.

([20]) أبو عبدالله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي، الجامع لأحكام القران، ص273، مجلد 19، دار الكتاب العربي للطباعة والنشر القاهرة، 1967.

([21]) الجامع لأحكام القرآن (ج10/ص403).

([22]) (ف. ف. كوزينوف)، حول دراسة الكلام الفني)، ص117 ترجمة: جميل نصيف التكريتي، مجلة الثقافة الأجنبية، ع11، بغداد، 198٢، .

([23]) البناء الدرامي: 163- 164.

([24]) شاع استخدام السيميائية semiology باعتبارها علما للإشارات بعد ظهر كتاب (سوسير) 1913، وترى السيميائية أن كل نص أدبي ينطوي بطبيعته على إمكانات متعددة للتأويل واستخلاص المتلقي لأنواع غير محدودة من الدلالات والمعاني" انظر الدكتور إبراهيم محمود خليل: النقد الأدبي الحديث من المحاكاة إلى التفكيك، ص105، دار المسيرة للنشر والتوزيع، عمان، ط2، 2007م. وانظر أيضاً: د. سعيد بنكراد، السيميائية النشأة والموضوع، ص9، مجلة عالم الفكر / مجلد 35، عدد3، مارس ويناير، 2007عدد خاص بالسيميائية

([25]) معجم مصطلحات نقد الرواية، مادة حوار، ص79.

([26]) الدراما بين النظرية والتطبيق: ص634.

([27]) البناء الدرامي، ص 139.

([28]) يمنى العيد، تقنيات السرد الروائي في ضوء المنهج البنيوي، ص109، دار الفارابي، بيروت- لبنان، 1990.

([29]) البنية الدرامية في شعر نزار قباني، ص60.

([30] محمود عبدالوهاب: الحوار في الخطاب المسرحي، ص 5٢. مجلة الموقف الثقافي، ع10، 1997:

([31]) ديوان (امرؤ القيس) ص27.

([32]) ديوان عمر بن أبي ربيعة، ص37، أشرف عليه وصححه، بشير يموت، المكتبة الأهلية للطبع والتأليف والنشر، بيروت، د. ت، وقد اعتمد الناشر على الطبعة الأولى عام 1934، للدار الوطنية. بيروت. والنسخة التي اعتمدت عليها نسخة (pdf) نقلا عن موقع مكتبة المصطفى الالكترونية: http: //www. al-mostafa. info/data/arabic/depot3/gap. php?file=i001001. pdf

([33]) ديوان امرؤ القيس ص77.

([34]) ضياء الدين أبو الفتح نصر الله بن محمد بن محمد بن عبد الكريم الموصلي الشافعي، المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر، ص251، مصر، طبعة عام 1865، نسخة pdf، نقلا عن مكتبة المصطفى الاكترونية، رابط تحميل الكتاب: http: //www. al-mostafa. info/data/arabic/depot3/gap. php?file=i002059. pdf

(([35] د. علي القيّم: محمود درويش سجل أنا عربي، ص9، منشورات وزارة الثقافة، دمشق، 2008.

[36])) الأعمال الجديدة الكاملة، ج1، ص19.

([37]) محمد صالح الشنطى، خصوصية الرؤية والتشكيل في شعر محمود درويش، ص144، فصول، المجلد السابع، العددان الاول والثاني، أكتوبر، 1986، مارس 1987.

([38]) محمد صالح الشنطى، خصوصية الرؤية والتشكيل في شعر محمود درويش، ص20.

([39]) محمد صالح الشنطى، خصوصية الرؤية والتشكيل في شعر محمود درويش ، ص 26.

([40]) نفسه، ص 27.

([41]) نفسه، ص28.

([42]) علاء هاشم مناف، الظاهرة الصوتية الخفية في شعر محمود درويش، الحوار المتمدن، عدد 2069، 15/40/2007، رابط الصفحة: http: //www. ahewar. org/debat/show. art. asp?aid=111821

([43]) الأعمال الجديدة الكاملة، ج1، ص35.

([44]) نفسه، ص 36.

([45]) الأعمال الجديدة الكاملة، ص 67.

([46]) نفسه، ص 68.

([47]) نفسه، ص67.

([48]) الأعمال الجديدة الكاملة، ص 68.

([49]) نفسه، ص89.

([50]) الأعمال الجديدة الكاملة، ص89.

([51]) نفسه، ص89.

([52]) نفسه، ص90.

([53]) الأعمال الجديدة الكاملة، ص90.

([54]) نفسه، ص92.

([55]) نفسه، ص91.

([56]) الأعمال الجديدة الكاملة، ص91.

([57]) نفسه نص100.

([58]) الأعمال الجديدة الكاملة، ص106.

([59]) محمود درويش، تلك صورتها وهذا انتحار العاشق، الأعمال الكاملة، الجزء الأول، ص 556.، دار العودة، بيروت، الطبعة العاشرة، 1983.

([60]) معجم مصطلحات نقد الرواية، ص79.

([61]) نفسه، ص79.

([62]) أسامة فرحات المنولوج بين الدراما والشعر، ص 114، الهيئة المصرية العامة للكتاب، د. ت .

([63]) سرير الغريبة قراءة في تشكلات البنية: http: //www. nizwa. com/articles. php?id=1187

([64]) الأعمال الجديدة الكاملة.

([65]) الأعمال الجديدة الكاملة، ج2، ص107.

([66]) نفسه، ص122.

([67]) الأعمال الجديدة الكاملة، ص123.

([68]) محمود درويش، الأعمال الأولى (3)، ص 335، رياض الريس للكتب والنشر، بيروت، 2009

([69]) يعرف الدكتور علي الشرع المرايا بأنها" الرؤيا الشعرية للوجود المتحول، أو هي رؤية الشاعر لهذا الوجود المتحول: : د. على الشرع: محمود درويش شاعر المرايا المتحولة، ص17، وزارة الثقافة، الأردن، 2002.

([70]) د. على الشرع: محمود درويش شاعر المرايا المتحولة، ص12، وزارة الثقافة، الأردن، 2002.

([71]) سيميائية الهدهد- قراءة في شعر محمود درويش، http: //www. alnoor. se/article. asp?id=83398

([72]) الأعمال الأولى (3)، ص. 258.

([73]) الأعمال الأولى (3)، ص249.

([74]) أسامة فرحات، المونولوج بين الدراما والشعر، ص22، الهيئة المصرية العامة للكتاب، د. ت

([75]) أسامة فرحات، المونولوج بين الدراما والشعر، ص19.

([76]) (روبرت همفرى)، تيار الوعي في الرواية الحديثة، ص15، ترجمة: الدكتور محمود الربيعي، مكتبة الشباب، القاهرة، 1984.

([77]) تيار الواعي في الرواية الحديثة، ص22..

([78]) تيار الواعي في الرواية الحديثة، ص43.

([79]) المنولوج بين الدراما والشعر.، ص20.

([80]) تيار الوعي في الرواية الحديثة، ص23.

([81]) د. مها حسن القصراوي، الزمن في الرواية العربية، ص245، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 2004.

([82]) تيار الوعي في الرواية الحديثة، ص44.

([83]) تيار الواعي في الرواية الحديثة ، ص49.

([84]) نفسه، ص56.

([85]) انظر: الأعمال الجديدة الكاملة، ج2، 169.

([86]) نفسه، ص213.

([87]) نفسه، ص213.

([88]) نفسه، ص213.

([89]) انظر: الأعمال الجديدة الكاملة، ص214.

([90]) الأعمال الجدية الكاملة (1)، ص27.

([91]) نقسه، ص27.

([92]) انظر: الأعمال الجديدة الكاملة ، ص27.

([93]) نفسه، ص36.

([94]) انظر: الأعمال الجديدة الكاملة، ص444.

([95]) نفسه، ص 456.

([96]) نفسه، ص 469.

([97]) العمدة، ص38، ج2.

([98]) ديوان امرئ القيس، ص87،

([99]) أ. د. حسن طبل، أسلوب الالتفات في البلاغة القرآنية، ص30، دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع والترجمة، القاهرة، 2010.

([100]) جار الله الزمخشري، الكشاف، ص10، ج1، دار المعرفة، بيروت، د. ت.

([101]) أسلوب الالتفات في البلاغة القرآنية، ص. 11.

([102]) أرض القصيدة، ص77.

([103]) الأعمال الجديدة الكاملة، ص459، ج1.

([104]) الأعمال الجديدة الكاملة، ص379.

([105]) الأعمال الجديدة الكاملة (ج2، ص171.

([106]) مجلة الشعراء، ص20، عدد 4، 5، ربيع 1999.

([107]) نفسه، 185.

([108]) نفسه، ص169.

([109]) مجلة الشعراء، ص183.

([110]) نفسه ص184.

([111]) مجلة الشعراء، ص198.

([112]) نفسه، ص204.

([113]) نفسه، ص225.

([114]) مجلة الشعراء، ص227.

([115]) نفسه، ص258.

([116]) نفسه، ص281.

([117]) د. سامح الرواشدة، اشكالية التلقي والتأويل، ص 144، جامعة مؤتة، عمان، 2001.

([118]) نفسه، ص 167.

([119]) الأعمال الكاملة، ص 302، ج1.

([120]) الأعمال الكاملة، ، ص303.

([121]) بنية القصيدة في شعر محمود درويش، ص131.

([122]) الأعمال الجديدة الكاملة، ص277، ج1.

غاية الموقع.

فواصل بسملة 2012 بسملة متحركة 2012 ,بداية مواضيع متحركة 2012




أحبِّي اللغة يا ابنتي ؛

لأنَّ من يحب يعرف طبع من أحب ,

فإذا أحببتِ اللغة باحت لكِ بأسرارها



الساعات المكتبية



الساعات المكتبية الفصل الدراسي الأول للعام الجامعي 1436/1435هـ

الأحد : الأولي والثانية.الخميس : الأولي والثانية.

http://www.timeanddate.com/worldclock/fullscreen.html?n=214


مفهوم الإرشاد الأكاديمي

 

 

 

 

مفهوم الارشاد الأكاديمي


يمثل الإرشاد الأكاديمي ركنًا أساسيًا ومحوريًا في النظام التعليمي، حيث يعد استجابة موضوعية لمواجهة متغيرات اجتماعية واقتصادية وإنسانية في صلب النظام وفلسفته التربوية، علاوة على كونه يستجيب لحاجات الدارس ليتواصل مع التعليم الجامعي الذي يمثل نمًاء وطنياً ضرورياً لتحقيق متطلبات الذات الإنسانية في الإبداع والتميز.

ويتمثل الإرشاد الأكاديمي في محوري العملية الإرشادية: المؤسسة التعليمية والطالب، ويعزز هذا الدور المرشد الأكاديمي المختص الذي يعمل من خلال وحدة الإرشاد الأكاديمي طيلة السنة الأكاديمية. وتتكامل عملية الإرشاد الأكاديمي بوعي وتفهم جميع أطراف العملية الإرشادية؛ بهدف توجيه الطالب إلى انسب الطرق لاختيار أفضل السبل بهدف تحقيق النجاح المنشود والتكيف مع البيئة الجامعية.

ويتحقق هذا الهدف عن طريق تزويد الطلبة بالمهارات الأكاديمية المتنوعة التي ترفع من تحصيلهم الدراسي ومناقشة طموحاتهم العلمية، كما يتضمن أيضاً توعية الطلبة بلوائح وقوانين الجامعة، كل ذلك من خلال خدمات إرشادية متنوعة كالإرشاد الأكاديمي الفردي والبرامج الإرشادية والاستشارات المختلفة.

كما يساعد الإرشاد الأكاديمي الطلاب علي بلورة أهدافهم واتخاذ القرارات المناسبة المتعلقة بمستقبلهم الأكاديمي والمهني عن طريق الاستفادة القصوى من جميع الإمكانيات والبدائل المتاحة.

ويعمل الإرشاد الأكاديمي باستمرار على تبسيط وتسهيل الإجراءات الإدارية بهدف تقديم أفضل الخدمات وأجودها للطالب في زمن قياسي وفق معايير الجودة الشاملة التي تسعى إليها الكلية في ظل ازدياد وسائل الاستثمار في المشاريع التعليمية والفكرية والبحث العلمي.

أرقام الاتصال

http://faculty.mu.edu.sa/public/uploads/image/20120926/20120926004426_93373.jpg

تليفون العمل :3821

الإيميل:[email protected]

 

يوتيوب للجامعة

 

ويكيبيديا:كيويكس


http://wen.ikipedia.org/wiki/ar:

Wikipedia-logo-v2-en.svg

موقع الجامعة علي تويتر

نظام جسور

الدليل التعريفي للطالبة

مهرجان القراءة

مهرجان القراءة للجميع
إيماناً من الكلية بأهمية القراءة والمطالعة التي تمثل سلاح الأمة المعطل لما لها من بالغ الأثر في الارتقاء بفكر الأمة بادرت أمانة النشاط الطلابي بمبادرة جديدة لنشر الوعي الثقافي والفعاليات الثقافية فضمنت خطة النشاط لهذا الفصل مشروع القراءة للجميع ساعية لترغيب الطالبات وحثهن على القراءة بأسلوب شيق ومحبب وتنمية عادة القراءة لتكون عادة مكتسبة في مختلف العلوم النافعة وانطلقت ف...عاليات مشروع القراءة للجميع يوم السبت 17/4/1433هـ.

وتميز قسم اللغة العربية بمشاركته في تفعيل مشروع القراءة فوجه الدعوة لجميع وحدات و أقسام الكلية طالبات و أعضاء لحضور البرنامج القراءة للجميع يوم الأربعاء 21/4/1433هـ فساهمت طالبات قسم اللغة العربية في تنظيمه والإعداد له وأشرفت عليه منسقة القسم د. عبيرعبد الصادق بدوي  وبمتابعة من رئيس قسم اللغة العربية د. فهد الملحم.

فبدأ البرنامج بتلاوة من القرآن الكريم ثم قدمت كل من الطالبتين نسيبة السليمان ومها العازمي عرضين عن القراءة تناولا أهمية القراءة وفائدتها و أهمية القراءة للأطفال. وشاركت طالبات القسم بإعداد مطويات و مجسمات وأعمال متنوعة تعبر عن القراءة و أهميتها. كما تم وضع ركن لعرض بعض الكتب والملخصات لبعض منها. وشهد نشاط قسم اللغة العربية حضورا واسعا من منسوبات الكلية.

ولم تكتف الكلية بتنفيذ المشروع لطالباتها فخلال زيارة للمدرسة الابتدائية الخامسة يوم الإثنين 19/4/1433هـ نفذت طالبات الكلية مسابقات ثقافية كانت جوائزها مجموعة من القصص المناسبة.

وفي استطلاع لآراء الطالبات عبرن عن شكرهن على اختيار مثل هذه البرامج وقدمن اقتراحاتهن بأن تقام مسابقات متنوعة كمسابقة استيعاب المقروء , وقراءة في كتاب, وإقامة ورش عمل للقراءة بأنواعها.
See More

كلية بلا مخالفات

ضمن خطة الكلية التوعوية أقامت كليةُ التربيةِ بالزلفي ممثلة بوحدة التوجيه والإرشاد حملةً توعويةً تحت شعار ( كلية بلا مخالفات ) ولمدة أسبوع كامل ، استهدفت الحملةُ توعيةَ الطالبات بأهمية المحافظة على الكلية , وصيانة مرافقها , وممتلكاتها ؛ لأنَّها تُمَثِّل مرفقاً هاماً , وصرحاً شامخاً للعلم والتعلم ، كما استهدفت الحملةُ نَقْدَ بعضِ السلوكيات الخاطئة التي قد تصدر من بعض الطالبات أثناء المحاضرات وأثناء الفسح ، ونشر ثقافة المحافظة على منظر الكلية الجميل الذي خرجت به بعد أعمال الترميمات وإعادة التأهيل , وبيان ماوفرته الجامعة - مشكورةً - في سبيل إظهارها بالمنظر الذي يليق بالطالبة الجامعية , وتوفير البيئة الجامعية من تجهيزات ومقرات ومعامل وقاعات , وقد استمرت الحملةُ لمدةِ أسبوعٍ كاملٍ شاركتْ فيه كل أقسام الكلية ووحداتها الإدارية والأكاديمية ومن المبني الإضافي شارك قسمي اللغة العربية واللغة الإنجليزية ، واشتملت على محاضراتة   ومطويات ونصائح إرشادية .