السمات الفنية للقصّة الشعريّة في الأدب العربي 

درج النقاد على تصنيف القصة في أبواب النثر وفنونه المختلفة، مع أن الجذور الفنية للقصة، الضاربة في القدم، تردها إلى أصولها الشعرية، فملحمة جلجامش، والتوراة البابلية التي اكتشفت رقمها في/أوغاريت/ وإلياذة هوميروس تعد أساساً لفن القصة سواء أتناولت أخبار الشعوب وبطولاتها، أم عرضت أساطير هذه الشعوب ومعتقداتها الدينية وآلهتها المتعددة. ومن المستغرب حقاً ألا تعثر في أصول أدبنا العربي على ملاحم شعرية تتناول أساطير العرب ومعتقداتهم الوثنية في الجاهلية، أما أخبارهم وبطولاتهم فقد نقلت بطريقة تجمع بين الشعر والنثر في زمن متأخر، بعد حركة التدوين، على غرار ما نحد في أيام العرب ووقائعهم المشهورة، وقصصهم المتداولة، حتى أمثالهم نقلت على صورة أقوال موجزة تشير في كثير من الأحيان على قصص واقعية أو مأثورات شعبية تداولها الشعراء في أشعارهم بصورة موجزة كقولهم:

إذا قالت حذام فصدقوها

فإن القول ما قالت حذام


وقولهم:

أوردها سعد وسعد مشتمل

ما هكذا يا سعد تورد الإبل


ولا يخفى أن هذه الأبيات المحدودة لا تعدو أن تكون إشارة موجزة إلى قصة المثل، وليست قصة بحد ذاتها.

ومن المستغرب حقاً ألا يكون للعرب في جاهليتهم تراث شعري قصصي وملحمي، وقد عاشوا في البيئة ذاتها التي عاش فيها أسلافهم من شعوب المنطقة، وكانت لهم معتقداتهم المتماثلة ونظرتهم الخاصة إلى الكون والحياة، وآلهتهم المتعددة، وغالباً ما يعزو النقاد هذا النقص إلى بداية العقل العربي في تلك الفترة وتعلقه بالمحسوس وبعده عن الثقافة في تلك المرحلة من الحياة الرعوية، ولكن العرب في الجاهلية كانت لهم حضاراتهم وممالكهم، ورقيهم الثقافي والإنساني مما يتنافى وهذا الزعم، ولا يمكن تفسير هذا التقصير إلا بضياع كثير من الشعر الجاهلي وطمس معالمه بعد انتشار التوحيد منذ عهود ساحقة في القدم، بسبب أنه أدب شفهي غير مدون، تناسته الأجيال على مر الأزمان وتبدل المعتقد، ومما يعزز هذا الاتجاه أن التراث الأدبي المنحدر إلينا من الجاهلية هو في جله تراث شعري، والشعر ديوان العرب فلا يعقل ألا تكون للقصة الشعرية والملحمة مكانة من هذا التراث، ونحن نلحظ خطورة دور الشعر في حياة العرب من خلال كتب التراث فهي مزيج من الشعر والنثر ولو كانت تبحث في أي موضوع لا صلة له بالشعر والتاريخ والجغرافيا والسير الذاتية والعلوم والفلسفة، فكأن الثقافة بمجملها يجب أن تصاغ بقالب إخباري قصصي يجمع بين الشعر والنثر معاً، وهذه البنية النصية هي تقليد عريق يرد الثقافة إلى نبعين أصيلين هما: القصة والشعر.

ولعل أقدم القصص الشعري المتحدر إلينا هي قصص مغامرات العشاق التي نلحظها في شعر امرئ القيس، والقصص التهذيبية التي نجد مثلاً لها في أشعار النابغة الذبياني في حديثه أن الحية ذات الصفا التي عقدت صداقة بينها وبين الإنسان تقوم على المنفعة المتبادلة، فلما غدر بها غدرت به، وقصة زرقاء اليمامة التي اشتهرت بحدة بصرها واستطاعت أن تحذر قومها من العدو الذي موه نفسه بأغصان الأشجار، وهذه القصة من الأمثال العربية المعروفة.

إن قصص المغامرات الغرامية، والقصص التهذيبية هما الإطاران الأساسان للقصة الشعرية في أدبنا العربي ولكل منهما خصائصه التي لا بد من تعرفها:

1-قصص المغامرات الغرامية:

تبدأ هذه القصص الشعرية مع امرئ القيس مروراً بشعراء الغزل الصريح وعلى رأسهم عمر بن أبي ربيعة، وبطلها على الدوام شاعر متفرغ للهو، مترف، من علية القوم، لا هم له إلا مطاردة النساء، وطلب اللذة، واقتحام المخاطر للوصول إلى المحبوبة المنيعة بأهلها وحراسها أو المتضمنة بدلها وحرصها على تجنب الفضيحة التي يجرها برعونته الحبيب المستهتر.

ويوم دخلت الخدر خدر عنيزة

فقالت لك الويلات: أنك مرجلي

فقلت لها سيري وأرخى زمامه

ولا تبعديني من جناك المعلل


وغالباً ما تكون المغامرة في الليل يتخطى الشاعر فيه الحراس والرقباء:

وبيضة خدر لا يرام خباؤها

تمتعت من لهو بها غير معجل

تجاوزت أحراساً إليها ومعشراً

عليّ حراصاً لو يسرون مقتلي


وغالباً ما تبدأ القصة بسرد موجز ثم يتخللها الحوار الهامس بين الحبيب والمحبوبة إذ تتوجه هي باللوم إليه لجسارته وتهوره وغواه، ولكنه لا يصغى ولا يحذر، مندفعاً بهواه:

وقلت: يمين الله ما لك حيلة

وما إن أرى عنك الغواية تنجلي

خرجت بها أمشي تجر وراءنا

على أثرينا ذيل مرط مرجل


ثم ينال المحبوب ثمرة المغامرة، فلا يذهب جهده سدى:

فلما أجزنا ساحة الحي وانتحى

بنا بطن حبت ذو جفاف عقنقل

هصرت بفودي رأسها فتمايلت

علي هضيم الكشح ريا المخلخل


وتستكمل قصص المغامرات طوابعها الفنية عند عمر بن أبي ربيعة، ففي قصصه مزيد من التصوير والتحليل، والوصف في قصص عمر أكثر تفصيلاً، والشاعر يعنى برسم البيئة الفنية للقصة وتحليل مشاعره ومشاعر معشوقته بفنية ترقى إلى مستوى القصص الفني المعاصر:

فبت رقيباً للرفاق على شفا

أحاذر منهم من يطوف وأنظر

فلما فقدت الصوت منهم وأطفئت

مصابيح شبت بالعشاء وأنور

وغاب قصير كنت أرجو غيوبه

وروح رعيان ونوم سمَّر

وخفض مني الصوت أقبلت مشية

الحباب وشخصي خيفة القوم أزور

فحييت إذ فاجأتها فتولهت

وكادت بمكنون التحية تجهر


والحوار عند عمر أكثر تفصيلاً، وأعمق تحليلات للنفسيات وتمثيلاً للمشاعر التي تتنازعها في مواقف المغامرة الحرجة:

وقالت وعضت بالبنان فضحتني

وأنت امرؤ ميسور أمرك أعسر

أريتك إذ هنا عليك فلم تخف

رقيباً وحولي من عدوك حضر

فو الله ما أدري أتعجيل حاجة

سرى بك أم قد نام من كنت تحذر

فقلت لها بل قادني الشوق والهوى

إليك وما عين من الناس تنظر

فقالت وقد لانت وأخفق روعها

فداك بحفظ ربك المتكبر

فأنت أبا الخطاب غير منازع

علي أمير ما مثكت مؤمر


وعمر أكثر تصويراً لأثر المغامرة في نفسه، وإشراكاً للقارئ في متعة ثمرتها المجتناة، فيرتاح نفسياً بعد التوتر الذي رسمته عقدة القصة، من خلال الخطر المحدق بالبطل، وترقب ضبطه متلبساً بجريمته:

وبت قرير العين أعطيت حاجتي

أقبل فاها بالعراء فأكثر

فيا لك من ليل تقاصر طوله

وما كان ليلي قبل ذلك يقصر

ويا لك من ملهى هناك ومجلس 

لنا لم يكدره علينا مكدر


على أن القصة أحياناً لا تنتهي عند عمر بحل العقدة لأن الشاعر قد بناها على عقدتين متواليتين، فما أن يشعر القارئ الارتياح لحل العقدة الأولى حتى يتبين له أن ثمة عقدة أخرى يتأزم فيها الموقف، فالصباح يطلع والشاعر لا يستطيع تخطي حراس محبوبته جهراً، وهنا تلجأ الفتاة إلى أختيها، وهما مستودع أسرارها، فيسرعن إلى إلباس الشاعر ملابس النساء فيجتاز ساحة الحي آمناً مطمئناً.

وما من شك في أن عمر سيد قصص المغامرات الغزلية في شعرنا العربي، وقد ضعف هذا اللون من القصص الشعري بعد عمر، لزوال دواعيه بعد ضعف روح العصبية في العصور التالية، وتراخي الغيرة على النساء على حد تعبير العقاد. وقيام المجتمعات المدنية التي شاع فيها الاختلاط والتسري، واستعاض المغامرون فيها بالجواري عن الحرائر.

2-القصص الخلقية والتهذيبية:

وهذا اللون من القصص الشعري يمجد القيم الأصيلة الموروثة، ويحث على مكارم الأخلاق ويدعو إلى التأمل في الكون، ولعل أكمل قصة من هذا اللون وأقدمها في الشعر ما أورده الحطيئة في وصف البدوي الجافي الفقير الذي طرق بابه طارق ليل فلم يجد ما يطعمه، فهم أن يذبح ولده لولا أن يسير الله له قطيعاً من حمير الوحش تمكن أن يصطاد أحدها ويقضي حق ضيفه. والقصة تعنى بالوصف والتحليل، وهي مصوغة بقالب فني متوازن، ويغلب فيها السرد على الحوار باستثناء ما ورد منه على لسان الأب والابن:

فقال: هيا رباه ضيف ولا قرى؟

بحقك لا تحرمه تا الليلة اللحما

فقال ابنه لما رآه بحيرة

أيا أبت اذبحني ويسر لهم طعما

ولا تعتذر بالعدم عل الذي طرأ

يظن بنا مالا فيوسعنا ذماً


والحطيئة يحسن تجلية مواقف الصراع النفسي وتأزيم العقدة لكنه لا يطيل عنصر التشويق إذ سرعان ما يتعجل في حل الأزمة.

فروى قليلاً ثم أحجم برهة

وإن هو لم يذبح فتاه فقدهما


وفي العصر الأموي يطالعنا الفرزدق، وهو من الشعراء الذين يتمتعون بثقافة بدوية خلاصة، بقصة شعرية يتناول فيها مغامرة له مع ذئب جامع يقاسمه الزاد على ضوء نار ودخان، محاولاً أن ينتزع روح الشر والغدر منه، في موقف إنساني رائع يرقى بالنص إلى مستوى الأدب الإنساني العالمي:

وأنت امرؤ يا ذئب والغدر كنتما

أخيين كانا أرضعا بلبان

تعشَّ فإن واثقتني لا تخونني

نكن مثل من يا ذئب يصطحبان

ولو غيرنا نبهت تلتمس القرى

رماك بسهم أو شباة سنان


ويغتنم الشاعر الفرصة للفخر بقومه الذين ترعى الوحش آمنة بهم، ويرعبهم الثقلان.

وفي العصر العباسي يعنى البحتري بتصوير لقاء له بالذئب في أواخر الليل، لكنه لا يؤاخيه ويعاهده بل يصرعه بسهمين متلاحقين ويشتويه، مبرزاً شجاعة لم تعهد به، فقد عرف بالجبن والتخاذل. لكنه يؤثر أن يجعل نفسه نداً للذئب في هذه البيداء التي يفترس فيها القوي الضعيف، وقد حلق الشاعر في رسم الذئب ومصرعه.

كلانا بها ذئب يحدث نفسه

بصاحبه والجد يتعسه الجد

عوى ثم أقعى فارتجزت فهجته

فأقبل مثل البرق يتبعه الرعد

فأوجزته خرقاء تحسب ريشها

على كوكب ينقض والليل سود

فما ازداد إلا جرأة وصرامة

وأيقنت أن الأمر منه هو الجد

فأتبعتها أخرى فأضللت نصلها

بحيث يكون اللب والرعب والحقد

فخر وقد أوردته منهل لاردى

على ظمأ لو أنه عذب الورد

وقمت فجمعت الحصى فاشتويته

عليه وللرمضاء من تحته وقد

ونلت خسيساً منه ثم تركته

وأقلعت عنه وهو منعفر فرد


والشاعر يجسد فلسفة القوة، ويصور أخلاق عصره الذي ساد فيه اللئام على الكرام وقصته الشعرية تشبه إلى حد بعيدة قصيدة "موت الذئب" للشاعر الفرنسي "الفريد دوفيني" مع فارق أن الشاعر دوفيني عني بتصوير فلسفة التجلد والصبر من خلال وصف مصرع ذئبه وثباته أمام الموت.

وفي العصر الحديث لاقت القصة الشعرية التهذيبية رواجاً، فاتسعت موضوعاتها لتشمل قيماً عصرية، وطالت أبياتها، وعنيت بالتحليل النفسي، ورسم الشخصيات، واكتسبت طابعاً ملحمياً، واستغل الشعراء بعض قصص القرآن الكريم ومنهم الدكتور أمجد الطرابلسي في قصته "الفداء" التي تصور تضحية إبراهيم بابنه إسماعيل وافتداءه بالكبش الإلهي، وعالجت بعضها المشكلات الاجتماعية والقومية المختلفة: كالمسلول والريال المزيف: للأخطل الصغر، والمومس العمياء للسياب، وامرأة وشيطان: لعلي محمود طه، ومرايا الحجاب: لمحمد عوض محمد، والشاعر والسلطان الجائر لإيليا أبو ماضي. والمرأة المرضع للرصافي وحضن الأم للقروي. وقد اتسمت القصة الشعرية في العصر الحديث بالطوابع الفنية الآتية:

1-تنوع الأوزان الشعرية في السرد والتحليل، والطول لتمكين الشاعر من الوفاء بحاجات القصة الفنية.

2-تفاوت أساليب العرض بين السرد والحوار.

3-التركيز على المغزى الخلقي والاجتماعي، فالشاعر غالباً ما يعرض فلسفته ويحمل الشخصيات ما يريد أن يقوله في تدخل منه يتجاوز الحدود الفنية للقصة أحياناً.

4-تفاوت السرد بين التقرير الهادئ والنفسي الملحمي الثائر. وسنعرض نماذج من هذه القصص ونسلط الضوء على سماتها الفنية.

1-كيف نواسي: لمحمد هراوي

قصة شعرية تقع في صفحتين من القطع المتوسط. بحث فيها الشاعر على مؤاساة المحتاجين نسجها الشاعر على قافية واحدة، وصور فيها أنه سمع شكوى امرأة في إحدى الليالي، امرأة جائعة أمضت ثلاثة أيام طاوية مع أطفالها الثلاثة وزوجها المريض، فتظاهر بأنه متسول وقرع باب الأسرة، ففتحت له الباب المرأة الشاكية وحين طلب منها ما يطلبه المتسول إحالته على قصور الأغنياء ثم دخل فوقف على حال زوجها المريض الذي كان في النزع ولفظ أنفاسه أمامه، ثم يختم الأبيات بموقف إيجابي يحث فيه على الاقتداء بالذين أحسنوا إلى الأسرة:

ونبأت قومي بالذي كان فانبرى

له عصبة للمكرمات تطوعوا

وعادوا فواسوا زوجه وصغاره

ولم يبرحوا إلا وقد جف مدمع


والهراوي كالرصافي متأثر بالأساليب التعليمية، مع فارق أن الرصافي يختم موقفه القصصي بالوعظ والإرشاد أما الهراوي فقد ختم قصته بأسلوب تربوي دعا فيه إلى القدرة والامتثال ولم يلجأ إلى الحث على الإحسان والوعظ والتنديد بموقف الأغنياء.

3-الشاعر والسلطان لأبي ماضي:

تقع القصيدة في أربع صفحات من القطع المتوسط، وقد نوع فيها الشاعر الأوزان والقوافي بتنوع مواقف الحوار، ونزع فيها منزع التأمل، والحوار في القصة طويل، لكنه غير متوازن، فالشاعر البطل في القصة يستأثر بالكلام وينطق بفلسفة أبي ماضي، وخلاصة القصة إن ملكا استدعى شاعراً وافتخر أمامه بملكه وجاهه وعزه، فهو يملك القصر السامق والغابات، والأرض والناس، وكأنه إله فوق الأرض، ولكن الشاعر يسخر من قوله ويبين له أن الشاعر هو ملك الكون وسيده، فهو سيد القصر لأنه يدرك جمال القصر وسيد الروض لأنه صانع الرياض وهو قائد الجيش لأن أشعاره توجه كل جيش، وهو سيد البحر لأنه يخلق حورياته ويرسم سحره، ويغضب السلطان في أمر بقطع عنق الشاعر فلا تحزن الطبيعة لفقده، ولكن الموت يجمع بين القاتل والقتيل، ويزول مجد الملك أما أقوال الشاعر فتظل خالدة أبداً.

وتوالت الأجيال تضطرد

جيل يغيب وآخر يفدْ

أهوت على القصر المنيف فلا

الجدران قائمة ولا العمد

وطوت ملوكاً ما لهم عدد

فكأنهم في الأرض ما وجدوا

والشاعر المقتول باقية

أقواله فكأنها الأبد

الشيخ يلمس في جوانبها

صور الهدى والحكمة الولد


3-الفداء: لأمجد الطرابلسي

قصة شعرية مستمدة من التراث الديني هي قصة تضحية إبراهيم لابنه إسماعيل والفداء الإلهي له، كتبها الشاعر بنفس ملحمي، يجمع بين قوة الشعر وروعة الخيال والتصوير، واستمد حوادثها من القرآن الكريم.

أمجد الطرابلسي من شعراء العرب الشبان الذين نالوا حظاً وافراً من الثقافتين العربية والغربية فجاء مزيجاً منهما، وصف الصحراء وصفاً دقيقاً في هذه الملحمة، واهتم بالحوار اهتماماً بالغاً، وأشرف على المأساة حتى كادت تحدث الفجيعة ثم خرج بها إلى ضوء المسرات.. وملأ قصته بالتفاصيل البارعة.

يستهل الشاعر قصته بالمطلع الرائع التالي:

شع من بسمة الصباح الضياء

وأفاقت من نومها البطحاء

وتعرت كثبانها والروابي

وتغطت هضابها السمراء

وتجلت ذكاء فانتفض الرمل

ابتهاجاً لما تبدت ذكاء

شعت الأرض بالظلال فتوناً

هي للطرف والنهى أغواء

فمن الشمس والرمال نضار

ومن الظل واحة غناء

السهول الفساح والأفق الزا

هي وتلك الغمائم الشقراء

والخضم المواج بالماس والتبر

المصفى والقبة الزرقاء

والبطاح الغرقى وسلسلة الكثـ

ـبان والرمل والحصى والسناء

صورة تغمر العيون وسحر

عبقري ومتعة ورواء

دهشة ملؤها الجمال وصمت

خاشع لا تشينه ضوضاء


صورة رائعة عصرية للصحراء قصر عنها كل وصف معاصر، تعيد إلى الأذهان قصائد فحول الشعراء الجاهليين في وصفها، ثم ينتقل الشاعر إلى وصف إبراهيم عليه السلام وهو يقود ولده إسماعيل إلى الموت:

من هو السالك القفار وئيداً

للأسى في جبينه سيماء؟

كاسف البال ليس يبهره الحسن

ولا يستبيه ذاك البهاء

مطرقاً رأسه الصديع تبدى

من أسارير وجهه البأساء

وإلى جنبه ابنه حائر اللب

تنزى في صدره الأهواء


والدكتور الطرابلسي يجد رسم الشخصيات ويعنى بالمواقف النفسية، ويجسد بنجاح الصراع في نفس الابن بين مواجهة الموت والطاعة العمياء للأب، والصراع في نفس هاجر بين حبها لابنها و إيمانها بالإرادة الإلهية، وتبلغ الأزمة ذروتها في حين يهم إبراهيم بذبح ولده:

أضجع الوالد ابنه مثلما تضجع

شاة وديعة خرساء

والفتى ساكن كما نام في المـ

ـهد تغذيه أمه الحسناء

مغمض عينه على الدمع هل يبد

يه إلا الأذلة الجبناء

قبل الطفل ثم عصب عينيه

وقد ينفع البصير الغطاء

وانتضى الخنجر الرهيب بكف

أرعشتها الفجيعة الحمراء

مثلما أرعشت بكأس الحما

كف صب مجنونة هوجاء


ولكن قسوة الموقف تتبدد بظهور الملاك حاملاً الفدية الإلهية:

وإذا بالسماء تلتمع الأنوار

فيها وتسطع الأضواء

رفع الوالد المعذب عيناً

ملأتها المدامع العصماء

فإذا بالدموع تضحك في عينـ

يه بشراً وقد تجلى الفداء

ملك في الفضاء يحمل كبشاً

قد تعالى في الحب منه الثغاء

هبط الأرض مثلما تهبط الرو

ض اشتياقاً حمامة بيضاء

فدية للصبي أرسلها الله

تهادى بحملها البشراء

رحمة الله كم تداركت الخلق

وقد أعوزتهم الرحماء


هذه ملامح من هذا الفن الأدبي العريق فن القصة الشعرية الذي قطع شوطاً في تراثنا الشعري لكنه أخذ يتضاءل في العصر الحديث، فقد اكتفى إلا ما جاء من شعرهم على صورة ملاحم مطولة مقتبسة من أحداث التاريخ يسلطون فيها الأضواء على الأحداث المعاصرة حتى ليمكن القول أن القصة الشعرية القصيرة في الشعر العربي الحديث قد تضاءلت وانكمشت إلى حد بعيد مع أنها فن أصيل قادر على التأثير والإقناع.