د/ عبير عبد الصادق محمد بدوي

أستاذ الأدب المشارك بكلية تربية الزلفي

الظواهر العروضية ف

الظواهر العروضية في شعر باكثير

من أبحاث مؤتمر "علي أحمد باكثير ومكانته الأدبية"

المنعقد بالقاهرة في 18-21 جمادى الآخرة 1431هـ/ 1-4 يونيه حزيران 2010م

تحت رعاية رابطة الأدب الإسلامي العالمية

 

تميَّز علي أحمد باكثير - بشكل خاصٍّ - في المسرح والرواية، وكانت له فيهما ريادةٌ لا تخفى على أحدٍ، ويشهد على ذلك هذا الكمُّ الهائل من المسرحيَّات والروايات والقصص التي خلَّفَها باكثير - رحمه الله - فقد ترك قرابة سبعين مسرحيَّة، وست روايات، وعشرات التمثيليَّات والقصص، حسبما ذكَر د. محمد أبو بكر حميد الذي اهتمَّ بجمع تراثه[1].

 

كان باكثير شاعرًا مُكثِرًا، إلا أنَّه لم يُجمَع شعرُه في ديوان وهو حيٌّ، بل إنَّ كثيرًا ممَّا كتَبَه لم يُنشَر وبقي حبيسَ أوراقِه وأدراجه، حتى تهيَّأ له بعد موته مَن يخرجه إلى النور، وهو شاعرٌ غنائيٌّ بامتياز، حتى إنَّ القصيدة الغنائيَّة - كما يقول الدكتور عبده بدوي، رحمه الله - "قد تحكَّمت في أعماله المسرحيَّة والغنائيَّة، بل يمكن القول: إنها تحكَّمت في حياته، وأدخلتها في أكثر من منعطف[2].

 

ويتَّسم شعرُ باكثير - بشكلٍ عام - بالسلاسة والتدفُّق، وبالوضوح وقُرب المأتى، وقد تنقُصه أحيانًا الفنيَّة العالية، ويبدو بعضه أقرب إلى النظم منه إلى الشعر، ولكنَّنا لن ننسى أنَّ كثيرًا ممَّا بين أيدينا من شعر باكثير هو - كما ذكرنا - ممَّا جُمِعَ من مُسوَّداته وأوراقه التي حملت مشروعات لقصائد لم يتحْ للشاعر أنْ يُنضجها أو يُنقِّحها، فكثُر فيها التصحيف والتحريف والكسور، كما أنَّ (باكثير) شُغِلَ - على ما يبدو، ومنذ مطلع تجربته الشعريَّة - بالتجديد، ولا سيَّما التجديد العروضي الموسيقي، ولعلَّ هذا الاشتغالَ الواضح على التجديد والتجريب شغَلَه في بعض المواطن عن التحليق والإبهار.

 

دوافع التجديد عند باكثير:

تهيَّأت لباكثير مجموعةٌ من العَوامِل الذاتيَّة والخارجيَّة التي دفعَتْه في طريق التجديد العروضي، وأعانَتْه عليه، ومن ذلك:

1- تمكُّن الشاعر من أدواته العروضية تمكُّنًا قويًّا منذ بدايات حياته الشعرية كما سنرى بعد قليل عندما نعرض لتجربته الشعريَّة في دواوينه المطبوعة والمخطوطة؛ ممَّا يدلُّ على أنَّ هذا الشاعر لم يلجْ عالم الشعر إلا بعد أنْ أتقن أدواته إتقانًا تامًّا، ومنها الوزن والقافية - بأشكالها المختلفة - وهما أساس الشعر.

يقول ابن رشيق -: "الوزن أكبر حد الشعر، وأولاها به خصوصيَّة، وهو مشتملٌ على القافية، وجالبٌ لها بالضرورة"[3].

 

2- اطِّلاع باكثير على الأدب الإنجليزي؛ فقد درسه وتخصَّص فيه، ممَّا أتاح له قراءة إنتاج شعرائه، وتعرَّف على تجاربهم، وما يتمتَّع به هذا الشعر من حريَّة في استعمال الوزن والقافيَّة، أو طرحهما والتخفُّف منهما، على نحوٍ لم تكن تعرفه القصيدة العربيَّة إلا نادرًا؛ إذ على الرغم من معرفة الشعر العربي - عبر رحلته الطويلة - ضُروبًا غير قليلة من التجديد الموسيقي، ظلَّت القصيدة التراثيَّة الموزونة المقفَّاة على قافية واحدة هي النموذج المهيمِن.

 

3- وفي أثناء دِراسة باكثير لهذا الأدب الإنجليزي الذي فتَح أمامَه آفاقًا جديدة، تعرَّض لتجربةٍ شخصيَّة شحذت عنده روح التحدِّي، وقوَّت عزيمته على التجديد والخروج على النمطيِّ السائد، تلك التجربة هي اصطِدامُه مع أستاذه الإنجليزي، الذي كان يُسفِّه تجربةَ الشعر العربيِّ، ويَزعُم أنَّ اللغة العربيَّة لا يمكن أنْ تتَّسع للشعر المرسل الذي يكتُبُه الشعراء الإنجليز، فأجابَه الطالب باكثير بأنَّه لا يوجد ما يَحُول دون إيجاد هذا الضرب من الشعر في اللغة العربية[4]، وعندما نهرَه الأستاذ الإنجليزي وسفَّه رأيَه، تيقَّظتْ في الطالب روح التحدِّي، وعكس ذلك في تطبيقٍ عمليٍّ؛ فراحَ يمارس ذلك بالترجمة أولاً، فترجم "روميو وجوليت"؛ لشكسبير عام (1936م) بالشعر المرسل أي: المتحرر من القافية ولكنه موزون، ومن نموذج ما جاء في هذه المسرحية:

روميو: قَسَمًا بغُرَّة ذلِك الوَجْهِ المُبارَكِ

إذْ يُتَوِّجُ بالسَّنا الفِضيِّ هامَاتِ الشَّجَرْ

جوليت: أَقسِمْ بِغَيْرِ البَدْرِ هذا الكائِنِ الجَمِّ التقلُّبْ

إني لأَخْشَى أنْ يَكُونَ هَواك مثلَهْ

مُتغيِّرًا في كلِّ شهرٍ ما لَهُ أبدًا على حالٍ ثَبات[5]

 

فمن الواضح أنَّ هذا المقطع قد بُنِي على تفعيلة الكامل "متفاعلن" ولم تتساوَ التفعيلات في جميع الأسطر، وتحرَّرت الأسطر الخمسة من القافية الموحدة، وهو نموذج أقرب إلى ما اصطُلِح على تسميته فيما بعدُ بالشعر الحر، وكان باكثير يُسمِّيه الشعر المرسل، وقد استخدم باكثير في ترجمة هذه المسرحيَّة تفعيلة المتدارك كذلك، ثم كتب في عام (1938م) مسرحيَّة"أخناتون ونفرتيتي"، واعتمد في كتابتها على تفعيلة بحر واحد هو المتدارك.

 

وهكذا بدَا باكثير مُتحدِّيًا، غيورًا على اللغة العربيَّة والشعر العربيِّ، مُعتزًّا بهما، مُوقنًا من قُدرتهما على مجاراة أيِّ جديد، والاستجابة لأيِّ مطلب من مطالب الفن، وقد مضى يثبت ذلك عمليًّا، وبإبداعه الخاص، فاندفع في تجاربه التجديدية ليبرهن على ذلك.

 

زِدْ على ذلك أنَّ الدعوات إلى التجديد - لأسبابٍ مختلفة ليس ها هنا مجال البحث فيها - قد بدَأتْ منذ مَطلَع القرن العشرين، وهي دعوات تقودُها طَوائفُ مُتخلِّفة، أفرادًا وجماعات؛ مدرسة المهجر، ومدرسة أبولو، ومدرسة الديوان، وطوائف أخرى.

 

وقد بدأت تظهَرُ محاولاتٌ في الشعر المرسل قام بها رزق الله حسون في سوريا، والزهاوي في العراق، وعبدالرحمن شكري وأحمد زكي أبو شادي في مصر، كما كانت هنالك محاولات في كتابة الشعر نثرًا، وهو ما أُطلِق عليه فيما بعد "الشعر المنثور"، ثم بدأت منذ العقد الثالث من القرن العشرين تجارب ما عُرف بعدَ ذلك بالشعر الحر، كالذي نشره أنور شاؤول عام (1929م)، وغير ذلك من محاولاتٍ سبقت في الكتابة على البحور القصيرة، والمزدوجة، والرباعية وغيرها[6].

 

4- وإلى جانب هذه التجارب التجديديَّة الكثيرة في عَروض الشعر ومُوسيقاه كانت تجربة الشاعر "محمد علي لقمان" صديق باكثير الحميم، وكان يعدُّه في مقام أستاذه، ولا يُستبعد تأثُّره به، وهو يُشِير في أبياتٍ كتبها على ما يبدو ردًّا على رسالةٍ وصلَتْه من صديقه إلى تجديده العروضي قائلاً:

رَأَيْتُ رَسَائِلَكَ الوَافِيَهْ 
عُقُودًا مِنَ الدُّرَرِ الْغَالِيَهْ 
فَشِعْرٌ رَقِيقٌ أَسِيرُ القَوَافِي 
وَشِعْرٌ طَلِيقٌ بِلاَ قَافِيَهْ 
أَفَادَتْ أَخَاكُمْ عُلُومَ الْحَيَاةِ 
لَوَ انَّ لَهُ أُذُنًا وَاعِيَهْ[7] 

 

وواضحٌ أنَّ (باكثير) يشير في هذه الأبيات إلى أنَّ لقمان يُجدِّد في العروض، وهو يكتب شعرًا "أسير القوافي" و"شعرًا طليقًا" متحررًا من القافية.

 

والخلاصة: أنَّ هذه المؤثِّرات الخارجيَّة الحافزة زيادةً على نبوغ باكثير، وموهبته الفذَّة، وتمكُّنه من العروض الخليلي، والإمكانات الهائلة الكامنة فيه، ونزوعه الذاتي إلى التجديد والابتكار - تَفاعَلتْ جميعُها لنجد باكثير ينزع إلى التجديد العَروضي، ويحمل لواءَه، ويكون واحدًا من أبرز رُوَّاده.

 

التجربة العروضيَّة في أزهار الربا:

علي أحمد باكثير شاعرٌ مُتمكِّن من عُلوم العربيَّة تمكُّنًا راسخًا؛ فقد تلقَّى تعليمَه في مدينة "سورابايا" في إندونيسيا؛ حيث وُلِدَ بعيدًا عن وطَنِه الأصلي حضرموت، ودرَس في إحدى المدارس العربيَّة الإسلاميَّة هناك، ثم أرسَلَه والده وهو في سنِّ العاشرة إلى مدينة "سيئون" بحضرموت وطنه، فأكمل هنالك تعليمَه حيث تعهَّده بالرعاية عمُّه العلامة الشيخ "محمد بن محمد باكثير"، ثم استكمَلَ دراستَه في مدرسة النهضة العلميَّة بـ"سيئون"وتخرَّج فيها بتفوُّقٍ جعَلَه أهلاً لأنْ يُعيَّن مديرًا لها عام (1345هـ/1926م)؛ أي: وهو ما يزال ابن ستة عشر ربيعًا، إذا صحَّ ما ذُكِرَ من أنَّ سنة ولادته كانت سنة (1910م).

 

وقد تألَّق الفتى "باكثير" في عُلوم العربيَّة؛ من نحو وصرف وعروض وأدب وبلاغة وغير ذلك، وبدَأ ينظم الشعر وهو ما يَزال فتًى في الثالثة عشرة من عمره[8]، وله قصيدةٌ في رثاء زوجة أبيه كتَبَها في هذه السن[9].

 

لقد قرأت ديوان "أزهار الربا في شعر الصبا" وهو يُمثِّل ما كتَبَه باكثير في حضرموت عندما عاد إليها من إندونيسيا، يُمثِّل الشعر الذي كتَبَه ما بين (1921م - 1932م)؛ أي: وهو صبيٌّ ما بين الحادية عشرة أو الثانية عشرة إلى العشرين أو الثانية والعشرين، وإنَّ الباحث لَيَأخُذه العجب، ويكنُّ تقديرًا عظيمًا لهذا الفتى الذي يشفُّ شعره - منذ هذه الفترة المبكِّرة جدًّا - عن نُبوغٍ واضح، وعن شاعريَّة فذَّة، وعن طبع مُتدفِّق سيَّال يقذف الشعرَ كما ينقذف الماء من قمَّة جبل عالٍ.

 

ولأنَّ هذا البحث مَعنِيٌّ بالوُقوف على الجانب العروضي الموسيقي في شِعر باكثير، فإنَّ ممَّا رصَدَه الباحث من ظواهرَ تتعلَّق بهذا الجانب يمكن تلخيصُها في النقاط التالية:

1- لا نكاد نجدُ في شعر هذه المرحلة ظواهرَ عروضيَّة خارجة على المألوف كما سيكونُ عليه الحال في المراحل القادمة من تجربة باكثير الشعريَّة؛ فهو يمشي على سنن العَروض الخليلي المُتوارَث، ويستخدم ما يجيزُه هذا العَروض من الزِّحَافَات والعلل، ومن البحر التام والمجزوء والمشطور، وما شاكَل، وهو يستخدم في جميع قصائد هذا الديوان ومُقطَّعاته القافية الموحَّدة، باستثناء قصيدة واحدة من الرَّجَز وردت بعنوان "الحكماء والسعادة"، وهي من مشطور الرَّجَز، وجاء كلُّ بيتين فيها على رَوِيٍّ واحد[10].

 

2- يُلاحَظ على قصائد هذه المرحلة غلَبَةُ استعمال البحور التامَّة، وقلَّة اللجوء إلى استِعمال المجزوء أو المنهوك أو المشطور منها، كما ستُبيِّن ذلك الإحصائية التي سنُورِدها بعد قليل.

 

3- يُلاحَظ غنى المادة العروضيَّة التي قام عليها شعرُ هذه المرحلة المبكِّرة من حياة الشاعر؛ فقد استخدم باكثير - كما ستُبيِّن الإحصائية - تسعة عشر شكلاً للبحور الشعريَّة، ما بين تام ومجزوء ومشطور، واحتلَّ بحر الكامل منها المرتبة الأولى في الاستعمال، تلاه الخفيف، فالطويل، فالوافر، فالبسيط، فالمتقارب، فالسريع، فالرمل، ثم المجتث والرَّجَز، فهذه عشرة بحورٍ استُعمِلت في شكلها التام، وأمَّا المجزوء منها فكان ترتيبها - من حيث الكثرة - على النحو التالي: مجزوء الكامل، فمجزوء الخفيف، فمجزوء الرمل، ثم كلٌّ من مجزوء الوافر والمتقارب والرَّجَز بنسبةٍ واحدة، ثم مشطور الرَّجَز، ومخلع البسيط، ومنهوك المتدارك.

 

وهذه إحصائيَّة بالمادة العروضيَّة المستعمَلة في ديوان "أزهار الربا في شعر الصبا":

م

اسم البحر

مرات استعماله

1

الكامل

24

2

الخفيف

23

3

الطويل

22

4

الوافر

17

5

مجزوء الكامل

15

6

مجزوء الخفيف

12

7

البسيط

11

8

المتقارب

10

9

السريع

8

10

الرمل

5

11

مجزوء الرمل

2

12

المجتث

2

13

الرَّجَز

1

14

مجزوء الوافر

1

15

مجزوء المتقارب

1

16

مجزوء الرَّجَز

1

17

مشطور الرَّجَز

1

18

مخلع البسيط

1

19

منهوك المتدارك

1

 

ويُلاحَظ أنَّ (باكثير) قد استَخدَم - وهو في هذه المرحلة المتقدِّمة جدًّا من تجربته الشعريَّة - أغلبَ بحور الشعر العربي، ما كان منها متداولاً وما كان منها قليل التداول، ولم تَغِبْ عن شِعره هذه المرحلة إلا بحور: المنسرح، والمقتضب، والمضارع، والهزج.

 

4- يُلاحَظ وجودُ كسورٍ غير قليلة في قَصائد هذه المرحلة، وقد يكون ذلك عائدًا إلى أكثر من سبب؛ منها: أنَّ (باكثير) - رحمه الله - لم يُصدِر ديوانًا شعريًّا في حياته؛ ممَّا يعني أنَّه لم يُتَحْ له مراجعة ما طبع أو تنقيحه، ومنها أنَّ كثيرًا من شعره لم يُنشر في حياته في صحف أو مجلات، بل جُمِعَ من مُسوَّدات الشاعر وأوراقه الكثيرة التي تركها؛ ممَّا يعني كذلك أنَّ هذه القصائد لَمَّا تكتمل بعد، وتأخُذ شكلها النهائي، ولم ينظُر الشاعر فيها أو ينقحها[11].

 

التجربة العروضيَّة في "سحر عدن":

يُمثِّل شعر هذا الديوان المرحلة الثانية من حياة باكثير، وهو شعرُه في عدن التي قدم إليها من حضرموت عام (1932م)، وأقام فيها حوالي عشرة أشهر، وقد أنتجَتْ هذه الفترة قصائد هذا الديوان "سحر عدن وفخر اليمن".

 

وباكثير ها هنا قد أصبح في الثانية والعشرين من عمره، إذا أخذنا برواية أنَّه ولد سنة (1910م)، وإنْ كان تاريخ الولادة هذا غير دقيق على ما يبدو؛ لأنَّ الشاعر نفسَه يشير في قصيدةٍ له كتبها في سنة (1926م) إلى أنَّه بلغ العشرين، والقصيدة عنوانها (أنا في سن العشرين) وفيها يقول:

انْظُرُونِي فِي عُنْفُوَانِ شَبَابِي 
إِذْ "عَلِيٌّ" فِي سِنِّهِ العِشْرِينَا[12] 

 

ممَّا يعني أنَّه ولد في عام (1906م)[13].

 

وتبدو قصائدُ هذه المرحلة أكثر نُضجًا وفنيَّة من قصائد المرحلة السابقة، على الرغم من عدم افتقاد قصائد مرحلة حضرموت "أزهار الربا" إلى النُّضج كذلك، ولا سيَّما أنَّ الشاعر كان في تلك المرحلة فتى لَمَّا يبلغ العشرين بعدُ.

 

ولكن نبوغ باكثير بدَأ يتوهَّج، وراحَتْ شاعريَّته تتفتَّح يومًا بعد يوم؛ إذ إنَّ هذه الشاعريَّة قد قامت في الأصل على أسس راسخة مكينة، قوامها: موهبة عارمة، وثقافة عربيَّة أصيلة، واطِّلاع عميق على التراث، وخِبرة حياتية اكتسَبَها من سفره وترحُّله عبر البلدان، وما عانى من مُكابَدات وأشواق جعلت شعره مُتوقِّدًا بالعاطفة والمشاعر الجيَّاشة.

 

والتجربة الشعرية في "سحر عدن" بدَتْ لي - كما قلت - أعمق وأنضج وأكثر غنى بالتجارب والأفكار، وبدأت تتَّضِح فيها ملامحُ يسيرة للتجديد الموسيقي، والخروج قليلاً على العروض المألوف، وبدأ باكثير يتفنَّن أكثر من المرحلة السابقة في استثمار طاقات العَروض الخليلي، وتفتيق جوانب إيقاعيَّة فيه.

 

ففي قصيدةٍ نظَمَها في رسم صَدِيقه الحميم محمد علي لقمان[14] نجدُ تشكيلاً عَروضيًّا جديدًا، فهو يُنوِّع فيها في القوافي، ولا يلتزم فيها عددًا واحدًا من التفعيلات، ولا وزنًا واحدًا، وقد تبدو - لِمَن اعتادت أذنه الإيقاع العروضي المألوف - مضطربةَ الوزن، غير منسجمةِ التفعيلات، ولكنَّها - فيما يبدو - محاولةٌ للخروج على الأوزان المألوفة، تبدأ القصيدة بهذين البيتين:

أَيُّهَا الرَّسْمُ تَكَلَّمْ 
مَا الَّذِي يَمْنَعُكَ التَّكَلُّمَا 
وَلِمَاذَا تَتَبَسَّمْ 
وَيْكَ مَنْ عَلَّمَكَ التَّبَسُّمَا 

 

ومن الواضح أنَّ الشطر الثاني في كلٍّ منهما أطول من الأول؛ فالشطر الأول مكوَّن من "فاعلاتن + فاعلاتن" ولكن الشطر الثاني مُكوَّن من ثلاث تفعيلات هي "فاعلاتن + فاعلات + فاعلن"، وكذا البيت الثاني؛ ممَّا يدلُّ على أنَّ هذه القصيدة أقرب إلى القصيدة التفعيليَّة، والأدق - عندئذٍ - كتابتها على شكل سطور متتالية:

أيها الرسمُ تكلِّمْ

ما الذي يمنعُك التكلُّما

ولماذا تتبسَّمْ

وَيْكَ منْ علَّمك التبسُّما؟

 

وإذا كان باكثير قد بدأ قصيدته بتفعيلة الرمل (فاعلاتن) فإنه لا يلتزمها في جميع القصيدة، بل ينتقل إلى تفعيلاتٍ أخرى، فيقول باكثير:

قُلْ لِي أمَا تَتْعبُ؟

مِن أُلُوفِ البَسَمَاتِ

تجدُّ أمْ تَلعَبُ

إذْ تجيلُ النَّظَرَاتِ؟

 

أربعة أسطر، وقد نوَّع باكثير الوزنَ فيها؛ فالسطر الأوَّل قام على تفعيلتي:"مستفعلن + فاعلن"، ولكنَّه انتقل في الثاني إلى "فاعلاتن + فاعلاتن"، وجاء السطر الثالث كالأول، والرابع كالثاني، ولذلك فإنَّ من الخطأ كتابة هذا المقطع على شكل الشطرين؛ لأنَّ من غير المعقول أنْ يكتب الشاعر بيتًا شطره الأول من بحرٍ وشطره الثاني من بحرٍ آخَر، وتمضي القصيدة على هذه الشاكلة:

أَشرَقَ النَّادِي بِنُورِكْ                              فاعلاتن - فاعلاتن

فغَدَوْت البَدْرَ وَهْوَ الفلَكُ                        فعلاتن - فاعلاتن - فعلن

قُل لنا بُورِكت يا رَسْم وبُورِكْ                     فاعلاتن - فاعلاتن - فعلاتن

بَشَرٌ لاحَ لنا أَمْ مَلَكُ؟                           فعلاتن - فعلاتن - فعلن

أَرَدتَ[15] أَنْ تَحكِي                               متفْعلن + فعْلن

فَخْرُنا لُقْمانُ مَنْ حازَ البَيانا                      فاعلاتن+فاعلاتن + فاعلاتن

فارْجِعْ إلى مَكِّي                                 مستفعلن + فعلن

قلْ له هَبْ لِي شُعُورًا وَلِسَانا                     فاعلاتن + فاعلاتن + فعلاتن

أنت لا تَقدِرُ أنْ تخطُبْ                         فاعلاتن+ [فعلاتن+تن = (فعلاتان)]

فانزِلْ مِنَ المِنبَر                                   مستفعلن + فعلن

أنتَ لا تُملِي ولا تَكتُبْ                          فاعلاتن+[فاعلاتن+تن= (فاعلاتان)]

ما المَنظَرُ المخْبِرْ[16] مستفعلن + فعلن

 

وهكذا تمضي هذه القصيدة على الطريقة التفعيليَّة، وقد مزَج فيها باكثير بين بحرين هما: الرمل والرَّجَز، ونوَّع فيها في القافية، وعلى الرغم من أنَّ هذا الانتقال من بحرٍ إلى بحر لم يبدُ في القصيدة مسوغًا، لا فنيًّا ولا موضوعيًّا، فإنَّه يُعدُّ محاولة مبكِّرة جدًّا للخروج على العروض الخليلي وكتابة قصيدة ممَّا أصبح يُعرَف فيما بعدُ بـ"الشعر الحر" أو "شعر التفعيلة".

 

وإذا عرفنا أنَّ هذه القصيدة قد كُتِبتْ سنة (1932م)؛ أي: قبل ما يُسجل لبدر شاكر السيَّاب ونازك الملائكة بخمسة عشر عامًا تقريبًا، فإنَّنا نستطيع أنْ نُسجِّل ريادةً واضحة لعلي أحمد باكثير في كتابة شعر التفعيلة.

 

والواقع أنَّ في ديوان "سحر عدن وفخر اليمن" هذا الذي كُتِب - كما عرفت - في مرحلةٍ مُبكِّرة جدًّا من حياة باكثير تعودُ إلى عام (1932م)، أكثر من قصيدة يبدو فيها التلاعُب العروضي ومحاولة النظم على ضرب من التشكيل العروضي الجديد؛ فقصيدة (الحب والموت)[17] بُنِيتْ على "فاعلن - فاعلاتن":

نَسَفَ اليَأْسُ نَفْسِي 
بَعْدَ مَوْتِ حَبِيبِي 
كُلَّ حِينٍ لِذِكْرَا 
هُ لَظًى فِي جُنُوبِي 
نَارُهَا فِي فُؤَادِي 
دَائِمًا فِي شُبُوبِ 
آهِ أَوَّاهُ يَا رَبْ 
بَاهُ بَرِّدْ لَهِيبِي 
رَبِّ فَرِّجْ هُمُومِي 
رَبِّ وَاكْشِفْ كُرُوبِي 

 

وهو - على ما يبدو - معكوس بحر المديد، وهو بحرٌ مُهمَل، وقد سمَّاه بعض العروضيين "الممتد" أو "الوسيم"[18]، وقد أتى به في هذه القصيدة منهوكًا.

 

وقد يستثمر تقانة التوشيح، كما في "نشيد يوم العقبة" حيث يبنيه على"مجزوء الرَّجَز" أو على مجزوء المشطور "مستفعلن"، فيقول في عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود:

أَقْبَلَ يَوْمُ العَقَبَهْ 
يَوْمَ تُفَكُّ الرَّقَبَةْ 
هَا هُوَ ذَا مَا أقْرَبَهْ 
لَهُ بِحِطِّينَ شَبَهْ 
صَلاحُهُ عَبْدُالعَزِيزْ 
مَاذَا تُجِنُّ السُّحُبُ 
مَاذَا تُكِنُّ الْحُجُبُ 
نَارُ وَغًى تَلْتَهِبُ 
وَأُسْدُ حَرْبٍ تَثِبُ 
لَهَا زَئِيرٌ وَأَزِيزْ 
أَقْبَلَ يَوْمُ العَقَبَهْ 
يَوْمَ تُفَكُّ الرَّقَبَةْ 
هَا هُوَ ذَا مَا أقْرَبَهْ 
لَهُ بِحِطِّينَ شَبَهْ 
صَلاحُهُ عَبْدُالعَزِيزْ 
يَا بَارِقًا ذَا لَمَعَانْ 
يَلْمَعُ فِي أُفْقِ (مَعَانْ) 
كَمْ فِي سَنَاكَ مِنْ مَعَانْ 
مُنْذِرُنَا بِمَعْمَعَانْ 
هَلْ ثَمَّ لِلْبَغْيِ مُجِيزْ؟ 
أَقْبَلَ يَوْمُ العَقَبَهْ 
يَوْمَ تُفَكُّ الرَّقَبَةْ 
هَا هُوَ ذَا مَا أقْرَبَهْ 
لَهُ بِحِطِّينَ شَبَهْ 
صَلاحُهُ عَبْدُالعَزِيزْ[19]

 

وعلى الرغم من أنَّ شعر باكثير مغموسٌ بالروح الغنائيَّة، إلا أنَّه كثيرًا ما يمزجه بالنَّزعة الدراميَّة القصصيَّة، كما في قصيدة "مأساة يهوديَّة أسلمت في عدن" التي تحكي قصَّة جميلة عن يهوديَّة تركت دِينها، ودخلت في دين محمد - صلَّى الله عليه وسلَّم - ثم ما تعرَّضت له من الغَدر والخذلان على يديْ مَن التَجأتْ إليه فِرارًا بدينها، ممَّا جعل اليهود يمسكون بها ثانية[20].

 

إحصائية بالمادة العروضية في ديوان سحر عدن:

م

اسم البحر

مرات استعماله

1

الطويل

9

2

مجزوء الكامل

7

3

الكامل التام

6

4

مجزوء الرَّجَز

4

5

مجزوء الرمل

3

6

الخفيف

3

7

المتقارب

3

8

السريع

3

9

الوافر

2

10

الرمل التام

2

11

البسيط

2

12

مجزوء الخفيف

1

13

مجزوء الهزج

1

14

المنسرح

1

15

مشطور الرَّجَز

1

16

الممتد "بحر مهمل"

1

 

ومن الواضح من هذه الإحصائيَّة حول المادة العروضيَّة في ديوان "سحر عدن وفخر اليمن" غِنَى هذه المادَّة، واستيفاؤها مُعظَم بحور الشعر العربي، كما يُلاحَظ كثرة البحور المجزوءة، واستخدام بعض بحور العروض المهمَلة كما رأينا في استخدام "الممتد" وهو معكوس "المديد"، وفي ذلك كله مؤشرات على اشتداد نزعة التلاعُب العَروضي.

 

كما حضرت في هذا الديوان قصيدة (رسم محمد علي لقمان) التي يمكن عدها نموذجًا من الشعر الحر، أو شعر التفعيلة على نحو ما بينَّا قبل قليل.

 

التجربة العروضيَّة في "من وحي ضفاف النيل":

يُمثِّل ديوان "من وحي ضفاف النيل" ما كتَبَه باكثير من الشعر في مصر، حيث ذهَب إليها في رحلته الأخيرة عام (1934م)، وأقام فيها إقامته الدائمة إلى أنْ وافاه الأجل عام (1969م).

 

أقام باكثير في مصر واتَّخذها وطنًا ثانيًا له؛ فدرس في جامعة القاهرة، وتخرَّج في كلية الآداب - قسم اللغة الإنجليزيَّة، وقد اختار تخصُّص الأدب الإنجليزي عن وعيٍ وإدراك؛ حتى يُطعِّم ثقافته العربية بثقافة أجنبية، وحتى يُعمِّق تجربته الشعرية، وتتفتَّق له فيها آفاق جديدة من خلال اطِّلاعه على تجارب الشعراء الإنجليز.

 

نضجت تجربة باكثير في مصر نضجًا واضحًا، واتَّسعت أغراضها وطرائقها؛ فقد وجد الرجل في مصر الأمان والاستقرار، ووجد البيئة الثقافيَّة الغنيَّة، فاحتكَّ بكبار أدباء العربية يومذاك، واطَّلع على تجارب المدارس الأدبيَّة المختلفة، وعلى إبداع دُعاة التجديد الحاملين لواءَه من المتأثِّرين بالثقافات الأجنبيَّة، ولا سيَّما المدرسة الرومانسيَّة الثوريَّة التي تجلَّت تأثيراتها العميقة في أدباء المهجر، وفي مدرسة أبولو، ومدرسة الديوان، وغير هؤلاء وهؤلاء.

 

ونجدُ في ديوان "من وحي ضفاف النيل" - وهو شعر المرحلة المصريَّة - مادَّة عروضيَّة غنيَّة مُتنوِّعة كما في الإحصائية المرافقة.

 

إحصائية بالمادة العروضية في شعر باكثير المصري "من وحي ضفاف النيل"[21]:

م

اسم البحر

مرات وروده

1

الكامل

12

2

الخفيف

11

3

الطويل

9

4

البسيط

6

5

الرمل

6

6

مجزوء الكامل

6

7

السريع

6

8

الرَّجَز

4

9

الهزج

4

10

مجزوء الرَّجَز

3

11

المنسرح

2

12

الوافر

1

13

مجزوء الوافر

1

14

المتقارب

1

15

المجتث

1

16

مجزوء المديد

1

17

مجزوء المتدارك

1

18

مخلع البسيط

1

19

شعر التفعيلة

1

 

ويبدو من الإحصائيَّة ما سبق أنْ عرَفناه من تمكُّن باكثير من عروض الشِّعر العربي، ووفرة المادة الموسيقيَّة التي يُجِيدها، كما يبدو واضحًا حِرصُ باكثير على التنويع الموسيقي، وعلى الابتِداع والتجديد، والتصرُّف في الإيقاع، والخروج على المألوف.

 

والجزء الثاني من هذا الديوان المجموع كله قصائد تتَّجِه إلى التحرُّر من ضغط القافية الموحَّدة؛ فنجد ظاهرة التنويع في هذه القافية، حيث تتحوَّل القصيدة أحيانًا إلى مقاطع ثنائية، أو ثلاثية، أو رباعية... من ذلك مثلاً قصيدة(أغنية النيل)[22] وهي من شعر المرحلة المبكرة (1934م) وقد بنيت على مجزوء الرَّجَز أو منهوكه، وهي ثنائية المقاطع:

يَا جِسْرَ إِسْمَاعِيلْ 
بُورِكْتَ مِنْ جِسْرِ 
أَنْتَ سُوَارُ النِّيلْ 
رُصِّعَ بِالدُّرِّ 
حَلاَّ بِهِ وَازْدَانْ 
مِعْصَمُهُ النَّاعِمْ 
كَأَنَّهُ وَسْنَانْ 
بِالأَمَلِ الْحَالِمْ 

... إلخ.

 

وقد يُبالِغ في الخروج على العروض المألوف؛ فهو مثلاً يبني قصيدة (طال انتظاري)[23] بناءً غنائيًّا شبيهًا ببناء الموشحة، وهو لا يكتفي فيها بالتنويع في القافية، بل يُنوِّع فيها في البحور، وفي عدد التفعيلات، يقول:

طَالَ انْتِظَارِي 
عَزَّ اصْطِبَارِي 
أَوَّاهُ يَا سَاعَةَ الْمَزَارِ 
يَا حَرَّ نَارِي مِنِ انْتِظَارِكْ 

 

هذا مقطع من أربعة أشطُر، ثلاثة أشطر منه على رَوِيِّ الراء المكسورة، ثم يُخْتَم المقطع بشطرٍ رابع يشبه القفلة، وهو من رَوِيٍّ آخَر (الكاف الساكنة)، ولكنَّ الملاحَظ عدم وحدة البحر فيها، فالشطران الأوَّلان من الرَّجَز، والشطران: الثالث والرابع من مخلَّع البسيط (مستفعلن/فاعلن/فعولن)، ولكن الشاعر لا يلتزم هذا النظام في المقطع الثاني من القصيدة، فهو يقول:

هَلْ وَقَفَ الدَّهْرُ عَنْ مَسِيرِهْ 
فَلَمْ يَحِنْ مَوْعِدُ الْحَبِيبِ 
فَمَا لِذَا الْمَاءِ فِي خَرِيرِهْ 
يَجْرِي إِلَى حَقْلِهِ القَرِيبِ 
فَيَشْتَفِي الْحَقْلُ مِنْهُ رَيَّا 

 

هذا مقطعٌ ثانٍ من خمسة أشطر، كلُّها من مخلَّع البسيط، بما فيها الشطر الذي قفَل به المقطع، ولكنْ تنوَّع فيها الروي؛ فالشطران الأول والثالث على رَوِيٍّ، والثاني والرابع على رويٍّ آخر، والخامس القفلة على روي مختلف كذلك، وتمضي القصيدة المكوَّنة من ثلاثة عشر مقطعًا على هذا النظام، يُعاد بعد كلِّ مقطع المقطع الأول نفسه: "طال انتظاري...":

وَمَا لِهَذَا النَّسِيمِ طَلْقَا 
يَسْرِي إِلَى الأَيْكِ وَالغُصُونِ 
يَزُورُ أَحْبَابَهُ وَيَلْقَى 
فَمَا وُقُوفُ الزَّمَانِ دُونِي؟ 
وَلَمْ يَعُقْ عَنْ سِوَايَ لُقْيَا 
طَالْ انْتِظَارِي 
عَزَّ اصْطِبَارِي 
أَوَّاهُ يَا سَاعَةَ الْمَزَارِ 
يَا حَرَّ نَارِي مِنِ انْتِظَارِكْ 

 

ولكنَّ مَقاطِع القصيدة المكوَّنةَ من خمسَة أشطُر لا تمضي على نظامٍ واحد، فحينًا يأتي المقطع على النسق السابق؛ فيكون الشطر الأول والثالث على روي، والثاني والرابع على روي مختلف، والخامس على روي آخَر، وتارةً تأتي أربعة أشطُر من المقطع على روي واحد، والخامس على روي مختلف.

 

إنَّ (باكثير) - على الرغم من تمكُّنه العاتي من العروض التراثي - لا يخضع له خُضوعًا تامًّا، ولا يسلم نفسه لقياده، بل يخرُج عليه ضُروبًا من الخروج على نحو ما رأيت، ويُمارِس حريَّة واسعة في التعامُل مع موسيقا الشعر، وفي صِياغة تفعيلات البحر العروضي صِياغةً تقترب أحيانًا - حتى في تشكيل القصيدة العموديَّة - ممَّا عُرف فيما بعدُ بالشعر الحرِّ، أو شعر التفعيلة كما رأينا في النموذج السابق.

 

تجربة الشعر الحر:

لم يُمارِسْ باكثير كتابةَ الشعر الحرِّ في غير شِعره المسرحي إلا في قَصائد معدودة، ويبدو أنَّ نظام القصيدة الموزونة المقفَّاة بتصرُّفات باكثير الكثيرة، وتوسُّعه في حريَّة استعماله: مجزوءًا، ومنهوكًا، ومشطورًا، ولجوئه إلى المهمل أحيانًا، واعتماده على التنويع في القوافي، وعلى التشطير والتخميس، وغير ذلك من التصرُّف العروضي في نظام القصيدة العمودية - استطاع أنْ يُحقِّق لباكثير القدرةَ على التعبير عن تجاربه الكثيرة المتنوعة، واستجاب لمتطلَّبات فنِّه على النحو الذي يريد.

 

ولذلك لا نجدُ لقصيدة الشعر الحر - في غير شعره المسرحي - إلا حُضورًا يسيرًا لا يَكاد يُذكَر، ويبدو أنَّ (باكثير) لم يجدْ حاجة إلى استخدام نموذج الشعر الحر إلا عندما دفع إلى عالم المسرحية الشعرية: ترجمة أو تأليفًا.

 

في ديوان "من وحي ضفاف النيل" قصيدة تفعيليَّة، صنَّفَها الدكتور محمد أبو بكر حميد - جامع شِعرِه - في جزء الأناشيد، وهي بعنوان (اسلمي أرض الكنانة) وهي مبنيَّة على تفعيلة الرمل "فاعلاتن" منها:

اسْلَمِي أَرْضَ الكِنَانهْ

اسْلَمِي أَرْضَ الجُدُودْ

لك في الشَّرقِ وفي الغَرْبِ مَكانَهْ

ولكِ الأفْلاكُ تَجرِي بالسُّعودْ

مَوطنٌ قال لَهُ الرَّحمنُ كُنْ مَهْدَ الحضاراتِ فَكَانَهْ

وكُنِ المَثْوَى لشَعْبٍ ماجِدِ الآباء جَبَّارِ الجدُودْ

في الوجُودْ

همُّه أنْ يَسُودْ

للمَلِيك... لِلْوَطن... لِلِّواءْ

نَحْنُ جُندٌ للفِداءْ[24]

 

وهي قصيدةٌ لم يذكر تاريخها، ولكنها فيما يبدو تعودُ إلى ما قبل خمسينيَّات القرن العشرين، فهي تشيرُ إلى العهد الملكي في مصر.

 

ويشيرُ الدكتور عبده بدوي إلى أنَّه وجد بين أوراق باكثير الخاصَّة قصيدةً كتبها الشاعر يندِّد فيها بسياسة فرنسا تجاه سوريا ولبنان، وهي تعودُ إلى أربعينيَّات القرن العشرين (1945م)، وقد أرسلها من المنصورة التي كان يعمل فيها إلى صحيفة "أخبار اليوم" في القاهرة، وقال: إنها قصيدة من الشعر المرسل، وهي تقومُ على تفعيلة المتدارك، وتتنوَّع فيها القافية، وهي قصيدة نظميَّة ضعيفة، ومنها المقطع التالي:

اذْهَبِي عنَّا بثَقافَتِك الخانِعَهْ

إنَّ في الدُّنْيا غيرها لثَقافَات حُرَّة وَاسِعَهْ

وَيْلَها! أَأَرادَتْ فَرْضَ ثَقافَتِها بِالسِّلاح؟

فلنُحَطِّم ثَقافَتَها وَالسِّلاحَ مَعا!

وَيْلَها! أَأَرادَتْ فَرْضَ مَصالِحِها بالسِّلاح؟

فلنُحطِّم مَصالِحَها والسِّلاح مَعا!

يَا لُسخرِيَة الأَيَّام!

أَتُهدِّدُنا دَوْلَةٌ في عهد السَّلام

بالسِّلاحِ الَّذي لم تُقاتِل به الأَعْداء

بَلْ ألقَتْ به في الثَّرَى ساعَةَ الْهَيْجاء

لتَصُول بِهِ وتَجُول على مَن أحسَّ لَهَا بالرِّثاء

وأباح لَهَا في مِحنَتِها من مَعُونَته ما تَشَاء

فاشْهَدِي يَا أيَّتُها الدُّنيا هَذِه الدَّوْلَة الباغِيَه!

لَيْتَ شِعْرِي أقاتَلَت الدُّنيا طاغِيَهْ

ليَقُومَ عَلَى إِثْرِهِ طَاغِيَهْ[25]

 

وهناك قصيدةٌ تفعيليَّة طويلة عثر عليها الدكتور محمد أبو بكر حميد بين أوراق باكثير، وقد كُتِبتْ بعد هزيمة (1967م) وألقاها في أحد مؤتمرات الأدباء العرب وعنوانها (إما نكون أو لا نكون) وقد بنيت على تفعيلة الرَّجَز"مستفعلن" وهي أكثر نضجًا من القصيدة السابقة، ومنها:

غَدًا بني قَوْمِي وَمَا أَدْنَى غَدَا

إِمَّا نَكُونُ أَبَدَا

أَوْ لا نَكُونُ أَبَدَا

إمَّا نكونُ أمَّةً مِنْ أعظَمِ الأُمَم

تُرْهِبُنا الدُّنْيَا وَتَرْجُونا القِيَم

ولا يُقال لِلَّذِي نُرِيدُ: لا

ولا يُقال لِلَّذِي نَأبَى: نَعَمْ

تَدفَعُنا الهِمَمْ

لقِمَمٍ بَعْد قِمَمْ

أو يا بَنِي قَومِي نَصِيرُ قصَّةً عَنِ العَدَمْ

تُحكَى كَما تُحْكَى أساطِيرُ إِرَمْ

غَدًا وَمَا أَدْنَى غَدًا لَوْ تَعْلَمون

إِمَّا نَكُونُ أَبَدًا أَوْ لا نَكُونُ أَبَدَا[26]

 

وقد سبق أنْ أشرنا إلى قصيدة (رسم محمد علي لقمان) المنشورة في ديوان "سحر عدن وفخر اليمن"[27] وقلنا: إنها أشبَهُ بشعر التفعيلة، وليست قصيدة عموديَّة كما أُثبِتتْ في الديوان، وهي تعودُ إلى عام (1932م)، وهي عندئذٍ - إذا نسبناها إلى نظام الشعر الحر أو المرسل كما كان يحلو لباكثير أنْ يسميه - تُعَدُّ أقدم محاولة في هذا النموذج من الشعر، وتُعَدُّ هي تجربته الأولى مع الشعر الحر، وإنْ كان باكثير نفسه لم يُلقِ إليها بالاً، ويعدُّ تجربته في "الشعر المرسل" أو الحر قد بدَأت مع المسرحيَّة الشعريَّة عام (1936م).

 

الشعر الحر في تجربة المسرح:

إنَّ تجربة باكثير في الشعر الحر قد تبَلوَرت في المسرح، وقد استخدَمَها في ترجمته مشهدًا من مسرحية "روميو وجوليت" لشكسبير عام (1936م)، وقد اعتمد في هذه الترجمة - كما تقول سلمى الخضراء الجيوسي - "على بضعة بحور، وبنى عمله - كما يقولُ في المقدمة - لا على وحدة البيت الشعري، بل على الجملة الكاملة التي يمكن أنْ يمتدَّ معناها فيشمل بيتين، أو ثلاثة، أو أكثر، تتيح للقارئ القراءة من دون توقُّف حتى ينتهي المعنى مع الجملة"[28].

 

ويصفُ باكثير تجربته هذه بأنها الأولى مع الشعر المرسل، فيقول: "كانت ترجماتي لروميو وجوليت هذه تجربتي الأولى مع قَرْضِ الشعر المرسل على هذا الوجه الذي تَراه في هذا الكتاب، وقد دفعني إلى انتهاجه روحُ شكسبير نفسه، ونمطه في التعبير؛ ممَّا جعلني أعتقد أنَّ ترجمته شعرًا على وَجْهٍ آخَر غير هذا الوجه لا يمكن أنْ تَفِي بهذا الغرَض... والنظم الذي تراه في هذا الكتاب هو مَزِيجٌ من النظم المرسل المنطلق والنظم الحر؛ فهو مرسل من القافية، وهو مرسلٌ لانسيابه بين السُّطور، فالبيت هنا ليس وحدةً، وإنما الوحدة هي الجملة التامَّة المعنى التي قد تستَغرِق بيتين أو ثلاثة أو أكثر، دون أنْ يقف القارئ إلا عند نهايتها، وهي - أي: النظم - حرٌّ كذلك لعدم التزام عددٍ معيَّن من التفعيلات في البيت الواحد"[29].

 

ريادة الشعر الحر:

لستُ من المتحمِّسين إلى اعتبار حركة الشعر الحر فتحًا ذا أهميَّة كُبرَى في تاريخ الشعر العربي، ولا هو ذلك الإنجاز العظيم الذي يستحقُّ المفاخرة والشرف؛ إذ إنَّ هذه الحركة - على الرغم من وُجود جوانب إيجابيَّة فيها لا تُجحَد - كانت في الوقت نفسه بداية إفسادٍ شديد في الشعر العربي؛ فقد رَكِبَها الكثيرون من ضُعَفاء المواهب أو مَعدُوميها، جرَّأهم على ذلك تسميةُ هذا الشعر "حرًّا"؛ ممَّا عنى عند كثيرين منهم انفلاته من أيِّ حدٍّ، وخُروجه على أيِّ قاعدة أو ضابط، فشهدت هذه الحركة إفسادًا لا نظيرَ له في العَروض، واللغة، والإيقاع، والصُّوَر، ناهيك عمَّا دخَلَه من الغموض، والرَّكاكة، والقِيَم الهجينة، والرُّموز الأجنبيَّة، والإسفاف، والفَوضَى في المصطلحات والحُدود والتعريفات[30].

 

وها هو ذا باكثير نفسُه يشيرُ في مقابلةٍ أجرتها معه "مجلة الرسالة" عام (1964م) إلى ما أصاب الشعر الحر من انحرافٍ في القِيَم والتصورات بقوله: "آسف لأنَّ هذا الشعر الحر قد اتَّخذه الشعوبيون والمنحَرِفون عن الخط العربي الإسلامي مَطِيَّة لهم، حتى كاد يصيرُ عنوانًا لهم، وكم أتمنَّى من أعماق قلبي أنْ يظهر "شاعر حر" يضرب على أوتار النفس العربيَّة، ولكني أتلفَّت فلا أجده..."[31].

 

وإذا تجاوَزْنا الكلامَ على أهميَّة هذه الحركة، والإضافة التي قدَّمتها إلى الشعر العربي، وتوقَّفنا عند قضيَّة الريادة، فإنَّ الحق الذي يبدو لنا أنَّ من الصعب إسنادَ الريادة في هذه الحركة إلى شخصٍ بعينه، لقد طال الجدَل حول أوَّل مَن كتب شِعرًا حُرًّا - شعر تفعيلة - وظلَّ شائعًا إلى عهدٍ قريب أنَّ السيَّاب ونازك الملائكة هما رائدا هذا الشعر، حيث نشرت في منتصف الأربعينيَّات من القرن العشرين (1947م) قصيدة (الكوليرا) لنازك، و(هل كان حبًّا؟) للسياب، وكان لهاتين القصيدتين تأثيرٌ كبير؛ إذ قلَّدهما كثيرون، وانطلقت حركة الشعر الحر بعد ذلك عنيفة ضارية تتحدَّى القصيدة التراثيَّة العربيَّة، وتحاول إزاحتها عن الدرب.

 

ولكنَّ البحث الأدبي بدأ يُعِيد النظر في هذه الريادة بعد أنِ اكتُشِفت تجارب تَعُود إلى أقدم من هذا التاريخ بكثير، لقد رأينا (باكثير) مثلاً يكتب في عام (1932م) قصيدة (رسم محمد علي لقمان) على نمط التفعيلة، حيث استعمل تفعيلتي الرمل، والرَّجَز "فاعلاتن/مستفعلن" وهي قصيدةٌ لم يلتفت إليها أحد، ولعلَّ (باكثير) نفسه لم يكن مهتمًّا بها.

 

ويذكُر الدارسون أنَّ أوَّل محاولةٍ لباكثير في الشعر المرسل أو الحر كما عُرِفَ فيما بعدُ، كانت عام (1936م)، حيث ترجم به مسرحية "روميو وجوليت"؛ لشكسبير، التي سبق أنْ توقَّفنا عندها، كما كتب باكثير عام (1938م) مسرحية "أخناتون ونفرتيتي" ونشرت عام (1940م) واعتمد في كتابتها على تفعيلة المتدارك، كما نشر - كما يقول موريه[32] - في "مجلة الرسالة" (1945م) قصيدة بعنوان (نموذج من الشعر المرسل الحر) حمل فيها على فرنسا بسبب سِياستها تجاه العرب بعد الحرب العالمية الثانية، وهي - على ما يبدو - القصيدة التي توقَّفنا عندها، والتي أشار الدكتور عبده بدوي أنَّه وجدها بين أوراق باكثير، ومعها رسالةٌ إلى رئيس تحرير"أخبار اليوم" لينشُرها له، ولعلَّها قد نُشرت فيما بعدُ في "مجلة الرسالة"كما يقول موريه، وهذه القصيدة هي من بحر "المتدارك" كما ذكرنا قبل قليل، وليست من المتقارب كما يقول موريه[33].

 

وقد اعترف السيَّاب نفسُه لباكثير بهذه الأسبقيَّة؛ فذكر أنَّ (باكثير) أوَّل شاعر استخدم الشعر الحر "وهذا ينبئ أنَّ السيَّاب كان متأثرًا به لا شعوريًّا، على الرغم من أنَّ تكتيكه وأسلوبه مختلفان... وقد أشار باكثير في مقدمة الطبعة الثانية لمسرحية "أخناتون ونفرتيتي" إلى ما نسبه السيَّاب إليه، وأبدى اعتزازه بما يقوله عنه من أنَّه أوَّل شاعر استخدم هذا المنهج"[34].

 

ولكنَّ هذه الريادة لباكثير أيضًا غير ثابتة؛ فقد طرح الباحثون اسم أكثر من شاعر عرفت لهم تجارب سابقة في هذا النمط من الشعر الجديد؛ ذكَر الدكتور أحمد مطلوب مثلاً أنَّ هنالك نصًّا عنوانه (بعد موتي) منشورًا في"جريدة العراق" عام (1921م) لشاعرٍ رمَز لاسمه بحرفيِّ (ب.ن)، ويرى الدكتور مطلوب أنَّ هذا أقدم نصٍّ في الشعر الحر[35]، وذكر الدكتور يوسف عز الدين أنَّ للمازني قصيدةً من شعر التفعيلة نشرتها الصحافة في العراق عام (1924م) وهي بعنوان "محاورة" منها:

لم أُكلِّمْهُ وَلكِنْ نَظرَتِي

سأَلَتْه أَيْنَ أمُّك

وَهْوَ يَهذِي علَى عادَتِه

مُنذُ وَلَّتْ كلَّ يومٍ

كلَّ يومٍ...[36]

 

وذكَر موريه "أنَّ أوَّل شاعر عربي كتب شعرًا غير منتظم القافية، وغير منتظم في عدد تفعيلات أبياته هو نقولا فيَّاض سنة 1924م"[37].

 

وذكَر بعضُهم أنَّ الشاعر السوري علي الناصر أصدر ديوانه الأول "الظمأ" عام (1931م) وفيه عدد من قصائد التفعيلة، منها قصيدة (أم كلثوم) وغيرها[38].

 

وذكر دارسون آخرون أسماء أخرى سبقت (باكثير)، وسبقت غيره ممَّن ذُكِرَ إلى كتابة هذا النمط من الشعر الجديد، وفي جميع الأحوال فإنَّ (باكثير) إنْ لم يكن أوَّل مَن كتَبَه فهو - من غير شك - من روَّاده الأوائل الذي قلَّدهم فيه مَن جاء بعدهم من كبار شُعَراء هذا الاتجاه كالسيَّاب وغيره.

 

خاتمة

 

إنَّ تجربة باكثير العروضيَّة تجربة غنيَّة في جميع مَراحلها، وقد بدا فيها شاعرًا مُتمكِّنًا أصيلاً، مُتضلِّعًا من عَروض الشعر العربي وموسيقاه، وقد أتاحت له ثقافته العربيَّة والأجنبيَّة أنْ تكون له بصمات واضحة في التنويع العروضي، وفي التجديد والابتكار، وفي القدرة على تفتيق آفاق جديدة في موسيقا الشعر: وزنًا وقافية وإيقاعًا.

 

وقد استطاع الباحث أنْ يرصد ستة أشكال للقصيدة عند باكثير، هي:

1- شكل القصيدة العمودية التي يلتزم فيها الشاعر وزنًا واحدًا وقافية واحدة.

 

2- شكل القصيدة العمودية التي يلتزم الشاعر فيها وزنًا واحدًا، ولكن تتنوَّع قوافيها من مقطع إلى آخر.

 

وفي إطار هذين الشكلَيْن تتَّخذ القصيدة كذلك أحد النوعين التاليين:

أ- قصيدة البحور التامَّة.

ب- قصيدة البحور القصيرة: مجزوءة، أو مشطورة، أو منهوكة.

 

3- شكل القصيدة العموديَّة التي يتعدَّد فيها الوزن والقافية، كما في قصيدة(سلامة)؛ حيث نهضت هذه القصيدة على ثلاثة أوزان هي: الرَّجَز، والوافر، والطويل، وتعدَّد فيها رويُّ القافية[39].

 

4- شكل القصيدة التي تُشبِه الموشَّحة، حيث يتعدَّد فيها الوزن والقافية، وتقومُ على نظام يشبه نظام الموشحة من حيث القفل والخرجة، وما شاكَل ذلك، وقد مثَّلنا لها بقصيدة (طال انتظاري) التي توقَّفنا عندها طويلاً.

 

5- قصيدة النشيد: وقد جمَع الدكتور محمد أبو بكر حميد الأناشيدَ في جزءٍ خاص من ديوان "من وحي ضِفاف النيل"، مع أنَّ بعض أناشيد هذا الجزء موجود في دواوين باكثير الأخرى التي تعودُ إلى مرحلة سابقة.

 

وتتَّخذ قصيدة النشيد عند باكثير أشكالاً مختلفة: النشيد ذو الوزن الواحد والروي الواحد، النشيد ذو الوزن الواحد والروي المتعدِّد، النشيد ذو الوزن المتعدِّد والروي المتعدِّد، النشيد الذي تطول فيه بعض الأشطر وتقصر الأخرى ضمن الوزن الواحد، كما في نشيد (حرب الفداء)[40] مثلاً، حيث تأتي بدايته على الشكل التالي:

تَصَاعَدِي تَصَاعَدِي يا شُعلَةَ الفِداء

تَصَاعَدِي يا غَضْبَةَ السَّماء

 

فالسطر الأول مُكوَّن من أربع تفعيلات من الرَّجَز، والثاني مُكوَّن من ثلاث تفعيلات فقط.

ومن أشكال النشيد كذلك نشيد قصيدة التفعيلة.

 

6- شكل قصيدة التفعيلة، وقد رأينا أنَّ حضورها - في غير الشعر المسرحي - كان قليلاً.

 

ولم نجدْ بين أيدينا منها - في المراحل المختلفة من شعر باكثير - إلا ثلاث قصائد، وأخرى شبيهة بها، وهي قصيدة (رسم محمد علي لقمان).

 

والواقع أنَّ (باكثير) واضحُ الجرأة على العَروض، لا يخضع لقوانينه - على تمكُّنه منها - دائمًا خُضوعًا تامًّا، بل هو كثير التصرُّف، قادرٌ على تفتيق الجديد، والتصرُّف في الإيقاع، ومحاولة التطويع والتحوير في الأوزان والقوافي من أجل استجابتها للفنِّ المسرحي بشكل خاص؛ ولذلك فإنَّ(باكثير) قد يقَع من أجل ذلك في بعض الكسور والتجاوزات العروضيَّة التي لم يكن يُجِيزُها القُدَماء.



[1] ديوان "أزهار الربا في شعر الصبا" ص10، جمع وتحقيق د. محمد أبو بكر حميد - الدار اليمنية: 1408هـ/1987م.

[2] انظر: "علي أحمد باكثير: شاعرًا غنائيًّا"؛ د. عبده بدوي (حولية كلية الآداب - جامعة الكويت، الحولية الثانية: 1400هـ-1981م) ص7.

[3] "العمدة": 1/134.

[4] "أزهار الربا": ص15.

[5] نقلاً عن "الاتجاهات والحركات في الشعر العربي الحديث"؛ لسلمى الخضراء الجيوسي، ص44.

[6] السابق: ص576، 584.

[7] انظر ديوان "سحر عدن وفخر اليمن" ص66، تحقيق د. محمد أبو بكر حميد.

[8] السابق: ص19.

[9] انظر: الجزء المخطوط من ديوان "أزهار الربا في شعر الصبا" ص2.

[10] السابق: ص109.

[11] انظر بعض هذه الكسور في الصفحات: 74، 75، 86، 93، 108، 133، 171، 210، 214، 229، 246، 247، 232، وغيرها.

[12] ديوان "أزهار الربا في شعر الصبا" ص105.

[13] شكَّ الدكتور محمد أبو بكر حميد كذلك في أنْ تكون ولادته (1910م).

[14] ديوان "سحر عدن وفخر اليمن" ص66، ص107.

[15] في الأصل "أأردت".

[16] ضبطت في الأصل "المخبِّر"، ولا يقوم بها الوزن.

[17] انظر: "سحر عدن": ص60.

[18] انظر: "شرح تحفة الخليل في العروض والقافية"؛ لبعدالحميد الراضي "بغداد: 1388هـ/1968م"، ص24.

[19] "سحر عدن": ص76.

[20] السابق: ص156.

[21] تُمثِّل هذه الإحصائية ما ورد في الأجزاء (1، 2، 4) من ديوان "من وحي ضفاف النيل" المخطوط الذي جمعه وحققه الدكتور محمد أبو بكر حميد.

[22] ديوان "من وحي ضفاف النيل" المخطوط: 2/197.

[23] السابق: 2/260.

[24] ديوان "من وحي ضفاف النيل" 3/305.

[25] نقلاً عن الدكتور عبده بدوي، بحث "علي أحمد باكثير شاعرًا غنائيًّا" ص41.

[26] القصيدة موجودة في دواوينه، وقد قدمها إليَّ الدكتور "محمد أبو بكر حميد" مشكورًا، وقد نُشِرَ جزءٌ منها في كتاب "علي أحمد باكثير من أحلام حضرموت إلى هموم القاهرة" ص113.

[27] ص107.

[28] انظر: "الاتجاهات والحركات في الشعر الحديث": ص582.

[29] انظر: "الشعر العربي الحديث"؛ لموريه: ص290، ترجمة شفيع السيد، وسعد مصلوح.

[30] انظر: "التجديد في الشعر الحديث"؛ ليوسف عز الدين: ص116.

[31] انظر: "علي أحمد باكثير من أحلام حضرموت إلى هموم القاهرة" ص113.

[32] انظر: "الشعر العربي الحديث"؛ س. موريه: ص397.

[33] انظر السابق.

[34] السابق: ص296.

[35] النقد الأدبي الحديث في العراق: ص77 مكتبة الخانجي، القاهرة: 1988م.

[36] انظر: "التجديد في الشعر الحديث" ص129.

[37] "الشعر العربي الحديث": ص296.

[38] انظر: فواز حجو، الأسبوع الأدبي، العدد (1160) تاريخ 25/7/2009م - ص8.

[39] انظر: ديوان "من وحي ضفاف النيل" المخطوط: 2/251.

[40] ديوان "من وحي ضفاف النيل" المخطوط، الجزء الثالث "الأناشيد" ص331.



رابط الموضوع: http://www.alukah.net/Literature_Language/0/33568/#ixzz2UDrxVydw

غاية الموقع.

فواصل بسملة 2012 بسملة متحركة 2012 ,بداية مواضيع متحركة 2012




أحبِّي اللغة يا ابنتي ؛

لأنَّ من يحب يعرف طبع من أحب ,

فإذا أحببتِ اللغة باحت لكِ بأسرارها



الساعات المكتبية



الساعات المكتبية الفصل الدراسي الأول للعام الجامعي 1436/1435هـ

الأحد : الأولي والثانية.الخميس : الأولي والثانية.

http://www.timeanddate.com/worldclock/fullscreen.html?n=214


مفهوم الإرشاد الأكاديمي

 

 

 

 

مفهوم الارشاد الأكاديمي


يمثل الإرشاد الأكاديمي ركنًا أساسيًا ومحوريًا في النظام التعليمي، حيث يعد استجابة موضوعية لمواجهة متغيرات اجتماعية واقتصادية وإنسانية في صلب النظام وفلسفته التربوية، علاوة على كونه يستجيب لحاجات الدارس ليتواصل مع التعليم الجامعي الذي يمثل نمًاء وطنياً ضرورياً لتحقيق متطلبات الذات الإنسانية في الإبداع والتميز.

ويتمثل الإرشاد الأكاديمي في محوري العملية الإرشادية: المؤسسة التعليمية والطالب، ويعزز هذا الدور المرشد الأكاديمي المختص الذي يعمل من خلال وحدة الإرشاد الأكاديمي طيلة السنة الأكاديمية. وتتكامل عملية الإرشاد الأكاديمي بوعي وتفهم جميع أطراف العملية الإرشادية؛ بهدف توجيه الطالب إلى انسب الطرق لاختيار أفضل السبل بهدف تحقيق النجاح المنشود والتكيف مع البيئة الجامعية.

ويتحقق هذا الهدف عن طريق تزويد الطلبة بالمهارات الأكاديمية المتنوعة التي ترفع من تحصيلهم الدراسي ومناقشة طموحاتهم العلمية، كما يتضمن أيضاً توعية الطلبة بلوائح وقوانين الجامعة، كل ذلك من خلال خدمات إرشادية متنوعة كالإرشاد الأكاديمي الفردي والبرامج الإرشادية والاستشارات المختلفة.

كما يساعد الإرشاد الأكاديمي الطلاب علي بلورة أهدافهم واتخاذ القرارات المناسبة المتعلقة بمستقبلهم الأكاديمي والمهني عن طريق الاستفادة القصوى من جميع الإمكانيات والبدائل المتاحة.

ويعمل الإرشاد الأكاديمي باستمرار على تبسيط وتسهيل الإجراءات الإدارية بهدف تقديم أفضل الخدمات وأجودها للطالب في زمن قياسي وفق معايير الجودة الشاملة التي تسعى إليها الكلية في ظل ازدياد وسائل الاستثمار في المشاريع التعليمية والفكرية والبحث العلمي.

أرقام الاتصال

http://faculty.mu.edu.sa/public/uploads/image/20120926/20120926004426_93373.jpg

تليفون العمل :3821

الإيميل:[email protected]

 

يوتيوب للجامعة

 

ويكيبيديا:كيويكس


http://wen.ikipedia.org/wiki/ar:

Wikipedia-logo-v2-en.svg

موقع الجامعة علي تويتر

نظام جسور