د/ عبير عبد الصادق محمد بدوي

أستاذ الأدب المشارك بكلية تربية الزلفي

القضايا الأساسية و

الفصل الثاني

القضايا الإسلامية في شعر "محمود غنيم"

 

المبحث الأول: ممهدات:

المطلب الأول: نبذة مختصرة عن حياة "غنيم":

يُعَدُّ "محمود غنيم" من الشعراء المغمورين، لم يحفل التاريخ بترجمته، أو دراسة مستوفاة لأشعاره، على الرغم من مكانةِ شعره اللُّغوية، وبُعد نظره في تحليل القضايا السياسية والاجتماعية، وقد نقبت - بَحثًا عن ترجمة له - في عدد من الكتب المعاصرة، التي تطرقت للحديث عن شعراء الجيل الماضي، فلم أعثر على شيء، بل إنَّ ديوانيه لم يصدَّرَا بكلمةٍ واحدة عن حياته وظروف عيشه، ويبقى جهد استخلاص بعض ملامح تلك الحياة وهذه الظروف من خلال شعره نفسه.

 

وقد سَطَّر الباحثان: "أحمد عبداللطيف الجدع، وحسني أدهم جرار" بعضَ الكلمات حول حياته في سلسلتهما القيمة: "شعراء الدعوة الإسلامية في العصر الحديث"، أجد نفسي مضطرًّا لنقلها كما هي:

"ولد الشاعر محمود غنيم في الريف المصري في قرية "مليج"، إحدى قرى محافظة "المنوفية" في الثلاثين من نوفمبر عام 1902م، وعاش في أسرة كريمة، تعمل في الزِّراعة والتِّجارة، وتَعلَّم في مدرسة القرية، وحفظ القرآن الكريم في كتَّابها.

 

وفي الثالثة عشرة من عمره، التحقَ بالمعهد الأحمدي بطنطا عام 1915، ومكث فيه أربع سنوات، ثم التحق بمدرسة القضاء الشرعي، وأتَمَّ دراسته الثانوية بالمعاهد الدينية عام 1924، وعين مدرسًا في المدارس الأولية، وفي عام 1925، التحق بدار العلوم، وتخرج فيها عام 1929، وعين مدرسًا في كوم حمادة بمديرية البحيرة، وعاش فيها تسع سنين، نظم خلالَها أعذبَ قصائده وأجملها، وفي عام 1938، نقل إلى القاهرة، واختير مديرًا لمدرسة الأورمان المشهورة، وفي القاهرة عاش "غنيم" مع الشعراء والأدباء ودور النشر والصُّحف والمجلات الأدبية، التي كانت تنشر له إنتاجه الشعري.

 

وتَمَّت ترقيته مفتشًا أول للغة العربية، ثم عميدًا للغة بوزارة التربية والتعليم، واختير عضوًا في لجنة الشعر بالمجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب، ونال جائزة الشعر التشجيعيَّة من الدولة على ديوانه "في ظلال الثورة".

 

وفي الثالث والعشرين من سبتمبر عام 1972م وَدَّع الشاعر الكبير "محمود غنيم" الحياةَ عن سبعين عامًا، قضاها في كفاح طويل، وعاشها أليفًا للمحن وخطوب الأيام، ومضى بِمَوته جيل من الشاعرية والإبداع والرَّصانة، فقد كان في طليعة شعراء العربية وأدبائها فحولةً وأصالة وصدقًا والتزامًا"[1].

 

المطلب الثاني: مكونات غنيم الثقافية، ومكانته الشعرية:

إنَّ اختيارَ شعر "محمود غنيم" نموذجًا لتوظيف "الكلمة" في خدمة"العقيدة" - يقتضي منَّا تتبع معظم الجوانب التي عالجها في ديوانه، وهي جَمَّة ثرة؛ مما ينم عن ثقافة ضافية، تعين في تقصي قدرات الأديب المسلم على الإبداع.

 

و"محمود غنيم" تشرَّب القرآنَ صَغيرًا - كما اتَّضح من ترجمته - ونقش في نفسيته حب الخير والإصلاح، ثم درس في معاهد دينيَّة، تعرف فيها أهَمَّ المبادئ الإسلامية الضرورية.

 

هذه النشأة جِدُّ مفيدة في تكوين الدعاة الأدباء، أو الأدباء الدعاة، فالقرآن هو المصدر الأول الذي ينشأ عنه التصوُّر السليم، وهو - إلى جانب ذلك - مصدرٌ لتنمية حصيلة فكرية سامقة، وأداة لغوية طَيِّعة الناصية، فلا جرم - إذًا - إذا رأينا "محمود غنيم" يَشِبُّ على حب العربية، وتراث العربية، وبلاغة العربية، وتتكون لديه ملكة الشعر الرصين الجذاب، اهتم به منذ يفاعته،"فقد نشأ منذ صغره مفطورًا على الفصاحة، مولعًا بالشعر، كثير القراءة له، قال الشعر وهو في سن السابعة عشرة من عمره"[2].

 

فإذا أضيف إلى كل ذلك سلامةُ التربية الأسرية، التي كانت على قدر من النضج، فإنَّ النظرةَ تكتمل.

 

وقد رزق "غنيم" أبًا محبًّا شغوفًا بالشعر وروايته، حافظًا للكثير منه، حسن الاستشهاد به، كان يحثُّ ولده على حفظ الشعر وتعلمه، رافعًا شعار: "اقرأ تتعلم الفصاحة"[3]، كأنَّه يرى أنَّ الشعر مِفْتاح للنجاح في الحياة، وسبيل إلى تهذيب النفس والسمو بها، وتحصيل الذوق السليم، وما ركب كثير من الناس مهاويَ الشطط، ومنزلقات الزيغ، إلاَّ بسبب فساد الذوق.

 

وتميز "غنيم" كذلك بموهبة فطرية مبدعة، أعان على نَمائها ثقافتُه الأصيلة، التي أخذت من كلِّ شيء بطرف - كما يدل على ذلك تنوُّع موضوعات ديوانيه - ومن ثم، فإن مرد شاعرية غنيم يرجع إلى مكوناته، من ثقافة واسعة متنوعة، وموهبة فطرية، تفاعلت معها أسرار الحياة، فلا عجب وقد تكاملت له عناصر الشاعرية المبدعة.[4].

 

ولقد كان "محمود غنيم" حقيقًا بأن يُمثل الشاعر الرصين الشامخ في عصرنا، وقد شهد له بذلك عددٌ من فحول الأدب والنقد، حتى فضله الكثير على "حافظ إبراهيم"، شاعر النيل الشهير، أما "عبدالمجيد الغزالي"، فيقول: "وعندي أن غنيمًا أرسخ قدمًا من حافظ، وأرفع منه قدرًا، فالمواهب التي تتفاوت عندها أقدار الشعراء، وتتباين منازلهم، يكبر حظُّ غنيم فيها، ويقل نصيب حافظ"[5].

 

و"عبدالمجيد" هذا لا يصدر رأيه عن هوى وتزلف، ولكن عن دِقَّة وتَمحيص، وحسبنا أنه رأيٌ صادرٌ عن شاعر كبير مشهور.

 

وأمَّا "إبراهيم دسوقي أباظة"، فتنطلق نظرته الموضوعية في تفضيل"غنيم" على "حافظ" من جهة شمولية الرؤية التي تَميز بها "غنيم"، والحس المرهف الذي يجعله يستشعر كل شيء في أعماقه، فيعبر عن كل دقيقة في العالم الخارجي، مما ضَعُف التماسه عند "حافظ"، فلا شك أن "حافظًا" شاعر نبيل، لكنَّه لم يلمس كل الجوانب التي لمسها"غنيم"[6]، وأفاض فيها وأحسن التعبير عنها، وتصوير خلجاتها.

 

ويزداد الأمرُ تأكيدًا ووضوحًا إذا ما صدر هذا الرأيُ عن أحد كبار مدرسة المهجر - التي تَميزت بأفكارها النقدية المتطرفة، ونظراتها المميزة للحياة، ثُمَّ النظرة الخاصة لبناء القصيدة، الذي ينزع بشكل مغالًى فيه إلى التحرُّر من النظام العمودي - وهو "توفيق ضعون"، الذي كان يعتبر أنَّ "حافظ إبراهيم" يمثل الذِّروة الشعرية، والشاعر الوحيد الذي يجذبه لقراءة شعره، وبعد مماته، طفق يبحث عن خليفة له، فعثر على "محمود غنيم"، الذي لم تكن تجمعه به أي صلة سابقة، إلا هذه الأشعار التي كانت تنشرها الجرائد والمجلات.

 

يقول "توفيق ضعون": "هذا هو "محمود غنيم"، الذي أقدمه الآن لقراءة العصبة، فخورًا بأنني أقدم شاعرًا مجيدًا، إذا لم يضارع "حافظًا" في أصيله، فهو يُجاريه في ضحاه"[7].

 

ثم يُرجع السببَ في ذلك إلى أنَّ شعره كان شعرًا تصويريًّا "سُداه الدِّقَّة، ولُحمته الأمانة في الأداء، ونزعة حرة، وفكر طليق من سيطرة الأوهام، وخيال واسع يتغلغل في الأعماق، ويكشف الخبايا، ونفس طموحة، لا يكبح جماحَها إلاَّ الإباء المستحب"[8].

 

وتتأكد هذه النظرة عند "ضعون" من منطلق آخر، وهو إيمانه بأنَّ الأوضاعَ البيئية لم تكن لتساعدَ "غنيمًا" وأمثاله على التألُّق والجودة، كمساعدتها"حافظًا"؛ حيث "المجال الرحب، والموحيات، والمستثيرات، وكل ما يفجر الشاعرية، ويبعث الكوامن، ويعين على الإجادة"[9].

 

وهناك عامل أقوى من كل ذلك، يُمكنه أن يوضع في ميزان "محمود غنيم"، وهو معالجته للقضايا من وجهة إسلامية مَحضة، تُمثل نقدًا اجتماعِيًّا موجهًا هادفًا، كما أن شعره خلا من التَّفاهات وسفاسف الأمور، وشطحات الشعراء، نقي الصفحة، بعيد عن الموضوعات الوضيعة - إلاَّ فيما ندر - ورُبَّما التمسنا له الأعذار في النادر كذلك، وهذا قلما تعثر عليه في ديوان شاعر آخر من المعاصرين، وهو كذلك عنصر مشجع في جعل "غنيم" من ممثلي حركة الأدب الإسلامي في العصر الحديث.

 

ونجده يُشيد بالشعر الجيد، الذي يهدف إلى غرض أخلاقي أو اجتماعي، أو تتمثل فيه القدرات الإلهية، والآيات الكونية، الدالة على وجود الله - تعالى - يقول:

الشَّاعِرُ الْمَوْهُوبُ تَقْرَأُ شِعْرَهُ 
فَتَرَى جَمَالَ اللَّهِ فِي أَكْوَانِهِ[10] 

 

ثم هو يقسم الناس - من خلال إيمانه بأهمية الشعر والكتابة والنقد - أقسامًا ثلاثة، أجمَلَها على سبيل الدعابة في قوله:

مَا النَّاسُ إِلاَّ كَاتِبٌ أَوْ شَاعِرٌ 
أَوْ نَاقِدٌ وَسِوَاهُمُ أَصْفَارُ[11] 

 

وهو يرى أن الأديب لا ينفك عن الاتصاف بالأدب:

إِنَّ الْأَدِيبَ كَمَا عَلِمْ 
تَ لِكُلِّ ذِي أَدَبٍ نَسِيبْ[12] 

 

ولعل هذه المكانة الشعرية المشهود له بها، والجرأة على تصوير ومعالجة الأوضاع الاجتماعية، إلى جانب الميزات الأخرى، لعل هذه المكانة جعلته ينظر إلى شاعريته بمنظار التفوُّق على كبار الشعراء، كالفرزدق وجرير:

شُعَرَاءُ مِصْرَ رَعِيَّةٌ 
وَأَنَا لِدَوْلَتِهِمْ أَمِيرْ 
مَدَحُوا الْوَزِيرَ وَإِنَّمَا 
بِالشِّعْرِ يَمْدَحُنِي الْوَزِيرْ 
أَقْسَمْتُ مَا بَلَغَ الْفَرَزْ 
دَقُ مَا بَلَغْتُ وَلاَ جَرِيرْ[13] 

 

وهذا شأن الشعراء، فكلما أحس أحدهم بالتفوق والسبق، خَلَّد ذلك في أشعاره وإن كنا - من وجهة إسلامية - نَخشى على الأديب المسلم من ملامح الرِّياء، أو حب الظهور، وإن كان ذلك غير مقصود في الغالب.

 

وبعد؛ فهذه وقفات موجزة عن المكونات الثقافية للشاعر، وعن الجودة الشعرية التي تَميز بها، ولننتقل إلى تفصيل معالجاته لما يَجري في بيئته، ونظرته لأوضاع المسلمين، وموقفه من كل ذلك.

 

المطلب الثالث: بين يدي الديوان:

اشتمل ديوان "صرخة في وادٍ" على ثمانية وعشرين ومائة نص؛ ما بين قصيدة، وأرجوزة ومقطوعة، شملت الموضوعات الآتية[14]:

1- في الحرب: استغرقت موضوعات الحرب تسعًا من القصائد الطِّوال، امتد زمن نظمها ما بين 11 مارس 1935 إلى 29 مايو 1945.

 

2- في الاجتماع: وقد بلغت القصائد الاجتماعية عشرًا من الطوال كذلك، نظمت ما بين 23 يونيو 1933 إلى 25 فبراير 1945.

 

3- في الوصف: وبلغت القصائد الوصفية أربع عشرة قصيدة، نظمها الشاعر في الحقبة ما بين 10 فبراير 1928 و28 مايو 1941.

 

4- في المرأة: وتحدث عن موضوع المرأة في اثنتي عشرة قصيدة متوسطة، تم نظمها في الحقبة ما بين 1928 و1941.

 

5- عبرات: وهي قصائد ومقطوعات قيلت في رثاء صديق أو تذكُّر ماضٍ حزين، بلغت إحدى عشرة قصيدة ومقطوعتين امتدت مُدَّة نظمها من 11 مارس 1934 إلى 1 مارس 1945.

 

6- تحيات: في مدح الملك "فاروق"، والتعبير عن رابطة العروبة، وشملت قصائدَ عشرًا وأرجوزة، قيلت في المدة ما بين 26 يوليو 1937 و1944.

 

7- زفرات: حيث عولجت موضوعات اجتماعية في قصائد عشر، ومقطوعات أربع، امتدت خلال 23 نوفمبر 1929 و1942.

 

8- دعابات: وهي قصائد ومقطوعات ضاحكة موجهة إلى الأصدقاء، أو في تناول موضوع هزلي ظريف، هي في إحدى عشرة قصيدة وثلاث مقطوعات، وامتدت مدة نظمها ما بين 21 أبريل 1928 و29 - 12 - 1945.

 

9- متفرقات: وهي موضوعات متفرقة في تسع قصائد، وعشرين مقطوعة، وأرجوزة واحدة، قيلت في المدة ما بين 8 فبراير 1932 و1936.


ومن خلال التقسيم نستنتج ما يلي:

1- أنَّ الديوانَ قيل في المدة ما بين 1928 و1945 على مدى سبع وعشرين سنة، وتشمل المدة التي كان "غنيم" يشتغل فيها مدرسًا في "كوم حمادة" ومدرسة الأورمان، وسنتين من اشتغاله بالتفتيش سنة 1943. وهذه اللفتة مهمة في تَحديد المستوى المادي الذي عرفه "غنيم" في هذه المرحلة؛ لما لذلك من تأثير على شعره.

 

2- أن ما يقارب ثلثي الديوان قيل في الثلاثينِيَّات، وما يقارب الثلثَ قيل في السنوات الخمس بعد 1940م، وأربع قصائد سنة 1928م، وقصيدة واحدة 1929م، وأهمية هذه النقطة تتجلى في معرفةِ أنَّ تفسير بعض الشعر بالبعض الآخر داخلَ الديوان مستساغٌ جدًّا، وأن نظرته للمجتمع في بدايات هذه السنوات تضارع نظرته في أخرياتها، ومن هنا نتمكن من "التحليل الشمولي الاستقرائي" في اطمئنان بالغ.

 

3- إنَّ الديوانَ شَمِلَ موضوعات مُختلفة، عالجت عديدًا من القضايا الاجتماعية والسياسية والعقدية، وهذا من دلائل التفوق والنظرة المتكاملة.

 

4- إنَّ الديوانَ قصائد في معظمه، وحظ المقطوعات يسير جِدًّا، مع أنَّ مناسبات تلك المقطوعات لم تكن لتدفع الشاعرَ إلى تسويد قصائد طوال لتجسيدها وتَصويرها، فهي في الغالب دعابات مَحدودة، أو تسجيلات سريعة لبعض المناسبات.

 

5- إنَّ هذه القصائد كانت طويلة النفس، وصلت إحداها إلى مائة وخمسة أبيات، وجل القصائد فوق الستين بيتًا، ويدل ذلك على طول نفس الشاعر، وعلى معالجته للموضوع معالجةً ضافية وافية.

 

6- إن قصائد الديوان توزع نشرها على أهَمِّ الصحف التي كانت تَملأ السوق آنذاك، وفي مقدمتها "الأهرام"، ثم "الرسالة"، ثم "السياسية"، ثم"الكتاب"، ثم "أبولو"، ثم "البلاغ الأسبوعي"، فـ"الإصلاح الاجتماعي"، وهذا كذلك له دلالته في أنَّ شعر "غنيم" كان يلقى من القَبول ما جعل الصُّحف المشهورة تتلقفه، وتحفل به.

 

وفي ضوء هذه الاستنتاجات، سيكون استعراضنا لبعض المواقف التي حفل بها شعر "محمود غنيم".

 

المبحث الثاني: القضايا العقدية والأخلاقية في شعر محمود غنيم:

المطلب الأول: الحث على التمسك بالعقيدة:

في إطار معالجة هذه القضية، يظهر "محمود غنيم" داعيةً إلى المبادئ الإسلامية، حاثًّا على الأخلاق الفاضلة، مطوعًا موهبته في شحن نفوس المخاطبين بها، ودفعهم إلى التفكير في أوطانهم ومُجتمعاتهم التي غزاها الفساد، واكتسحتها مسحة من الخرافات والبدع، وفنون من الأفكار المُضِلَّة، وألوان من الثقافات الهادمة، فرأى واجبًا عليه أن يستنهض الشعبَ لاعتناق القيم الإسلامية، والرجوع إلى المنبع الصافي.

 

انظر كيف يستحثُّ قومه للتمسُّك بالعقيدة الإسلامية، مُضيفًا إليها التمسُّك باللغة العربية، باعتبارها الأداةَ الرئيسة التي تثبت كِيانَ الأمة، وتُحقق هويتها؛ يقول:

أَبَنِي نِزَارَ وَيَعْرُبٍ أُوصِيكُمُ 
بِذَخِيرَتَيْنِ: الضَّادِ وَالْإِسْلاَمِ[15] 

 

ثُمَّ تراه يُخاطب الشرقَ كله بأسلوبٍ يبعث على التأمُّل في حاله، والدَّعوة إلى التغيير، وذلك عن طريق استحضار الصُّور المشرقة في حياته، التي يَجب أن تعودَ من جديد، وتبسط رداءَها على حضارته؛ يقول:

يَا شَرْقُ يَا مَهْدَ الشَّرَائِعِ رَحْمَةً 
لَكَ مَا لِأَهْلِكَ فِيكَ كَالْأَضْيَافِ 
يَا شَرْقُ أَنْتَ بِكُلِّ شَمْسٍ مَطْلَعٌ 
مَا بَالُ أُفْقِكَ حَالِكَ الْأَسْدَافِ 
أَعْزِزْ عَلَيْنَا أَنْ نَرَاكَ تَئِنُّ مِنْ 
تَقْيِيدِ أَقْدَامٍ وَشَدِّ كِتَافِ 
بَدَأَتْ مِنَ الشَّرْقِ الْحَضَارَةُ سَيْرَهَا 
أَفَمَا لِرِحْلَتِهَا مِنَ اسْتِئْنَافِ[16] 

 

فانظر كيف جعل الحضارةَ تنطلق من الشرق، وتأخذ في السير لَمَّا كانت الأوضاع الحضارية تستمد قُواها من الإسلام، وتعتمد في قوانينها ونَهج سيرها على ما رَسَمه الشرع، في اتِّزان كامل، واطمئنان بالغ، ثم ترى هذه الحضارة قد تنكبت سيرها، واتَّخذت وجهة غير وجهتها، فيطرح التساؤل: "أفما لرحلتها من استئناف؟".

 

وكأنِّي بالشاعر ينبه الغافلين، ويُوقظ الوسنانين، بنقرة على هذا الوطر الحساس، الذي تَجرَّعت الأمة الإسلاميةُ أضرارَه، على أنَّ صيغةَ التساؤل توحي بأنَّ سببَ النهوض يسير، لا تكلُّفَ فيه ولا مَشَقَّة، سوى النظر إلى المعتقد الصحيح، أيامَ كانت الدَّولة باسطة دثارها على مُعظم المعمورة، لا يَحكم إلا الإسلام، ولا يسمح بغيره بديلاً، وذلك الإيمان الذي تغلغل في النفوس، وأشربته كل ذرة من كيان السابقين؛ يقول:

أَقْسَمْتُ مَا كَانَ النَّبِيُّ مُحَمَّدٌ 
بِمُشَعْوِذٍ، كَلاَّ، وَلاَ عَرَّافِ 
لَكِنَّهُ الْإِيمَانُ مَنْ يَظْفَرْ بِهِ 
يَلْقَ الْمَفَاوِزَ سَهْلَةَ الْأَكْنَافِ 

 

ثم يقول:

هَذَا الَّذِي جَعَلَ النَّبِيَّ وَرَهْطَهُ 
إِنْ حَارَبُوا انْتَصَرُوا عَلَى الْأَضْعَافِ 
يُسْتَضْعَفُونَ لِقِلَّةٍ لَكِنَّهُمْ 
بِوُثُوقِهِمْ فِي اللَّهِ غَيْرُ ضِعَافِ[17] 

 

وترى "محمود غنيم" يستقي صورَه هاتِه، إمَّا من القرآن الكريم، أو من أحداث السيرة النبوية، وهذا شأن المسلم الحق، فهو لا يصرف أوقاتَه وأداتَه الفنية في اللهو والعبث، ويَجعلها صَفَدًا يُكبِّل به نفسه ومشاعِرَه، وكأنِّي به لما قال: "ليس محمد بمشعوذ ولا عراف"، نظر إلى الأقوال التي كانت تتماطر كالوابل من طرف المشركين والكفار؛ حيث قالوا مرة: "شاعر"، وقالوا أخرى: "مجنون" وقالوا ثالثة: "شاعر"، وقالوا رابعة: "إنَّه يحكي أساطير الأولين".

 

وعندما قال: "لكنه الإيمان من يظفر به"، استسهل كل العَقَابيل والعراقيل، ونظر إلى قول النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((قل: آمنت بالله، ثم استقم))[18]، وهو سبيل الفوز والنجاح، وكذلك البيت الثالث، ما هو إلاَّ ترجمة لقوله - تعالى -: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: 3]، وقوله - تعالى -: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾ [محمد: 7].

 

وأَنْعِمْ "بالكلمة" إذا كان مصدَرُها الوحي، و"بالدعوة" إن كان أساسُها الحِكْمة النبوية، و"بالنصيحة" إذا كان مرفؤها الاقتداءَ بسيرة السلف الصالح!

 

ثم يتفطن "غنيم" إلى جُملة الأسباب التي أدَّت إلى ضَعْف المسلمين، وتَخلِّيهم عن الزَّعامة، فلَمَّا رأى أن السببَ الرئيس هو تَهافُت كثير من الناس على الشَّهوات الزَّائلة، والنَّزوات الزائفة، وإشباع رغبات الجسد التافهة، انطلقت صيحتُه مدوية، تدعو إلى نبذ هذه الرذائل، والتشبث"بالروح" والقيم العلوية السامية، لكن، ليس عن طريق الأسلوب المباشر، فقد تكون الدعوةُ - حينئذٍ - ضعيفةً مُتهاوية، لكن في قالب فني يَحمل على التأثُّر، ويدفع إلى الانفعال:

صَاحِ دَعِ "الرُّوحَ" وَدَعْ قُدْسَهَا 
نَحْنُ عَبِيدُ الْجَسَدِ الْفَاسِدِ[19] 

 

المطلب الثاني: الأخلاق ودورها في النهوض بالمسلمين:

لم يكن لشاعرنا أن ينسى دَوْرَ الأخلاق في التوجيه والاستقامة، وتَحقيق المقاصد الشرعية من فَنِّ القول، لكنَّ دَعْوَته تنطلق من تبصُّر كامل، مدرك لكل ما يَجري في مُجتمعه، فالناسُ قد عزفوا عن الخُلُق الحسن، وانكبُّوا على الزخارف والقشور، من اعتناء بالمظهر، وجمع للمادة، حتى انعدم - أو كاد - الاهتمامُ بأمور السلوك والأخلاق:

قَدْ يُحْسَدُ الْمَرْءُ عَلَى رِزْقِهِ 
وَلاَ أَرَى لِلْخُلْقِ مِنْ حَاسِدِ 
الْعِلْمُ وَالْأَخْلاَقُ مَا قُدِّسَا 
إِلاَّ لِنَفْعٍ مِنْهُمَا عَائِدِ[20] 

 

المطلب الثالث: معاول هدم:

و"لغنيم" لفتةٌ ذكية إلى كثيرٍ من المعاول التي أخذت في هدم الأُمَّة الإسلامية، وتقويض كيانها، والحيلولة دون مُسايرة الركب الحضاري، وأشدها ضررًا: الاعتناء "بالشعوذة"، والتمسُّح "بالقبور"، والاهتمام"بالمواليد"، والاعتقاد في "الكهانة" و"السحر" وما إلى ذلك.

 

وقد عقد لمعالجة هذه القضية قصيدة مستقلة، تَحدث فيها عمَّا يَجري في أثناء الاحتفال بمولد "السيد البدوي"؛ ليستنتج أنَّ كثيرًا من الناس يغترون بأصحاب العمائم الخضراء، ممن يَدَّعون الزُّهْدَ والتُّقى، وما كان أمرهم إلاَّ هَدْمًا لِحَقيقة الدين، الذي يُبغض صرفَ العبادة لشيء غير الله، من حيث إنَّهم رفعوا شعارَ الإصلاح مَيْنًا ونِفَاقًا، فكان من جراء ذلك أن بسطت الغفلةُ ستارَها على الأذهان، وأسدلت غشاوةً سَميكة على القلوب، فتقدم غيرُنا، وبقي المسلمون كالمقْعَدين الذين لا يستطيعون حولاً ولا حيلة:

لَهْفِي عَلَى بَلَدٍ بِعَا 
دَاتِ الْجُدُودِ مُقَيَّدِ 
جَرَتِ الشُّعُوبُ وَلَمْ يَزَلْ 
بِمَكَانِهِ كَالْمُقْعَدِ 
إِنْ قَادَ بَعْضُ الْمُصْلِحِي 
نَ زَمَانَهُ لَمْ يَنْقَدِ 
وَإِذَا دَعَتْهُ عِمَامَةٌ 
خَضْرَاءُ لَمْ يَتَرَدَّدِ 
بِاسْمِ الصَّلاَحِ يُشَوِّهُو 
نَ مِنَ التُّقَاةِ الزُّهَّدِ[21] 

 

والشاعر عندما يعلن رفضَه لهذه العادات الوضيعة الجاهلية، تراه يرحب بكُلِّ من كان ذا عقيدة صافية، بكُلِّ من تميز بطهارة القلب، ونقاء السريرة، وبُعْدٍ عن كُلِّ رَذيلة وجريرة؛ يقول مُخاطِبًا "الريف":

حَيَّيْتُ فِيكَ الثَّابِتِينَ عَقَائِدًا 
وَالطَّاهِرِينَ سَرَائِرًا وَقُلُوبَا 
وَالذَّاهِبَاتِ إِلَى الْحُقُولِ حَوَاسِرًا 
يَمْشِي الْعَفَافُ وَرَاءَهُنَّ رَقِيبَا[22] 

 

وهذه "الثنائية الضدية" التي عملت في نفسية "غنيم" - كُرهه للقبيح والشر، وحبه للحسن والخير - كان مصدرها "القرآن الكريم" الذي إذا تحدث عن المؤمنين، يردفهم في الغالب بالحديث عن الكافرين والعكس، وكثيرًا ما جاء ذلك في صور "اللف والنشر غير المشوش"، أو في سورة "التقسيم"، كقوله - تعالى -: ﴿قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا * وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا﴾ [الكهف: 87 - 88]، وهي ثنائية قد صحبت الشاعر في كُلِّ مراحل مُعالجته قضايا الأمة، وكأنه يريد أنْ يظهر مَحاسن الشيء عن طريق إظهار مفاسد ضده، وهي طريقة أدائية لطيفة فعالة.

 

المطلب الرابع: صورة الماضي في شعر "محمود غنيم":

للماضي في شعر "محمود غنيم" صورةً ناصعة، مُرتبطة بأمجاد المسلمين وتاريخهم الحافل بالمنجزات العظيمة، حين تَمسكوا بدينهم الذي يُمثل الخيرية المطلقة، ذلك الماضي الذي عاش فيه المسلمون أسْعَدَ الأيام، وأكثرها ازدهارًا وانتصارًا.

 

ويوضح "محمود غنيم" أنَّ الاستفادة من الماضي ليست بدعًا في التاريخ، فالغرب نفسه التفت إلى ماضيه واسترشد به، ووجد في ذلك نفعًا كثيرًا، فكيف بالمسلمين يَزْوَرُّون عن تاريخهم، وينسون ماضِيَهم الزَّاهر، الذي هو سبيل الانطلاق نحو البناء في المستقبل؛ ليرتموا في أحضانِ حضارات أخرى، وثقافات أخرى؟ يقول:

اسْتَرْشَدَ الْغَرْبُ بِالْمَاضِي فَأَرْشَدَهُ 
وَنَحْنُ كَانَ لَنَا مَاضٍ نَسِينَاهُ 
إِنَّا مَشَيْنَا وَرَاءَ الْغَرْبِ نَقْبِسُ مِنْ 
ضِيَائِهِ فَأَصَابَتْنَا شَظَايَاهُ[23] 

 

وكأنِّي "بغنيم" يقصد إلى توبيخ مَن جعلوا الغرب قبلتهم، واستَمَدُّوا منه أنظمتهم وشؤونَ حياتهم كلها، فإن سمحوا لأنفسهم أن يقتدوا به في هذه الأمور، فهلاَّ اقتَدَوْا بهم في الالتفات إلى الماضي كما التفت، واعتبروا بأحداثه، وعملوا على استرجاع مجده وعزته.

 

ودعوة "غنيم" للرجوع إلى الماضي والنظر في أحداثه والعمل على تَمجيده، إنَّما تتجلى ثمرتها في كون هذا الحاضر ما هو إلاَّ انبثاق عنه، وامتداد له، وهو الزاد الأساس الذي نستمد منه القوى، وبتذكره نزداد حماسًا لاستعادته من جهة، وإشفاقًا على هذا الحاضر لتغييره من جهة أخرى:

"مَاضٍ نَعِيشُ عَلَى أَنْقَاضِهِ أُمَمًا 
وَنَسْتَمِدُّ الْقُوَى مِنْ وَحْيِ ذِكْرَاهُ"[24] 

 

وليس يقصد بذلك الدعوة إلى "التواكل" والخِذْلان، وإنَّما يقصد الدعوة إلى العمل على تغيير هذا الحاضر، عن طريق استحضارِ الماضي، لا نُريد أن نستمدَّ منه كيفِيَّةَ العيش مثلاً، أو وسائل المواصلات القديمة، أو ما شابه ذلك، فهذا - لا ريبَ - ضربٌ من الانزوائية الزائدة، وإنَّما نستقي من هذا الماضي الأشياء الكفيلة بتقدُّم الأمة، التي انحصرت في اتِّباع كتاب الله وسنة رسوله، كما قال - عليه الصلاة والسَّلام -: ((إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به، فلن تضلوا أبدًا: كتاب الله وسنة نبيِّه))[25].

 

فالدِّين لا تَجري عليه العوارض من زمان ومكان؛ لأنَّه دين إلهي، مصدره الخالق العالم بأمور عباده، وبما يصلحهم وينصرهم.

 

وتستوقفنا نظرته إلى الجيل الحاضر، هذه النظرةُ المتفائلة، فهو يريد منه أنْ يُضاهي أمجادَ القدامى، من أمثال: معاوية بن أبي سفيان (ابن هند) من حيث الحصانة، والرأي السديد الأصيل، ومن أمثال خالد بن الوليد في شجاعته وقوة عزمه، ذاك الذي أقام الحق، وخذل الكفر، وكان السيف أداته الفَعَّالة في تقويم هؤلاء المخرفين المُتَهَوِّكين.

 

ويريده جيلاً لا يسمح بالعيش في مرافئ الذُّلِّ والهوان، بل يسارع إلى الفداء - إن طلب منه الافتداء - وإلى البذل؛ يقول:

"مَنْ لِي بِجِيلٍ مُسْتَجَدٍّ لَمْ يَرِثْ 
إِلاَّ عَنِ الْجَدِّ الْقَدِيمِ الْأَبْعَدِ 
يَرِثُ (ابْنَ هِنْدٍ) فِي أَصَالَةِ رَأْيِهِ 
أَوْ خَالِدًا فِي عَزْمِهِ الْمُتَوَقَّدِ 
لَمْ يَعْتَدِ الضَّيْمَ الَّذِي نَعْتَادُهُ 
أَهْوِنْ بِكُلِّ أَذًى عَلَى الْمُتَعَوَّدِ 
إِنْ قَامَ يُثْبِتُ حَقَّهُ فَدَلِيلُهُ 
قَصْفُ الْمَدَافِعِ أَوْ صَلِيلُ مُهَنَّدِ 
لاَ خَيْرَ فِي حَقٍّ يُقَالُ وَمَنْطِقٍ 
عَذْبٍ بِحَدِّ السَّيْفِ غَيْرِ مُؤَيَّدِ 
جِيلٍ إِذَا سِيمَ الْهَوَانَ أَبَى وَإِنْ 
يُطْلَبْ إِلَيْهِ الْبَذْلُ لَمْ يَتَرَدَّدِ 
يَهْوَى الْحَيَاةَ طَلِيقَةً وَيَعَافُهَا 
ذُلاًّ وَيُدْعَى لِلْفِدَاءِ فَيَفْتَدِي"[26] 

 

ونَجد "غنيمًا" يذم كلَّ مَن تعلق بأسبابِ الماضي من أجل "الألقاب"والعادات المستحدثة والذِّكْريات دون عمل أو نهوض؛ لأنَّ ذلك يبقى للماضي في قُوَّته، وشموخ صرحه، ويزيد الحاضر ضَعْفًا، وتقويض بناء.

"بِتْنَا نَعِيشُ بِذِكْرَيَاتِ جُدُودِنَا 
هَيْهَاتَ لَيْسَ الْحُرُّ كَالْمُسْتَعْبَدِ 
أَيْنَ الْجِبَالُ مِنَ التِّلاَلِ أَوِ الرُّبَا 
أَيْنَ الْقَوِيُّ مِنَ الضَّعِيفِ الْمُقْعَدِ"[27] 

 

وكذلك قوله:

"كَمْ زُيِّنَ اسْمٌ بِأَلْقَابٍ مُكَدَّسَةٍ 
وَقَدْ تَجَرَّدَ مِنْ زَيْنٍ مُسَمَّاهُ 
شَرُّ الْوَرَى عَقِبٌ أَطْغَاهُمُ لَقَبٌ 
إِذَا سَأَلْتَهُمُ قَالُوا: وَرِثْنَاهُ 
يَتِيهُ بِالْفَضْلِ ذُو فَضْلٍ فَأَمْقُتُهُ 
مَا بَالُ قَوْمٍ بِأَسْلاَفٍ لَهُمْ تَاهُوا"[28] 

 

وتبقى بذور التفاؤل نابتةً في نفس "غنيم"، والأمل مَنشودًا، فلا شيءَ يَمنع من إحلال عيشة الرَّغَد والسَّعادة مَحلَّ النكد والكمد، في ظل الشريعة الإسلامية السَّمْحاء؛ يقول:

"يَا لَيْتَ شِعْرِي يَا هِلاَلُ أَعَائِدٌ 
لِلْمُسْلِمِينَ بِنَصْرِ دِينِ مُحَمَّدِ"[29] 

 

ويقول مخاطبًا الهلال أيضًا:

"وَاعْمُرْ خَرَابَ النَّفْسِ يَا ابْ 
نَ الشَّمْسِ بِالْأَمَلِ الْوَطِيدْ 
أَوْمِضْ عَلَيْنَا وَمْضَةً الْ 
إِيمَانِ فِي لَيْلِ الْجُحُودْ"[30] 

 

وبعد؛ فلعلَّنا وقفنا على السر في تنويه النقاد بمحمود غنيم، بأنَّه من ضمن الشعراء المعاصرين البارزين، الذين مجدوا الماضي، واهتموا بقضيته على نحو ما عرفنا تفصيله، وقد قال الدكتور: "أحمد محمد الحوفي""مجدت الماضي عاتكةُ الخزرجي، ومصطفي جمال الدين، ومحمود حسن إسماعيل، ومحمود غنيم"[31].

 

المبحث الثالث: القضايا والمواقف الاجتماعية:

المطلب الأول: "محمود غنيم" الشاعر الاجتماعي:

هذا هو الميدان الذي أحرز فيه "غنيم" قَصَبَ السَّبْق، وكان موضع إعجاب الكثير من النقاد، ولعل المفاضلة بينه وبين "حافظ إبراهيم"، كان مُنطلقُها من هذه الناحية التي أماطت اللثام عن قدرة "غنيم" في جس نبض المجتمع، وإبراز خفاياه وما يُعانيه، في أسلوبٍ بديع، فهو بِحَقٍّ "شاعر المجتمع الذي يعيش فيه، يصور أفراحَه وأتراحه، ويرسم شؤونَه وشجونه، في إطارات موشاة بصفاءِ خياله، وسَماحة عبارته، ورِقَّة دِيباجته، ودِقَّة سبكه"[32].

 

وقد قال الأديبُ الحجازي الكبير "محمد سعيد العمودي": "الذي لا خلافَ فيه، هو أنه (يعني غنيمًا) شاعر مصر الاجتماعي الأول في هذا الأوان[33]"[34]، ثُمَّ تَحدث عن شهرته، ومدى اهتمام الناس بشعره، وأرجع ذلك إلى الجانب الشَّكْلي؛ من وضوح عبارة، وجَوْدَة أسلوب وما إلى ذلك، وإلى الجانب الموضوعي؛ حيث إنَّ: "الشاعر يكاد ينفرد بين شعراء الجيل الجديد في مصر بأنَّه أكثر اتِّجاهًا إلى موضوعات الاجتماع، وإلى الموضوعات القومِيَّة"[35].

 

ولا ينفرد النُّقادُ بهذا الرأي، بل إنَّ "غنيمًا" نفسه، يؤكد كونه راعى هذه الناحيةَ أيَّ مراعاة، وكأنه عرف أنَّ مَصدر الداء هو هذه الموجات المتلاطمة من العادات والأفكار، والتي تَحتاج إلى استعجالٍ في العلاج أكثر من غيرها، فهو يقول: "على أننا نزعم - مع ذلك - أنَّ ما قرضناه من شعر يُمثِّل للعصر الذي شاءت لنا المقادير أن نعيشَ فيه، تَمثيلاً فيه كثيرٌ من الصدق، وفيه كثير من إبراز سِمَات هذا العصر ومُشَخصاته"[36]، مُنطَلِقًا - في إبداء هذا الرأي - من المقولة المشهورة: "الإنسان ابن بيئته"، يتشخص فيه كثير من مظاهرها، ويتأثَّر بكل ما يجري فيها؛ يقول "غنيم": "لأنَّنا ندين بأن الشعر جزء لا يتجزأ من زمنه وبيئته، وما يُحيط به من المؤثرات، وبأن إنتاجه وليد هذه العوامل مجتمعة"[37].

 

وتتوافر "لغنيم" العوامل؛ ليكونَ شاعِرَ المجتمع الأول بلا منازع، فقد عرفنا ثقافته الواسعة، وموهبته الشفافة، وسرعة إحساسه بالأحداث، وصدق تعبيره عنها، وبخاصة وهو ابن المجتمع، بل ابن البيئة المتواضعة المترصدة لكل الأحداث، وحتى يكون لهذا القول مصداقيته، لندلف إلى النماذج نَجلوها ونقلبها، وسأقتصر على اليسير منها، فالحق أنك كلما طالعتك قصيدة اجتماعية من قصائد الديوان، تداعت عليك الصُّور الاجتماعية تَتْرى، متماثلة في الجمال، متوازية في السموق، تجعل الدارس يحار في الاختيار.

 

المطلب الثاني: حالة غنيم الاجتماعية، واهتمامه بقضية الفقر:

لعل من الصواب أن ندرج لمحة عن واقع الشاعر وحالته الاجتماعية، قبل الإشارة إلى الإحساس الخارجي الذي يعم المجتمع، وأول ما يطالعنا في هذه الخطوة أنَّ الشاعر كان مُمعِنًا في الفقر، تكاد تسمع صدى العوز في كل بيت من أبيات الديوان، فـ"غنيم" كان ناجحًا في حياته، قد بدأ بحفظ القرآن الكريم، ثم الدراسة في المعاهد الدينية، ثم بدأ بمباشرة التعليم منذ سنة 1929م وإلى 1938م، وقد مَرَّ بنا[38] أن تاريخ نظم الديوان كان بين عامي: 1929 و1945م، فيكون قد نظمه وهو يشتغل بالتعليم، على أن السنوات الست الأخر بعد 1939م كان يشتغل فيها بالتفتيش، لكنه لم يكن أيسر حالاً وهو في التفتيش منه في التعليم، وستنطق النماذج بذلك - إن شاء الله تعالى.

 

ولا نشكُّ في أن مجتمع "غنيم" كان يضج بالأحزان، وتضطرب فيه الأحداث السياسية، والعادات الاجتماعية، وقد استنتج ذلك "توفيق ضعون" عن هذا العجز المادي، الذي كان يعيشه "غنيم"، بأنَّ ديوان الرجل كان يعج بأنات آلامه، وحشرجات شكاواه.

 

انظر كيف يصور حالته مع تلاميذه - وهو في إطار التعليم - في أنَّه يعمل على تكوين الأجيال، ويبقى هو في فلكه دون تقدم أو تأخُّر، فيقول:

"يَرْقَى بَنُوه إِلَى الْعلاَ 
وَرُقِيُّهُ أَمَلٌ كَذُوبْ 
سَمَحَتْ بِرَاتِبِهِ خُلُو 
فٌ مَا لَهَا أَبَدًا ثُقُوبْ 
سِيقَ الْعِجَافُ لَهُ وَسِي 
قَ لِغَيْرِهِ الْبَقَرُ الْحَلُوبْ"[39] 

 

وقد عبر "غنيم" عن نقص راتبه بقوله:

"لِمُعَلِّمِ الْوَادِي رَجَا 
ءٌ فِي "نَجِيبٍ" لاَ يُجِيبْ 
لِمَ لاَ وَأَنْتَ بِحَقِّهِ 
فِي كُلِّ آوِنَةٍ تُجِيبْ"[40] 

 

وكذلك كانت حاله عندما صار مفتشًا، لم يغنه التفتيش عن الفاقة، بل لم يسرَّ به مرة واحدة، فاسمع إليه يقول في عنف وقلق:

"وَمَا سَرَّنِي التَّفْتِيشُ حِينَ وَلِيتُهُ 
وَلاَ أَنَا إِنْ وَلَّى عَلَيْهِ بِآسِفِ 
لَقَدْ خِلْتُهُ يُغْنِي عِيَالِي مِنَ الطَّوَى 
فَكَانَ كَمَضْرُوبٍ مِنَ النَّقْدِ زَائِفِ 
وِزَارَةُ مَهْضُومِينَ لَيْسَ بِقَابِضٍ 
فَتًى يَرْتَقِي فِيهَا وَلَيْسَ بِصَارِفِ 
إِذَا قِيلَ: مَنْسِيُّونَ فَتَّشْتُ عَنْهُمُ 
فَلَمْ أَلْقَهُمْ إِلاَّ رِجَالَ الْمَعَارِفِ"[41] 

 

ويتحدث عن راتبه، فيقول في أسلوب هازئ فكه:

"وَلِي رَاتِبٌ كَالْمَاءِ تَحْوِيهِ رَاحَتِي 
فَيَفْلِتُ مِنْ بَيْنِ الْأَصَابِعِ هاَرِبَا 
إِذَا اسْتَأْذَنَ الشَّهْرُ الْتَفَتُّ فَلَمْ أَجِدْ 
إِلَى جَانِبِي إِلاَّ غَرِيمًا مُطَالِبَا"[42] 

 

وتُعَدُّ قصيدته: "كأس تفيض" من القصائد الحزينة التي تبعث الشَّجَن في نفس القارئ، وتَجعله يُعايِن ما كان "غنيم" يُكابِدُه من حرمان وضيق وفقر، نَابعٍ من الوضع الاجتماعي المُزري الذي كانت تعيشه مصر آنذاك، فعَبَّر عنه بقوله:

"لَعَمْرُكَ مَا أَدْرِي عَلَى أَيِّ مَنْطِقٍ 
أُشَاهِدُ فِي مِصْرَ الْحُظُوظَ تُقَسَّمُ 
فَكَمْ رَصَدَ الْأَفْلاَكَ فِي مِصْرَ أَكْمَهٌ 
وَزَلْزَلَ أَعْوَادَ الْمَنَابِرِ أَبْكَمُ"[43] 

 

ثم يقول عن نفسه:

"أَقَمْتُ بِمِصْرَ عَاثِرَ الْحَظِّ سَاكِنًا 
كَمَا سَكَنَتْ أَهْرَامُهَا وَالْمُقَطَّمُ 
وَقَفْتُ مَكَانِي لاَ أَرِيمُ وَأَخْمُصِي 
عَلَى الشَّوْكِ فِي طُولِ السُّرَى تَتَوَرَّمُ 
كَأَنِّي إِطَارٌ دَائِرٌ حَوْلَ نَفْسِهِ 
يَطُولُ بِهِ الْمَسْعَى وَلاَ يَتَقَدَّمُ"[44] 

 

وهكذا تطفح القصيدة برمتها بهذا الأنين والحشرجات المكدرة، كأنَّ الرجلَ بَعير "معبد" استؤصل من المجتمع، أو نفاية مهملة، ليس لها في المجتمع أي قرار.

 

وخرج الشاعر في يوم ماطر ببلدة "كوم حمادة"، فداهمته سيارة تقذف عجلاتها مياهَ المطر على المارة، وكان الشاعر ممن أصيبوا، يقول واصفًا هذا الموقف:

"وَبَيْنَمَا نَحْنُ نَجُوزُ حَارَةْ 
إِذْ دَهَمَتْنَا عِنْدَهَا سَيَّارَةْ 
تَنْطَلِقُ انْطِلاَقَ سَهْمٍ مَارِقِ 
سَابِحَةً فِي ضَفَّةِ الزَّوَارِقِ 
تَنضَحُ بِالْمِيَاهِ جَانِبَاهَا 
عَلَى ثِيَابٍ لَيْسَ لِي سِوَاهَا 
فَطَرَّزَتْ إِذْ ذَاكَ مِنْ ثِيَابِي 
مَا أَخْطَأَتْهُ رِيشَةُ السَّحَابِ 
فَقُلْتُ وَيْلٌ لِلْفَقِيرِ الْحَافِي 
مِنَ الْغَنِيِّ الْمُتْرَفِ الْمِتْلاَفِ"[45] 

 

وهكذا تتعدد النماذجُ بين كل أرجاء الدِّيوان، وقد كان لهذا تأثيرُه في تَحديد مَوقفه من كثير من القضايا التي سيأتي ذكرها في حينها - إن شاء الله تعالى.

 

المطلب الثالث: أسباب الضعف المادي في مصر آنذاك:

نجد "غنيمًا" - في هذا الإطار - يكشف النِّقاب عن كثير من الظواهر الاجتماعية التي سادت مصر، وكانت سببًا في حرمان الكثيرين، وانتشار الفقر والشحاذة، ويرى أنَّ مَرَدَّ ذلك ليس إلى قحطٍ مكتسح، أو أرضٍ ضنينة، أو سماء شحيحة، ولكنْ مَرَدُّ ذلك إلى الأطماع والتهافُت على المناصب، ولو دِيسَت في سبيل ذلك حرمة الفقير، وزِيدَ في جوع الطاوي؛ يقول:

"لاَ الْمَاءُ جَفَّ مِنَ الْحِيَاضِ وَلاَ الثَّرَى 
ضَنَّتْ مَنَابِتُهُ عَلَى الزُّرَّاعِ 
لَمْ يَفْقِدِ النَّاسُ الْحُطَامَ وَإِنَّمَا 
قَلَّ الْحُطَامُ بِكَثْرَةِ الْأَطْمَاعِ 
أَفْنَى مَوَارِدَ كُلِّ شَعْبٍ نَاهِضٍ 
جَيْشٌ هَجُومٌ حَوْلَهُ بِدِفَاعِ"[46]

 

وتسببت هذه الأطماع في سوء توزيع المناصب، والارتقاء إليها عبر الغش والخداع:

"لَعَمْرُكَ مَا أَدْرِي عَلَى أَيِّ مَنْطِقٍ 
أُشَاهِدُ فِي مِصْرَ الْحُظُوظَ تُقَسَّمُ"[47] 

 

ثم كان "للوسائط" دورها في تدهور "مالية الدولة"، حتى فقد الصغير حقوقه، وقلَّت الأموال، وانتشر العدم، وما فاز إلا أصحاب "الوسائط"؛ يقول:

مَا لِي أَرَى أَمْوَالَ مِصْرَ كَأَنَّهَا 
بَعْضُ الْحُبُوبِ تُكَالُ بِالْمِكْيَالِ 
حَتَّى إِذَا طَلَبَ الصَّغِيرُ حُقُوقَهُ 
شَكَتِ الْخَزَانَةُ قِلَّةَ الْأَمْوَالِ 
فَازَ السَّعِيدُ بِعَمِّهِ وَبِخَالِهِ 
وَفَقَدْتُ عَمِّي فِي الْحَيَاةِ وَخَالِي 

 

ويتطرق "غنيم" - كذلك - إلى ظاهرة الغلاء، التي اجتاحت مصر آنذاك، ووصف حالة الموظفين في سخرية طريفة، وأسلوب لطيف:

ثَقُلَتْ وَطْأَةُ الْغَلاَءِ فَحَلَّتْ 
لِكِبَارِ الْمُوَظَّفِينَ الزَّكَاةُ 
لاَ تَرُومُوا الزَّكَاةَ مِنَّا احْتِسَابًا 
نَحْنُ لاَ أَنْتُمْ بِالْجِيَاعِ الْعُرَاةُ 

 

المطلب الرابع: الأخلاق في المجتمع المصري:

استرعى نظرَ "محمود غنيم" بعضُ الأخلاق الفاسدة التي توطَّنت في نفوس بعض الناس، بشكل جعل هذه الأخلاقَ تطفو على السَّطْح، وتعمل في هدم المجتمع، فدفعته غَيْرَةُ الداعية المسلم، الذي ينافح عن إسلامه وأخلاقه بقلمه وفنه، إلى أن يَجلو هذه المفاسد، وسنقف - إن شاء الله تعالى - على مظهرين اثنين فقط:

الأول: "الرياء":

ويتمثل في تظاهُر بعض الناس بالزهد والورع، مع استبطان غير ذلك، وقد أشار "غنيم" إلى قاعدةٍ جليلة، ذكرها القرآن مَرَّات عند الإبانة عن أحوال بَعضِ الفئات التي تُظهر الورع عند "الفقر" والضَّعف، وعندما ينعم عليهم بالفضل، ينقلب الزهد إلى جحود وكفران؛ يقول "غنيم":

"فَتَّشْتُ بَيْنَ النَّاسِ عَنْ زَاهِدٍ 
فَلَمْ تَقَعْ عَيْنِي عَلَى وَاحِدِ 
مَا أَزْهَدَ الْمَرْءَ إِذَا لَمْ يَجِدْ 
وَأَبْعَدَ الزُّهْدَ عَنِ الْوَاجِدِ"[48] 

 

ثم يرى أنَّ الأرزاق تصل إلى أصحابِها، سواء زهد المرء في الدُّنيا أو لم يفعل، ويعرض بمن يظهر الخشية والورع مكرًا وخداعًا، وهو ما عبر عنه"بالورع الزائد" في قوله:

"سِيَّانِ مَنْ يَسْعَى إِلَى قُوتِهِ 
بِالسَّلْبِ أَوْ بِالْوَرَعِ الزَّائِدِ"[49] 

 

ويزداد المرء ثقة "بمحمود غنيم" عندما يعلم أنَّه لم يكن يدعو إلى نبذ ظاهرة هو غير مقتنع بها، أو ينهى عنها وهو يأتيها، فهو عندما يدعو إلى رفض "الرِّياء"، نجده أبعدَ ما يكون عنه، وقصة شهرته لم تكن وليدة دعاية صحفية، أو منشورات موزعة، مع أنه كان يملك وسيلة ذلك، وإنَّما هو: "من الذين لا يستطيعون تدبير وسائل الدعاية لأنفسهم؛ لأنَّه أكبر من أن يستسيغ الشعوذة والتهريج باسم الفن"[50].

 

وهذه خاصية أخرى من خاصيات الداعية المسلم الأديب.

 

الثاني: "أنصاف الرجال":

هذا عنوان لقصيدةٍ أفردها الشاعر للتنبيه على ظاهرة خطيرة، تفشَّت بين الشباب المصري آنذاك، مُمثلة في تشبه الفتيان بالفتيات، وتقليد الغرب تقليدًا مظلمًا؛ مِمَّا يدفع إلى التخنُّث، ويذهب بالرجولة التي كان من الواجب أن تكون صفةَ هؤلاء الشباب الذين كانوا يعيشون أزمةَ الاستعمار والتخلُّف، فيصور الشاعر ذلك أبدعَ تصوير باعثٍ على ذم هذا الصنف من"أنصاف الرجال" والمخنثين، في أسلوب بديع، شديد التأثير، يقول:

"أَرَى مِنْكُمْ فَرِيقًا حِينَ يَمْشِي 
يَحُكُّ بِأَنْفِهِ ظَهْرَ السَّحَابِ 
تَفَنَّنَ فِي مُحَاكَاةِ الْعَذَارَى 
وَخَالَفَهُنَّ فِي وَضْعِ النِّقَابِ 
وَأَرْسَلَ شَعْرَهُ الْمَضْغُوطَ يَحْكِي 
وَمِيضَ الْبَرْقِ أَوْ لَمْعَ الشَّهَابِ 
تُدَاعِبُهُ الصَّبَا فَيَمُوجُ مَوْجًا 
كَمَا هَبَّ النَّسِيمُ عَلَى الْعُبَابِ 
لَهُ حُلَلٌ تُحَاكِي الطَّيْفَ لَوْنًا 
بِأَزْرَارٍ مِنَ الذَّهَبِ اللُّبَابِ 
وَفِيهَا جِسْمُهُ انْصَبَّ انْصِبَابًا 
فَمَا تَدْرِي الثِّيَابَ مِنَ الْإِهَابِ"[51] 

 

لعمري، إنَّ هذا الوصف، وهذا التمثيل لَهو أشدُّ وَقْعًا على صاحبه من وقع السياط، كلام مثير نفاذ، وتعبير صائب أخَّاذ، وتتبع لدقائق الحركات، ويزاد الأمر تفاقمًا، والوصف استفحالاً، عندما لا تلقى هذه الصيحات صدًى عند هؤلاء، مع أن تفكرَهم في أحوالِهم أكبرُ رادعٍ لهم على ترك هذه العادات الرَّذيلة، وبخاصة إذا عُلِمَ أن معظمهم فاسِدٌ في حياته، ساقط من المجتمع، لا تجده إلا في لائحة المقعدين الذين يعملون على تكثير سواد البطالة، لا يعرف إتقانَ عمل، ولا إبرامَ حساب، ولا يروم النافع الصالح، ولا يريم إلاَّ في دائرة القبائح؛ يقول غنيم:

"وَلَيْسَ بِمُحْكِمٍ عَمَلاً شَرِيفًا 
وَيُحْكِمُ وَضْعَ أَرْبِطَةِ الرِّقَابِ 
وَلاَ يَخْشَى عَلَى شَيْءٍ وَيَخْشَى 
إِذَا ثَارَ الْغُبَارُ عَلَى الثِّيَابِ 
إِذَا خَاطَبْتَهُ فِي غَيْرِ لِينٍ 
تَأَوَّهَ أَوْ تَنَهَّدَ فِي الْخِطَابِ 
وَإِنْ أَرْبَى عَلَى الْعِشْرِينَ مِنْهُمْ 
فَتًى أَمْسَى يُغَالِطُ فِي الْحِسَابِ"[52] 

 

ثم يفصح في آخر القصيدة عن الهدف الأسمى من دَعوته ونصيحته، وهو الخوف من أن ينقلب شبابُ مصر إناثًا، فيُفسح المجالَ أمام الذئاب الجائعة للسطو على خيرات البلد، فيظهر الضَّعف، ويتمكن الخور؛ قال:

"إِذَا الذِّئْبُ اسْتَحَالَ بِمِصْرَ ظَبْيًا 
فَمَنْ يَحْمِي الْبِلاَدَ مِنَ الذِّئَابِ 
بَرِئْتُ مِنَ الْفَتَى يَبْدُو فَتَبْدُو 
عَلَيْهِ نُعُومَةُ الْبِيضِ الْكِعَابِ"[53] 

 

ومن فطانة الشاعر أنَّه استهل القصيدةَ بأسلوب لطيف، يدفع للاستجابة، ويَحتاط من النفور، جاعلاً شباب "مصر" - الذي هذه صفاته - "زينةَ الشباب"؛ لأنه العمدة - بعد الله تعالى - في التقدم بالأمة، ورفع صرحها عاليًا، ثُمَّ يُبيِّن أنَّ دعوته هذه ما هي إلاَّ همس في آذانِ هؤلاء الشباب؛ لعلهم عن هذه العادات يرعوون، وبالنصيحة يرتدعون؛ قال:

"شَبَابَ النِّيلِ يَا زَيْنَ الشَّبَابِ 
وَيَا أَشْبَالَ آسَادٍ غِضَابِ 
مَعِي عُتْبٌ أُوَجِّهُهُ إِلَيْكُمْ 
وَقَدْ تَصْفُو الْمَوَدَّةُ بِالْعِتَابِ"[54] 

 

وهذا أسلوبٌ دعوي عملي جدير بالتقدير؛ لأنَّه مستقى من القرآن الكريم من جهة، ومن سلوك النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - في الدعوة إلى الله - تعالى - من جهة أخرى، وحسبنا أن نقول: إنَّ طريقة الدعوة في هذه القصيدة، مستمدة تعاليمها من قوله - تعالى -: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: 159]، وقوله - تعالى -: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: 125].

 

المطلب الخامس: موقف المسلمين من الحضارة الغربية:

تحمس "غنيم" كثيرًا لهذه القضية، وأطنب في تَحليل جوانبها، وإبراز مفاسد الحضارة الغربية، وما تستهدفه من تَحقيق تَبَعِيَّة الشرق للغرب، وشعور غنيم بوجوب وحدة المسلمين ودفاعهم عن عقيدتهم وأوطانهم، جعله يترجم ذلك في كثيرٍ من قصائد الديوان، تدفعه نفسه الحزينة، ومشاعره المرهفة، وحريته التي تأبى الضَّيْمَ والذل، والارتماء في أحضان الأعداء، وتأبى الاغترارَ بهذه المستحدثات اليسيرة الجدوى، العديدة المضار والمفاسد.

 

حقًّا، لقد جاب الغربُ أعماقَ البحار، وتَجَوَّل في عَنان الفضاء، وقطع الأرض طولاً وعرضًا، ولكن ذلك كله لم يُحقق السعادةَ المرجُوَّة، ولم يُزِحْ كابوسَ المشكلات الجاثي على صدر الإنسانية؛ يقول:

"ذَرَعْتُمُ الْجَوَّ أَشْبَارًا وَأَمْيَالاً 
وَجُبْتُمُ الْبَحْرَ أَعْمَاقًا وَأَطْوَالاَ 
فَهَلْ نَقَصْتُمْ هُمُومَ الْعَيْشِ خَرْدَلَةً 
أَوْ زِدْتُمُ فِي نَعِيمِ الْعَيْشِ مِثْقَالآ[55]

 

ولذلك تفطن إلى أنَّ هذه الحضارة التي بهرت عيونَ الناس، وجَرَوْا يلهثون وراءَها - ما هي في حقيقةِ الأمر إلاَّ عيوبٌ قد سُتِرَت بالخداع والمكر والكيد للمسلمين، فزَيَّنُوها لهم، وأطمعوهم في الأخذ بمعطياتِها، ثم ما لبثت الأيَّام أن أظهرت زينتها، وأماطت اللثام عن بهرجها، وأبدت للعالمين مَساوِئَها؛ يقول:

"قَالُوا: الْحَضَارَةَ، قُلْتُ: أَسْفَرَ وَجْهُهَا 
وَبَدَتْ مَحَاسِنُهَا فَكُنَّ عُيُوبَا[56] 

 

ثم يصور هذا الخواء والزَّيْفَ عن طريق تأليب الناس ضِدَّها، وتَحميسهم للثَّورة عليها، وهو يُعَزِّي المُغْترين أنْ أفَلَتْ هذه الحضارة، وبان عَوارُها للعيان:

"عَزَاءٌ" لَنَا أَنَّ الْحَضَارَةَ أَفْلَسَتْ 
فَرَوْنَقُهَا زَيْفٌ وَمَنْطِقُهَا كِذْبُ 
إِذَا مَا تَمَثَّلْتُ الْحَضَارَةَ خِلْتُهَا 
لُبَاةً لَهَا جَوْفٌ وَلَيْسَ لَهَا قَلْبُ"[57] 

 

وليس هذا ادِّعاء من غنيم، ولا ضربًا من المجازفة، وإنَّما يُقيم على ذلك من الأدلة ما يَجعل المغتر يرتدع، والمنخدع يتفطن، إذا كانا من العقلاء.

 

وأول هذه الأدلة: أنْ لا أحَدَ يشك في أنَّ ما نراه في عالمنا هذا من الدمار والخراب، كانت العلوم الحديثة أكبرَ عاملٍ في تأجيج ناره، وإيقاد أواره، فما أشبهها بالمعول الهدام، وإن كانت - في الظاهر - تتراءى للناظر أنَّها تبني وتُشَيِّد؛ يقول "غنيم":

"هَتَفَ الْخَلْقُ لِلْعُلُومِ زَمَانًا 
وَانْجَلَى بَرْقُهَا فَكَانَ سَرَابَا 
ظَنَّهَا تَعْمُرُ الْوُجُودَ فَكَانَتْ 
مِعْوَلاً يَتْرُكُ الْوُجُودَ خَرَابَا[58] 

 

وقال:

"قَالُوا: تَأَلَّقَ نُورُ الْعِلْمِ قُلْتُ لَهُمْ 
بَلْ نَارُهُ أَصْبَحَتْ تَزْدَادُ إِشْعَالاَ"[59] 

 

وثاني هذه الأدلة أنَّ: هذه الحضارة كانت سببًا في التقتيل السريع، وتقريب المنون من الناس، فهذه المعدات الحربيَّة، كانت وليدةَ الحضارة والعلم، لكنَّ دَوْرَها انحصر في قطع الهامات، وتَخريب المجتمعات؛ قال:

"لاَ كَانَ مُخْتَرِعُ الرَّصَاصِ فَإِنَّهُ 
بَاعَ الْمَنُونَ رَخِيصَةَ الْأَسْعَارِ"[60] 

 

وَقَالَ:

"تَقَدَّمَ مِنْهُ الْمَوْتُ أَيَّ تَقَدُّمٍ 
وَسَارَ بَطِيئًا عَاثِرَ الْقَدَمِ الطِّبُّ"[61] 

 

وقال أيضًا:

"يَا رُبَّ حَرْبٍ بِغَيْرِ الْعِلْمِ مَا اتَّقَدَتْ 
وَرُبَّ جَيْشٍ بِغَيْرِ الْعِلْمِ مَا صَالاَ 
فِي الْمَاءِ وَالْجَوِّ آلاَتٌ مُسَخَّرَةٌ 
تُصَوِّرُ الْمَوْتَ أَلْوَانًا وَأَشْكَالاَ"[62] 

 

وهذه حقيقة واضحة ملموسة، أليست الحروبُ منبتة في مُعظم أرجاء المعمورة، تطحَنُ البشر طَحْنَ الرَّحَى للحَبِّ؟ أليس العالَمُ كله مُهدَّدًا بضغطة زر أحمر؟ أليست المئات من الأرواح الإنسانية تَصْعَد لربها شاكيةً له ظلم العباد؟

 

وثالث الأدلة أنَّ: الحضارة شَكَّلت أحزابًا مناوئة للدين، وهل قامت هذه الحضارة إلاَّ على أنقاضِ الكنيسة في فرنسا؟ فأصبح ينظر إلى الدين - بسبب تصرُّفات رجال الدين الخاطئة - نظرةَ ازدراء وتَهكُّم، ولم تقصر هذه النظرة على الكنيسة وَحْدَها، وإنَّما على كل ما يطلق عليه اسم "الدين".

 

وانتقلت هذه النظرة إلى الأوطان الإسلامية كذلك، وشمخ زَيْفُ الحضارة على يد المبهورين بها، وعلى حساب الدين؛ قال غنيم:

تَحَضَّرَ النَّاسُ حَتَّى مَا لِمَكْرُمَةٍ 
قُدْسٌ لَدَيْهِمْ وَلَكِنْ قَدَّسُوا الْمَالاَ[63] 

 

وقال:

يَدُ السِّيَاسَةِ بِالْأَخْلاَقِ قَدْ عَبَثَتْ 
وَقَوَّضَ الْعِلْمُ صَرْحَ الدِّينِ فَانْهَالاَ[64] 

 

المطلب السادس: بين الشرق والغرب:

وإذ قد تبينت حقيقةُ هذا البريق الزَّائف، الذي يُدعى "حضارة وتقدمًا"، فماذا عسى يكون موقف المسلمين من الغرب، هل هو موقف المنادَدَة والمنافسة، أو أنَّ الشرقَ أبدى ضعفَه وانبهاره وانقيادَه، فانبطح أمام هذا البريق الزائف؟

 

لا شكَّ أن الواقع مؤلم للغاية، فالغفلة قد أطبقت على الشرق، مع معرفتهم بأنَّ العدوَّ الذي يُبجِّلُونه يَحتال لهم في كُلِّ آونة، ويدبر لهم من الخصومات والاستفزازات - ما تبرهن عليه هذه الحروب التي نشاهدها تدور رَحاها بين المسلمين أنفُسِهم؛ قال:

الشَّرْقُ مُضْطَرِبُ الْجَوَانِحِ ثَائِرٌ 
وَالْغَرْبُ يَهْدِرُ كَالْخِضَمِّ الْمُزْبَدِ[65] 

 

ويقتطف الشاعر لقطةً يُحسها كل مسلم في عصرنا الحاضر، ويَحياها في كل حين، وهي هذا "الغزو الحضاري" الدَّخيل، الذي تسرب إلينا حتى في أيسر الأمور، وأدق العادات من مأكل ومشرب وملبس؛ يقول:

"إِنِّي رَأَيْتُ جُيُوشَهُ لَمْ تَغْزُنَا 
فِي الْحَرْبِ بَلْ فِي مَشْرَبٍ وَطَعَامِ"[66] 

 

ثم يثور على التقليد، ناعيًا على الشرق ومؤنبًا، فقد أوشك هذا التقليد أنْ يُصبح عبادةً للغرب؛ لأنه تقليد مطلق، من دون مقاييس ولا نظام؛ يقول:

"يَتَوَسَّمُونَ الْغَرْبَ حَتَّى أَوْشَكُوا 
أَنْ يَعْبُدُوهُ عِبَادَةَ الْأَصْنَامِ 
مَا قَلَّدُوهُمْ مُبْصِرِينَ وَإِنَّمَا 
تَبِعُوا نِظَامَهُمُ بِغَيْرِ نِظَامِ"[67] 

 

وكيف لا يَجرؤ على مثل هذه الصيحات، وهو يعلم عِلْمَ اليقين أنَّ للشرق عاداتِه المميزةَ، ودينَه الذي لا يُساميه دين؛ لأنَّه دين ربِّ العالمين الذي لا يعزب عنه شيء؟ كيف لا يثور وفي الشرق متبجحون، يلهجون باسم"أوروبا"، ويَجعلونها قبلتهم الأولى؟

 

ولعلَّ لفتةَ الشاعر هاتِه تُؤكِّد مدى "الهوس" الفكري الذي كان الشرقُ يضجُّ به، و"الهيستيريا" التي أصابت بعضَ أنصاف المثقَّفين من الكتاب ورائدي الفكر، فرَدَّت أقلامَهم حبيسةَ الثناء على الغرب، وحضارته البراقة، وتقدمه المزيف.

 

ولذلك نجد أنَّ هذه القضية كانت تُقِضُّ مضجعَ "غنيم"، ونراه يرصد قلمَه للحديث عنها كُلَّما عنَّت له مناسبة، وها هو ذا يُؤكد من جديد أنَّ رسالةَ الغرب لم تَجُرَّ على المسلمين سوى الخِذْلان والإذلال، والتبعية والهوان:

"رِسَالَةُ الْغَرْبِ لاَ كَانَتْ رِسَالَتَهُ 
كَمْ سَامَنَا بِاسْمِهَا خَسْفًا وَإِذْلاَلاَ"[68] 

 

ولا يرى "غنيم" بُدًّا من أن يَجهر بتأليبِ الشرق ضِدَّ الغرب، ويدعوه لمُعاداتِه ومُقاطعته، ففي ذلك فلاحُه ونَجاحُه، ورجوعه إلى منبعه الرَّشيد، وأصله العتيد، بادئًا بالدَّعْوة إلى مُقاطعة المنبهرين بالغرب؛ فإن ضررهم أشد، ووقعهم أنكى؛ فهم كالسوس الذي ينخر المجتمع من الدَّاخل؛ يقول:

"إِنِّي أُعِيذُ الشَّرْقَ مِنْ مُتَمَسِّحٍ 
بِالْأَجْنَبِيِّ لِقَوْمِهِ هَدَّامِ"[69] 

 

ثم يرتفع صوتُه بالتحذير من الغرب المستخرب، ومن مكايده ضد "العربية"، وضد العادات الإسلامية الراسخة، ناهيًا عن أن نثقَ فيهم بمستحدثاتهم:

"لاَ تَأْمَنُوا الْمُسْتَعْمِرِينَ فَكَمْ لَهُمْ 
حَرْبٌ تَقَنَّعَ وَجْهُهَا بِسَلاَمِ 
حَرْبٌ عَلَى لُغَةِ الْبِلاَدِ وَعَادِهَا 
لَيْسَتْ تُشَنُّ بِمِدْفَعٍ وَحُسَامِ"[70] 

 

وتطرح قضية أخرى يُصَوِّرُها "غنيم" أعظمَ تصوير، ويُجليها للناس بما يزرع في نفوسهم روحَ الثورة، والمسارعة إلى إيجاد كِيان إسلامي مُستقل، يستمد جذوره من ثوابت الإسلام الخالدة، وتعاليمه السامية المتألقة، وهب افتتان الشرق في الإشادة بمبتكرات الغرب، والتصفيق لـ"معجزاتهم"دون أن يَنْبِسوا بحَرَاك، أو تُوقِظُهم غيرة، بل مَكثوا لا يَملكون سوى السمع والنظر، والإطراء والإعجاب:

"فِي كُلِّ يَوْمٍ نَرَى لِلْغَرْبِ خَارِقَةً 
وَلَيْسَ لِلشَّرْقِ إِلاَّ السَّمْعُ وَالنَّظَرُ 
الْقَوْمُ يَبْتَكِرُونَ "الْمُعْجِزَاتِ" لَنَا 
وَنَحْنُ نَفْتَنُّ فِي إِطْرَاءِ مَا ابْتَكَرُوا"[71] 

 

وَلَم ينسَ "غنيم" أن يتطرق بالحديث إلى هذه النظريات الحديثة، التي انبهر بها الكثير من مُدَّعي العلم والفكر من المسلمين، ورأى أنَّ أعظمها تأثيرًا ورواجًا في مُجتمعه هي نظرية: "النشوء والارتقاء" "لدارون"، فنَبَّه إلى مُخالفتها، واستهزأ من خرمها وتناقُضها وعجزها، مقسمًا الناسَ تُجاهها إلى مُبصرين متفقهين، تَهكموا في وصف النظرية وازدروا بها، وإلى مُتَهَوِّكين معتوهين مُقلدين، جعلوا "دارون" صنمًا مقدسًا:

"لَيْتَ شِعْرِي أَضَلَّ "دَارُوِنُ" بَحْثًا 
حِينَ آخَى الوُحُوشَ وَالْأَنْعَامَا 
قَالَ قَوْمٌ: هَلاَّ شَهِدْنَا ذُبَابًا 
فِي الْحَيَاةِ ارْتَقَى فَصَارَ ذُبَابَا 
وَغَلاَ آخَرُونَ فِيهِ فَقَالُوا 
كَانَ فِي مَذْهَبِ "النُّشُوءِ" إِمَامَا"[72] 

 

ونرى "غنيمًا" يُزري بهذه "الحضارة"، عن طريق الدَّعوة إلى حياة الفطرة دون تكلُّف أو تعقيد، فكَمْ مِنَ الأمور اليسيرة حَمَّلها أدعياءُ التطور والتقدُّم من "الحواشي" والزيادات ما جعلها مُعقدة مشكلة:

"إِنِّي أَرَى النَّاسَ مَا زَادُوا رَفَاهِيَةً 
فِي الْعَيْشِ زَادُوهُ تَعْقِيدًا وَإِشْكَالاَ 
كَمْ هَانَ أَمْرٌ فَقَلَّدْنَاهُ طَائِفَةً 
مِنَ الْحَوَاشِي وَحَمَّلْنَاهُ أَثْقَالاَ"[73] 

 

وَيَزْدَاد بُغض الشاعر للتكلف والتعقيد والاعتناء بالقشور والمظاهر، على حين ازدادَ حُبُّه للطبيعة بما فيها من أنهار وجبال وبِحَار ورمال ذهبية متألقة... يقول:

"أَقْسَمْتُ مَا نَظَرَتْ عَيْنِي بِحَاضِرَةٍ 
كَالرَّمْلِ أَصْفَرَ أَوْ كَالرَّمْلِ سَلْسَالاَ"[74] 

 

ومُتيقنًا أنَّ الآباء والأجداد عاشوا في ظلِّ الطبيعة، في الأرياف، وفي الجبال والصَّحاري، ومع ذلك كانوا أحسن منا حالاً، وأكثر راحةً للبال؛ لأَنَّهم لم يعرفوا هذا التعقيد باسم النظام والقانون، حتى أصبحت أوقات الواحد منا مُجزأة بحسب الأعمال الكثيفة الوافرة؛ يقول:

"يَا طَالَمَا حَدَّثَتْنِي النَّفْسُ قَائِلَةً 
أَنَحْنُ أَنْعَمُ أَمْ أَجْدَادُنَا بَالاَ 
كَانَتْ حَيَاتُهُمُ تُضْفِي بَسَاطَتَهَا 
عَلَيْهِمُ مِنْ هُدُوءِ الْبَالِ سِرْبَالاَ" 

 

ثم يقول:

"قَدَّرْتُمُ الْوَقْتَ تَقْدِيرَ الشَّحِيحِ بِهِ 
فَكِدْتُمُ تَمْلَؤُونَ اللَّيْلَ أَعْمَالاَ"[75] 

 

والحاجِيَّات تطرح نفسَها، فتقضي بذَهاب بَعضِ الناس إلى "أوروبا" أو"أمريكا"، وهنا يَجب التحصُّن بالفكر السديد، والتشبُّع بالعقيدة السليمة، حتى يزدادَ هذا "البعض" نظرًا ثاقبًا، وحصاة نافذة، وأنْ يُحافظ على مكوناته العقدية، وطباعه الإسلامية السليمة، وهذه هي الازدواجية الكفيلة بتحقيق الشخصية المثالية التي تَجمع بين أصالةِ الشرق وحداثة الغرب؛ يقول:

"قَرَوِيٌّ لَمْ يَغْرِسِ الْغَرْبُ فِيهِ 
غَيْرَ عَقْلٍ مُثَقَّفٍ وَحَصَاةِ 
وَرَدَ الْغَرْبَ ثُمَّ عَادَ مِنَ الْغَرْ 
بِ سَلِيمَ الطِّبَاعِ وَالْعَادَاتِ"[76] 

 

ويريد أن يكون العلم المستفاد منهم علمًا نافعًا، قادرًا على القضاء على الخرافات، وإن لم يرتفع شأنه عن كونه معضدًا بحجج مُعينة، وطرق جيدة تضاف إلى الرصيد الذي دل عليه الإسلام؛ قال:

"قَضَتِ الْعُلُومُ عَلَى الْخُرَا 
فَاتِ الْقَضَاءَ الْمُبْرَمَا"[77] 

 

وهنا يطرح "غنيم" الحلَّ للنهوض من هذه الكبوة التي أصابت المسلمين، ويراه كامنًا في الاعتماد على النفس في بناء المجد، واستمداد القوى كلها من الإسلام، الذي هو مصدر قُوانا، وسبيل رفع هذه العالة عنا؛ يقول:

"فَقُلْ لِشَبَابِ النِّيلِ قِيلَةَ نَاصِحٍ 
تَعَافُ لَهُ أَخْلاَقُهُ أَنْ يُوَارَبَا 
إِذَا مِصْرُ لَمْ تَرْفَعْ قَوَاعِدَ مَجْدِهَا 
بِسَاعِدِهَا لَمْ تَقْضِ مِنْهُ الْمَآرِبَا 
وَإِنْ نَكُ فِي كُلِّ الْمَرَافِقِ عَالَةً 
عَلَى غَيْرِنَا عِشْنَا بِمِصْرَ أَجَانِبَا 
أَمَا مِنْ سَبِيلٍ لِلْحَيَاةِ وَغَيْرُنَا 
يَرَى سُبُلاً شَتَّى لَهَا وَمَذَاهِبَا؟"[78] 

 

المطلب السابع: المرأة:

من خلال استقراءِ بعض الدَّوَاوين، يُعْلَم أنَّ المرأةَ غالِبًا ما تُحدث بعضَ التغيير في المجرى العادي، حِيَالَ الموضوعات الأخرى، سواء من حيث المضمون، أم من حيث الشكل، وغنيم واحد ممن اجتذبهم حُسْنُ المرأة وجمالِها، فانطلق شعرُه يتحدث عنها، غاضًّا الطرفَ عن المقومات الأساسية التي تضبط التصور، وتحدُّ من انطلاقة الشعور والوجدان.

 

وفي بعض قصائده - في الديوان - نرى "غنيمًا" ينهج منهج الشعراء العاديين، لكن ليس بمثل ذلك التبجح بالأوصاف الخليعة، والتنقيب عن خفايا الأمور، وإنَّما إعجاب ووصف عاديان، تفاعلت معهما النفس في مرحلة من المراحل، وترجم هذا التفاعُل شعرًا، كتب له أن يعمم في الديوان، على أنَّ نظرته العامة للمرأة نظرة تكريم وتبجيل، فهو يقف في وجه مَن يريد الاستنقاص منها، أو الازدراء بها، فالمرأةُ لها كِيان، ولَها شعور، ولها دَوْرها المشهود في الحياة؛ يقول:

"وَلاَ تَقُلْ هَذِهِ أُنْثَى وَإِنْ ضَعُفَتْ 
أَمَا يُدَبِّرُ مُلْكَ النَّحْلِ أُنْثَاهُ"[79] 

 

ولكَمِ اعْتَزَّ بامرأةٍ أبدت استعدادَها لطبع ديوان أحد أصدقائه الشعراء! واعتبر ذلك مروءة تميزت بها هذه السيدة، وفاقت بها كثيرًا من الرجال:

"أُنْثَى تَفِيضُ مُرُوءَةً 
جَعَلَ الرِّجَالَ لَهَا فِدَا"[80] 

 

ولعل مناط إعجابه، واعتزازه بها - أنَّ مَعروفها اقترن بمجالِ الأدب والشعر، وهو حرفة صاحبنا، فخلد ذلك في شعره قائلاً:

"زَيْنَ النِّسَاءِ بَقِيتِ لِلْ 
أَدَبِ الْمُصَفَّى مَوْرِدَا"[81]

 

ويقول:

"بَصُرْتُ سَيِّدَةً تُقَدْ 
دِرُهُ وَلَمْ أَرَ سَيِّدَا 
ضَرَبَتْ لَنَا الْأَمْثَالَ عَا 
نِيَةً فَمَنْ شَاءَ اقْتَدَى"[82]

 

وهو يرى أنَّ المرأة عنصرٌ من العناصر الأساس الباعثة على الشعر وجودته؛ لأَنَّها مصدرُ الجمال والحسن، كما قال:

"الْحُسْنُ يَمْلِكُ حَبَّاتِ الْقُلُوبِ فَإِنْ 
لَمْ يَمْلِكِ الْحُسْنُ قَلْبًا فَهْوَ صَفْوَانُ 

لَوْلاَ الْجَمَالُ لَمَا كَانَ الْخَيَالُ وَلاَ 
أَوْحَى إِلَى شَاعِرٍ بِالشِّعْرِ شَيْطَانُ"[83] 

 

ويقول:

"لاَ تَقُولِي الشِّعْرَ بَلْ أَوْحِي بِهِ 
أَنْتِ خِصْبٌ لِلْخَيَالِ الْمُجْذَبِ 
إِنَّمَا الشِّعْرُ مُحْبِطٌ فَاسْلَمِي 
وَدَعِي أَمْوَاجَهُ تَقْذِفُ بِي"[84] 

 

وهو - إضافة إلى كل ذلك - يَجعل المرأة أداةً سالبة للُبِّ العاقل، مُحركة لكوامن الشاعر مُرهف الحس، فينطلق شعره في وصف مَحاسنها، وإظهار مَفاتنها، وذلك ما فعله في قصيدته "راقصة"، حين أعجب بامرأة "مصرية"تفوز في مسابقة عالمية للجمال، فسجل هذا الإعجاب في قصيدته "عرش الجمال".

 

وها هنا تتدخل مبادئ "الإسلامية"؛ لتُعْلِنَ حكمها في هذا المنحى الشِّعْري؛ مِمَّا سنفصل فيه القول في حينه - إن شاء الله.

 

المطلب الثامن: المشاعر الأسرية والتنازعان العاطفي والنفسي:

إن من شيم المسلم الحق أنْ تتحَرَّك عاطفتُه نَحْوَ كُلِّ ضَعيف ومُحتاج إلى حنان وإشفاق، وتَزداد هذه العاطفة تأجُّجًا واتِّقادًا في مَوقف العَلاقة بين الأب وابنه، أو الأم وابنها، أو بين الأخ وأخيه، والزَّوج وزوجته، ثم ما يتصل بهذه العلاقات من التنازُع النفسي والعاطفي، فإنَّه يتوقد عند فِقدان أحد الأحبة، أو عند اقتراب وقت وداعٍ أو رَحيل؛ حيث تجد هذه اللحظات الصَّارمة"ذات مساس صادق بأغوار النفس، ونبض الحس، فتنعكس على صفحة الشعر، تَحمل ذوبًا عاطفيًّا، وشحنات نفسية دافقة بالمحبة"[85].

 

وأول ما يواجهنا في شعر "محمود غنيم" - ونَح بصدد معالجة هذه القضية - هذه العاطفة الإسلامية الصادقة إزاء "ابنيه"، اللذين اعتبرهما من أعزِّ وأغلى ما يطيب له، فأفضل ساعة عنده وأطيبها، هي التي يَخلو فيها إليهما، فيداعبهما، ثم يرى الصغير "الفطيم" يهتف: "أبي، أبي"، والرضيع يَحبو نحوه، مستشعرًا حنان أبيه، وفرحًا بقدومه:

"وَأَطْيَبُ سَاعِ الْحَيَاةِ لَدَيَّا 
عَشِيَّةَ أَخْلُو إِلَى وَلَدَيَّا 
إِذَا أَنَا أَقْبَلْتُ يَهْتِفُ بِاسْمِي الْ 
فَطِيمُ وَيَحْبُو الرَّضِيعُ إِلَيَّا"[86] 

 

ثم يُجلِس الرضيعَ في حنان ووداعة إلى جانبه، ويداعب الفطيمَ، فيُجلسه على رُكبتيه في إشفاق ولين:

"فَأُجْلِسُ هَذَا إِلَى جَانِبَيَّا 
وَأُجْلِسُ ذَاكَ عَلَى رُكْبَتَيَّا"[87] 

 

ويتمثَّل تلك اللحظةَ الصَّافية الوديعة، وهو في فصل الشتاء، حينما يبسُط راحتيه على موقد فحم، يدفع به قَرْسَ البَرْد، لكنَّ حنان الأبوة واستشعارَه السرورَ والفرحة - وهو في هذه الحالة - يَجعله يَنْسى مَتاعِبَ الحياة، وكَدَّ العمل، كأنه لم يتعب ولم يكد

"وَأَغْزُو الشِّتَاءَ بِمَوْقِدِ فَحْمٍ 
وَأَبْسُطُ مِنْ فَوْقِهِ رَاحَتَيَّا 
هُنَالِكَ أَنْسَى مَتَاعِبَ يَوْمِي 
كَأَنِّيَ لَمْ أَلْقَ فِي الْيَوْمِ شَيَّا" 

 

والشاعر الفقير البائس يرى الجمالَ في كُلِّ شيء، والمتعةَ في كل حركة، إنَّه يرى نفسه "ملِكًا"، ويرى كوخَه المتواضع قصرًا شامِخًا، بفعل هذا التفاعل العاطفي الذي يُحِسُّه تُجاه ابنيه، فهما السعادة الحقيقية، وهما المتعة المنصفة، بل إنَّ الشاعرَ يُحِسُّ أكْثَرَ من ذلك، يُحِسُّ ابنيه يُغْنيانِه عن كل شيء، حتى عن الطعام والشراب:

"وَأَحْسَبُنِي بَيْنَ طِفْلَيَّ "شَاهًا" 
وَأَحْسَبُ كُوخِيَ "قَصْرًا عَلِيًّا" 
فَكُلُّ طَعَامٍ أَرَاهُ لَذِيذًا 
وَكُلُّ شَرَابٍ أَرَاهُ شَهِيَّا 
وَمَا حَاجَتِي لِغِذَاءٍ وَمَاءٍ 
بِحَسْبِيَ طِفْلاَيَ زَادًا وَرِيًّا"[88] 

 

إنَّها العاطفة الأبوية الحَقَّة المستمدة جذورها من تعاليم الإسلام السمحة، إنَّه الانسجام المطلق، وتَحقيق المودة المطلوبة، وتأتي لحظة المتعة العظيمة، لحظة تَحقيق الكمال العاطفي، والتفاني في الحنين، عندما يقول الأب: "ابني"، ويقول الابن: "أبي"، إنها لحظة السمو بالنفس، وتهذيب الأحاسيس:

"وَأَيَّةُ نَجْوَى كَنَجْوَايَ طِفْلِي 
يَقُولُ "أَبِي"، وَأَقُولُ "بُنَيَّا؟" 

 

 

وهكذا يهون كل فعل يصدر من الابن في عين الأب، ولو كان فيه إتلاف، ولو كان فيه تضييع، فالطفل له منزلة سامقة، وهو باني جيل المستقبل، فلندعُ له اللهَ بالحفظ والبقاء؛ لأَنَّه فلذة الكبد، بل إنَّه في نظر الأب مقلته التي يبصر بها:

"أَيَا ابْنَيَّ أَحْبِبْ بِمَا تُتْلِفَانِ 
وَأَهْوِنْ بِمَا تَكْسِرَانِ عَلَيَّا 
يَصُونُكُمَا اللَّهُ مِنْ حَادِثَاتِ الزْ 
زَمَانِ وَيُبْقِيكُمَا لِي مَلِيَّا 
وَيَكْفِيكُمَا اللَّهُ شَرَّ الْبُكَاءِ 
وَيَحْفَظُ مِنْ وَقْعِهِ أُذُنَيَّا 
أَمِنْ كَبِدِي أَنْتُمَا فَلْذَتَا 
نِ أَمْ أَنْتُمَا حَبَّتَا مُقْلَتَيَّا"[89] 


ونجد "غنيمًا" يقوم بترجمة شعرية لمقطوعة نظمها "جبران خليل جبران"بالإنجليزية، بعد أنْ ترجمها نثرًا "أنطونيوس بشير"، وهي وإن كانت تُمثِّل شريحةً إنسانية مُعينة، لوسط غير الذي عاش فيه الشاعر "غنيم"، إلاَّ أنَّ العمل على ترجمتها شعرًا، وإيرادها في هذا الديوان - دليلٌ واضح على تبني الفكرة، وإيمان منه أن هذه الشريحة الإنسانية نفسها قد عرفها المجتمع المصري، أو على الأقل تَمثلت في بعض جوانبه.

 

والقطعة فيها تخيل لهمس الأم مع ابنتها في الخفاء، فترجم الشاعر الإحساس الذي يُمكن أن يعتري كلاًّ منهما عند الحوار، وكيف تريد كلُّ واحدة أن تثبت حَقَّها في الوجود، فالأم كرهت ابنتها، وجعلتها سببًا في اكتهالها، وانتقاض قواها، ودفعتها غيرتُها إلى أن تحاول سلب ما اجتزأته من عافيتها وفِكْرِها وسهرها في تربيتها، مُعْتبرة ذلك كُلَّه سَعْيًا في نُمُو هذه البنت على حساب صِحَّتها وجهدها، ويبلغ بها الانفعال درجةً تَجعلها تتمنى لو وأدتها، فتخلصت من مزاحمتها:

"قَالَتِ الْأُمُّ: يَا بُنَيَّةُ تَبًّا 
لَكِ تَبًّا مِنْ حَيَّةٍ رَقْطَاءِ 
أَنَا لَوْلاَكِ مَا اكْتَهَلْتُ وَلَكِنْ 
كُنْتُ فِي عُودِ كَاعِبٍ عَذْرَاءِ 
لَكِ رُكْنٌ تَبْنِينَهُ بِانْهِدَامِي 
وَحَيَاةٌ تَفْنِينَهَا بِفَنَائِي 
لَيْتَنِي أَسْتَطِيعُ وَأْدَكِ حَتَّى 
أَحْتَسِي مَا احْتَسَيْتِهُ مِنْ دِمَائِي"[90] 


ثم ينتقل الحوار إلى البنت؛ لتعبر عن شعورها وإحساسها إزاءَ الألم، فتُعيرها بكبر سِنِّها، ودَمامَتِها، وترميها بالأنانية والاستئثار بالعيش، واعتبرتها قيودًا تُكبلها، وتَحجبها عن الانطلاق والالتذاذ بالحياة، ويصل بها الانفعال - هي الأخرى - درجةً تتمنى لو تتخَلَّص فيها من أُمِّها بوَأْدِها، فتستريح:

قَالَتِ الْبِنْتُ: يَا أُمَيْمَةُ تَبًّا 
لَكِ شَمْطَاءَ ذَاتَ وَجْهٍ دَمِيمِ 
كَمْ تُرِيدِينَ أَنْ أَعِيشَ كَمَا كُنْ 
تِ تَعِيشِينَ فِي الزَّمَانِ الْقَدِيمِ 
أَنْتِ غُلٌّ فِي أَخْمُصَيَّ ثَقِيلٌ 
وَحِجَابٌ بَيْنِي وَبَيْنَ النَّعِيمِ 
لَيْتَنِي أَسْتَطِيعُ وَأْدَكِ يَا أُمْ 
مَاهُ حَتَّى أَشُمَّ رِيحَ النَّسِيمِ[91]

 

وهكذا يدور الحوار في "اللاَّوعي"، ويدور صراع خفي، في تَحييز الواحدة للأخرى في دائرة ضيقة، بِحُبِّ تَحقيق الاستقلالية الذَّائبة، واستشعار الكِيان الفردي، المنبثق عن الكيان الآخر، لكنَّه عند حالة الوعي والصَّحْوة تتلاشى هذه الحوادث، ويحضر الحنان الأبوي الخالص؛ ليزيلَ كل عقبة تقف في وجه العاطفة الصادقة، وتزيح كلَّ صخرة تريد إعاقةَ المجرى الطبيعي لبدهِيَّات الأمور، وانتبهت الأمُّ من سباتها، وسُرعان ما اندثر الإحساس الخفي؛ لتحل محله الحقيقة الواضحة، التي تجد مستندًا لها في "العقيدة"، وفي ربط العلاقات الأسرية، انتبهت لتعانقَ ابنتها، ولتعترف أنَّها روحها وراحتها، وأنَّه لولا إحداهما، لَمَا كانت الأخرى:

"صَحَتِ الْأُمُّ بَعْدَ ذَاكَ فَقَالَتْ 
يَا ابْنَتِي يَا حَمَامَتِي عَانِقِينِي 
عَانَقَتْهَا فَتَاتُهَا ثُمَّ قَالَتْ 
أَنْتِ رُوحِي وَرَاحَتِي قَبِّلِينِي"[92] 

 

والنفس بطبعها نَزَّاعة إلى الهوى، تذهب بصاحبها كُلَّ مَذهب، ولا يُحجمها إلاَّ العقل والفطانة، والاتِّزان والاستقامة، وهي أكثرُ ثَوْرَةً وعنفوانًا في حالة فَقْدِ مَن يَصْعُب فراقهم من الأقرباء والأصدقاء، ولكَمْ تَحدث الشعراء في هذا الإطار! فأبدى بعضُهم تذمُّرَه من القضاء، وتضجره من الموت الذي يسلب - في نظر هذا البعض - الأحباب سلبًا، ويُرديهم إلى عالَم الفناء والصَّمْت، وما درى هؤلاء - لضعف الوازع الديني - أنَّ مِن مُستلزمات الإسلام الإيمان بالقضاء والقدر، والرِّضا بما يرتضيه الخالق المدبر، ثم تراهم من جهة أخرى ينساقون وراء النفس السافلة؛ ليُحيوا المآثم في أشعارهم، وكتاباتِهم، وتُحِسُّ في سطورهم صليلَ الندم، وحشرجات البكاء والعويل، وعلامَ كل ذلك، والعلم يقين بأن يدَ الردى سوف تكتنفُ الجميع، حتى لا يبقى إلاَّ الخالق سبحانه؟ ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: 26 - 27].

 

وشاعرنا قد تشرب هذه الحقيقة، وجعل شِعْرَه رادعًا لكل من سَوَّلت له نفسه التضجر والجفوة من القدر، ويدعو إلى توجيه العواطف الإيمانية وجهتها الصَّحِيحة، وهو بهذا يكون قد حَقَّق بأداته الشِّعرية، ما رسمناه نظريًّا في بداية هذا البحث، من كون "الأديب في نظر الإسلام مسؤولاً مسؤولية تامة عن فكره الذي يلتزم به، وقيمه التي يتغنَّى بها، وآماله وأهدافه التي يدعو إليها؛ لأَنَّ للأدب الإسلامي رسالةً تبدأ بتربية ذَوْق المسلم تربيةً جمالية مُهَذَّبة، وتنتهي بتشكيل عقله ووجدانه تشكيلاً موافقًا لعقيدة الإسلام، في شمول تصورها، وإيجابيته، وواقعيته"[93].

 

وكذلك فعل "غنيم" في تعزيته لصديقٍ في فقْده شقيقًا له، فكتب له بعضَ أبيات تسليةً وإخمادًا للوعة الرحيل، ساق فيها مُجمل المعاني السامية التي يَجب على المسلم أن يتمثل بها في هذه الحالة الحرجة، التي تتطلب كاملَ التعقل، وفارط الاتِّزان، ومن ذكاء "غنيم" أنَّه بدأ بطرحِ قضيته الخاصة، في أنه يعيش كآبةً مُرَّة؛ بسبب طباع المجتمع الفاسدة، وعاداته المتخلفة الساذجة، إضافةً إلى حرمانه وعوزه:

"تَرَى هَلْ أَسُوقُ إِلَيْكَ الْعَزَاءَ؟ 
وَكَيْفَ يُعَزِّي حَزِينٌ حَزِينَا"[94] 

 

وهذه كافية في إزاحة كابوس الألم والكدر، وقادرةٌ على أنْ تشعر بالتسلية، لكنَّ الشاعر يبيِّن أنَّ المفقود لم يكن له ليخلد في هذه الحياة، فإنَّ جبريل - الروح الأمين - وهو المتقدم على سائر الملائكة سوف يلقى - بإرادة من الله - المصير نفسه، فعلامَ إذًا هذه المسحة من الحزن، واعتصار هذا الألم؟مع أن ما توافر لهذا المفقود من حسن سريرة، ورجاحة عقل، واستقامة دين، جعل الاطمئنان عليه واردًا:

"إِذَا مَا أَلَمَّ "بِجِبْرِيلَ"[95] خَطْبٌ 
فَإِنَّ لِجِبْرِيلَ عَقْلاً وَدِينَا 
وَهَلْ كُنْتَ تَرْجُو خُلُودَ أَخِيكَ 
وَلَوْ أَنَّهُ كَانَ "رُوحًا أَمِينَا"؟"[96] 

 

على أنَّ منطلق البُكاء والندب، يفرض علينا - وقد جعلناه عدتَنا في كلِّ تَعزية - أنْ نبكي طولَ الدهر، وأن نقضي هذه الحياة الظرفية المحدودة في أنين وحزن وشهيق؛ لكثرة الأحبة المغادرين، والأعزاء الراحلين، أليس العشرات - بل المئات - من الأبرياء يلفظون أنفاسهم في كل يوم؟ وعدد لا يُحصى من الدُّعاة الأوفياء تعصف بهم يَدُ الرَّدَى كلَّ يوم؟ أليس عدد من الأطفال والشيوخ يذوقون حرارةَ الموت في كل حين؟ فعلامَ الجزع إذًا؟

"إِذَا نَحْنُ فِي إِثْرِ كُلِّ عَزِيزٍ 
بَكَيْنَا قَضَيْنَا الْحَيَاةَ أَنِينَا"[97] 

 

المبحث الثالث: القضايا الوطنية:

لعل فيما تقدم من مواقفَ اجتماعية تَمَيَّز بها "غنيم" عن أترابه من شُعراء عصره، والتي استقطبت بعضَ الأسس الإسلامية في التحليل والمعالجة، لعل ذلك كفيلٌ بتحديد رؤية "غنيم" لبلده "مصر" ولباقي الأقطار العربية والإسلامية، والحق أنَّها كانت نظرة شديدة الارتباط بنفسية المسلم الذي يرى واجبًا أنْ يَعيش أحداثَ عصره، ويتفاعل معها كأنَّها جزء من كيانه، أو كأنَّها أسرةٌ صغيرة تولَّى هو - بنظره الثاقب، وفكره النافذ - توجيهَهَا، وإيضاحَ المسلك الرَّشيد الذي يراه كفيلاً بنجاحها، وانتصارها على المناوئين من أعدائها، وكأني به يستحضر قول الله - عزَّ وجلَّ -: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات: 13]، وقول الرسول - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((المسلم للمسلم كالبنيان؛ يشد بعضه بعضًا))[98].

 

ثم في إطار الدَّعوة إلى الوحدة والتضامُن، لم يقصر الطرف على بلده مصر وحسب، وإنَّما استطالت نظرته؛ لتشملَ واقعَ المسلمين ككل، ويَخص بالذكر "العرب"، الذين كان لهم ماضٍ مُحدد معروف، كانت لهم حضارة متميزة باسطة أردانَها على مُعظم المعمورة.

 

أما فيما يتصل بالإطار الخاص - أي الحديث عن مصر - فأول ما يواجهنا أنَّ الديوانَ قد زخر بذكر مصر، وكيف لا؟ واجتماعيته كانت في مُعظمها تَختص بعلاجِ أمراض مصر، وسِمَة بعض عاداتها، كما اختصت بتمجيد ماضي مصر، والإشادة ببعض مَحاسِنِها، فهذه "الإسكندرية"، هذا الثَّغْر المجيد، قد اجتذبت أحداثُ الحرب العالمية الثانية الشاعرَ للحديث عنها؛ لما أصابها من ويل تلك الحروب الطاحنة، وجعلها ثغرًا لا يبتسم، وفيه دليلٌ على أنَّ"الإسكندرية" كانت ثغرًا دَائِمَ الابتسامة، مستديمَ الإشراق والمجد، فينطلق إزميل الشاعر؛ ليحدثنا عن حال هذه الزاوية الجميلة، قائلاً:

"الشَّطُّ دَاجٍ وَالسُّكُونُ مُخَيَّمٌ 
مَا بَالُ ثَغْرِ الثَّغْرِ لاَ يَتَبَسَّمُ؟ 
عَهْدِي بِهِ طَلْقًا صَبِيحَ الْوَجْهِ إِذْ 
وَجْهُ الطَّبِيعَةِ عَابِسٌ مُتَجَهِّمُ"