د/ عبير عبد الصادق محمد بدوي

أستاذ الأدب المشارك بكلية تربية الزلفي

المحاضرة الثالثة ع

 

 المحاضرة الثالثة عشر

أدب أندلسي

د. عبير عبد الصادق محمد بدوي

صور من الخطابة الأندلسية

خطبة طارق بن زياد :-

بعد أن حمد الله وأثنى عليه، وذكر فضل الجهاد، ورغب فى الشهادة قال:

أيها الناس ! أين المفر([1]) ؟ البحر من ورائكم، والعدو أمامكم([2])، وليس لكم والله إلا الصدق([3]) والصبر، واعلموا أنكم فى هذه الجزيرة، أضيع من الأيتام([4]) فى مأدبة اللئام([5]).

وقد استقبلكم عدوكم بجيشه، وأسلحته وأقواته موفورة([6])، وأنتم لا وزر([7]) لكم إلا سيوفكم، ولا أقوات إلا ما تستخلصونه من أيدى عدوكم، وإن امتدت بكم الأيام على افتقاركم، ولم تنجزوا لكم أمراً، ذهب ريحكم([8])، وتعوضت القلوب من رعبها منكم الجراءة  ([9]) عليكم، فادفعوا عن أنفسكم خذلان هذه العاقبة من أمركم بمناجزة([10]) هذا الطاغية([11])، فقد ألقت به إليكم مدينته الحصينة([12])، وإن انتهاز الفرصة فيه لممكن إن سمحتم لأنفسكم بالموت، وإنى لم أحذركم أمراً أنا عن بنجوة([13])، ولا حملتكم على خطة أرخص متاع فيها النفوس أرباً عنها بنفسى([14]) ؛ واعلموا أنكم إن صبرتم على الأشق قليلاً، استمتعتم بالأرفة([15]) الألذ طويلاً، فلا ترغبوا بأنفسكم عن نفسى، فيما حظكم فيه أوفر من حظى([16])، وقد بلغكم ما أنشأت هذه الجزيرة من الحور الحسان، من بنات الرومان، الرافلات فى الدر والمرجان، والحلل المنسوجة بالعقيان([17])، المقصورات فى قصور الملوك ذوى التيجان، وقد انتخبكم الوليد بن عبد الملك، أمير المؤمنين من الأبطال عزباناً([18])، ورضيكم لملوك هذه الجزيرة أصهاراً وأختاناً([19])، ثقة منه بارتياحكم للطعان، وإسماحكم([20]) بمجالدة ([21]) الأبطال والفرسان، ليكون حظه منكم ثواب الله على إعلاء كلمته، وإظهار دينه بهذه الجزيرة، وليكون مغنمها خالصاً لكم([22]) من دونه، ومن دون المؤمنين سواكم، والله تعالى ولى إنجادكم على ما يكون لكم ذكراً فى الدارين.

واعلموا أنى أول مجيب إلى ما دعوتكم إليه، وأنى عند ملتقى الجمعين حامل بنفسى على طاغية القوم لذريق، فقاتله إن شاء الله تعالى. فإن هلكت بعده فقد كفيتم أمره، ولم يعوزكم([23]) بطل عاقل تسندون أموركم إليه. وإن هلكت قبل وصولى إليه فاخلفونى فى عزيمتى هذه، واحملوا بأنفسكم عليه، واكشفوا الهم([24]) من فتح الجزيرة بقتله، فإنهم بعده يخذلون.

ويقول باحث معاصر([25]) :

(تحيط الرواية الإسلامية ظفر طارق فى سل شريش بطائفة من التفاصيل الشائقة، فتقول لنا أولاً إن طارقاً خطب جنده قبل الموقعة، وألقى فيهم خطبته الشهيرة التى ما زال يحفظها الطلاب كنموذج من نماذج النثر المختار والتى يفتتحها بقوله : (أيها الناس ! أين المفر ؟ البحر من ورائكم، والعدو أمامكم، وليس لكم والله إلا الصدق والصبر). ثم يحث فيها جنده على القتال والاستشهاد فى سبيل الله ويرغبهم فى ثمار النصر، ويحذرهم من عواقب التخاذل والتفرق. وتنوه الرواية الإسلامية بما كان لهذا الخطاب من أثر قوى فى إذكاء همم المسلمين وشجاعتهم، ودفعهم إلى طريق النصر ، على أنه يسوغ لنا أن نرتاب فى نسبة هذه الخطبة إلى طارق، فإن معظم المؤرخين المسلمين، ولاسيما المتقدمين منهم لا يشير إليها، ولم يذكرها ابن عبد الحكم، ولا البلاذرى، وهما أقدم رواة الفتوحات الإسلامية، ولم تشير إليها المصادر الأندلسية المتقدمة، ولم يشر إليها ابن الأثير وابن خلدون، ونقلها المقرى عن مؤلف لم يذكر اسمه، وهى على العموم أكثر ظهوراً فى كتب المؤرخين والأدباء المتأخرين. ليس بعيداً أن يكون طارق قد خطب جنده قبل الموقعة، فنحن نعرف أن كثيراً من قادة الغزوات الإسلامية الأولى كانوا يخطبون جندهم فى الميدان، ولكن فى لغة هذه الخطبة وروعة أسلوبها وعبارتها ما يحمل على الشك فى نسبتها إلى طارق وهو بربرى لم يكن عريقاً فى الإسلام والعروبة، والظاهر أنها من إنشاء بعض المتأخرين صاغها على لسان طارق مع مراعاة ظروف المكان والزمان).

ومهما كان، فهذه الخطبة تعد من الأدب الأندلسى تجوزاً، لأن طارقاً لم يكن بعد قد عاش فى الأندلس، أو تأثر ببيئتها وإنما كان لأول مرة يضع قدميه على أرضها، فهى من الأدب العربى عامة لا الأندلس خاصة، أو هى صورة للخطابة فى المشرق وحده.

$$$


القصة فى الأندلس

قصة التوابع والزوابع

لابن شهيد الأندلسى

(1) كان للقصة العربية نصيب من اهتمام بعض أدباء الأندلس، وهى وإن لم تحتل مكاناً عريضاً مثل ذلك الذى احتله الشعر من مرشح وقصيد، أو مثل ذلك الذى ناله النثر الفنى، إلا أن ما وصلنا منها على قلة حجمه جدير بالعناية والدرس والتقدير.

ومن كتاب القصة العربية فى الأندلس أبو عامر بن شهيد الشاعر الكاتب الأندلسى، والقصة التى أنشأها أبو عامر أطلق عليها اسم (التوابع والزوابع) وهى قصة طويلة لم يسعد الأدب العربى بإثباتها كاملة، فقد ضاع أكثرها بين ما ضاع من آثار أدبائنا، واستطاع صاحب الذخيرة أن يحفظ لنا طرفاً منها يصلح فى حد ذاته لأن يكون قصة مكتملة رغم اجتزائه.

* وتسمى أيضاً برسالة (التوابع والزوابع) وإذا كان الدافع وراء رائد القصة العربية فى المشرق بديع الزمان هدفاً اجتماعياً ينحصر أساساً فى تصوير البيئة الاجتماعية لعصره، فإن الدافع عند ابن شهيد فى كتابته قصة التوابع والزوابع دافع شخصى نابع من إحساسه بأن معاصريه من الأدباء والنقاد لم يولوه حق من التكريم، ولم ينزلوه المنزلة الأدبية التى رأى نفسه أهلاً لها، ومن جملتهم أبو القاسم الإفليلى الأديب الشاعر الكاتب، بل كانوا يكنون له الحقد ويكيلون له الكيد ومن ثم فقد راح يلتمس التقدير والتكريم عند من هم أعلى قدراً من معاصريه وأوفى شهرة وأعلى كعبا فى الأدب بفرعيه : الشعر والنثر، فهداه خياله الخصيب إلى كتابة قصته. وفيها يلتقى بجنى اسمه زهير بن نمير، فتتوثق الصداقة بينهما ويحمله زهير على متن الجو إلى أرض الجن حيث التقى هناك بتوابع الشعراء المشهورين والكتاب المبرزين، كما التقى بشياطين بعض خصومه من معاصريه، لقى أبو عامر بصحبة زهير بن نمير عتيبة بن نوفل تابع امرئ القيس وعنتر بن العجلان تابع طرفة، وأبا الخطار تابع قيس بن الخطيم من الشعراء الجاهليين، ولقى عتاب بن حبناء تابع أبى تمام، وأبا الطبع تابع البحترى وحسين الدنان تابع أبى نواس، وحارثة بن المغلس تابع المتنبى، كما التقى أيضاً ببعض شياطين الكتاب، وهى فكرة جديدة صاحبها أبو عامر، ذلك أنه لم يكن من الشائع أن هناك شياطين أو توابع للكتاب، التقى أبو عامر بشياطين صفوة كتاب العربية هم عتبة بن أرقم تابع الجاحظ، وأبو هبيرة تابع عبد الحميد، وزبدة الحقب تابع بديع الزمان. ويجرى أبو عامر مع كل هؤلاء التوابع محاورات طريفة ويسمعهم ألواناً من شعره، وفنوناً من نثره، فينال منهم الإعجاب إما لاستحسانهم لفنه، أو لتفوقه عليهم كما حلا لخياله أن يصور له ذلك التفوق، ويقابل أبو عامر بعضهم بالاحترام والإجلال كما فعل مع شيطان امرئ القيس وشيطان أبى نواس وشيطان أبى تمام، ويقابل الآخرين بغير اكتراث كما فعل مع شياطين الكتاب، ويخرج أبو عامر من هذه المقابلات مجازاً مشهوداً له بالفضل والتفوق، كأن يقول له أحد الجن (ما أنت إلا محسن على إساءة زمانك).

ولا يقف ابن شهيد فى قصته عند مقابلة التوابع الذين مر ذكرهم، وإنما تلقى به طبيعة رحلته إلى مجلس أدب رائق عقده بعض أدباء الجن الذين أخذوا يتناشدون قصائد لأعلام الشعراء من جاهليين وإسلاميين وعباسيين مثل الأفوه الأودى والنابغة وأبى نواس وصريع الغوانى وأبى تمام والمتنبى، وتكون جلسة مجموعة الجن الأدباء جلسة نقدية يعرضون فيها لأقوال الشعراء الذين مر ذكرهم فى مقام وصف الطيور فيبدون جميعاً دون المستوى أمام شاعر جنى اسمه فاتك بن الصقعب الذى ينشد شعراً جميلاً فى الغرض نفسه فينال إعجاب الجن الأدباء، والشعر هنا بطبيعة الحال ليس إلا شعر ابن شهيد، ويستعرض ابن شهيد فى هذا المقام أمام منتدى الجن موهبته الشعرية بإلقاء عدد غير قليل من قصائده، كما يستعرض موهبته فى نقد الشعر، ولا يقف الأمر فى هذا المشهد عند إنشاد شعره وإظهار مواهبه الأدبية والنقدية، بل إنه أظهر المواهب الأدبية عند أفراد أسرته فجعل الجنى يسأله عن أبيات من الشعر بعينها، فإذا بها لأبيه وأخيه وعمه وجده وجده لأبيه.

وتمضى قصة التوابع والزوابع، فيصل أبو عامر وتابعه زهير بن نمير إلى واد آخر من أودية الجن وتلقى به المقادير إلى ناد لحمير الجن وبغالها بينهم بعض الشعراء، ويطلب إليه إصدار حكم فى شعر لبغل وشعر لحمار، ويلتقى ببغلة أديبة نافذة اسمها بغلة أبى عيسى، كما يتلقى بأوزة أديبة اسمها العاقلة وهى حمقاء وكنيتها أم خفيف ويصفها وصفاً جميلاً، ويجرى بينهما حوار طريف، هو يريد منازلتها فى الشعر والخطابة، وهى تريد محاورته فى النحو والغريب من اللغة، وتنتهى بتغلبه عليها وبذلك تنتهى قصة التوابع والزوابع، أو بالأحرى ينتهى الجزء الذى وصل إلينا منها عن طريق كتاب الذخيرة.

(2) التعريف بالكاتب :-

ابن شهيد الأندلسى صاحب التوابع والزوابع :-

هو أحمد بن عبد الملك بن أحمد بن عبد الملك بن شهيد الأشجعى القرطبى، فهو من أصل عربى، كان جده الأعلى عبد الملك بن شهيد وزيراً للأمير محمد (238هـ - 273هـ) ووز ابنه أحمد لعبد الرحمن الناصر ولقبه بذى الوزارتين وولد له فى سنة 323 ابنه عبد الملك وأصبح فيما بعد وزيراً للمنصور بن أبى عامر، وولاه على الولايات الشرقية، واصطفاه المنصور بن أبى عامر لنفسه مستشاراً وجليساً ونقل سكناه إلى جواره، وكان قد رزق بابنه أحمد سنة 382هـ، فنشأ فى نعيم نشأة مترفة، وضاعف ترفها رعاية ابن أبى عامر وحظياته له، فكان لا يزال يغدو ويروح إلى قصوره مختلطاً بأحفاده، وعنى أبوه بتربيته، ومنذ نعومة أظفاره كان عنده تشوق إلى الثراء وحب الظهور واستشعار السيادة فى ذلك الدور المبكر من حياته.

كما كان عنده نهم للأدب والمعارف، وبينما هو غارق فى النعيم وفى تثقيف نفسه إذ النكبة تحل بأسرة ابن أبى عامر سنة 399هـ، وكانت نكبة قرطبة حادثاً جللاً بالنسبة له ترك أثراً عميقاً فى نفس ابن شهيد فقد انكدت صروح آماله ومطامحه، فأكب على كئوس الخمر واللذات يغرق فيها همومه محاولاً أن ينساها أو يتسلى عنها، وتصادف أن أصابه الصمم مبكراً فتضاعف حزنه وهمه، وتضاعف إقباله على الخمر والمجون. وكان الشعر قد انثال على لسانه مبكراً كما أخذت تظهر مخايل نبوغه الأدبى، وسرعان ما أصبحت داره منتدى لأترابه من الشباب القوطبيين المتأدبيين أمثال ابن حزم وابن عمه أبى المغيرة عبد الوهاب وابن برد الأصغر، وأبى عامر بن المظفر بن أبى عافر وابن عمه المؤتمن عبد العزيز.

بدأ المرض يهاجم ابن شهيد فى سنة 425هـ، وظل مريضاً سبعة أشهر كاملة، قاسى منها أهوالاً ثقالاً حتى فكر فى الانتحار وهم بقتل نفسه، ثم آثر الرضى بقضاء الله تعالى وفى ذلك يقول :

أنوح على نفسى وأندب نبلها

 

إذا أنا فى الضراء أزمعت قتلها

رضيت قضاء الله فى كل حالة

 

على وأحكاماً تيقنت عــدلها

على أن ما أصاب جسمه من وهن، بقى ذهنه متفتحاً، وقريحته متوقدة، ويلبى داعى ربه فى جمادى الأولى سنة 426هـ.

وصلى عليه وأقام مراسم دفنه أمير قرطبة أبو الحزم جهور ويكثر البكاء والعويل على قبره وتنشد مراث متعددة لصديقة ابن برد الصغر وغيره.

وقد أوصى قبل وفاته بعدة وصايا منها :

أن تكتب هذه الكلمات على قبره : بسم الله الرحمن الرحيم قل هو نبأ عظيم أنتم عنه معرضون. هذا قبر أحمد بن عبد الملك بن شهيد المذنب، مات وهو يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، وأن الجنة حق وأن النار حق وأن البعث حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من فى القبور [ ثم تاريخ الوفاة بالشهر والسنة ويكتب تحت النثر هذا النظم :-

يا صاحبى قم فقد أطلنا

 

أنحن طول المدى هجود

فقال لى : لن نقوم منها

 

ما دام من فوقنا الصعيد

تذكر كم مرة لهونا

 

فى ظلها والزمان عيد

وكم سرور همى علينا

 

سحابة ثرة نجود

كل كأن لم يكن تقضى

 

وشؤمه حاضر عتيد

حَصَّله كاتب حفيظ

 

وضمه صادق شهيد

يا ويلنا إن تنكبتنا
نا

 

رحمة من بطشه شديد

يا رب عفواً فأنت مولى

 

قصَّر فى أمرك العبيد

 (3) وقبل أن نعرض لرأينا فى القصة نرى أنه لطرافتها ينبغى أن نقدم نماذج منها بأسلوب كاتبها. يبدأ ابن شهيد قصته البديعة بقوله :

(لله أبا بكر([26]) ظن رميته فأصميت([27])، وحدس أملته فما أشويت([28]) أبديت بهما وجه الجليلة وكشفت عن ثمرة الحقيقة، حين لمحت صاحبك الذى تكسبته، ورأيته قد أخذ بأطراف السماء، فألف بين قمريها، ونظم بين فرقديها، فكلما رأى ثغراً سده بسهاها([29])، أو لمح خرقا رمه بزباناها([30]).

إلى غير ذلك. فقلت أوتى الحكم صبياً، وهز بجذع نخلة الكلام فاساقط عليه رطباً جنياً، أما إن به شيطاناً يهديه، وشيصباناً([31]) يأتيه ، وأقسم أن له تابعة([32]) تنجده، وزابعة([33]) تؤيده، ليس هذا فى قدرة الإنس، ولا هذا النفس لهذه النفس. فأما وقد قلتها، أبا بكر، فأصخ أسمعك العجب العجاب.

كنت أيام كتاّب الهجاء، أحن إلى الأدباء، وأصبوا إلى تأليف الكلام، فاتبعت الدواوين، وجلست إلى الأسانيد، فنبض لى عرق الفهم، ودر لى شريان العلم بمواد روحانية، وقليل الالتماح من النظر يزيدنى، ويسير المطالعة من الكتب يفيدنى، إذ صادف شن العلم طبقة. ولم أكن كالثلج تقتبس منه ناراً، ولا كالحمار يحمل أسفاراً، فطعنت ثغرة البيان داركاً، وأعلقت رجل طيره أشراكاً، فانثالت([34]) لى العجائب، وانهالت على الرغائب([35]). وكان لى أوائل صبوتى هوى اشتد به كلفى، ثم لحقنى بعد ملل فى أثناء ذلك الميل، فاتفق أن مات من كنت أهواه مدة ذلك الملل، فجزعت وأخذت فى رثائه يوماً فى الحائر([36])، وقد أبهمت على أبوابه، وانفردت فقلت:

تولى الحمام بظبى الخدور

 

وفاز الردى بالغـزال الغرير

إلى أن انتهت إلى الاعتذار من الملل الذى كان : فقلت :

وكنت مللتك لا عن قِلى


 

ولا عن فساد جرى فى ضميرى

فأرتج على القول وأقحمت، فإذا أنا بفارس على باب المجلس على فرس آدم كما بقل وجهه([37])، وقد اتكأ على رمحه وصاح بى : أعجزاً يا فتى الإنس ؟ قلت : لا وأبيك، للكلام أحيان، وهذا شأن الإنسان، قال لى : قل بعده :

كمثل ملال الفــتى للنعيم

 

إذا دام فيه، وحـال السرور

فأثبت إجازته، وقلت له : بأبى أنت، من أنت ؟ قال : أنا زهير بن نمير من أشجع([38]) الجن، قلت : وما الذى حداك إلى التصور لى ؟ فقال : هوى فيك، ورغبة فى اصطفائك. قلت أهلاً بك أيها الوجه الوضاح، صادفت قلباً إليك مقلوباً([39])، وهوى نحوك مجنوباً. وتحادثنا حيناً ثم قال : متى شئت استحضارى فأنشد هذه الأبيات :

وإلى زهير الحب يا عـــز إنه

 

إذا ذكرتـه الذاكــرات أتاها

إذا جرت الأفواه يومـاً بذكرها

 

يخـيل لى أنى أقـــــبل فاها

فأغشى ديار الذاكرين وإن نأت

 

أجارع من دارى، هوى لهواها([40])

وأوثب الأدهم جدار الحائط ثم غاب عنى، وكنت أبا بكر، متى أرتج على أو انقطع فى مسلك، أو خاننى أسلوب، أنشد الأبيات فيمثل لى صاحبى فأسير إلى ما أرغب، وأدرك بقريحتى ما أطلب. وتأكدت صحبتنا، وجرت قصص لولا أن يطول الكتاب لذكرت أكثرها، لكنى ذاكر بعضها).

وبعد هذا الاستهلال الذى شرح فيه ابن شهيد نشأة صحبته لقريبه الجنى الأشجعى، يمضى فى حديثه كيف أتيح له بمساعدة تابعه أن يذهب إلى وادى الجن ويلقى توابع الشعراء الذين اشرنا إليهم فى صدر حديثنا عند تلخيصنا لهذه الرسالة فيقول :

« تذاكرت يوما مع زهير بن نمير أخبار الخطباء والشعراء وما كان يألفهم من التوابع والزوابع قلت : هل حيلة له فى لقاء من اتفق منهم ؟ قال : حتى استأذنا شيخنا. وطار عنى ثم انصرف كلمح البصر، وقد أذن له، فقال : حل على متن الجواد. فصرنا عليه وصار بنا كالطائر يجتاب الجو فالجو، ويقطع الدو فالدو([41]) حتى التمحت أرضاً لا كأرضنا، وشارفت جواً لا كجونا، متفرع الشجر، عطر الزهر، فقال لى : حللت أرض الجن، أبا عامر، فبمن تريد أن نبدأ ؟ قلت : الخطباء أولى بالتقديم، لكنى إلى الشعراء أشوق. قال : فمن تريد منهم ؟ قلت : صاحب امرئ القيس فأمال العنان إلى واد من الأودية ذى دوح تتكسر أشجاره، وتترنم أطياره، فصاح يا عتيبة بن نوفل، يسقط اللوى فحومل، ويوم دارة جلجل، إلا ما عرضت علينا وجهك، وأنشدتنا من شعرك، وسمعت من الإنس، وعرفتنا كيف إجازتك له. فظهر لنا فارس على فرس شقراء كأنها تلتهب، فقال : حياك الله يا زهير، وحيا صاحبك، أهذا فتاهم ؟ هو هذا، وأى جمرة يا عتبة، فقال لى : أنشد، فقلت : السيد أولى بالإنشاد، فتطامح طرفه، واهتز عطفه، وقبض عنان الشقراء، وضربها بالسوط، فسمت تحضر طولاً عنا، وكر، فاستقبلنا بالصعدة([42]) هازاً لها، ثم ركزها وجعل ينشد :

سما لك شوق بعد ما كان أقصرا([43])...

حتى أكملها ثم قال لى : أنشد فهممت بالحيصة([44])، ثم اشتدت قوى نفسى وأنشدت :

شجته مغان من سليمى وأدؤر([45])

حتى انتهيت إلى قولى :

ومن قبة لا يدرك الطرف رأســها


 

تزل بها ريح الصبا فتــحدر

تكلفتها والليل قد جـــاش بحره


 

وقد جعلت أمواجه تتكــسر

ومن تحت حضنى أبيض ذو سفاسق([46])



 

وفى الكف من عسالة الخط أسمر

هما صاحباى من لدن كنت يافـعاً

 

مقيلان من جد الفتى حـين يعثر

فذا جدول فى الغمد تُسقى به المنى


 

وذا غصن فى الكف يجـنى فيثمر

فلما انتهيت، تأملنى عتيبة ثم قال : « اذهب فقد أجزتك » وغاب عنا. ويمضى أبو عامر وصاحبه زهير فيلتقيان فى واد من أرض الجن يقال له وادى عتيبة بعنتر بن العجلان شيطان طرفة فيرحب بهما ويستنشد أبا عامر شيئاً من شعره، فيجيبه أبو عامر فى أدب جم : الزعيم أولى بالإنشاد، فينشد الشيطان قصيدة طرفة :

لسُعْدى بجزان الشريف طلول

فينشده أبو عامر قصيدته :

أمن رسم دار بالعقيق مُحيلُ

وما أن ينتهى من الإنشاد حتى يصيح عنتر : لله أنت، فاذهب فإنم مجاز، ثم يغيب عنهما :

ويجرى لأبى عامر وصاحبه مع أبى الخطار شيطان قيس بن الخطيم ما جرى لهما مع تابعى امرئ القيس وطرفة من استنشاد وإنشاد، ويجيز أبو الخطار أبا عامر على شعره. ويمضى شاعرا الإنس والجن فى طريقهما بعد لقائهما أبا الخطار إلى لقاء عتاب بن حبناء شيطان أبى تمام، ولنترك ابن شهيد يحكى هذا الجزء من قصته :

« ثم انصرفنا، وركضنا حتى انتهينا إلى شجرة غيناء([47]) يتفجر من أصلها عين كمقلة حوراء، فصاح زهير : يا عتاب بن حبناء، حل بك زهير وصاحبه، فبعمرو والقمر الطالع، وبالقرعة المفكوكة الطابع([48])، إلا ما أريتنا وجهك، فانفلق ماء العين عن وجه فتى كفلقة القمر، ثم اشتق الهواء صاعدا إلينا من قعرها حتى استوى معنا ، فقال : حياك الله يا زهير، وحيا صاحبك، فقلت : وما الذى أسكنك قعر هذه العين يا عتاب ؟ قال : حيائى من التحسن باسم الشعر وأنا لا أحسنه، فصحت : ويلى منه، كلام محدثٍ ورب الكعبة، واستنشدنى فلم أنشده إجلالاً له، ثم أنشدته :

أبكيت إذ ظعن الفريق فراقها

حتى انتهيت فيها إلى قولى :

إنى امرؤ لعب الزمان بهــــمتى



 

وسقيت من كأس الخطوب دهاقها

وكبوت طرفا فى العلا فاستضحكت

 

حُمر الأنام فما تريم نُهــــاقها([49])

وإذا ارتمت نحوى المـــنى لأنالها

 

وقف الزمان لها هناك فعاقـــها

وإذا أبو يحــــيى تأخر نفسه([50])

 

فمتى أُؤمل فى الزمان لَحاقـــها

فلما انتهيت قال : أنشدنى من رثائك، فأنشدته :

أعينا امرأ نزحت عينه

 

ولا تعجبا من جفون جماد

إذا القلب أحرقه بثُّه

 

فإن المدامع تلو الفؤاد »

ويزداد إعجاب عتاب بشعر أبى عامر بعد أن سمع مرثيته كلها فيستزيده إنشاداً لمزيد من الرثاء، فينشده قصيدة ميمية رقيقة حزينة كان الشاعر قالها هى وسابقتها فى رثاء أبى عبيدة حسان بن مالك وزير عبد الرحمن بن هشام أيام الفتنة.

وكيف اهتدائى فى الخطوب إذ دجت

 

وقد فقدت عيناى ضــوء نجوم

مضى السلف الوضاح إلا بقـــيةٌ

 

كغرة مسود القمــيص بَهـيمِ([51])

أنا السيفُ لم تتعبْ به كفُّ ضـاربٍ

 

صرومٌ إذا صـادفتُ كف صروم

سعيت بأحرارِ الرجـــالِ فخاننى

 

رجال ولم أنجـــد بجد عظـيم

وضيعنى الأملاكُ بدءاً وعـــودةً

 

فضـــعَتُ بدارٍ منهم وحـريم

فيعجب عتاب بشعر ابن شهيد ويأنس إليه ويسدى له نص الأستاذ للتلميذ قائلا : إن كنت ولابد قائلاً، فإذا دعتك إلى القول فلا تكد قريحتك، فإذا أكملت فجمام ثلاثة لا أقل([52])، ونقح بعد ذلك وتذكر قول سويد بن كراع العكلى([53]) :

وجشمنى خوف ابن عفان ردهـا

 

فثقفتها حولاً كريتاً ومربعاً([54])

وقد كان فى نفسى عليها زيـادة

 

فلم أر إلا أن أطيع وأسـمعا

 

ثم يشهد عتاب لابن شهيد شهادة أثلجت صدره أو هى فى الواقع صدى لما فى نفس ابن شهيد من مرارة وحفيظة على أهل زمانه فيقول : وما أنت إلا محسن على إساءة زمانك، فيقبل ابن شهيد رأسه، ثم يغيض عتاب فى العين التى منها ظهر.

ويسأل زهير أبا عامر عمن يريد مقابلته من التوابع فيقول إنه يريد صاحب أبى نواس فيقول زهير إنه بدير حنة منذ أشهر، قد غلبت عليه الخمر، ويفهمه أن هذا الدير بعيد عن مكانهما بعداً شاسعاً فيركضان ساعيين إليه فيمران على قصر يعيش فيه أبو الطبع شيطان البحترى ويجرى بينه وبين أبى عامر إنشاد واستنشاد فينشده أبو عامر قصيدة له مطلعها :

هذه دار زينب والرباب

وفيها يقول :

وارتكضنا حتى مضى الليلُ يسعى

 

وأتى الصبح قاطع الأسبابِ([55])

فكأن النجومَ فى الليل جــيشٌ

 

دخلوا للكُمون فى جوف غابِ

فكأن الصباح قانص طــــير

 

قبضت كفهُ برجــل غراب

ويمضى أبو عامر محاولاً أن يرضى غرور نفسه متصوراً أنه متفوق على شيطان البحترى فيقول: « حتى أكملتها، فكأنما غشى وجه أبى الطبع قطعة من الليل، وكر راجعاً إلى ناورده دون أن يسلم، فصاح به زهير : أأجزته ؟ قال : أجزته، لا بورك فيك من زائر، ولا فى صاحبك أبى عامر ».

ويحتشد بعد ذلك ابن شهيد نفساً للقاء حسين الدنان شيطان أبى نواس ويفتن فى وصف الطريق إليه، ويخلق جواً نواسياً فيه حانات وخمر وكنائس وأديرة وأجراس ورهبان وزنانير، بحيث نشعر أنه لم يحتشد للقاء شيطان شاعر فى وادى الجن احتشاده للقاء شيطان أبى نواس ، ولنترك المجال لقلم أبى عامر يقول :

« فضرب زهير الأدهم بالسوط، فسار بنا فى قننه([56])، وسرنا حتى انتهينا إلى أصل جبل دير حنة([57])، فشق سمعى قرع النواقيس فصحت: من منازل أبى نواس ورب الكعبة العليا !! وسرنا نجتاب أديارا وكنائس وحانات، حتى انتهينا إلى دير عظيم تعبق روائحه، وتصوك([58]) نوافحه. فوقف زهير ببابه وصاح : سلام على أهل دير حنة، فقلت لزهير أو صرنا بذات الأكيراح([59]) ؟ قال : نعم، وأقبلت نحونا الرهابين، مشددة بالزنانير قد قبضت على العكاكيز، بيض الحواجب واللحى، إذا نظروا إلى المرء استحيا، كثرين من التسبيح، عليهم هدى المسيح، فقالوا : أهلاً بك يا زهير من زائر، وبصاحبك أبى عامر، ما بغيتك ؟ فقال : حسين الدنان، قالوا : إنه لفى شرب الخمرة، منذ أيام عشرة، وما نراكما منتفعين به، فقال : وعلى ذلك([60])، ونزلنا، وجاءوا بنا إلى بيت له قد اصطفت دنانه، وعكفت غزلانه، وفى فرجته شيخ طويل الوجه والسبلة، قد افترش أضغاث زهر، واتكأ على زق خمر، وبيده طرجهارة([61])، وحواليه صبية كأظب([62]) تعطو إلى عرارة([63]). فصاح به زهير : حياك الله أبا الإحسان، فجاوب بجواب لا يُعقل لغلبة الخمر عليه، فقال لى زهير : أقرع أذن نشوته بإحدى خمرياتك، فإنه ربما تنبه لبعض ذلك، فصحت أنشد من كلمة طويلة :

ولربَّ حــان قد أدرتُ بديره

 

خمر الصـــبا مُزجت بصفو خمورهِ

فى فتية جعلوا الزقاق تكاءهم

 

متصاغرين تخشـــــعاً لكبيره([64])

وإلى على بطرفه وبكـــفه

 

فأمال من رأسى لعب كبـــيره([65])

وترنم الناقوس عند صلاتهـم

 

ففتحت من عينى لرجـــع هديرهِ

يهدى إلينا الراحَ كل معصفر

 

كالخشيف خفرةُ التماح خفــيره([66])

فصاح من حبائل نشوته : أأشجعى ؟ قلت : أنا ذاك، فاستدعى ماء قراحا فشرب منه وغسل وجهه، فأفاق واعتذر إلى من حاله، فأدركتنى مهابته، وأخذت فى إجلاله لمكانه من العلم والشعر، فقال لى : أنشد، أو حتى أنشدك ؟ فقلت : إن ذلك لأشد لتأنيسى، على أنه ما بعدك لمحسن إحسان، فأنشد :

يا دير حنة من ذات الأكيراح

 

من يصح عنك فإنى لست بالصاحى

 

 

 

يعتاده كل محفوف مفارقـه

 

من الدهان عليه سحق أمسـاح([67])

لا يدلفون إلى مـاء بآنيـة

 

إلا اغترافاً من الغدران بالـراح

فكدت والله أخرج جلدى طرباً، ثم أنشد :

طرحتم من الترحال أمراً فغمنا ([68])

وأنشد أيضاً :

لمن دمن تزداد طيب نسـيم

 

على طول ما أقوت وحسن رسوم([69])

تجافى البلى عنهن حتى كأنما

 

لبسن من الإقـواء ثــوب نعيم

ومضى فيها حتى أكملها، ثم قال لى أنشد، فقلت : وهل أبقيت للإنشاد موضعاً، قال : لابد لك، وأوعث بى ولا تنجد([70])، فأنشدته :

أصباح شيم أم برق بدا

 

أم سنا المحبوب أورى أزندا

هب من مرقده منكسراً

 

مُسبلاً للكم مرخ للردا

فلما انتهيت قال : لله أنت، وإن كان طبعك مخترعاً منك، ثم قال لى: أنشدنى من رثائك شيئاً، فأنشدته فى بنية صغيرة :

أيها المعتد فى أهل النهى

 

لاتذب إثر فقيد ولها

 

     

فلما انتهيت قال : أنشدنى من رثائك أشد من هذا وأفصح، فأنشدته من رثائى فى ابن ذكوان([71])، ثم قال : أنشدنى جحدريتك([72]) من السجن فأنشدته :

قريبٌ بمحتلِّ الهوانِ بعيدُ

حتى انتهيت إلى قولى :

فإن طال ذكرى بالمجون فــإننى

 

شقى بمنظومِ الكلام سعـيدُ

وهل كنتُ فى العشاق أول عاشقٍ



 

هوت بحِجاه أعينٌ وخُـدود

فمن مبلغ الفتيان أنى بعـــدهم

 

مقيم بـدار الظالمين طــريدُ

فبكى لها طويلاً، ثم قال : أنشدنى قطعة من مجونك، فقد بعد عهدى بمثلك، فأنشدته :

وناظرة تحت طى القــناع

 

 

دعاها إلى الله والخـير داع

سعت بابنها تبتغى مــنـزلاً

 

لوصل التبتل والانقـطاع

فجاءت تهادى كمثل الرءوم

 

تراعى غزالاً بروض البقاع

أتتنا تبتخر فى مشـــيها

 

فحلت بواد كثير الســـباع

وريعت حذاراً على طفلها

 

 

فناديت : يا هذه لا تراعـــى

فولت وللمسك من ذيلها

 

على الأرض خط كذيل
 الشجاع([73])

فلما سمع هذا البيت قام يرقص به ويردده، ثم أفاق، ثم قال : « هذا شئ لم نلهمه نحن، ثم استدنانى فدنوت منه، فقبل بين عينى، وقال : اذهب فانصرفنا عنه وانحدرنا من الجبل ».

وإذ تنتهى هذه المقابلة الرائعة الرائقة بين أبى نواس وبين زهير وأبى عامر نجد أن نفس أبى عامر لا زالت طامحة إلى لقاء شيطان أشهر شعراء العربية ونعنى به شيطان أبى الطيب المتنبى، ويمهد ابن شهيد للقائه بأوصاف عرفت عن شاعر العربية الكبير، ويحاول أن يحتشد له بكوكبة من الأوصاف عرفت عن شاعر العربية الكبير، ويحاول أن يحتشد له بكوكبة من الأوصاف ومجموعة من الشيات وهى أوصاف أقرب ما تكون إلى شخصية المتنبى نفسه احتراماً منه لشيطان أبى الطيب وإجلالا، ولكن احتشاده يجئ دون ما احتشد به لحسين الدنان شيطان أبى نواس، وليس السبب فى رأينا راجعاً إلى حكم ابن شهيد لأبى نواس بالتفوق على المتنبى، ولكن لأن ابن شهيد كان واحداً من مدرسة الأدباء المجان الذين ينتسبون لأبى نواس نسباً فنياً أكثر من انتسابهم إلى مدرسة المتنبى الجادة الوقورة التى ترفعت فى شعرها عن كثير مما تورطت فيها المدرسة النواسية فى الأدب والقارئ المطلع يستطيع فى يسر أن يلمس الفرق الشاسع بين المدرستين فى الموضوعات والاتجاهات والسلوك، رغم أن الثقل الفنى والتقييم النقدى لكل من الشاعرين من حيث أن كلا منهما شاعر فنان يكاد يكون متقارباً.

فلنعد لكى نشهد لقاء زهير وأبى عامر بحارثة بن المغلس شيطان أبى الطيب كما وصفه أبو عامر فى (توابعه وزوابعه) حيث يقول بعد أن انتهيا من لقاء شيطان أبى النواس :

« فقال لى زهير ومن تريد بعد ؟ قلت له : خاتمة القوم صاحب أبى الطيب فقال : اشدد له حيازيمك([74])، وعطر له نسيمك، وانثر عليه نجومك، وأمال عنان الأدهم إلى طريق، فجعل يركض بنا، وزهير يتأمل آثار فرس لمحناها هناك، فقلت له : ما تتبعك لهذه الآثار ؟ قال : هى آثار فرس حارثة بن المغلس صاحب أبى الطيب، وهو صاحب قنص، فلم يزل يتقراها حتى دفعنا إلى فارس على فرس بيضاء، كأنه قضيب على كثيب، وبيده قناة قد أسندها إلى عنقه، وعلى رأسه عمامة حمراء قد أرخى لها، عذبة([75]) صفراء، فحياه زهير، فأحسن الرد ناظراً من مقلة سوساء([76])، قد ملئت تيهاً وعجباً، فعرفه زهير قصدى، وألقى إليه رغبتى، فقال : بلغنى أنه يتناول، قلت : للضرورة الدافعة، وإلا فالقريحة غير صادعة([77])، والشفرة غير قاطعة، قال فأنشدنى، وأكبرته أن أستنشده، فأنشدته قصيدتى التى أولها :

أبرق بذا أم لمع أبيض فاصل

حتى انتهيت إلى قولى :

تردد فيها البرق حتى حسبته

 

يشير إلى نجم الربى بالأنامل

ربى نسجت أيدى الغمام للبسها

 

غلائل صفراً فوق بيض غلائل

سهرتُ بها أرعى النجوم وأنجماً

 

طوالع للراعين غير أوافل([78])

.........................................


 

 

.........................................

وما طاب فى هذى البرية آخر

 

إذا هو لم ينجد بطيب الأوائل

أرى حمراً فوق الصواهل جمة

 

فأبكى بعينى ذل تلك الصواهل([79])

ورُبَّت كتابٍ إذا قيل : زوروا

 

بكت من تأنيهم صدور الرسائل([80])

وناقل فقه لم ير الله قلبه

 

يظن بأن الدين حفظ المسائل

وحامل رمح راح فوق مضائه

 

به كاعباً فى الحى ذات مغازل([81])

حُبوا بالمنى دونى وغودرت دونهم

 

أرود الأمانى فى رياض الأباطل

وما هى إلا همة أشجعية

 

ونفس أبت لى من طلاب الرذائل

وفهم لو البرجيس جئت بجده

 

إذن لتلقانى بنحس المقاتل([82])

ولما طما بحر البيان بفكرتى

 

وأغرق قرن الشمس بعض جداولى

رحلت إلى خير الورى كل حرة

 

من المدح لم تخمل برعى الخمائل([83])

وكدت لفضل القول أبلغ ساكتاً

 

وإن ساء حسادى مدى كل قائل

فلما انتهيت قال : أنشدنى أشد من هذا، فأنشدته قصيدتى :

هاتيك دارهم فقف بمعانها ([84])

فلما انتهيت قال زهير : إن امتد به طلق العمر([85])، فلابد أن ينفث بدرر، وما أراه إلا سيحتضر، بين قريحة كالجمر، وهمة تضع أخمصة على مفرق البدر. فقلت : هلا وضعته على صلعة النسر([86]) ؟ فاستضحك إلى وقال : اذهب فقد أجزتك بهذه النكتة، فقبلت على رأسه وانصرفنا ».

وهكذا ينتهى دور أبى عامر وصاحبه مع توابع الشعراء، ولما كان أبو عامر شاعراً كاتباً فإنه لا يترك الفرصة تفلت منه حتى ينازل شياطين الكتاب وينال إعجابهم، وأبو عامر بن شهيد يطلق على الكتاب اسم الخطباء، وقد فعل ذلك كثير من الأدباء الأقدمين قبله حين أسموا الكتاب خطباء.

المهم أن ابن شهيد وصاحبه يركضان إلى واد من أودية الجن يعرف بمرج دهمان، وهناك يلتقيان بجمهرة شياطين الكتاب متجمعة غير متفرقة وفى مقدمتهم شيطان الجاحظ وشيطان عبد الحميد وشيطان بديع الزمان وشياطين أخر لبعض الأدباء المعاصرين له الذين ناصبوه العداء وأذاقوه مرارة الجفاء مثل أبى القاسم الإفليلى وآخرين أشار إليهما بكنيتهما وهما أبو بكر وأبو محمد.

ويرق أبو عامر غاية الرقة ويبدى كثيراً من الاحترام عند حديثه مع شيطان الجاحظ، ويخشن ويسخر ويسف عند حديثه مع عبد الحميد، ويتناول معاصريه بالتجريح والتشهير، وفى شدة معمعة اللقاء يظهر زبدة الحقب شيطان بديع الزمان، وتجرى بينهما مناظرة فى مواضع سبقت لبديع الزمان فيها أصالة وإبداع حتى إن ابن شهيد يعتبر فيها عالة عليه.

فلنعد إلى أبى عامر ونقتطف بعض أوصافه لهذا الشطر من قصته : « فقال لى زهير : من تريد بعده ؟ فقلت مل بى إلى الخطباء، فقد قضيت وطراً من الشعراء. فركضنا حينا طاعنين فى مطلع الشمس، ولقينا فارساً أسر إلى زهير وانجزع([87]) عنا، فقال لى زهير جمعت لك خطباء الجن بمرج دهمان، وبيننا وبينهم فرسخان، فقد كفيت العناء عليهم على انفرادهم، قلت : لم ذاك ؟ للفرق بين كلامين اختلف فيه فتيان الجن.

وانتهينا إلى المرج فإذا بناء عظيم، قد جمع كل زعيم، فصاح زهير: السلام على فرسان الكلام، فردوا وأشاروا بالنزول، فأفرجوا حتى صرنا مركز هالة مجلسهم، والكل منهم ناظر إلى شيخ أصلع جاحظ العين اليمنى، على رأسه قلنسوة بيضاء طويلة، فقلت سراً لزهير : من ذلك ؟ قال : عتبة بن أرقم صاحب الجاحظ، وكنيته أبو عيينه. قلت : بأبى هو، ليس رغبتى سواه، وغير صاحب عبد الحميد، فقال لى : إنه ذلك الشيخ الذى إلى جنبه، وعرفه صغوى([88]) إليه وقولى فيه، فاستدنانى وأخذ فى الكلام معى، فصمت أهل المجلس، فقال : إنك لخطيب، وحائك للكلام مجيد، لولا أنك مغرم بالسجع، فكلامك نظم لا نثر. فقلت فى نفسى، قرعك، بالله، بقارعته، وجاء بمماثلته([89])، ثم قلت له : ليس هذا، أعزك الله، منى جهلا بأمر السجع، وما فى المماثلة والمقابلة من فضل، ولكنى عدمت ببلدى فرسان الكلام، ودهيت بغباوة أهل الزمان، وبالحرى([90]) أن أحركهم بالازدواج، ولو فرشت للكلام فيهم طولقاً([91]) وتحركت لهم حركة مشولم([92])، لكان أرفع لى عندهم، وأولج فى نفوسهم، فقال : أهذا على تلك المناظر، وكبر تلك المحابر، وكمال تلك الطيالس ؟ قلت : نعم، إنها لحاء([93]) الشجر وليس ثم ثمر ولا عبق، قال لى : صدقت : إنى أراك قد ماثلت معى، قلت: كما سمعت، قال : فكيف كلامهم بينهم ؟ قلت : ليس لسيبويه فيه عمل، ولا للفراهيدى([94]) إليه طريق للبيان عليه سمة، إنما هى لكنة أعجمية يؤدون بها المعانى تأدية المجوس والنبط، فصاح : إنا لله، ذهبت العرب وكلامها، أرمهم يا هذا بسجع الكهان فعسى أن ينفعك عندهم ويطير لك ذكر فيهم وما أراك مع ذلك إلا ثقيل الوطأة عليهم، كريه المجئ إليهم.

فقال الشيخ الذى إلى جانبه، وقد علمت أنه صاحب عبد الحميد، ونفسى مرتقبة إلى ما يكون منه : لا يغرنك منه أبا عيينة ما تكلف لك من المماثلة إن السجع لطبعه، وإن ما أسمعك كلفة، ولو امتد به طلق الكلام، وجرت أفراسه فى ميدان البيان، لصلى كودنه([95])، وكل برثنه، وما أراك إلا من اللكن اللذين ذكر وإلا فما للفصاحة لا تهدر، ولا للأعرابية لا تومض ؟ فقلت فى نفسى : طبع عبد الحميد ومساقه ورب الكعبة، فقلت له: لقد عجلت أبا هبيرة، وقد كان زهير عرفنى كنيته، إن قوسك لنبع([96])، وإن ماء سهمك لسم، أحماراً رميت أم إنساناً ؟ وقعقة طلبت أم بياناً ؟ وأبيك إن البيان لصعب، وإنك منه لفى عباءة تتكشف عنها استاه معانيك تكشف است العنزة عن ذنبها. الزمان دفء لاقر، والكلام عراقى لا شامى([97]) إنى لأرى من دم اليربوع بكفيك، وألمح من كشى([98]) الضب على ماضغيك، فتبسم إلى وقال : أهكذا أنت يا أطليس([99]) تركب لكل بهجه، وتعج إليه عجه ([100]) فقلت : الذئب أطلس، وإن التيس ما علمت. فصاح به أبو عيينه : لا تعرض له، وبالحرى أن تخلص منه، فقلت : الحمد لله خالق الأنام، فى بطون الأنعام، فقال : إنها كافية ولو كان له حجر([101])، فبسطانى وسألانى أن أقرأ عليهما من رسائلى، فقرأت رسالتى فى صفة البرد والنار والحطب فاستحسناها ([102]) ومن رسالتى فى الحلواء حيث أقول :

خرجت فى لمة ([103]) من الأصحاب، وتبة([104]) من الأتراب، فيهم فقيه ذو لقم([105])، ولم أعرف به، وغريم بطن، ولم أشعر له، رأى الحلوى فاستخفه الشر، واضطرب به الوله، فدار فى ثيابه، وأسأل من لعابه، حتى وقف بالأكداس([106]) وخالط غمار الناس، ونظر إلى الفالوذج([107]) فقال : بأبى هذا اللمص([108])، انظروه كأنه الفص، مجاجة الزنابير([109])، أجريت على شوابير([110]) وخالطها لباب الحبة، فجاءت أعذب من ريق الأحبة، ورأى الخبيص([111])، فقال : بأبى هذا الغالى الرخيص، هذا جليد سماء الرحمة، تمخضت به فأبرزت منه زبد النعمة، يجرح بالحظ ويذوب من اللفظ، ثم ابيض، قالوا بماء البيض البض، قال غض من غض، ما أطيب خلوة الحبيب، لولا حضرة الرقيب.

ولمح القبيطاء([112])، فصاح : بأبى نقرة الفضة، البيضاء لا ترد عن العضة، أبنار طبخت أم بنور، فإنى أراها كقطع البلور، وبلوز عجنت أم بجوز، فإنى أراها عين عجين الموز ومشى إليها وقد عدل صاحبها أرطال نحاسه، وعلق قسطاسه من أم راسه، فقال : رطل بدرهمين، وانتهشها بالنابين، وصاح القارعة، هيه، ويل للمرء من فيه.

ورأى الزلابية فقال : ويل لأمها الزانية، أبأحشائى نسجت، أم من صفاق قلبى([113]) ألفت ؟ فإنى أجد مكانها من نفسى مكينا، وحبل هوها على كبدى متينا، فمن أين وصلت كف طابخها إلى باطنى، فاقتطعتها من دواجنى([114])، والعزيز الغفار، لأطلبنها بالثأر، ومشى إليها فتملظ له لسان الميزان، فأجفل يصيح : الثعبان الثعبان.

ورفع له تمر النشا([115])، غير مهضوم الحشا، فقال : مهيم([116])، من أين لكم حتى جنى نخلة مريم، ما أنتم إلا السحار، وما جزاؤكم إلا السيف والنار. وهم أن يأخذ منها، فأثبت (البائع) فى صدره العصا، فجلس القرفصا ، يذرى الدموع، ويبدى الخشوع، وما منا أحد إلا عن الضحك قد تجلد فرقت ضلوعى ، وعلمت أن الله فيه غير مضيعى ، وقد تجلد الصدقة على ذوى وفر، وفى كل ذى كبد رطبة أجر، فأمرت الغلام بابتياع أرطال منها تجمع أنواعها التى أنطقته، وتحتوى على ضروبها التى أضرعته([117])، وجاء بها، وسرنا إلى مكان حال طيب، كوصف المهلبى:

خان تطيب لباغى النسك خلوته    وفيه ستر على الفتاك ([118]) إن فتكوا

فصبها رطبة الوقوع، كراديس كقطع الجذوع، وجعل يقطع ويبلع، ويدحو فاه ويدفع وعيناه تبصان، كأنهما جمرتان... ([119])، وأنا أقول له : على رسلك أبا فلان، البطنة تذهب الفطنة، فلما التقم جملة جماهيرها، وأتى على مآخيرها، ووصل خورنقها بسديرها([120])، تجشأ فهبت منه ريح عقيم([121])، أيقنا لها بالعذاب الأليم، فنثرنا شذر مذر، وفرقتنا شغر بغر([122])، فالتمحنا منه الظربان([123])، وصدق الخبر فيه العيان، نفح ذلك فشرد الأنعام، ونفخ هذا فبدد الأنام، فلم نجتمع بعدها والسلام.

فاستحسناها، وضحكا عليها، وقالا : إن لسجعك موضعاً من القلب، ومكاناً من النفس، وقد أعرته من طبعك، وحلاوة لفظك، وملاحة سوقيك ما أزال أفنه([124])، ورفع غينه([125]). وقد بلغنا أنك لاتجازى فى أبناء جنسك، ولا يمل من الطعن عليك، والاعتراض لك، فمن أشهدهم عليك ؟ قلت : جاران دارهما صقب، وثالث نابته نوب، فامتطى ظهر النوى، وألقت به فى سرقسطة العصا، فقالا : إلى أبى محمد تشير، وأبى القاسم وأبى بكر؟ قلت : أجل. قالا : فأين بلغت فيهم ؟ قلت : أما أبو محمد فانتضى علىَّ لسانه عند المستعين([126])، وساعدته زرافة([127]) من الناس استهواها من الحاسدين، وبلغنى ذلك فأنشدت شعراً منه :

وبلغت أقوامـاً تجيش صدورهم

 

على، وإنى منـــهم فارغ الصدر

أصاخوا إلى قولي فأسمعت معجزاً

 

وغاصوا على سرى فأعياهم أمرى..

وأما أبو بكر فأقصر، واقتصر على قوله : له تابعة تؤيده. وأما أبو القاسم الإفليلى، فمكانه من نفسى مكين، وحبه بفؤادى دخيل، على أنه حامل على ومنتسب إلى.

فصاحا : يا أنف الناقة بن معمر، من سكان خيبر، فقام إليهما جنى أسمط ربعة وارم الأنف، يتظالع([128]) فى مشيته، كاسرا لطرفة، زاويا لأنفه، وهو ينشد.

قوم هم الأنف والأذناب غيرهم

 

ومن يسوى بأنف الناقة الذنبا

فقالا لى : هذا صاحب أبى القاسم : ما قولك فيه يا أنف الناقة ؟ قال : فتى لم أعرف على من قرأ. فقلت لنفسى : العصا من العصية، إن لم تعربى عن ذاتك وتظهرى بعض أدواتك، وأنت بين فرسان الكلام، ولم يطر لك بعدها طائر، وكنت غرضا لكل حجر عابر ».

وتجرى مناظرة حادة ساخرة بين أبى عامر وبين أنف الناقة شيطان الإفليلى يصب فيها أبو عامر جام غضبه ومنتهى زرايته على شيطان خصمه فيقول : « وأخذت للكلام أهبته، ولبست للبيان بزته، فقلت : وأنا أيضاً أعرف على من قرأت ؟ قال : ألمثلى يقال هذا ؟ فقلت : فكان ماذا؟

 قال : فطارحنى كتاب الخليل. قلت : هو عندى فى زنبيل. قال : فناظرنى على كتاب سيبويه قلت : خريت الهرة عندى عليه، وعلى شرح ابن درستويه. قال لى : دع عنك، أنا أبو البيان، قلت : لاه([129]) الله، إنما أنت كمغن وسط، لا يحسن فيطرب، ولا يسئ فيلهى([130]).. ».

وينال أبو عامر من أنف الناقة نيلاً شديداً ويفاخره ببلاغته وأسلوبه وفكاهته ويتمثل برسالته فى وصف البرغوث، كما يزهو عليه برسالته القصيرة فى وصف ثعلب.

على أن أبا عامر حريص الحرص كله على مقابلة شيطان بديع الزمان ومنازلته رغم أن أبا عامر نفسه غرس أدبى من حصاد أدب بديع الزمان كما سوف نبين عند انتهائنا من تقديم القصة. يقول ابن شهيد عن مقابلته لزبدة الحقب شيطان الهمذانى :

« وكان فيما يقابلنى من ناديهم فتى قد رمانى بطرفه، واتكأ لى على كفه فقال : تحيل على الكلام لطيف وأبيك !! فقلت : وكيف ذلك ؟ قال : أو ما علمت أن الواصف إذا وصف شيئاً لم يتقدم إلى صفته، ولا سلط الكلام على نعته، اكتفى بقليل الإحسان، واجتزى بيسير البيان، لأنه لم يتقدم وصف يقرن بوصفه، ولا جرى مساق يضاف إلى مسافة، وهذه نكتة بغدادية أنى لك بها يا فتى المغرب ؟

فقلت لزهير : من هذا ؟ قال : زبدة الحقب صاحب بديع الزمان. فقلت : يا زبدة الحقب، اقترح لى، قال : صف جارية، فوصفتها، قال : أحسنت ما شئت أن تحسن، قلت اسمعنى وصفك للماء، قال : ذلك من العقم([131])، قلت بحياتى هاته، قال : أزرق كعين السنور، صاف كقضيب البلور انتخب من الفرات ، واستعمل بعد البيات، فجاء كلسان الشمعة، فى صفاء الدمعة.

فقلت : انظره، يا سيدى، كأنه عصير صباح، أو ذوب قمر لياح([132]) ينصب من إنائه، انصباب الكوكب من سمائه، العين([133]) حانوته، والفم عفريته، كأنه خيط من غزل فلق، أو مخصر([134]) يضرب به من ورق، يرفع عنك فتردى([135])، ويصدع به قلبك فتحيا.

فلما انتهيت فى الصفة، ضرب زبدة الحقب الأرض برجله، فانفرجت له عن مثل برهوت([136])، وتدهدى([137]) إليها، واجتمعت عليه، وغابت عينه، وانقطع أثره، فاستضحك الأستاذان من فعله، واشتد غيظ أنف الناقة على».

وكأن ابن شهيد لا يريد أن ينهى مقارعته أو قل مبارزته لشياطين كبار الأدباء عند هذا الحد، إن فى نفسه الكثير من الإفليلى، وهو يريد أن يثأر لنفسه من شيطانه أنف الناقة، ولكنه فى نفس الوقت يكن له مودة كانت قد سلفت، وعلما لم ينكره عليه، وهو لذلك يبتدع شخصية جنى اسمه أبو الآداب، وأبو الآداب هو تابع جار لأبى عامر اسمه أبو إسحاق بن حمام، ومن ثم فإن أبا عامر يصطنع نوعا من الإنصاف حين يجرى بعض الأوصاف الطيبة لأنف الناقة على لسان أبى الآداب حين يقول : « فإنه على علاته زير علم ، وزنبيل فهم ، وكنف رواية » ويمضى أبو عامر فى اصطناع العتاب فيقول مجيباً أبا الآداب : « وهل كان يضر أنف الناقة وينقص من علمه، أو يفل شفرة فهمه أن يصبر لى على زلة تمر به فى شعر أو خطبة، فلا يهتف بها بين تلاميذه، ويجعلها طرمذة([138]) من طراميذه ».

وينهى أبو عامر هذا المشهد من قصته بأن يزجى المديح لنفسه على لسان شيطانى الجاحظ وعبد الحميد اللذين يقولان له : « إنا لنخبط منك فى بيداء حيرة، وتُفتق أسماعنا منك بعبرة، وما ندرى أنقول : شاعر أم خطيب، فقلت : الإنصاف أولى، والصدع بالحق أحجى، ولابد من قضاء فقالا : اذهب فإنك شاعر خطيب ».

ويمضى بنا ابن شهيد إلى مشهد آخر من مشاهد قصته الممتعة، ولكنه هنا يصطنع مجلساً للأدب والنقد حضوره من نقاد الجن، يناقشون أبياتاً فى وصف الطير من شعر الأفوه الأودى والنابغة وأبى نواس وصريع الغوانى وأبى تمام والمتنبى، ولكل من هؤلاء الشعراء سهم وافر فى وصف الطيور الجارحة، فيقول ناقد من الجن اسمه شمردل السحابى إن أكثرهم إحساناً المتنبى حيث يقول :

له عسكرا خيل وطير إذا رمى

 

بها عسكرا لم تبق إلا جماجمه

ويأخذ الكلمة شاعر جنى اسمه فاتك بن الصقعب، وينشد أبياتاً يدعى أنها أبلغ من قول جميع الشعراء، ثم يتبين المجلس أن هذه الأبيات إنما هى من صنع الشاعر نفسه وليست من قبيل الاستشهاد بشعر الغير، فيهتز المجلس به طرباً وإعجاباً، يقول فيها :

وتدرى سباع الطير أن كماته

 

إذا لقيت صيد الكماة سباع

لهن لعاب فى الهواء وهــزة

 

إذا جد بين الدارعين قـراع

تطير جياعا فوقــه وتردها

 

ظباه إلى الأوكار وهى شباع

تملك بالإحسان ربقـة رقـها

 

فهن رقيق يشترى ويبــاع

ويسهم ابن شهيد نفسه فى المناقشة ليظهر قدرته على النقد، وملكته فى الجدل، وتمييز ردئ المعنى من جيده، وضعيف القول من حسنه، ويصطنع مبادئ نقدية يجريها على لسان شيخ يعلم ابنه صناعة الشعر فيقول له : « إذا اعتمدت معنى قد سبقك إليك غيرك فأحسن تركيبه وأرق حاشيته، فاضرب عنه جملة، وإن لم يكن بد ففى غير العروض التى تقدم إليها ذلك المحسن، لتنشط طبيعتك، وتقوى منتك»([139]).

ويمضى أبو عامر على سنته فيجعل ابن الصقعب يستنشده بعض شعره ويبدى إعجابه به، ويقع بالمصادفة إنشاده فى سمع جنى كان على مقربة منهما، كأنه على حد تعبير أبى عامر هضبة لركانته وتقبضه، يرميه بسهمين نافذين، وأبو عامر يلوذ بطرفه عنه، ويستعيذ بالله منه لأنه ملأ عينه ونفسه ويسأل هذا الجنى أبا عامر أن ينشده شيئاً من شعره، فيستجيب له أبو عامر وينشده قدراً كبيراً فى فنون مختلفة لا يتسع المقام هنا لذكرها وكلها من جيد الشعر ومنتقاه.

وينهى أبو عامر هذا المشهد بأن يجعل ذلك الجنى يسأله عن اشعار بعينها فيجيبه أبو عامر إنها تارة لأبيه وتارة أخرى لأخيه، وثالثة لعمه، وأخرى لجده أو جد أبيه. كل ذلك لكى يثبت أبو عامر أنه شاعر كبير ورث الشعر كابرا عن كابر. على أن الجنى هنا لا يجيز أبا عامر وحسب، بل يقول : « والذى نفس فرعون بيده لاعرضت لك أمراً، إنى أراك عريقاً فى الكلام. ثم قل واضمحل حتى إن الخنفساء لتدوسه فلا يشغل رجليها ».

ويسأل ابن شهيد صاحبه زهير عن اسم هذا الجنى، فيقول : استعذ بالله، هذا فرعون بن الجون.

وأما المشهد الأخير فى التوابع والزوابع، فإنه تحفة أدبية فكهة، اعتمد فيها ابن شهيد على قريحته أكثر من اعتماده على قريحة كبار الشعراء والخطباء على ما مر بنا فى المشاهد التى سلفت. وهو فى هذا المشهد يمتع ويطرف، ويسخر ويفكه، ويصف ويجادل، ويمر ويحلو، فهو هذه المرة يترك عالم الإنسان من الجن إلى عالم جن الحيوان، ولكنه حيوان أديب شاعر عاشق. وتطلب إليه عانة من الجن أن يحكم بين حمار وبغل عاشقين شاعرين فيستقبح زهير شعر الحمار ويجدها فرصة سانحة فيعود للتعريض بأنف الناقة، ثم تجرى مناقشة طريفة بينه وبين بغلة يتضح فيما بعد أنها بغلة صديقه أبى عيسى، ويتخذ حوراهما طابع المودة وأسلوب السخرية، ويتطارحان الذكريات، وتسأله بغلة عيسى عن أصدقائها من بغال الدنيا فيجيبها فى سخرية لاذعة أن من إخوانها من بلغ الإمارة، وأن منهم من انتهى إلى الوزارة، فلنستمع إلى ابن شهيد يقص علينا هذا الجانب الطريف من هذا المشهد قبل أن ينتقل إلى غيره !

« ومشيت يوماً أنا وزهير بأرض الجن أيضاً، نتقرى الفوائد، ونعتمد أندية أهل الآداب منهم، إذ أشرفنا على قرارة غناء([140])، تفتر عن بركة ماء وفيها عانة([141]) من حمر الجن وبغالهم، قد أصابها أولق([142])، فهى تصطك بالحوافر، وتنفخ من المفاخر، وقد اشتد ضراطها، وعلا شحيجها([143]) ونهاقها. فلما بصرت بنا، أجفلت إلينا، وهى تقول : جاءكم على رجليه، فارتعت لذلك، فتبسم زهير وقد عرف القصد، وقال لى : تهيأ للحكم، فلما لحقت بنا، بدأتنى بالتفدية([144])، وحيتنى بالتكنية([145]). فقلت : ما الخطب ؟ حمى حماك أيتها العانة، وأخصب مرعاك. قالت : شعران لحمار وبغل من عشاقنا اختلفنا فيهما، وقد رضيناك. قلت : حتى اسمع. فتقدمت إلى بغلة شهباء عليها جلها وبرقعها، لم تدخل فيما دخلت فيه العانة من سوء العجلة، وسخف الحركة، فقالت أحد الشعرين لبغل من بغالنا، وهو :

على كل صب من هواه دليل

 

سقام على حر الجوى ونحـول

وما زال هذا الحب داء مبرحا

 

إذا ما اعترى بغلا فليس يـزول

بنفسى التى أما ملاحظ طرفها

 

فسحر وأما خدها فأســـيل

تعبت بما حملت من ثقل حبها

 

وإنى لبغل للقتال حـــمول

وما نلت منها نائلا غـير أننى

 

إذا هى بالت، بلت حيث تبول

 والشعر الآخر لدكين الحمار :

دهيت بهذا الحب مـنذ هويث

 

وراثت إرادتى فلـست أريث([146])

كلفت بإلفى منذ عشرين حجة

 

يجول هوها فى الحــشا ويعيث

وما لى من برح الصبابة مخلص

 

ولا لى من فيض السـقام مغيث

وغير منها قلبها لى نمـــيمة

 

نماها([147]) أحم([148]) الخصـيتين خبيث

وما نلت منها نائلاً غـير أننى

 

إذا هى راثت رثت حيث تروث([149])

فضحك زهير، وتماسكت، وقلت للمنشدة : ما هويث ؟ قالت : هو هويت بغلة الحمير، فقلت : والله إن للروث رائحة كريهة، وقد كان أنف الناقة أجدر أن يحكم فى هذا الشعر، فقالت : فهمت عنك، وأشارت إلى العانة أن دكيناً مغلوب، ثم انصرفت قانعة راضية.

وقالت لى البغلة : أما تعرفنى أبا عامر ؟ قلت لو كانت ثم علامة، فأماطت لثامها، فإذا هى بغلة أبى عيسى، والخال على خدها، فتباكينا طويلا، وأخذنا فى ذكر أيامنا. فقالت : ما أبقت الأيام منك ؟ قلت : ما ترين ؟ قالت : شب عمرو عن الطوق، فما فعل الأحبة بعدى ؟ أهم على العهد ؟ قلت : شب الغلمان، وشاخ الفتيان، وتنكرت الخلان، ومن إخوانك من بلغ الإمارة، وانتهى إلى الوزارة فتنفست الصعداء وقالت : سقاهم الله سبل العهد([150])، وإن حالوا عن العهد، ونسوا أيام الود بحرمة الأدب، إلا ما أقرأتهم عنى السلام، قلت : كما تأمرين وأكثر.

وينتقل بنا أبو عامر بعد ذلك سريعاً إلى جانب آخر ممتع من مشهده الأخير فى قصته، وهو جانب بطلته أوزة جميلة فصيحة ناقدة نحوية لغوية اسمها العاقلة وكنيتها أم خفيف، تحمل على أبى عامر وتتهمه بالهوى فى حكمه على شعر دكين الحمار وغريمه البغل، وتدخل مع أبى عامر فى مناظرات لغوية وهو يهرب منها، لأنه يحسن الشعر والخطابة أكثر من إحسانه النحو والغريب اللذين هما على حد تعبير أم خفيف أصل الكلام ومادة البيان. وتأخذ المناظرة بين أبى عامر وأم خفيف طابع التحدى تارة والمراوغة والفرار تارة أخرى، وأبو عامر يفرض نفسه على موضوع المحاورة، يقبل ما يتفق مع ملكاته ويرفض ما لا يحسنه، الأمر الذى يذكرنا بمناظرة بديع الزمان والخوارزمى، على أن الأمر الذى ينبغى أن نقف عنده طويلاً فى هذا الجزء من المشهد هو ذلك الوصف الممتع الأخاذ المتحرك السلس الدقيق الذى وصف به أبو عامر الأوزة معجبة ساكنة متحركة ذاهبة جائية فرحة غاضبة، لقد وصفها فى جميع حالاتها وصفاً لم يسبقه إليه أديب قبله، فلنستمع إلى أبى عامر وهو يحكى لنا هذا القسم الأخير مما وصل إلينا من قصته الممتعة.

« وكانت بالقرب منا أوزة بيضاء شهلاء، فى مثل جثمان النعامة، كأنما ذر عليها الكافور، أو لبست غلالة من دمقس الحرير، لم أر أخف من رأسها حركة، ولا أحسن للماء فى ظهرها صباً، تثنى سالفتها([151])، وتكسر حدقتها، وتلولب قمحدوتها([152])، فترى الحسن مستعاراً، والشك مأخوذ عنها، فصاحت بالبغلة : لقد حكمتم بالهوى، ورضيتم من حاكمكم بغير الرضا.

فقلت لزهير : ما شأنها ؟ قال : هى تابعة شيخ من مشيختكم تسمى العاقلة، وتكنى أم خفيف، وهى ذات حظ من الأدب، فاستعد لها، فقلت : أيتها الأوزة الجميلة، العريضة الطويلة، أيحسن بجمال حدقتيك، واعتدال منكبيك، واستقامة جناحيك، وطول جيدك ، وصغر رأسك، مقابلة الضيف بمثل هذا الكلام، وتلقى الطارئ الغريب بشبه هذا المقال ؟ وأنا الذى همت بالإوزة صبابة، واحتملت فى الكلف بها عض كل مقالة، وأنا الذى استرجعتها إلى الوطن المألوف، وحببتها إلى كل غطريف([153])، فاتخذتها السادة بأرضنا، واستهلك عليها الظرفاء منا، ورضيت بدلا من العصافير، ومتكلمات الزارزير، ونسيت لذة الحمام، ونقار الديوك، ونطاح الكباش. فدخلها العجب من كلامى، ثم ترفعت وقد اعترتها خفة شديدة فى مائها، فمرة سابحة، ومرة طائرة تنغمس هنا وتخرج هناك، قد تقبب جناحاها، وانتصبت ذناباها، وهى تطرب تطريب السرور، وهذا الفعل معروف من الأوز عند الفرح والمرح. ثم سكنت وأقامت عنقها، وعرضت صدرها، وعملت بمجدافيها، واستقبلتنا جائية كصدر المراكب، فقالت : أيها الغار المغرور : كيف تحكم فى الفروع وأنت لا تحكم الأصول ؟ ما الذى تحسن قلت : ارتجال شعر واقتضاب خطبة، على حكم المقترح والنصبة([154])، قالت : ليس عن هذا أسألك. قلت : ولا بغير هذا أجاوبك، قالت : حكم الجواب أن تقع على أصل السؤال، وأنا إنما أردت بذلك إحسان النحو والغريب اللذين هما أصل الكلام، ومادة البيان. قلت : لا جواب عندى غير ما سمعت. قالت : أقسم أن هذا منك غير داخل فى باب الجدل. قلت : وبالجدل تطلبيننا وقد عقدنا سلمه، وكفينا حربه، وإن ما رميتك به منذ لأنفذ سهامه، وأحدّ حرابه، وهو من تعاليم الله U عندنا فى الجدل فى محكم تنزيله، قالت : أقسم أن الله ما علمك الجدل فى كتابه ! قلت : محمول عنك([155]) أم خفيف، لا يلزم الإوز حفظ أدب القرآن، قال الله U فى محكم كتابه حاكياً عن نبيه إبراهيم u : « ربى الذى يحيى ويميت، قال : أنا أحيى واميت » فكان لهذا الكلام من الكافر جواب، وعلى وجوبه مقال، ولكن النبى r لما لاحت له الوضاحة القاطعة رماه بها وأضرب عن الكلام الأول، قال : « فإن الله يأتى بالشمس من المشرق فأت بها أنت من المغرب فبهت الذى كفر » وأنا لا أحسن غير ارتجال الشعر، واقتضاب خطبة على حكم المقترح والنصبة.

فاهتزت من جانبيها، وحال الماء([156]) من عينيها، وهمت بالطيران ثم اعتراها ما يعترى الإوز من الألفة وحسن الرجعة، فقدمت عنقها ورأسها إلينا تمشى نحونا رويداً، وتنطق نطقاً متداركاً خفياً، وهو فعل الإوز إذا أنست واستراضت وتذللت، على أنى أحب الإوز وأستظرف حركاتها، وما يعرض من يخافاتها.

ثم تكلمت بها مبسبساً، ولها مؤنساً، حتى خالطتنا، وقد عقدنا سلمها وكفينا حربها، فقلت : يا أم خفيف، بالذى جعل غذاءك ماء، وحشى رأسك هواء، ألا أيما أفضل : الأدب أم العقل ؟ قالت : بل العقل. قلت : فهل تعرفين فى الخلائق أحمق من إوزة، ودعينى من مثلهم فى الحبارى([157]) ؟ قالت : لا. فتطلبى عقل التجربة، إذ لا سبيل لك إلى عقل الطبيعة، فإذا أحرزت منه نصيباً، وبؤت([158]) منه بحظ، فحينئذ ناظرى فى الأدب، فانصرفت وانصرفنا ».

تعليق على القصة :-

هذه هى رسالة التوابع والزوابع، إحدى القصص البارعة التى تعتبر فى المقدمة من ألوان الأدب الإمتاعى الأندلسى بصفة خاصة، والعربى بشكل عام، ولقد مر بنا نازعاً من النوازع التى دفعت بابن شهيد إلى كتابتها هو أنه لم يلق من أدباء زمانه التكريم الذى هو أهل له، ولم يقدر أدبه بينهم حق قدره، بل على العكس من ذلك كان هدفاً للطعن عليه والنيل منه، فأراد أن يعطى لنفسه حقها، وأن ينال من الذين أهملوا ذكره حقداً عليه وحسداً، فراح يلتمس التقدير فى دنيا الخيال أو فى عالم الجن، وقد حرص على أن يجاز من كل شاعر فحل ومن كل كاتب مدره، فشيطان امرئ القيس يقول له : اذهب فقد أجزأتك، وشيطان أبى تمام يقول له : ما أنت إلا محسن على إساءة زمانك. والقصد من إساءة زمانه هو بالطبع إساءة أهل الزمان. أما شيطان أبى نواس الشاعر الذى يعجب به أبو عامر كل الإعجاب، فإنه يغرب ويغلو فى الوسيلة التى يعبر بها عن إعجابه بشعر أبى عامر، فيقول له بعد أن سمع مجموعة من شعره : هذا والله شئ لم نلهمه نحن، ثم استدناه وقبل ما بين عينيه وأجازه.

ولقد فعل شياطين الكتاب من الثناء عليه والإعجاب به ومنحه الإجازة ما فعله شياطين الشعراء، بل إن أبا عامر ركب مركب المبالغة والغلواء حينما جعل خياله يصور زبدة الحقب شيطان بديع الزمان الهمذانى بصورة المغلوب المنهزم بعد المحاورة التى جرت بينهما، فجعله يضرب الأرض برجله فتنفرج له عن بئر يغوص فيها وينقطع أثره.

لقد نجح ابن شهيد أمام نفسه على الأقل فى أن يثأر لنفيه من معاصريه، بعد أن نجح فى أن يحظى بإجازة كبار الشعراء والخطباء. لقد ثأر لنفسه بالحملة عليهم والسخرية منهم فى أكثر من موضع، وبخاصة من خصمه أبى القاسم الإفليلى الذى بالغ فى السخرية من شيطانه أنف الناقة، بل إنه ازداد غلوا فى التعريض بهم فى مجال حديثه مع بغلة أبى عيسى، فجعلهم وهم الذين يشبهون البغال غباوة وزراء أو أمراء.

لقد حقق أبو عامر هدفه الكبير كما ذكرنا بالنيل من معاصريه وتحقير شأنهم، على أنه حقق هدفاً آخر لا يقل شأناً عن هدفه الأصيل، ذلك أنه أشبع نزعة إعجابه بنفسه وبآثاره حينما جعل قصته معرضاً كبيراً لما انتفاه بنفسه من أعماله الأدبية فى مجال الشعر وفى ميدان النثر.

وإذا كان هدف أبى عامر من قصته واضحاً ذلك الوضوح الصريح، فلنا أن نبحث عن المنبع الذى استقى منه فكرة قصته، وإطارها، وكثيراً من موادها. إننا نحس بروح بديع الزمان الهمذانى ذلك الأديب الذى لم ينصفه أبو عامر، أو بالحرى لم ينصف تابعه زبدة الحقب تتمشى فى رحاب القصة وفى كثير من جزئياتها، بل فى منهجها وفكرتها.

إننا لا نريد أن ننال من براعة القصة ولا أن نقلل من طرافتها، ولكن ما دام أبو عامر قد أجحف عن عمد بأستاذه بديع الزمان فإن أمانة البحث تقضى بإعطاء بديع الزمان حقه، وبإظهار تلمذة عاقة من جانب ابن شهيد قبل أستاذه بديع الزمان، ولا يقلل من ذلك أو يهون منه عقوق أبى عامر أستاذه الهمذانى، فى الوقت الذى احتفل فيه بكاتبين كبيرين هما الجاحظ وعبد الحميد، اللذان لم يؤثرا فى إنتاج أديبنا ولو بقدر يسير بالنسبة لأثر بديع الزمان فى قصته بخاصة، وفى أدبه بعامة.

فقصة التوابع والزوابع من حيث فكرتها مقتبسة ولا شك من المقامة الإبليسية لبديع الزمان رغم قصرها، ففيها أصول فكرة التوابع والزوابع من حيث أن بطل المقامة قد فقد إبله فخرج فى طلبها، فرمته المقادير فى واد أخضر فيه أشجار باسقة، وأثمار يانعة، وأزهار منورة، وهناك التقى بشيخ جالس، وبعد أن أنس إليه سأله عما إذا كان يروى شيئاً من أشعار العرب فأنشده شعرا لامرئ القيس وعبيد ولبيد وطرفة، فلم يطرب الشيخ لذلك، وبدأ هو ينشد شعرا، فأنشده قصيدة :

بان الخليط ولو طوّعت ما بانا

 

وقطعوا من حبال الوصل أقرانا

ويكتشف بطل مقامات بديع الزمان أن القصيدة لجرير، فيقول للشيخ إن هذه القصيدة لجرير (قد حفظها الصبيان وعرفها النسوان ) فيتهرب الشيخ ويقول له : دعنى من هذا، وإن كنت تنشد شعراً لأبى نواس فأنشدنيه، فينشده عيسى بن هشام قصيدة أبى نواس السينية :

لا أندب الدهر رَبْعاً غير مأنوس

 

ولست أصبو إلى الحادين بالعيس

       وهى قصيدة ماجنة، فطرب الشيخ وشهق وزعق، فقال له عيسى : (قبحك الله من شيخ لا أدرى أبانتحالك شعر جرير أنت أسخف أم بطربك من شعر أبى نواس، وهو فويسق عيار) فيرد عليه الشيخ ردا طويلا فى كلام مسجوع شبيه بتلك الأوصاف الكثيرة التى جرت على قلم أبى عامر، ويكتشف عيسى أن الشيخ لم يكن إلا شيطان جرير، وهو الذى أوحى إليه القصيدة النونية التى مر ذكرها فى أول المقامة، ويغيب الشيطان ويختفى، ويمضى عيسى لوجهه فيلقى رجلاً يقص عليه قصته، فيناوله مسرجة وينصحه بدخول الغار المظلم، فإذا به يجد إبله فى داخله، فيسوقها أمامه، وبينما هو على تلك الحال، إذ بأى الفتح الإسكندري يقابله، فيقص عيسى قصته مع الشيخ، ويخبره بخبره، ولشد ما تكون دهشته يشير أبو الفتح إلى عمامته ويقول : هذه ثمرة بره، فيقول عيسى : (يا أبا الفتح، شحذت من إبليس، إنك لشحاذ).

وهكذا يتبين لنا أن ابن شهيد أخذ المقامة الإبليسية لبديع الزمان ونماها وتوسع فى خيالاتها وأضاف إليها ما جعلها تخدم غرضه الخاص فى كتابة قصته الطويلة.

وابن شهيد متأثر بعد ذلك بعدد آخر من مقامات بديع الزمان مثل المقامة البشرية، والمقامة الحمدانية وفيها وصف جميل للفرس، يقابله وصف الإوزة فى التوابع والزوابع، والمقامة الجاحظية وفيها وصف لبلاغة الجاحظ وابن المقفع يقابله وصف لبلاغة الجاحظ وعبد الحميد عند ابن شهيد، ويظهر تأثر ابن شهيد ببديع الزمان فى الموضوع والأسلوب والفكرة فى وصفه الحلوى، إن أثر المقامة المضيرية والمقامة البغدادية إن واضح كل الوضوح، بل عن وصف الماء ليس إلا صورة محسنة لوصف بديع الزمان فى المقامة المضيرية ، مع أن وصف الماء لم يكن هدف بديع الزمان فى مقامته بقدر ما كان الهدف استطراداً وثرثرة سببهما الإبريق العجيب الذى أنبوبه منه.

ولم يقف تأثر ابن شهيد فى (توابعه وزوابعه) ببديع الزمان عند هذا الحد بل هذه الحدود، إنه كان متأثراً بمناظرة البديع والخوارزمى التى رواها بديع الزمان بقلمه وضمنها ديوان رسائله. لقد تأثر بها أبو عامر من حيث الفكرة والأسلوب والجدل أكثر من مرة، مرة وهو يناظر (أنف الناقة) شيطان الإفليلى ومرة هو يجادل الإوزة (أم خفيف). ([159])

لقد كان بديع الزمان ماثلاً فى خاطر ابن شهيد، حاضراً أمامه بكل آثاره عندما بدأ هذا الأخير يكتب رسالته، وكذلك عندما انتهى، وهو مع ذلك لم يعطه حقه، ولم يكرم تابعه التكريم الذى ينبغى أن يلقاه أستاذ من تلميذ، ويستحقه شيخ من مريد الأمر الذى نأخذه بشدة على أبى عامر.

على أن ذلك لا ينال من قدر القصة كثيراً، فهى عمل أدبى جليل الأثر، لأنها ترجمان لنفسيه الكاتب ومجتمع زمانه، وأما أسلوبها فرشيق مصنوع موشى أنيق، فيه سحر ورقة، وفيه شفافية واستهواء، وفيه فكاهة باسمة، وسخرية لاذعة.

ولا نبالغ إذا قلنا إن هذه الرسالة ينتهى نسبها الفنى إلى آثاره بديع الزمان.

وهكذا يكون فن المشرق هو المحور الثابت الذى عليه ترتكز الأعمال الأدبية الكبيرة فى الأندلس.

$$$




([1]) يجوز أن تكون بكسر الفاء اسم مكان، كذا قرئ قوله تعالى : }أَيْنَ الْمَفَرُّ{، وقيل إن اسم الموضع بالفتح وعليه الجمهور.

([2]) ذكروا أن السفن التى نقلت العرب من سبتة إلى الجزيرة كانت أربعاً، وأنها ظلت ذاهبة آئبة تنقل الجنود حتى تم حصولهم جميعاً ببر الأندلس، وأنها كانت ليليان، وليست للعرب ؛ فاتخذ طارق من انصرافها وانحصارهم فى الجزيرة بين العدوين : البحر والقوط، سبباً لحملهم على الاستبسال.

([3]) الصدق هنا الصبر فى الشدة.

([4]) رواية ابن خلكان مآدب، وهى جمع مأدبة، والمأدبة بفتح الدال وضمها، وكذلك الأدبة كحجرة : طعام صنع لدعوة أو عرس، والفعل أدب كضرب كآدب.

([5]) اللئام : جمع لئيم، وهو ضد الكريم.

([6]) شئ وافر وموفور ومستوفر (اسم مفعول) بمعنى كثير ووفر كندم ووعد صار كثيراً ووفره كثره.

([7]) الوزر : بالتحريك الجبل المنيع، وكل معلق، والملجأ، ويطلق على السلاح لأنه يعصم أصحابه، والوزير من الوزر بالكسر، وهو الحمل الثقيل لأنه يحمل ثقل الأمر ويعين الملك برأيه، أو من الوزر (بالتحريك) لأن الملجأ إليه فى التدبير.

([8]) من معانى الريح : الغلبة والقوة والدولة، وكل هذه المعانى صالحة هنا، والريح تذكر وتؤنث لذلك وردت رواية ابن خلكان : (ذهبت ريحكم).

([9]) يقال جرؤ ككرم بمعنى شجع فهو جرئ، والمصدر جرأة كجرعة وجرة كثبة، وجراءة ككراهية.

([10]) المناجزة : المقالتة كالتناجز، ونجز كفرح ونصر : انقضى وفنى، ونجز (كنصر) الحاجة قضاها كأنجزها، وأنت على نجز من حاجتك : أى على شرف من قضائها، وقولهم المحاجزة قبل المناجزة : أى المسالمة قبل التعجيل بالقتال، يضرب فى حزم من عجل الفرار، قبل قتال من لا قبل له به، ولمن يطلب الصلح بعد القتال. والمعنى : قد فات أوان ذلك. كما يقال : الصيف ضيعت اللبن.

([11]) الطاغية : ملك النصارى كأن العرب فرضوا الظلم لازمة هؤلاء الملوك، فألزموهم هذا الوصف، ثم غلبت عليه الاسمية، وفى رواية ابن خلكان : (هذه الطاغية) وهى خطأ.

([12]) رواية ابن خلكان : (المحصنة).

([13]) النجوة : المكان المرتفع.

([14]) فى الأصل بدل أرباً عنها بنفس : أبداً بنفسى، والكلام عليه لا يتصل، رباً : كمنع ارتفع.

([15]) رفه عيش الرجل : ككرم، لان، فالرجل رفيه ورافه ورفهان ومترفه : مستريح متنعم، ورفه الرجل كمنع رفها بالفتح والكسر ورفوها، لان عيشه.

([16]) فى رواية النفح : (فما حظكم فيه بأوفى من حظى) والمعنى لا يستقيم لأنه يريد أن يقول لهم إن حظكم من الفتح أعظم من حظى، فأنا وال قابل للنقلة، أما أنتم فقد صارت لكم البلاد ولأعقابكم، لذلك تؤثر رواية ابن خلكان.

([17]) العقيان : الذهب.

([18]) العزب : بالتحريك كالمعزابة، والعزيب من لا أهل له غير المتزوج، وعزباناً جمع عزيب، كشجيع وشجعان، وعزب كجذع وجذعان، أو عازب كصاحب وصحبان، أو أعزب على القول بوروده فيكون كأعمى وعميان.

([19]) الصهر : بالكسر القرابة، وزوج بنت الرجل أو أخته. والختن : بالتحريك : الصهر أو ما كان من قبل المرأة كالأب والأخ.

([20]) فى نفخ الطيب وابن خلكان : (استماحكم) وليس فى كتب اللغة افتعل من هذه المادة، فلابد أن تكون محرفة عن : إسماحكم، يقال سمح كمنع وأسمح بمعنى جاد وكرم أما سمح ككرم، فمعناها : صار من أهل السماحة، والوصف منه سمح ككتف ويخفف.

([21]) المجالدة من جالدوهم بالسيوف : أى ضاربوهم بها، وتجالدوا واجتلدوا : تضاربوا بها.

([22]) هذه رواية ابن خلكان، ورواية نفح الطيب بإثبات التاء : (خالصة) وتخريجها على جعل يكون تامة بمعنى يحصل، وتكون خالصة حالاً من الهاء فى مغنمها.

([23]) رواية ابن خلكان : (ولن يعوزكم) وهى كما تعرف أبلغ وأدخل فى النفى من رواية النفخ.

([24]) فى رواية النفح : (واكتفوا الهم) وفى رواية ابن خلكان : (واكتفوا المهم) وأرى أن الروايتين غير صالحتين لأن صيغة اكتفى لم ترد إلا لازمة تقول اكتفيت بكذا بمعنى قنعت به واستغنيت، ولكن المعنى المراد هنا هو معنى رد ومنع، وكانت تؤديه كلمة كفى كما فى قولنا : كفاك الله السوء، وكان يصح أن نجعل الكلمة فى الخطبة محرفة عن هذا الفعل، فيكون الأصل اكفوا المهم، أى ردوه وامنعوه، ويكون المفعول الأول للفعل محذوفاً، والأصل اكفوا أنفسكم المهم، ولكنى أستحسن أن يكون التحريف عن اكتشفوا كما أثبتناه فى نص الخطبة، ويكون المعنى : أزيحوا الهم عن أنفسكم بقتل هذا الطاغية.

 ولهذه الخطبة نص فى كتاب الإمامة والسياسة، ولكنه بعيد عن النصين اللذين رجعنا إليهما.

([25]) مجلة الثقافة 12 / 1 / 1943.

([26]) أبو بكر محمد بن حزم الفقيه.

([27]) أصمى : أى رمى فقتل الصيد فى مكانه.

([28]) أشواء أى أصابت أطرافه لا مقتلة، ما أشويت : أى ما أخطأت المقتل.

([29]) السها كوكب خفى من بنات نعش الصغرى مجاور للقطب، كان العرب يمتحنون أبصارهم به لخفائه.

([30]) الزبانى واحد الزبانين وهما كوكبان نيران فى قونى برج المقرب معترضان بين الشمال والجنوب.

([31]) الشيصبان الشيطان وهو أيضاً اسم لقبيلة من الجن.

([32]) التابعة جنية تحب الإنسان وتتبعه أينما ذهب.

([33]) الزابعة والزوبعة رئيس الجن أو اسم لشيطان.

([34]) انثال انصب.

([35]) الرغائب : جمع رغيبة وهى الأمر المرغوب فيه.

([36]) الحائر البستان.

([37]) بقل وجهه يعنى خرج شعره.

([38]) اشجع الجن أى من قبيلة أشجع فى الجن، والمعروف أن ابن شهيد من قبيلة أشجع العربية، وإذن فبين ابن شهيد وزهير بن نمير وشائج قرابة.

([39]) مقلوب : أى مصاب من قلبه.

([40]) الأجارع جمع أجرع وهو الكثيب له جانب رمل وجانب حجارة، وهو أيضاً الأرض ذات الحزونة يعلوها رمل.

([41]) الدو الفلاة.

([42]) الصعدة القناة المستوية.

([43]) هى قصيدة لامرئ القيس قالها وهو فى طريقة إلى بلاد الروم.

([44]) الحيصة : الهرب.

([45]) المغانى : المنازل، والأدور : جمع دار.

([46]) السفاسق : جمع سفيسقة وهى فرد السيف.

([47]) الغيناء : الشجرة الخضراء.

([48]) الطابع بفتح الباء وكسرها : الخاتم يطبع به، يشير بذلك إلى بيتى أبى تمام :

يا عمرو قــل للقمر الطالع         اتسع الخرق على الراقع

يا طول فكرى فيك من حامل      لرقـعة مفكوكة الطابع

([49]) طرفاً أى فرساً كريماً. ما تريم أى ما تترك.

([50]) نفسه أى همته.

([51]) الغرة : ليلة استهلال القمر، وغرة الهلال طلعته، مسود القميص هو الليل.

([52]) جمام ثلاثة : أى راحة أيام ثلاثة.

([53]) هو شاعر أموى هجا بعض قومه فشكوه لسعيد بن عثمان بن عفان ليؤدبه فهرب، ولم يزل كذلك حتى عفا عنه.

([54]) حول كريت أى سنة كاملة، والمربع المكان يقام فيه فى فصل الربيع.

([55]) الأسباب الحبال والمقصود حبال التلاقى.

([56]) قنن الطريق نهجه.

([57]) دير حنة دير بظاهر الكوفة كان يزوره أبو نواس ويأوى إلى الحانات القريبة منه.

([58]) تصوك : تعبق.

([59]) ذات الأكيراح هو دير حنة، والأكيراح ومفردها كرح بكسر الكاف وهى كلمة سريانية بمعنى الكوخ الصغير يكون حول الدير يسكنه من الرهبان من لا قلاية له.

([60]) أى وعلى ذلك الحال نريده.

([61]) الطرجهارة إناء مثل الكأس يشرب فيه.

([62]) أظب جمع ظبى.

([63]) تعطو أى ترفع رأسها لتأكل من الشجر، والعرارة مفرده العرار، وهو نبات صحراوى طيب الرائحة.

([64]) أى كبير الدير.

([65]) أى القدح الكبير.

([66]) المعصفر الساقى يلبس الملابس المعصفرة. خفره أى جعله يحمر حياء، خفيره حاميه والمحافظ عليه.

([67]) المحفوف البعيد العهد بالدهان، الدهان الطيب. السحق الثوب البالى. الأمساح والمسوح ثياب الرهبان.

([68]) الشطر الثانى : فلو قد شخصتم صبح الموت بعضنا.

([69]) أقوت يعنى أقفرت.

([70]) أوعث أى سر فى المكان السهل، لا تنجد لا تسر فى المكان المرتفع.

([71]) هو القاضى ابن ذكوان وقد رثاه ابن شهيد بقصيدة مطلعها :

ظننا الذى نادى محقاً بموته                        لعظم الذى أنجى من الرزء كاذبا

([72]) نسبة إلى جحدر، كان قاطع طريق بأرض اليمن فشدد الحجاج فى طلبه حى ظفر به وحبسه، فنظم فى سجنه قصيدة جميلة يرثى بها نفسه ويستعطف الحجاج ويحن إلى بلاده مطلعها :

أحاذر صولة الحجاج ظلماً              وما الحجاج ظلام لجان

فبلغ شعره الحجاج فأخرجه من سجنه وقال له : أيهما أحب إليك، أن أقتلك بالسيف أم ألقيك للسباع، فقال له أعطنى سيفاً وألقى للسباع ففعل وألقاه إلى أسد جائع فتلقاه جحدر بالسيف ففلق هامته فأعجب به الحجاج وأبقى عليه.

([73]) الشجاع ذكر الحية.

([74]) حيازم جمع حيزوم، وهو ما استدار بالظهر والبطن، شد للأمر حيازمه أى استعد له وتهيأ للقيام به.

([75]) العذبة طرف العمامة ينسدل من خلفها على مؤخرة الرأس وبين الكتفين.

([76]) المقلة السوساء التى تنظر بمؤخرها كبراً أو حنقاً.

([77]) قريحة صادعة أى قاطعة أو مشرقة.

([78]) النجوم الأولى نجوم السماء، والأنجم الثانية هى الأزاهير وقد وصفها بأنها غير أوافل أى مخضلة متفحتة.

([79]) حمر جمع حمار، والمراد أن فرساناً كالحمير يركبون أجود الخيل.

([80]) يقال زور الحديث أى ثقفه وأزال زوره واعوجاجه، زور الشئ قومه وحسنه.

([81]) المراد أن حامل الرمح يشبه فتاة كاعباً تحمل مغزلا، وليس يشبه فارساً محارباً.

([82]) البرجيس هو كوكب المشترى وهو كوكب سعد، والمقاتل أراد به كوكب المريخ وهو كوكب حرب.

([83]) المراد من رعى الخمائل التكسب بالشعر.

([84]) معانيها أى منزلها، والشطر الثانى من البيت :

 تجد الدموع تجد فى هملانها.

([85]) طالق العمر غايته.

([86]) النسر، الطائر، والكوكب، والمعنى فيه تورية، ولعله يقصد أيضاً صلعة نسر الشعراء وهو المتنبى.

([87]) انجزع عنا انقطع عنا.

([88]) صغوى إليه ميلى إليه.

([89]) المماثلة من المحسنات وهى الازدواج الذى عرف به الجاحظ فى أسلوبه حين يكتب.

([90]) بالحرى أى حرى بكذا أو خليق بكذا.

([91]) الطولق نبات.

([92]) لعله يقصد مشولين بمعنى فتيان واحدها مشول كمقعد. أو لعله شولم بمعنى الرقية التى خدع الغنى بها اللصوص فى كليلة ودمنة.

([93]) لحاء الشجر قشره.

([94]) الفراهيدى لقب الخليل بن أحمد.

([95]) الكودن الفرس الهجين، وصلى الفرس يمنى جاء ترتيبه الثانى فى السباق.

([96]) النبع شجر صلب تصنع من فروعه القسي.

([97]) فى ذلك تعريض بعبد الحميد لأن الجاحظ عراقى وعبد الحميد شامى.

([98]) الكشى جمع كشية بالضم شحمة فى بطن الضب يأكلها الأعراب.

([99]) الأطيلس الذئب الصغير الأغبر.

([100]) يعج عجه أى ينهج نهجه ويسير على أسلوبه.

([101]) الحجر العقل.

([102]) هى رسالة طريفة ممتعة يمكن الرجوع إليها فى يتيمة الدهرج 2/44، 45.

([103]) اللمة بالضم الصاحب أو الأصحاب فى السفر.

([104]) التبة الجماعة.

([105]) اللقم سرعة الأكل.

([106]) الأكداس أى مجموعة ألوان الطعام.

([107]) الفالوذج نوع من الحلواء تصنع من الدقيق والعسل والماء، وهى لذيذة.

([108]) اللمص أى الفالوذج.

([109]) محاجة الزنابير أى عسل النحل.

([110]) الشوابير كلمة محلية لعل المقصود منها أوانى صغيرة أو مربعات كانت توضع فيها الحلوى.

([111]) الخبيص نوع من الحلوى يصنع من التمر والسمن أو من العسل والأرز أو الدقيق.

([112]) القبيطاء نوع من الحلوى البيضاء تعرف الآن فى سورية ولبنان باسم كرابيج حلب.