د/ عبير عبد الصادق محمد بدوي

أستاذ الأدب المشارك بكلية تربية الزلفي

المحاضرة الحادية ع

ـ الأسـس الفنيـة لنقــد المسرحية ـ

          تعريف المسرحية:

     المسرحية هي التعبير عن صورة من صور الحياة تعبيرا واضحا بواسطة ممثلين يؤدون أدوارهم أمام جمهور محتشد بحيث يكون هذا التمثيل مثيراً، أو هي قطعة من الحياة ينقلها إلينا الأديب لنراها ممثلة على المسرح فهى فن أدبى قوامه الحركة المنظورة والكلمة المسموعة في مان محدود وجمهور مشاهد.

     وهى بذلك تخضع لقيود تحد من حريتها، وتضيق من مجالها، وتجعل لها سمتا آخر غير سمت القصة ذات الحريات الواسعة.

     ـ نشأة المسرحية في الآداب الأوربيـة:

     نشأت المسرحية في الأدب الإغريقى القديم وانقسمت إلى الكوميديا
(الملهاة)، والتراجيديا (المأساة) وقد ارتبط التمثيل في بلاد الإغريق بالأعياد الدينية، وكان في أول أمره مقصورا على الرقص والغناء، ثم أضيف عليهما ممثل واحد، ثم ثان، فثالث.

     ومن أشهر أعلام المأساة في الأدب الإغريقى القديم ثلاثة:

     سوفوكليس، ويوربيدس، وأسخيلوس.

     وأشهر أعلام الملهاة في هذا الأدب: ارستوفانيس وهو مؤلف الكوميديا المشهورة " الضفادع " التي تهكم فيها بشخصية يوربيدس، وتعرض فيها للجديد والقديم.

     ولما عرف اللاتينيون المسرحية اليونانية قلدوها وحاكوها في جميع خصائصها الفنية، ونشأ المسرح اللاتينى في نحو منتصف القرن الثالث قبل الميلاد.

     وفى العصور الوسطى 1453م كانت المسرحيات ذات طابع دينى. وعندما بدأت حركة البعث الأوربى في القرن الخامس عشر، عاد الأوربيون إلى الأدب الأغريقى واللاتينى القديم يحتذونه ويستمدون منه موضوعات مسرحياتهم ورأيناهم يجمعون في المسرحية بين الحوار وبعض المقطوعات الغنائية، ولكن هذا النوع من المسرحيات لم يدم إلا قليلا، وأخذت الكلاسيكية تتكون وينفصل فيها فن التمثيل القائم على الحوار عن الغناء.

     ومنذ انفصل الغناء عن الحوار التمثيلى كان من الطبيعى أن يتطور هذا الحوار وأن يتجه نحو النثر بدلا من الشعر حتى رأينا بعض الرومانتيكيين من كبار الشعراء مثل "الفريد دى موسيه" وغيره يؤثرون النثر في كتابة مسرحياتهم، وباستمرار تطور فن المسرحية واتجاهة نحو الواقعية وظهور ما يسمى بالدراما الحديثة أخذ النثر يطغى على الشعر في لغة المسرح.

     وأصدق مسرح أوربى تنطبق عليه قواعد الكلاسيكية هو مسرح
" راسين "، وعلى العكس من ذلك مسرحيات " كورنى " التي لم يخضعها كاتبها للقواعد الكلاسيكية حتى لقد هوجم من النقاد هجوما عنيفا بعد ظهور مسرحيته " السيد ".

     وتأثر المسرح الرومانتيكى " بشكسبير " أعظم التأثير، حتى ترجم
" هوجو " مسرحياته إلى الفرنسية، ودعا إليها فذاعت بين الكتاب
والمفكرين، وقد هاجم " هوجو " المسرح الكلاسيكى في مقدمة روايته
" كرمويل ".

     ومن الجدير بالذكر أن المسرحيات الغنائية الأوربية قد تأثرت بالأدب العربى والآداب الشرقية، فالمسرحيات الغنائية الأوربية التي تسمى
" علاء الدين والمصباح السحرى " ومسرحية " معروف إسكافى القاهرة " ومسرحيات شهر زاد الغنائية مقتبسة من ألف ليلة وليلة.

     ـ  نشأة المسرحية في الأدب العربى:

    لم يعرف الأدب العربى القديم فن المسرحية ولا فن التمثيل كما هو في العصر الحديث، بل كان أدبا غنائيا خالصاً، وقد ظهر الحوار في فن المقامة العربية، ولكنه لم يقم أساسا لفن مسرحى، وفى الأدب الشعبى العربى وجدت عناصر تمثيل بدائية في خيال الظل، وألف فيه ابن دانيال (645 ـ 709هـ: 1248 ـ 1310م)  كتابه " خيال الظل أو " طيف الخيال ".

     والمسرح عرفه من قبل الشيعة المسلمون الذين كانوا يمثلون في إيران وفى النجف ومدن العراق مقتل الحسين تمثيلا يعيد إلى أذهان الناس هذه الحادثة الدامية وبظهور مسرح " خيال الظل " الهزلى الشعبى انتقل المسرح الشرقى انتقالا جديدا، وقد مثلت روايات عديدة منها رواية عجيب وغريب، احدى روايات طيف الخيال لابن دانيال المصرى، وشاهد سليم الأول العثمانى في القاهرة بعض هؤلاء الممثلين، وانتقل خيال الظل إلى سوريا وسموه كاراكوز التي حرفت إلى أراجوز.

     وعندما نزلت الحملة الفرنسية بلادنا في العصر الحديث حملت إلينا فيما حلمت المسرح الفرنسى، ولكن ما كان يمثل عليه من روايات مثل بالفرنسية، فلم تتأثر به الحركة الأدبية آنذاك، وعندما اعتلى اسماعيل عرش مصر، أنشئت دار الأوبرا ومثلت فيها روايات غنائية إيطالية، وفى هذا الوقت أنشأ يعقوب صنوع مسرحاً بالقاهرة مثل عليه كثيرا من المسرحيات المترجمة والتى ألفها، وقد أطلق عليه المصريون اسم " موليير مصر " لبراعته في التمثيل الهزلى وما يقترن به من نقد اجتماعى. وقد افتتح مسرحه سنه 1870م وسماه " التياترو الوطنى " وقد ظل هذا المسرح المصرى الأول يعمل حتى سنة 1873م، حين أغلقه إسماعيل، بسبب التعريض به، وبالقصر، في بعض ما كان يقدم من مسرحيات.

     وبعد ذلك بثلاث سنوات وفد على مصر رجل من الشام يسمى سليم النقاش، وكان قد عرف فن المسرح من عمه مارون النقاش، الذى كان قد أنشأ أول مسرح عربى في بيروت سنة 1848م.

     وقد واصل سليم النقاش في مصر ما بدأه يعقوب صنوع وكان يساعده في إعداد النصوص، الصحفى السورى أديب إسحق، ولكن الاثنين آثرا بعد فترة أن يوجها جهودهما إلى الصحافة، لأنها كانت في ذلك الحين أكثر رواجا. وقدم على مصر سنه 1884م فرقة أبى خليل القبانى، وهكذا أصبح في مصر عدد من الفرق التمثيلية، كفرقة يوسف الخياط، وفرقة سليمان القرداحى، وفرقة أبى خليل القبانى، وبهذا زاد التنافس بين تلك الفرق، وتضاعف النشاط في مجال المسرح غير أن نجاح القبانى وفرقته لم يقف عند إنعاش النشاط المسرحى، وإنما تجاوزه إلى شيئين مهمين: وهما توجيه الاهتمام إلى المسرحية التاريخية العربية، ثم العناية باللغة الفصحى والشعر في كتابة المسرحية ولم تمض مدة طويلة حتى أخذ المصريون يشاركون في هذا الفن الجديد فاشتركوا أولاً مع الفرق السورية واللبنانية، ثم استقلوا وأنشأوا فرقا مختلفة مثل فرقة عبدالله عكاشة، وفرقة الشيخ سلامة حجازى ومثل فرقة عزيز عيد، وقد عنى بالتمثيل الهزلى، ثم خطا المسرح المصرى أهم خطواته نحو الفن الصحيح وذلك حين ألف جورج أبيض فرقته المسرحية بعد عودته سنة 1910م من دراسة التمثيل في فرنسا وسرعان ما ألف فرقة مسرحية في سنة 1912م، وفى نفس السنة كون بعض الهواة " جمعية أنصار التمثيل " وينضم إلى هذه الجمعية عبدالرحمن رشدى وإبراهيم رمزى ومحمد تيمور، ويظهر نجيب الريحانى باستعراضاته الغنائية والهزلية ويبتكر شخصية " كشكش بك " عمدة كفر البلاص، ويؤلف مع عزيز عيد فرقة تعنى بالمغناة القصيرة  " الأوبريت " وكانت هذه الفرق جميعا تعتمد على ما يترجم ويمصر لها من تمثيليات ومغنيات غربية.

     وتضع الحرب العالمية الأولى أوزارها، وينشط التمثيل الهزلى
والغنائى، ويعود يوسف وهبى من إيطاليا، وينشىء فرقة استعراضية، ويقنعه عزيز عيد، وزكى طليمات بإنشاء فرقة للدراما الرفيعة، وتنشأ فرقة رمسيس، وتنشط بجانبها فرقة جورج أبيض، وحدث تطور جديد لفن المسرحية في مصر، حين أصدر شوقى أمير الشعراء مسرحيته " كليوباترا " 1927م وأعاد كتابة مسرحية " على بك الكبير " وألف أقدم مسرحية أدبية نثرية وهى " أميرة الأندلس " ومسرحية كوميدية هي " الست هدى "، على أننا لا نصل إلى عام 1928م حتى يصيب كل هذه الفرق ركود قاتل، وتنشىء الدولة سنة 1934م الفرقة القومية، كما تنشأ المعهد العالى للتمثيل، غير أن الركود يظل جاثما على مسارحنا بسبب ظهور السينما، إلا ما كان من مسرح نجيب الريحانى، وتحاول الثورة النهوض بالمسرح، فيعود ثانية إلى النشاط، وبذلك ترد إليه قواه.

     وأخذ كثيرون من كتابنا يكتبون المسرحية شعراً ونثراً ويعالجون فيها القضايا الوطنية والقومية والمشكلات التي تجمعت عن غزو حضارة أوروبا للمجتمع العربى الإسلامى.

     ولكن المسرحية النثرية أصبحت اليوم هي التي تحتل المنزلة الرفيعة في عالم المسرح، ومن أشهر كتاب المسرح توفيق الحكيم، ومن مسرحياته
" الأيدى الناعمة "، ومسرحية " يا طالع الشجرة "، " وأهل الكهف "
و " شهر زاد "، و " السلطان الحائر " وغيرها. ومن كتاب المسرح كذلك محمود تيمور وعلى الرغم من أنه كاتب قصصى إلا أنه أسهم في الكتابة المسرحية مثل مسرحية " اليوم خمر " و " صقر قريش " و " ابو على الفنان " وتيمور عندما يكتب مسرحياته يكتبها أحيانا باللغة العامية، ولما اختير في المجمع اللغوى كتبها باللغة العربية الفصحى.

     وهنا نرى المسرحية في أدبنا العربى الحديث تنقسم إلى مدرستين مختلفتين في الأسلوب، هما مدرسة المسرح الغنائى ويمثلها أحمد شوقى والشاعر عزيز أباظة، والثانية مدرسة المسرح النثرى " الحوارى " ويمثلها الكاتب المسرحى الكبير توفيق الحكيم ومحمود تيمور وبعض الكتاب الذين لمعت أسماؤهم في الآونة الأخيرة.

     وهناك ظاهرة جديدة ظهرت في أدبنا العربى المعاصر وهى ظاهرة تحويل القصة إلى مسرحية كما حدث لأشهر القصص لأكبر الكتاب المعاصرين كمسرحية " الناس اللى فوق ".

     ـ  البناء الفنى للمسرحية:

     يقوم البناء الفنى للمسرحية علىجملة اعتبارات منها:

1-  الموضوع ـ الحدث

      ويجب أن يكون موضوع المسرحية قوياً غنياً بالمواقف المثيرة ذات الصراع الحاد، تتفجر من خلالها مفاجآت غير متوقعة، فليس كل موضوع صالحاً للمسرح، بل لابد أن يتسم بالحركة والصراع والمفاجأة والتأزم، وإلا فقد القوة والإثارة، ثم يأتى دور التنسيق والتنظيم في فصول تشمل العرض والعقدة والحل بحيث تتوازن أجزاء المسرحية، وتترابط في وحدة عضوية كاملة، تنمو فيها الحوادث والأشخاص نمواً مطرداً، فيصبح كل فصل أو منظر مقدمة طبيعية لما يليه.

     أما تعدد الحدث أو تعدد الحلول في رتابة، مع وحدة الخطر أو بدونه، فلا يزال عيباً فنياً يوزع مشاعر الجمهور، ويضعف قضية المؤلف في تصويره.

     ويغلب تعدد الحدث في مسرحيات شوقى: ففى مسرحيته " مصرع كليوباترا " حدثان، هما حب كليوباترا لانطونيوس ثم حب حابى لهيلانه، وكذلك مسرحيته " أميرة الأندلس "، تختم المأساه بخاتمتين مختلفتين: فمن ناحية تنهار دولة المعتمد بن عباد في أشبيلية ويسجن الملك الشاعر وأسرته في شمال أفريقيا عند ملك المرابطين: يوسف بن تاشفين، ومن ناحية ثانية ينعقد زواج حسون ببثينة ابنة ذلك الملك العاثر. وتعدد الأحداث الحلول على هذا النحو يضعف الوحدة التي تتركز فيها الأحداث والمشاعر، ومن شأنه أن يوهن الأثر العام للمسرحية، وربما أراد شوقى بتعدد الحلول على هذا النحو تخفيف وقع المأساة على جمهور لم يكن قد
تهيأ لها.

ـ  كما أنه لابد أن يرتبط تتابع الحدث بالشخصيات، بحيث تتسم الحركة الخارجية للأحداث مع الحركة الباطنية النفسية للشخصيات.

    وعدد الفصول في المسرحية يتراوح بين واحد إلى ثلاثة لا يزيد تقدير للزمن وإمكانيات الأشخاص والمسرح.

2- الأشخاص:

     على الكاتب المسرحى أن يهب شخصياته المسرحية وجوداً حقيقياً مستقلاً عن الممثلين لأدوار تلك الشخصيات، بحيث يبرر وجودها تبريراً موضوعياً بمعنى أن المؤلف يبرز الملامح الخاصة لكل شخص، حتى يميزه بسلوكه ونوازعه عن بقية الأشخاص وأن يجعلنا نستشف هذه الملامح من طبيعة مواقفة وحركاته ولغته في الحوار.

    وذلك يقتضى أن يكون للمؤلف موهبة ممتازة في رسم الشخصيات وأبعادها الاجتماعية والنفسية والجسدية، حتى يشعر الجمهور أنه أمام أشخاص حقيقيين يقومون بأعمال طبيعية، كل في دوره الذى خلق لـه، وسمته المعبر عنها.

     إذن فهناك أساسان لجودة الشخصية في المسرحية:

الأول   :  ألا تفقد الشخصيات صلتها بالعالم الحقيقى.

الثانى:  وحدة الشخصية في عمقها، وليس معنى الوحدة هنا سطحية الشخصية لتمثل فكرة تجريدية، ولكنها الوحدة التي تسمح بأنواع من الاختلاف تنسق مع طبيعة الشخصية في مجرى الحدث ومن هنا يأتى عمقها.

     وتتطلب المسرحية تعدد الشخصيات، ولكن لكل منها وجوده المستقل، ومبررات الوجود لن تتحقق بعزل كل شخصية عن الأخرى. بل لابد من تصارع نوازع الشخصيات، وتناقضها، على ألا يضر هذا التناقض بضرورة تعاونها وتضامنها معاً، حتى يبرر منطقها الحيوى.

     وموجز ما يدور عليه القول ـ في التعرف على الشخصية الأدبية وفى بناء الصراع بين الشخصيات المسرحية أن لها أبعاداً ثلاثة:

البعد الجسمى:  يتمثل في الجنس (ذكر أو أنثى) وفى صفات الجسم المختلفة من طول وقصر وبدانة ونحافة وعيوب وشذوذ، قد ترجع إلى
وراثة، أو إلى أحداث.

البعد الاجتماعى: ويتمثل في انتماء الشخصية إلى طبقة اجتماعية، وفى عمل الشخصية، وفى نوع العمل، ولياقته بطبقتها في الأصل، وكذلك في التعليم، وملابسات العصر وصلتها بتكوين الشخصية ثم حياة الأسرة في داخلها، الحياة الزوجية والمالية والفكرية، في صلتها بالشخصية، ويتبع ذلك الدين والجنسية، والتيارات السياسية والهوايات السائدة في إمكان تأثيرها في تكوين الشخصية.

البعد النفسى: ثمرة البعدين السابقين في الاستعداد والسلوك، والرغبات والآمال والعزيمة والفكر وكفاية الشخصية بالنسبة لهدفها، ويتبع ذلك
المزاج: من انفعال وهدوء، ومن انطواء أو انبساط وما وراءهما من عقد نفسية محتملة.

     وهذه الأبعاد لا قيمة لها إلا في إطار القدرة الفنية التي تربطها رباطاً وثيقا بنمو الحدث والشخصية، لتحقق وحدة العمل الأدبى أو وحدة الموقف.

      3-  الحــوار ـ الأســـلوب:

     لغة المسرحية لغة خاصة، وخاصة الجملة في الحوار المسرحى أنها وضعت أصلا لتقال، لا لتقرأ ولهذا كان للجملة المسرحية خصائصها المحددة بهذه الصفة، فهى لغة منتقاة ذات بريق خاص وإيحاء بعيد، تؤدى بألفاظها القليلة كثيراً من المعانى والمشاعر والدخائل الخفية.

     وليس معنى منتقاة، أن تكون فوق مستوى الجمهور وإنما المراد أن تكون منتقاه من الدارج المألوف. وليس معنى التركيز والإيحاء في الحوار المسرحى أن تنقلب العبارة إلى التعمية والإلغاز، فالفرق واضح بين الإيحاء والتعمية.

     ولابد من توافر اعتبارات في صياغة كل جملة من الجمل المسرحية، شعرية كانت أم نثرية. ومنها:

أن يضع الكاتب المسرحى نصب عينيه الفكرة التي تبرر المقولة، وطبيعة الشخصية التي تنطلق بهذه الفكرة المصوغة في المقولة، ثم أثر الفكرة المصوغة في الشخصيات المسرحية المتوجه بها إليها.

     إذن فاسلوب الحوار في المسرحية يعتمد على الايجاز والتركيز وقوة الإيحاء، بحيث تغنى كلمة عن جملة وجملة عن جمل، لأن طبيعة المسرحية تقوم على السرعة في تتابع الحوادث والحركة، فالحوار المسرحى قوامه السرعة واللمحة الدالة والإشارة الخفية وأخطر ما تتعرض لـه لغة المسرح أن تكون خطابية بمعنى أن القارىء يشعر بأن الشخصية لا تتوجه للشخصيات المسرحية الأخرى، بل إلى المتفرجين وكأن الكاتب ينسى عمله الفنى، ليعبر عن رأيه مباشرة لجمهوره.

     على أن للمسرحية وسائل تعبير غير منطوقه ولا تعتمد على العبارات اللغوية المسموعة فقط. فالحركات والملامح المنظورة لوجوه الأشخاص تعبير، وللحركات والإشارات تعبير آخر، ولنظرات العيون تعبير ثالث، فكل ما يبدو على قسمات الوجه، وحركات الأعضاء، إنما هو تعبير صامت لـه في التصوير والإيحاء دور لا يقل عن دور العبارة المنطوقه.

     ومن خلال حديثنا عن الحوار في المسرحية نعرض لمسألتين هامتين:

الأولى : المسرحية بين النثر والشعر.

الثانية:  مسألة العامية والفصحى في المسرح.

     أما المسألة الأولى: فنقول إن للشعر في المسرح تاريخ أعرق من تاريخ النثر فيه، فلم يكن يدور بخلد أرسطو أن المسرحيات تكتب نثراً، وقد وضع أرسطو للشعر المسرحى معيار المحاكاة. ولم يعتد بالشعر الغنائى.

     وإذا رجعنا إلى تراثنا في المسرحيات، وجدنا أوائل مسرحياتنا الأدبية شعرية، وكان شوقى رائد هذا الشعر المسرحى في أدبنا العربى، فقد استطاع أن يستنفد طاقات اللغة الفنية في شعره من موسيقى اللغة ومن وجوه البيان في التصوير.

     فإذا كان الشعر عنصرا لا ينفصل من سائر العناصر التي تتألف منها المسرحية، ولم يكن مجرد قالب خارجى ينصب فيه المحتوى اللغوى للمسرحية، فإنه لا شك يضيف إضافة حقيقية للمسرحية وبعدا آخر غير الأبعاد التي تحدد المسرحية النثرية، إذ يمكن عن طريق الشعر أن تصل المسرحية إلى أعماق النفس ؛ لأن الشعر أبلغ تعبيرا من النثر وأدق في وصف التجاريب النفسية، لكن لا ننسى أن الاحتفال بالصنعة الشعرية قد يفقد المسرحية جوهرها المسرحى ويفقدها أهمية الشعر فيها.

     والشعر المرسل (أو القافية المرسلة) يسهم في تحرك الأشخاص على المسرح، وفى تبادل الحديث، أما شعر القصائد (أو القافية الموحدة) فإنه يعطى غنائية أكثر مما يعطى حركة.

     المسألة الثانية: وهى لغة الحوار أيكون بالفصحى أم العامية ! والحق أنه لا صراع بين الفصحى والعامية فلمن شاء من الكتاب أن يختار جمهوره، ولا ينبغى بحال أن نفاضل بين الفصحى والعامية لنحتم إحداهما دون الأخرى، بل يجب أن نترك لكل منهما مجاله الطبيعى ليسير فيه ما شاء.

     والذى نعارضه كل المعارضة هو أن نحكم على الفصحى من حيث هي بأنها تعجز عن أن تسهم في هذا المجال تعللا بأن العامية ثرية بقرائن ألفاظها الحية في الاستعمال، أو مراعاة لواقع الحال في حديث الشخصيات التي تتكلم العامية، وينطقها الكاتب اللغة الفصيحة مما يسمونه: واقعية الأداء، فالفرق شاسع بين معنى الواقعية الفنى، وواقعية اللغة، فالواقعية يقصد بها واقعية النفس البشرية، وواقعية الحياة والمجتمع والكاتب لا يستنطق لسان المقال، بل لسان الحال. إذن فليس من الضرورى أن تطابق لغة المسرح لغة الواقع وإنما واجب المؤلف أن ينتخب من لغة الواقع ويرتفع بها، ولا يجوز أن نحاسب المؤلف على أن ما تقوله شخصياته هو ما تقوله فعلا في الحياة، إذ يكفى أن يكون ذلك مما يمكن أن يحدث إذا تهيأت للشخصية الظروف والملابسات الخاصة التي يضعها فيها المؤلف، فالمهم أن تترك لكل شخصية حقيقتها الإنسانية. وهذه الحقيقة الإنسانية لا تعتمد فقط على واقعية اللغة، ولا تعنى الواقعية اللفظية وإنما تعنى الواقعيات النفسية والعقلية والعاطفية فاصطناع اللغة يجب ألا يسلبها هذه الحقيقة، ويتبع ذلك الحفاظ على طرائق تفكيرها، فلا يجوز ـ مثلا ـ أن يتحدث أمى بأفكار الفلاسفة أو ينطق بالصور الشعرية العالية أو أن يتشدق بألفاظ قاموسية.

 


ـ الوحـدات الثـلاث ـ

 

     كانت المسرحية من عهد اليونان والرومان تخضع لقانون الوحدات الثلاث وهى: وحـدة الموضوع " الحدث "، ووحدة الزمان ـ ووحــدة المكان ـ

 

     ـ وحدة الموضوع (أو الحدث):

     وقد عنوا بوحدة الحدث أن تكون العقدة التي تدور حولها أحداث المسرحية واحدة، بمعنى أن يكون موقف الأبطال والممثلين تجاه العقدة موقفاً متوحداً غير متفكك ولا متمرد. وقد أوحى بهذا إلى المسرح القديم ما عرف باسم (نظرية فصل الأنواع) التي تفصل فصلاً تاماً بين (المأساة) و (الملهاة) فلا يجوز أن يجمع بينهما في إطار واحد، وهى نظرية ثار الرومانسيون عليها، بدعوى أن الحياة التي اعتبر المسرح محاكيها ليست جداً خالصاً ولا هزلاً خالصاً، بل إنه كثيراً ما تجمع الحياة مشاهد الجد إلى مشاهد الهزل، فإذا جمعتهما المسرحية لم تكن خارجة على منطق الحياة الواقعة فضلا عن أن هذا الجمع يظهر ما في الحياة من مفارقات، وهذا مما يكسب المسرحية وضوحاً وقوة.

      ـ وحـــدة الزمـان:

     وهى الوقت الذى يستغرقه التمثيل، فيجب أن يناسب طول الزمن الذى استغرقته الأحداث الممثلة في عالم الواقع وقد نشأ القول بضرورة مراعاة هذه الوحدة من القول بضرورة جعل المسرحية شيئا قابلا للتصديق، حين يرى أنه من المستحيل أن يصدق أحد أن عمل عدة أشهر أو عدة سنوات يجوز أداؤه في ثلاث ساعات، غير أن الكتاب المسرحيين ـ على مر الزمن ـ لجئوا إلى الحيل، للإيهام بتحرك الحوادث فوق منصة المسرح في سرعة، على غرار ما فعل " شكسبير " في كثير من مسرحياته.

 

      ـ  وحـدة المكـان:

     ووحدة المكان تعنى استمرار المشاهد من خلال المسرحية في المكان نفسه الذى ابتدأت فيه هذه المشاهد " وقد تقبل الأمكنة المتقاربة " فمن غير المقبول أن تتعدد الأمكنة وأن تتباعد ؛ لأن هذا أو ذاك يعنى تباعد المسافات الذى يعنى بدوره تباعد الزمن.

     فالقول بوحدة المكان نتيجة اقتضاها القول بوحدة الزمان.

     وقد تمرد كثير على هذه الوحدة، ونظروا إلى " شكسبير " في بعض أعماله المسرحية، ففى " عطيل " انتقلت المناظر من (البندقية) إلى " قبرص "، وفى "أنطونى وكليوبترة " انتقلت المناظر من (الإسكندرية) إلى (روما) إلى (الإسكندرية) إلخ.

     على أن مسرحياته التي أجراها في مكان واحد مثل (هملت) التي أجرى معظم حوادثها في جنبات القصر كانت أعمق أثراً في نفوس نظارتها.

     بيد أن وحدة الزمان والمكان لم يعد لهما وجود في المسرحية الحديثة بهذا المعنى الضيق، فأصبح الزمن يتسع حتى يشمل جيلا كاملا على أن تذكر الحوادث الهامة ويسقط الصغير التافه، كما أصبح المكان يتسع أيضا لعدد معتدل من الأماكن والمناظر التي تسمح بها إمكانيات المسرح الحديث.

      ـ أمثلة تطبيقية:

     وفيما يلى نعرض مسرحية " شهر زاد " لتوفيق الحكيم. فقد استلهم توفيق في كتابة هذه المسرحية الأسطورة الفارسية التي تزعم أن كتاب ألف ليلة وليلة قصصُُ قصته شهر زاد على زوجها شهر يار وذلك أنه فاجأ زوجته الأولى بين ذراعى عبد خسيس فقتلهما، ثم أقسم أن تكون لـه كل ليلة عذراء، يبيت معها، ثم يقتلها في الصباح انتقاماً لنفسه من غدر ا لنساء. وحدث أن تزوج بنت أحد وزرائه " شهر زاد " وكانت ذات عقل ودراية، فلما اجتمعت به أخذت تحدثه بقصصها الساحر الذى لا ينضب لـه معين، وكانت تقطع حديثها بما يحمل الملك على استبقائها في الليلة التالية لتتم لـه الحديث إلى أن أتى عليها ألف ليلة وليلة، رزقت في نهايتها بطفل منه، فأرته إياه وأعلمته حيلتها، فاستعقلها واستبقاها.

     ويبدأ توفيق الحكيم مسرحيته بنهاية الأسطورة فإن شهر زاد كشفت لشهريار عن معارف لا تُحد، وأصبح ظامئاً للمعرفة، لوم يعد يُعْنَى بالجسد ولذاته، فقد تحول عقلا خالصاً يبحث عن الألغاز والأسرار، حتى ليريد أن ينطلق من قيود المكان لعله يطلع على مصادر الأشياء