د/ عبير عبد الصادق محمد بدوي

أستاذ الأدب المشارك بكلية تربية الزلفي

المحاضرة السابعة ا

                         الفصل الثالث

                 النقد في القرن الأول الهجـري  

عـندما صدع الرسول محمد صلى الله عليه وسلم بأمر ربه وتسامع العرب بدعوته وسارت بأحاديثه الركبان ــ تركت هذه الأحداث آثارا هائلة في وجدان العرب وهزت فكرهم من الأعماق هزا غير رفيق ؛ إذ رأوا ما كانوا يؤمنون به ويصدرون في اعتقادهم عنه ينهار من أساسه ويتهاوى أمام المباديء التي جاء بها الإسلام وكان العقلاء منهم والحنفاء يتحرقون شوقا إليها ويرتقبون بزوغ أنوارها من دياجير الجهل وظلمات الأباطيل والأوهام.

    كانت تلك الأحداث الكبرى مستحوذة على اهتمام العرب في المرحلة التى صاحبت ظهور الدعوة إلى أن كتب الله لها السيادة ومكن لها في الأرض وأظلت رايتها الجزيرة العربية كلها في حقبة يسيرة من الزمن فأحدثت تحولا جذريا في حياة العرب، شمل عقائدهم، وجوانب حياتهم كلها.

    ومن البدهي  أن تقـلل هذه الأحداث من عناية العرب واهتمامهم بأمر الشعر ونقده ومع ذلك فلسنا نقطع بأن العرب في هذه المرحلة قد أهـمـلـوا الشعر والنقد كلية اذ أن دعوة الإسلام ذاتها كانت مثارا لحركة


شعرية صاحبت الدعوة في بعض مراحلها وكان الشعر فيها أحد الأسلحة التى لجأ اليها المتخاصمون ثقة منهم بفعاليتها البالغة وأثرها العميق في نفوس العرب جميعا.. وأكثر من ذلك هناك ما يشير إلى أن فريقا من العرب قبع بعيداً عن تلك الأحداث وكانت حياة هؤلاء وعوائدهم استمرارا لحياة عرب  ما قبل الإسلام. ففي الخبر الذي رواه صاحب الأغانى حول التقاء عمرو بن الأهتم والزبرقان بن بدر وعبدة بن الطيب. وتحاكمهم إلى ربيعة بن حذار والذي نقلناه منذ قليل ـ في هذا الخبر نص على أن ذلك اللقاء كان بعد مبعث النبى صلى الله عليه وسلم وقبل أن يسلم هؤلاء الشعراء، فان صحت هذه الرواية فهى دليل على اطراد الاهتمام بالشعر والنظر فيه بين طائفة من العرب كانت في عزلة عن أحداث تلك المرحلة.

طابع النقد في عصر صدر الاسلام:

    أصبح النقد في عصر صدر الإسلام يصطبغ بصبغة جديدة  ويصدر عن المبادىء التى أرساها الدين الحنيف فأصبحت معايير الشعر الجيد تتمثل في أن يكون متمشيا مع مبادىء الاسلام وملتزما بالنهج الذي أرساه وأقام دعائمه، وعلى هذا الأساس نفسر الروايات التى تناقــلتها كتب الأدب حــــول إعجاب الرسول صلى الله عليه وسلم


وكبار الصحابة بالأشعار التى تدور في فلك العقيدة السمحة وتلتزم بالإطار الخلقى لها.

   روى صاحب العقد الفريد قال:

  " سمع النبى صلى الله عليه وسلم عائشة وهى تنشد شعر زهير بن جناب تقول:

        ارفع ضعيفك لا يحر بك ضعفه

                                 يوما فتدركه عواقب ما جــنى

        يجزيك أو يثنى عليك وان مــن

                                 أثنى عليك بما فعلت فقد جزى

     فقال النبى صلى الله عليه وسلم صدق ياعائشة لا شكر الله من لا يشكر الناس وروى صاحب الأغاني بسنده عن عبد الله بن أنيس عن أمه وهى بنت كعب بن مالك:

  " أن النبى صلى الله عليه وسلم خرج عليه وهو فى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم  ينشد فلما رآه كأنه انقبض فقال: ما كنتم فيه ـ فقال كعب: كنت أنشد. فقال رسول الله صلى الله عليو وسلم فأنشد فأنشد حتى أتى على قوله:

              * مُقاتَلُنا عن جذمنا كل فخمة *

  فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تقل عن جذمنا ولكن قل:   


" مقاتلنا عن ديننا ". "  وجاء رجل إلى النبى صلى الله عليه وسلم فقال: أنشدك يارسول الله ـ قال: نعم فأنشده:

    تركت القيان وعزف القيان        وأدمنت تصــــــلية وابتهـــالا

    وكرى المشقّر في حومـــــة        وشنِّى على المشركين القتالا

    فيارب لا أغبنن صفقتـــــى        فقد بعت مالى وأهلى بـــدالا

  فقال النبى صلى الله عليه وسلم: ربح البيع ! ربح البيع !.

  وروى ابن سلام في طبقاته وهويترجم لعبد بنى الحساس قال:

   وأنشد عمر بن الخطاب قوله:

         عميرة ودع ان تجهزت غاديا

                              كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا

   فقال: لو قلت شعرك مثل هذا أعطيتك عليه..فلما قال:

       فبات وسادانا إلى علــــجانة      وحقف تهاداه الرياح تهاديا

       وهبت شمالا آخر الليل قرة      ولا ثوب الا درعها وردائيا

       فما زال بردى طيبا من ثيابها  

                                  إلى الحول حتى أنهج البرد باليا

فقال له عمر: " ويلك أنك مقتول " !! (1).

ــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) طبقات فحول الشعراء / 156.


     ولا ينبغى أن نفهم من هذه الرويات أن العرب في عصر صدر الإسلام لم يكونوا ـ يتعلقون من الشعر الا بالمضمون المؤيد لعقيدتهم الناشئة ؛ ذلك بأن القوم كانوا عربا فصحاء وكانت أذواقهم التى فطروا عليها تؤهلهم لإدراك المقومات الحقيقية للشعر الجيد والتمييز بين الغث والثمين. وقصارى ما تدل عليه هذه الروايات  ـ حسب اعتقادنا ـ هو أن تثبيت دعائم الدين الجديد وغرس مبادئه في نفوس العرب كان الشغل الشاغل للرسول صلى الله عليه وسلم وكبار صحابته في ذلك العصر فالتمسوا لها كافة الوسائل وحرصوا على تنميتها في المجالات المختلفة. ودليلنا على ذلك ما تناقلته كتب الأدب من إعجاب عمر بن الخطاب رضى الله عنه بشعر زهير بن أبى سلمى وتعليله لهذا الإعجاب بما يدل على إدراكه لمقومات الإجادة والشاعرية. أورد صاحب الأغانى عن ابن عباس قال:

     " خرجت مع عمر في أول غزوة غزاها فـقـال لى ذات ليلة: ياابن عباس أنشدنى لشاعر الشعراء قلت من هو ياأمــير المؤمنين ؟ قال: ابن أبى سلمى. قلت : وبما صار كذلك ؟ قال: لأنه لا يتبع حوشي الكلام ولا يعاظل من المنطق ولا يقول الا ما يعرف  ولا يمدح الرجل الا بما يكون فيه. أليس الذي يقول:

    اذا ابتدرت قيس بن عيلان غاية

                                من المجد من يسبق اليها يسود


    ســبقت اليها كل طــلق مــــبرز

                                سبوق إلى الغايات غير مــزنـد

   كفعل جواد يسبق الخيل عفــــوه

                                السراع وان يجهد ويجهدن يبعد

  ولو كان حمد يخلد الناس لم تمت

                                ولكن حمد الناس ليس بمخـــلـد

أنــــشـدنى لــــه فأنشدتـــه حتى برق الفجر فقال حسبك الآن اقرأ القرآن " (1).

  فهذه الرواية تفيد أن عمر رضى الله عنه صدر في حكمه على شعر زهير عن ظواهر موضوعية معروفة في ذلك الشعر ؛ وهى ظواهر فنية تتعلق بالشعر من جوانبه المختلفة فزهير في رأى عمر أشعر الشعراء

_ لأن ألفاظه قريبـة سهلة يفهمها عامة العرب لأنه كان يتوخَّى في شعره اللغة الشائعة ويتجـنب وحشى الكلام وغريب الألفاظ.

ولأن أسلوبه واضح وعباراته ناصعة لا التواء فيهـا ولا جفاء  فهو لا يعاظل في المنطق أى لا تتداخل عباراته أو تتراكب بصورة تـــؤدى

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الأغاني 10/ 290.


إلى خفاء معانيها وغموض محتوياتها.

ولأن معانيه صادقة فهو لا يمدح الرجــــل إلا بما يكون فيه لا يتزلف ولا يتملق بل يؤمن بما يقول وينفعل به ومن هنا تأتى مدائحه مؤثرة لصدورها عن اقتناع وإعجاب بشخوص ممدوحية لما يمتازون به من صفات ويضطلعون به من جلائل الأعمال التى تقربهم من القلوب وتنتزع لهم الإعجاب والثناء.

     وتلك الدعامات الثلاثة التى علل بها عمر لجودة شعر زهير من أهم مقاييس النقد الأدبى بمفهومه الصحيح.

     وهكذا نرى أن عصر صدر الاسلام لم يخل من أفكار نقدية لها قيمتها في تاريخ النقد العربى فمع الاهتمام بالجوانب المعنوية المتبطة بالدين والأخلاق لم يغفل الناس في هذه المرحلة الجوانب الفنية التى تقرب النتاج الشعرى من الذوق العربى الذي يؤثر السهولة والوضوح والصدق في التعبير والتصوير. 

     وعلى أية حال فقد كان عصر صدر الإسلام مشحونا بالأحداث الفكرية المهمة التى لم يتح معها لعشاق الشعر أن يخلوا إلى النظر فيه والمفاضلة بين نصوصه الا في فترات وجيزة كانوا يشعرون فيها بالهدوء والاستقرار. ولعلنا نلاحظ ونحن نستقرىء الأطوار التى مر بـها الـنقــد عند العـــــرب أن فـــن الـنقـد لم يزدهر حقا الا في عصور


الاستقرار السياسى والاجتماعى ومصداق ذلك أننا لا نكاد نجد أثرا للنظر في الشعر في زمن الفتنة الكبرى التى اندلعت في خلافة عثمان رضى الله عنه وأعقبتها وامتدت بصورة  رهيبة مخلفة بين جماعة المسلمين مشاعر مؤلمة شغلتهم عن كل شىء واستمرت الأمور على هذه الحال إلى خلافة معاوية حيث هدأت بصفة عامة.  ومن هنا كان على المتتبع لأطوار النقد العربى أن ينتظر حتى تهدأ الأمور ويستعيد الناس صوابهم ويفيقوا من غمرة تلك الأحداث  الرهيبة التى رأوها أمام  أعينهم تعصف بكل القيم وتنتهك كافة الحرمات سعيا وراء مآرب سياسية وانسياقا في تيار العصبية البغيض.

النقـد في عصر بني أمية:

 

    وفي عصر بنى أمية برزت في أفق الحياة الأدبية  في المجتمع العربي ثلاث بيئات لكل بيئة منها اهتماماتها الخاصة ونزعتها التى تميزت بها عن غيرها. وتوزع النقد بين هذه البيئات الثلاثة متأثرا بكل منها وثقافة أهلها والذوق الغالب عليهم وهذه البيئات هى:

1 ـ  بيئــة الحجــاز.

2 ـ  بيئــة العـــراق.

3 ـ  بيئــة الشــــام .


     ونحن نفرد كل بيئة من هذه البيئات بالقول متتبعين اهتماماتها النقدية والنزعة الغالبة على نظرتها إلى الشعر ومقدار ما تتميز به من أصالة  وفنية.

بيئـــة الحجـــاز:

     وجد أهل الحجاز أنفسهم في عصر بنى أمية مجبرين على التخلى عن لواء الزعامة السياسية في الدولة الإسلامية الذي ظل بأيديهم منذ نجم من بينهم نور الدعوة وبعد أن كان أهل هذا الإقليم هم مصدر الهيبة والزعامة بين كافة الأمصار الإسلامية عكفوا على أنفسهم وانزووا في بيئتهم مشتغلين بشئونهم الخاصة مؤثرين حياة الدعة بعد أن طحنتهم الحروب وراح جِلَّتُهم ضحية للصراع السياسى المحتدم دون جدوى. ولقد ساعد خلفاء بنى أمية على إنماء هذه الروح المسالمة بين الحجازيين فأغدقوا عليهم المنح والهبات وضاعفوا لهم العطايا والأرزاق وأغرقوا الأقليم بالرقيق من سبى الفتوحات فاستنام الحجازيون إلى حياة الترف وعرفوا الطريق إلى التنعم ووجدوا في ذلك مسلاة تخفف عنهم وطأة الاحساس بالإخفاق والضياع .

     وكان من أثر ذلك أن شاع في إقليم الحجاز فن الغناء الذي توفر علـى نشره وإذاعــته جمـاعة من الموالى الـذين كانـوا قـــد تمرنوا عليه


وحذقوه، وقد تركت هذه الأحداث آثارها في أدب الحجازيين فظهر بينهم فن الغزل الذي كان لشعرائهم فيه مذاهب ومشارب وأفانين.

     وهذا الثراء الواسع وذلك الترف والتنعم ساعد على النهوض بشعر الغزل والافتنان في تلحينه والتغنى فيه، ولم يلبث أن أغرم عامة الحجازيين بهذا الفن الوليد وتعلقوا به، وطبعي أن يواكب هذا النشاط الفنى الذى بلغ مداه نشاط نقدى يقوِّم نتاج الشعراء ويفاضل بينهم ويميز مذاهبهم ويوازن بين معانيهم وأخيلتهم، فظهرت حول هذه النهضة الفنية حركة نقدية ناضجة اهتدت عن طريق الذوق المهذب والإحاطة بمذاهب العرب في التعشق والصبابة إلى كثير من مظاهر الإصابة في شعر الغزل، وتعقبت نواحى القصور التى ظهرت في شعر بعض الشعراء، وأبانت حقيقة الصواب فيها.

خصائص النقد في بيئة الحجاز:

1 ـ صدر النقد في بيئة الحجاز عن الذوق العربي الذي هذَّبه الترف ورققه الغنى والثراء، وتأثر بالحضارة فابتعد عن جفاء البداوة وشراستها، وتمثل ذلك في تعليقاتهم على شعر الغزل ذلك الفن الذي يظهر بجلاء خفىّ الأحاسيس، ويصور لواعج النفوس .

" روى مصعب بن عبد الله الزبيرى عن عروة بن عبيد الله بن عروة


الزبيرى قال: كان عروة بن أذينة نازلا في دار أبى العقيق فسمعته ينشد:

        إن التى زعــمت فــؤداك مـــلَّها  

                                 خلقت هواك كما خلقت هوى لها

        فيك التى زعمت بها وكــلا كمـا

                                  أبدى لصاحبه الصبابة كلهـــــــا

        ولعمرها لو كان حبك فوقهـــــا

                                  يوما وقد ضحيت إذًا لأظلهـــــا     

        فاذا وجدت لها وساوس سلـــوة

                                  شفع الضمير إلى الفؤد فسلهـــا

        بيضاء باكرها النعيم فصاغهـــــا

                                  بلباقة فأدقهـــــا وأجلهـــــــــــــا

        لما عرضت مسلما لى حاجــــــة

                                  أخشى صعوبتها وأرجو ذلهــــــا

       منعت تحيتها فقلت لصـاحبـــــــــى

                                   ما كان أكثرها لنا وأقلهــــــــــا   

       فــــدنا وقــال لعلهــــــا معــــذورة

                                   في بعض رقبتها فقلت لعلهــا !!


قال: فأتانى أبو السائب المخزومي فقلت له بعد الترحيب به ألك حاجة فقال: نعم أبيات لعروة بلغنى أنك سمعته ينشدها فأنشدته الأبيات فلما بلغت قوله:

                فدنا وقال لعلها معذورة..

طرب وقال: هذا