د/ عبير عبد الصادق محمد بدوي

أستاذ الأدب المشارك بكلية تربية الزلفي

المحاضرة العاشرةال

     الجاحــظ وتراثه النقــدى:

     ْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْ

           أضافت آراء الجاحظ في الفنون الأدبية وطريقته في تذوقها وتقويمها إلى الفن النقدى عند العرب أبعادا جديدة وانتقلت به من طور كانت السمة الغلبة عليه هى  التلقائية والسطحية إلى طور آخر أخص خصائصه التعمق والتحليل والبحث عن القيمة الفنية التى ينطوى عليها العمل الأدبى وتميـيزها عما عداها. وتعد جهود الجاحظ من هذه الزاوية علامة بارزة على ارتقاء الفكر النقدى في القرن الثالث كما انها تعد نمطا فريدا في النقد العربى في مختلف عصوره. وهناك مجموعة من الملاحظات العامة التى لاحظناها على تراث الجاحظ النقدى أرى أن أجعل منها مدخلا للحديث المفصل عن منهج هذا الناقد الكبير وبيان ما له من أثر في الفكر النقدى عند العرب. ومن ناحية أخرى فإن عرض هذه الملاحظات في البداية سيغنينا عن التنبيه على ظواهر كثيرة ومهمة في تراث الجاحظ النقدى وسيكشف جوانب لها أهمية خاصة في تقدير مكانته في هذا الباب.  ومن هذه الملاحظات:

         1 _  من أهم ما استرعى انتباهنا في تراث الجاحظ النقدى أنه تراث حافل بالكثير من مقومات الحيوية والخلود، ولا يحتاج الباحث الذي يدرس هذا التراث أن يضعه في إطــــار الـقـرن الثالث الهجرى. فعلى


       الرغم مما صارت اليه الدراسات النقدية في العصر الحديث من نضج وما دخل مناهجها من مفاهيم فإن الجاحظ قد سبق إلى تقرير الكثير من الأصول النقدية التى لا يزال النقد الحديث يصدر عنها ويعتد بها، ولعل السر في هذا الخلود الذى تحظى به آراء الجاحظ في فن النقد يرجع إلى أنه - كما هو معروفكان صاحب فكر مستنير وعقل متحرر، وقد أفاد من فكره وعقله بالاضافة إلى ذوقه اللماح وخبرته الطويلة بتراث العرب الأدبى، واطلاعه على آداب الأمم المتصلة بهم فظهر أثر ذلك كله في الأصول التى قررها ووسمها بتلك الخاصية الفريدة. ولسوف يبقى تراث الجاحظ  المتجدد في ميدان النقد دليلا لا يمكن نقضه على أن الاهتداء إلى حقائق الفن وظواهره ليس وقفا على جنس من أجناس البشر أو حضارة من الحضارات، بل هو هو على الدوام نتاج العقل المستنير والإحساس المرهف في أي عصر كان وفي أي حنس من أجناس البشر وجد.  وقد كان الجاحظ عل جانب لا خفاء به من الفكر المستنير والذوق المرهف والحس اللماح.

      2 -  كان منهج الجاحظ في نقد الأدب امتدادا لمنهج عام صدر عنه في تراثه كله  وهو منهج أهم سماته التحرر من الآراء السابقة واحترام النظر العقلى السليم وذلك - فى اعتقادناهو السر في استواء الحقيقـة النقـدية ووضوحها في تراث الجاحظ. فلم نجد في ذلك التراث


       مظهرا للاضطراب، أو التذبذب، أو اهتزاز النظرية وتضارب الأقوال في المسألة الواحدة ، وكأن أفكار الجاحظ في استوائها وتصاقبها بناء منظم متماسك الأركان. وتراث الجاحظ في النقد الأدبى يتعاون على تأكيد هذا المنهج الذى أشرنا اليه، وذلك مظهر من مظاهر الأصالة الذى يعطى لآراء الجاحظ قيمة خاصة لا يشركه في استحقاقها أحد ؛ فلم يكن ناقلا لآراء غيره، أو متطفلا على أرباب البصر بالأدب، حتى إنه عندما يذكر رأيا من آراء غيره، أو تعليقا لأحد العلماء لا يفوته أن يوضحه ويبين موقفه منه، وقد يشرحه ويفسره فيطلعنا على المغزى منه، والقيمة الفنية التى من ورائه فنحس وكأن هذا الرأى أو التعليق لم تكن لنا دراية به من قبل.

      3 -  واذا كان تراثنا النقدى - بصفة عامة - قد وسم بالاقتضاب والخلو من التعليل والتحليل فان تراث الجاحظ النقدى لا يندرج تحت هذا الحكم بل يدحضه وينطق بخلافه، فكل الأحكام النقدية التى أرسلها الجاحظ تقريبا مشروحة وموضحة، وتلك ميزة من ميزات عقلية الجاحظ ومنهجه في كافة القضايا التى عالجها، فهو غالبا ما يلح في إثبات الفكرة التى يؤمن بها ولا يترك سبيلا إلى تأكيدها وتقريرها في الأذهان، ويلتمس لها الأدلة والبراهين، وهو في ذلك متأثر بالمذهب العقــلى لعلماء الكلام وبالمنهج الجدلى السائد في أوساطهم.  وعلى أية


       حال لم يترك لنا الجاحظ آراءه  وأحكامه النقدية غفلا بل شرح بنفسه أبعادها وأشار إلى مغزاها وقيمتها، ولم يدع لنا مجالا للتغليب أو الترجيح بل تركها حقائق ناصعة، تدل على مذهب له جذور راسخة وقسمات مميزة. وتلك خاصية أخرى تضيف إلى شخصية الجاحظ النقدية بعدا جديدا من أبعــــاد الأصالة والكمال.

       4 -  تمثلت في تراث الجاحظ النقدى البيئة الثقافية في البصرة بكل خصائصها ومعطياتها - وفي اعتقادى أن الجاحظ كان أكثر علماء هذه البيئة إفادة من الدراسات التى انتشرت فيها.  ونستشف من آراء الجاحظ النقدية أنه وعى كثيرا من فروع الثقافة التى بلغت أوجها في البصرة في عصره فمعرفته الدقيقة بأسرار اللغة وتحليله لدقائق تعابيرها وأسرار بلاغتها يعد بلا شك ثمرة من ثمرات تعمقه في فهم المسائل التى أثيرت في بيئة علماء اللغة والنحاة. وتأريخه للكثير من الظواهر الأدبية وإفاضته في ذكر أخبار الشعراء والخطباء يعد دليلا على استيعابه لمعظم محصول الرواة والإخباريين، ثم إن المنهج النقدى عنده مرتكز أساسا على نزعته العقلية المتأثرة بمنهج علماء الكلام  وقد كانت البصرة منبتا لهذا العلم ومنها انتقل إلى سواها من الأمصار.

       5 _  كانت اهتمامـات النقـاد قــــبل الجاحظ مصروفة إلى الفن الشعرى


       الذى ظلت له السيادة والهيمنة على ما عداه من الفنون وجاء الجاحظ واهــــتم _ إلى جانب الشعــر _ بــالنظر في لونين آخرين من ألــــوان الأدب وهما: الخطابة، والكتابة.  ولكل لون من هذه الألوان في نفس الجاحظ موقع ولاهتمامه به دافع ؛  أما الشعر فلأنه مستودع الأحاسيس وهو في نظر الجاحظ عماد الفنون القولية عند العرب إذ كان مستراح خواطرهم، وديوان بلاغتهم، وسجل بيانهم، وصحيفة أمجادهم ومآثرهم بالاضافة إلى أنه أحفل ألوان الأدب بمقومات البراعة ودلائل العبقرية.

        وأما الخطابة فقد دفعه إلى بيان مقومات الجودة والرداءة فيها دفاعه عن العرب ورده على الشعوبية في "البيان والتبيين" فأراد الجاحظ بتحليله لهذا اللون الأدبى أن يدلل على أن للعرب فنونا لا يحذقها غيرهم من البشر، وهى فنون لا تعمُّل فيها ولا تكلف، بل هى نتاج السليقة القويمة والطبع الفياض. وأما الكتابة فقد كانت هى الصناعة التى حذقها الجاحظ وتوفر على امتلاك زمامها،  وأسلمته هى قيادها فبلغ فيها الغاية وأربى على النهاية.

          وقد كان الجاحظ صاحب أكبر مدرسة في فن الكتابة في الأدب العربى، وكان له تلاميذ ولطريقته عشاق مشهورون في القديم والحديث.

           ومما تجدر الإشارة اليه أن الجاحظ على الـــرغم من اهتمامه بهــذه 


      الألوان الثلاثة فإنه لم يكن يفصل في نقده بين الشعر أو الخطابة أو الكتابة بل كان يورد الحقيقة النقدية - في بعض الأحيان - ويمثل لها ببيت من الشعر أو جزء من خطبة أو صدر من رسالة.  وسنرى أمثلة لهذه الظاهرة في تراثه النقدى. وليس معنى ذلك أن الجاحظ كان يغفل الفروق الأساسية بين طبيعة كل لون من هذه الألوان وما يستلزمه   وينفرد به من أصول  - فقد أدرك الجاحظ ذلك ووعاه ولكنه عندما كان يمزج بين هذه الألوان يكون الأصل الذى يدور حوله الحديث متعلقا بحقيقة عامة تصدق على  ألوان الأدب كلها.

       ملامح  منهجه النقدى :  

      ْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْ

        من سمات منهج الجاحظ النقدى أنه لم يكن يصدر في نقده للأدب عن فلسفة من الفلسفات أو يتأثر بثقافة من الثقافات الكثيرة التى حصلها وأحاط بها وعرف دقائقها، والـــنقد الأدبـى بمعنـاه الأمثـل _ كما هو معروف _ يكون دائما من نتاج الذوق المستنير، والثقافة المسـتوعبة وقد عرف الجاحظ  كيف يوفق بين ثقافته الموسوعية وبين نزعته فى تذوق الأدب وتقويمه، فلم يدع لأى من الثقافات التى أتقنها أن تؤثر في آرائه النقدية أو تطغى على نظرته الفنية التى لازمته فيما علق به على حقائق الأدب وقضاياه، فالجاحظ يحترم الحقيقة الفنية ويعدها أساس كل


       عمل أدبى ناجح . وقد لاحظنا ونحن ندرس تراث ابن سلام في النقد تأثره ببيئة علماء اللغة في البصرة وأشرنا إلى المظاهر المتعددة لذلك التأثر، وكذلك ألمحنا إلى تأثر ابن سلام بالبيئة اللغوية والنحوية وهو تأثر بدا سافرا في معظم الأحيان. أما الجاحظ فليس في تراثه النقدى أى مظهر للتأثر ببيئة ما من البيئات العلمية أو الثقافية التى حفلت بها البصرة في عصره ووعى هو الكثير منها وتأثر بها في فكره وفلسفته.  ولعل غاية ما أدته الثقافة للجاحظ الناقد يتعلق بتنظيم تفكيره النقدى والتعمق في التعليل للحقيقة الأدبية وتحليلها وإدراك القيمة التى ينطوى عليها العمل الأدبي والأسس التى اذا لم يحذق الأديب نظامها اختل بناؤه الأدبي ولم يؤثر في السامع أو القارىء التأثير المطلوب.

       المقاييس النقدية في تراث الجاحظ:

      ~~~~~~~~~~~~~~~~~~~

      1_ الصــدق الفــنى :

       

          كان الجاحظ من أوائل النقاد العرب الذين حاولوا تخليص شعر المديح _ وهو كما نعرف _ بــاب من أكبر أبواب الشعر العربى مما دخله من الزيف والتملق على أيدى جماعة من مرتزقة الشعراء أولئك الذين انحدروا به إذ جعلـوه مطـية لمآربهـم المادية ومطامعهم الرخيصة

   

       دون أن يكون لما يتفوهون به أساس من الانفعال الصادق، أو ظل من الحقيقة الخالصة. ولذا دعا الجاحظ إلى ضرورة التزام الشاعر المادح الصدق في مدائحه فلا يصدر فيما يقول الا عن احساس صادق واقتناع حقيقى، بل ذهب إلى أبعد من ذلك فقرر أن من يثيب الشاعر الكاذب يرتكب جريمة في حق نفسه وفي حق الفن على السواء  يقول:

          " وخير المديح ما وافق جمال الممدوح وأصدق الصفات ما شاكل مذهب الموصوف وشهد له أهل العيان الظاهر والخبر المتظاهر ومتى خالف هذه القضية وجانب الحقيقة ضارالمادح ولم ينفع الممدوح. ومن قبل لنفسه مديحا لا يعرف به كان كمادح نفسه، ومن أثاب الكذابين على كذبهم كان شريكهم في إثمهم  وشقيقهم في سخفهم، بل كان المحتقب لكبره المحتمل لوزره، إذ كان المثيب عليه والداعى اليه ".

         وفي موضع آخر يقول:

        " وأنفع المدائح للمادح وأجداها على الممدوح، وأبقاها أثرا، وأحسنها ذكرا أن يكون المديح صادقا، ولظاهر حال الممدوح موافقا، وبه لائقا حتى لا يكون من المعبر عنه، والواصف له ـ إلا الإشارة اليه والتنبيه عليه " (1).

      وروى الجاحظ في الحيوان هذه الحكاية قال:

         "  دخل بعض أغثاث البصريين على رجل من أشراف الوجوه يقال في نسبه فقال: " إنى مــدحتك بشعــر لم تمدح قط بشعـــر أنفع لك منه

      ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

      (1) مجموعة الرسائل / 174.


      قال :  " ما أحوجنى إلى المنفعة ولا سيما كل شىء منه يخلد على الأيام فهات ما عندك فقال: 

           سألت عن أصلك فيما مضى      أبناء تسعين وقد نيفـــوا

           فكلهم يخبرنـــــــى أنـــــــــــه       مهذب جوهره  يعـرف

     فقال له:  "  قم في لعنة الله وسخطه فلعنك ولعن من سألت ولعن من أجابك " !! (1).

          وهكذا نرى أن الجاحظ يحاول أن يضع أساسا موضوعيا يحكم نتاج الشعراء في هذا الباب ويقوم شعرهم بالنظر اليه، فهو يريد من الشاعر المادح ألا يبيح لنفسه اختلاق الميزات، أو افتعال المآثر التى لا وجود لها، بل  يطلب اليه ألا يتعلق إلا بالصفات التى تنطق بها حال الممدوح، ويشهد له بها الجميع، بحيث لا يكون من الشاعر المادح سوى الاشارة اليها والتذكير بها.  ولعلنا ندرك من تحليل الجاحظ لهذه القضية وتوضيحه لهذا المبدأ قيمة ما قاله عمر بن الخطاب عن جودة شعر زهير لأنه كان لا يمدح الرجل إلا بما يكون فيه .

      2 _  صحة المعانى واستقامتها:

       ْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْ

             وذلك مقياس تقليدى من مقاييس النقد العربي رأينا نماذج له في مختلف المراحل والأطوار التى مر بها النقد وإن كنا نلاحظ أن استخدام

       ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

      (1) الحيوان 5 / 177.


       الجاحظ لهذا المقياس يبدو أكثر عمقا وأبعد غورا، إذ ذهب فيه إلى غاية لم يتعلق بها أحد من النقاد قبله ؛ فلم يكتف بصحة المعانى الجزئية التى تتألف منها القصيدة أو النص الأدبى،  بل تطلب صحة المضمون الكلى وتلائمه مع الغعرض الأصلى الذي يرمى اليه الأديب،  ومن ثم  راعى الجاحظ أن تكون لكل كلمة من كلمات الأديب  وكل إشارة من إشاراته  مغزى ونصيب في تأدية الغرض وتجلية المعنى. وهذان مثالان على استخدام الجاحظ لهذا المقياس النقدى. أولهما نقد فيه الشاعر الكميت في مدحه للنبى صلى الله عليه وسلم وفطن إلى خطئه وفساد معانيه يقول الجاحظ (1):

           " ومن المديح الخطأ الذى لم أرأعجب منه قول الكميت  بن زيد وهو يمدح النبى صلى الله عليه وسلمفلو كان مديحه لبنى أمية لجاز أن يعيبه بعض بنى هاشم، أو لو كان مدح بعض بني هاشم لجاز أن يعترض عليه بعض بني أمية، أو لو مدح أبا بلال الخارجي لجاز أن تعيبه العامة، أو لو مدح عمرو بن عبيد لجاز أن يعيبه أصحاب الأحنف، فأما مديح النبي صلى الله عليه وسلم فمن هذا الذي يسوؤه ذلك؟! _ حيث يقول:

            فاعتتب الشوق من فؤادي والشعر إلى من إليه معتتــب

           إلى السراج المنير أحمد لا   يعدلني رغبة ولا رهـــــب

      ــــــــــــــــــــــــــــ

      (1) الحيوان 5/170.


           عنه إلى غيره ولو رفــع النـــــــــــــــاس إليّ العيون وارتقــــبوا 

           وقيل أفرطت بل قصدت ولـو        عنفـــني القائلون أو ثلبوا

           إليك يا خير من حملت الأر.......  ض ولو عاب قولي العيب

          لج بتفضيلك اللسان ولــــــو            أكثر فيك اللجاج واللجب

          أنت المصطفى المحض المهذب في النسبة إن نص غيرك النسب

            والآخر نقد فيه لفظة جاءت مقحمة في غير موضعها فأفسدت