د/ عبير عبد الصادق محمد بدوي

أستاذ الأدب المشارك بكلية تربية الزلفي

المحاضرةالخامسة ال

كتاب " فن الشعر "، و " الخطابة " لأرسطو

لا شك أن كتاب " فن الشعر " لأرسطو أعمق فى نظراته وأوسع فى آفاقه من كتاب " الخطابة "، ولكن الكتاب الثانى كان له خط أوفر من الأول فى الآداب الأوروبية حتى عصر النهضة. وفى تلك القرون الطويلة ظل كتاب " فن الشعر " مجهولاً، أو يكاد، فكانت آراء قليلة مما قالها أرسطو فى ذلك الكتاب تتناقل شفويا، وعن طريق الرواية على يد النحويين ونقاد الأدب فى العصر الرومانى وما تلاه من العصور حتى القرن العاشر الميلادى، حين ترجمت إلى اللاتينية الترجمة العربية لكتاب فن الشعر، فلم تنتج أثراً يذكر، لأنها كانت محرفة ومحورة عن الأصل، فلم تكشف عن الآراء الحقيقية لأرسطو فى الشعر وأجناسه ورسالته الخلقية والاجتماعية.

ومنذ أوائل القرن السادس عشر، ظهرت الترجمات الأولى لكتاب " فن الشعر " عن الأصل اليونانى. وبدأ الكتاب ينتج أثره الحميد فى الآداب الأوروبية، فكثر شراحه من الإيطاليين والفرنسيين كثرة تجعل المقام هنا ضيقاً عن سرد أسمائهم وبيان آرائهم.

وكان من ثمراته ظهور الكلاسيكية التى اقتدت بأرسطو فى كل ما قال، بعد شرحه وتأويله على نحو بعدت به أحياناً بعداً كبيراً من آراء أرسطو الأصلية، وحتى انجلترا التى تأخر فيها ظهور المذهب الكلاسيكى بالنسبة لإيطاليا وفرنسا تأثرت تأثيراً عميقاً بكتاب " فن الشعر ".

 

 

فقد تراوت آثار هذا الكتاب إلى " مارلو Marlowe (1563 – 1593)، وإلى سبنسر spenser (1552 – 1599) وشكسبير (1564 – 1616)، وكثير من كتاب الإنجليز يذكرون كتاب " فن الشعر " ويرون فيه الحجة التى لا تدفع مثل سيدنى sidney (1554 – 1586)، وبن جونسون Ben Jonson المتوفى عام 1637، ثم ملتن Mieton (1608 – 1674)، ولا زال هذا الكتاب القيم يؤثر فى النقد الحديث، ولا زالت الآراء الفذة التى أولى بها مؤلفه العبقرى موضع المناقشة حتى عصرنا.

أما كتاب أرسطو: " الخطابة "، فقد كان خطه فى التأثير أوسع من أثر " فن الشعر " ذلك أن العصور الأوربية الوسطى عرفته، وعليه أعتمد النحويون والبلاغيون حتى أواخر العصر الكلاسيكى. ولكن كان تأثيره مشئوم العاقبة، غذ أتى بعد أرسطو من شغل بالاصطلاحات البلاغية عن روح البلاغة، وأعمتهم الوسائل عن
الغاية، فجروا وراء الألفاظ والتعبيرات، حتى جمدت البلاغة، وفقد الإدراك العام للغة وفنونها، وضعفت وسائل نقد الأسلوب فى خصائصه الفنية الحقيقية وأهدافه العامة، وظلت الحال كذلك حتى الثورة الرومانتيكية والعصر الحديث.

ولم يكن أرسطو مسئولاً فى شئ عن هذا الجمود، إذ كان أفقه أرحب، وإدراكه أوسع من جميع من ساروا على منواله فى كتاب " الخطابة ".

أما العرب فقد عرفوا كتاب " فن الشعر " وكتاب " الخطابة " قبل أن تعرفهما أوروبا بزمن طويل، فقد نقلهما إلى العربية أسحق بن حنين المتوفى سنة 298 هـ، كما يفهم من كتاب الفهرست لابن
النديم، ويذكر ابن النديم كذلك أن الكندى قد اختصر كتاب " فن
الشعر "، وإن كان مختصر الكندى هذا لم يصل إلينا، والكندى توفى على الأرجح عام 252 هـ أى قبل حنين ابن اسحق، مما يدل على أن كتاب فن الشعر كان معروفاً عند العرب قبل حنين.

ولم يكن لكتاب " فن الشعر " أثر يذكر فى الأدب العربى ونقده، لأن العرب لم يفهموه، ذلك أن أرسطو كتب ذلك الكتاب يعالج فيه الشعر الموضوعى، شعر المسرحيات والملاحم، وهو ما لم يعرفه الشعر العربى القديم، ولذلك ترجم العرب " المأساة " بالمديح، و " المهزلة " بالهجاء، مما خلل فى فهم الكتاب ونظرياته.

ولقد تأثر العرب تأثراً بليغاً بكتاب الخطابة لأرسطو، وبخاصة بالقسم الخاص بالأسلوب فيه، ولا يبعد أن يكونوا قد تأثروا بكتب السوفسطائيين التى تناولت نفس الموضوع، مما ليس لدينا الآن وسائل لتحقيقه.

وكان تأثر العرب من هذه الناحية من تأثر البلاغيين من الأوربيين بأرسطو حتى الرومانتيكية، فصرفتهم الاصطلاحات والتعبيرات البلاغية عن الإدراك العام للنقد ونظرياته، كما فطن لها أرسطو فى كتاب " فن الشعر " وكما زخرت بها الآداب الأوربية منذ عصر النهضة حتى الآن، مما لا نكاد نجد له أثراً فى النقد العربى القديم.

وبهذا كله كان أرسطو أب النقد فى الآداب الأوروبية وفى الأدب العربى كذلك، وقد فتح للنقد ميادين فسيحة كانت أخلد أثراً وأوسع مدى من فتوحات تلميذه " الأسكندر الأكبر " ([1]).


النقد عند الرومان:

------------

     بلغ الفكر النقدي عند اليونان مستوى راقيا لمس فيه جوانب جوهرية في الفنون الأدبية المذدهرة لديهم، وتميز نتاجهم فيه بالأصالة وعمق النظر، فلا غرابة أن تترك هذه الآراء تأثيرات مهمة على النقد الأدبي في المراحل التالية ولدى أمم أخرى أفادت من تراث اليونان وتتلمذت عليه، ومن أشهر من عنوا بالنقد الأدبي بعد اليونان القدماء الرومان الذين ورثوا فكرهم وقلدوهم في فنونهم وآدابهم ونتاجهم العقلي كله.

     فبعد أن تفككت البنية السياسية لدولة الأغريق  (اليونان القدماء) وتسلل الضعف الى كيانهم الاجتماعي غزاهم الرومان الذين كانوا أرسخ منهم قدما في فنون الحرب والادارة ومع أن الرومان فتحوا بلاد اليونان وأخضعوها لسيادتهم فان فكر اليونان وفلسفتهم وريادتهم العلمية والعقلية كانت أقوى من سلطان الرومان وسطوتهم العسكرية فلم يلبث الغزاة الفاتحون أن صاروا تلاميذ مستجدين لفكر اليونان جادين في الافادة منهم والأخذ عنهم وتقليدهم والدعوة الى اختفاء أثرهم ومحاكاة


  روائعهم الأدبية ولم يكن للرومان قبل اتصالهم باليونان أدب ناهض أو فكر مزدهر، فلما اقتبسوا من عطاء الأدب اليوناني نهض أدبهم واحتل مكانا مرموقا في الأدب العالمي القديم ولقد أصل نقاد الرومان في القرن الأول قبل الميلاد ثم في القرن الأول الميلادي وما بعده كثيرا من قيم النقد وأكدوا عليها ودعوا الي مراعاتها، وهى تعود في مجملها الى ما أرساه الاغريق ووضعوا لبناته وسبقوا الى وعيه وتأصيله ومن أبرز هؤلاء النقاد الرومان ناقدان هما:

- هوراس

- كانتليان

ونخصص فيما يلي تعريفا موجزا بكل منهما وما أسهم به في ميدان النقد الأدبي.

هوراس:

------

     أشهر نقاد الرومان عاش في القرن الأول قبل الميلاد، تأثر في أتجاهه النقدي بالأغريق وعلى الأخص آرسطو وله قصيدة حول (نقد الشعر) ضمنها آراء نقدية مهمة وعالج فيها مشكلات تتصل بالتعبير الشعري ووظيفة الشعر ومقومات جماله.

     وايثارا للايجاز نلخص هنا أبرز ما تناولته من قضايا  نقدية،


  وسيتضح من خلال تأثر هوراس بآرسطو الي حد كبير كما سنلمس من استعراض محتوات (نقد الشعر) الأفكار التي أضافها هوراس واختلف فيها الي حد ما عما كان مقررا عند آرسطو:

1 - الأديب حر في اختيار الأسلوب الذي يعبر به عما يجيش بخاطره، شريطة أن يراعي تواءم هذا التعبير مع مقتضى الحال ومع من يوجه اليهم عمله، وأن يكون نتاجه متناسقا لا اضطراب فيه.

2 - كما أن الحرية متاحة للأديب للتحديد في الصياغة واستخدام ألفاظ جديدة، ولا ضير عليه في أن يتجاوز ما ردده سابقوه من صنيع أو ألفاظ.

3 - غاية العمل الأدبي التأثير في المتلقي وافادته وامتاعه في آن واحد ولا يتأتى ذلك الا اذا كان الأديب صادقا مع نفسه، والا فان المتذوقين لفنه سيدركون تكلفه وينصرفون عن انتاجه.

4 - تصوير واقع الحياة وعدم التقيد بتقليد القدماء وهو في ذلك يخالف آرسطو.

5 - أن الأدب والفن  - بعامة - نتاج الموهبة والثقافة معا، ولا يغني أحدهما عن الآخر شيئا (1)                                

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الأدب المقارن. محمد عنيني هلال ص 28، 29.


كانتليان

-----

     أتى بعد هوراس في القرن الأول الميلادي وخطا بالنقد الأدبي خطوات مهمة وجهده  الأكبر يتمثل في الدعوة الي محاكاة نماذج الأغريق والأفادة منها ومحاكاتها. وقد وضع كانتليان للمحاكاة شروطا رأى أن جدواها لا تتم الا بمراعاة تلك الشروط وأهمها:-

1 - أن المحاكاة أساس في الفنون لا محيد عنه وهو يعني بذلك محاكاة الاغريق والنسج على مغوالهم في الفنون التي برعوا فيها.

2 - أن المحاكاة ليست تقليدا ساذجا بل انها تتطلب من الأديب أن يكون موهوبا حتى تكون محاكاته ذات طابع خاص يحمل فكره وشعوره ورؤيته.

3 - أن المحاكاة لاتتم بتقليد العبارات والصيغ ولكنها تتحقق بمعرفة جوهر العمل الأدبي وأهدافه ووسائل التعبير عن مضمونه.

4 - أن الأديب الذي يحاكي نماذج الاغريق وروائعهم عليه أن يختار من بينهما النموذج لبذي تتاح له محاكاته ويستطيع أن يأتي من خلال تلك المحاكاة ما يفيد متذوقي أدبه ويمتعهم.

5 - أن المحاكاة في ذاتها لا تصنع أديبا مشهولرا بل على الأديب أن يتخذ منها وسيلة للتمرس بالتعبير الأدبي الجيد ومن ثم تتيح له ابداع


  نماذج يعتمد فيها  على موهبته ويظهر مقدرته على الابتكار والسبق.

                               *  *  *

 تاريخ المذاهب الأدبية عند الأوروبيين(1)

     ارتبط ظهور المذاهب الأدبية عند الأوروبيين بتوجيهات فكرية وأوضاع سياسية واجتماعية لها أثرها في شيوع تلك التيارات أو خفوتها وقيام أخرى بدلا منها وليس من مقاصدنا في هذه الالمامة الوجيزة أن نشرح تلك التوجهات أو نتابع تفصيلاتها (1 بل قصارى ما نهدف اليه هنا هو ايضاح القواعد العامة والملامح المميزة لكل مذهب من تلك المذاهب، وتأثيره على الفنون الأدبية، وطابع النتاج الأدبي المنبعث من ذلك المذهب.

     وتجدر الأشارة الى أن هذه المذاهب تعد مذاهب أدبية بحسبانها تيارات التقت حول كل منها جماعة من أعلام الأدب ومبدعيه في حقبة زمنية معينة تركت تأثيرها على الساحة الأدبية، كما تعد في الوقت

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) للتوسع في هذه المذاهب يراجع: الأدب المقارن، والنقد الأدبي الحديث للدكتور محمد غنيمي هلال. ومعالم النقد الادبي د. عبد الرحمن عثمان، والنقد الأدبي لأحمد أمين.


  ذاته مذاهب نقدية على أساس أن النقاد جددوا معالم كل مذهب منها وقواعده وشرحوها وكشفوا عما تنطوي عليه من غايات وأهداف رأوها في حينها قيما فنية ينبغي التعويل عليها والصدور عنها ونعرض فيما يلي تلك المذاهب محاولين استخلاص قواعد كل منها وفلسفتها وأثرها  في الأدب وموضعها من تطور الفكر النقدي في الآداب ألاوروبية ليتسنى لنا بعد أن نعرف الركائز التي قامت عليها المدارس الأدبية في أدبنا العربي الحديث

أولا: الكلاسيكية:

-----------

     كان الايطاليون أول من ذاعت عندهم قواعد النقد اليوناني والروماني فقد ترجمت كتب آرسطو من اليونانية القديمة وكذلك " نقد الشعر " لهوراس وكثرت شروح تلك المؤلفات من الأيطاليين ثم بدأت تظهر مؤلفات تردد المبادىء التي قررها اليونان والرومان في بيان غاية الأدب وصناعته، وهى تدور حول الأسس التي قررها القدماء، وخلاصتها أن الشعر يهدف الى الفائدة الخلقية والتهذيبية من خلال المتعة الفنية، وأنه يتطلب المهارة واجادة الصناعة أكثر من الموهبة والالهام، كما ردد النقاد الايطاليون فكرة الالتزام بمبادىء أرسطو ومن جاء بعده من نقاد روما، داعين الى مراعاتها ؛ بغـية الوصول


  الى أدب يضارع في جودته وروعته آداب القـدماء.

     وقـد اقتفى الفرنسيون أثر الايطاليين في القرن السابع عشر، وعلى أيديهم رسخت دعائم المذهب الكلاسيكي، اذ غـدا المذهب المتبع بعـد ذلك في أوربا كلها وحتى أواخر القرن الثامن عشر الميلادي.

     ويقوم المذهب الكلاسيكي في جانبه الفلسفي على اعتماد " العقل " أساسا في الفكر والفن، بحسبانه وسيلة تحقيق المعرفة البعيدة عن الزيغ الخالصة من شائبة الانحراف ؛لأن الأدب في فهمهم انعكاس للحقيقة، وهي أمر ثابت في كل زمان ومكان. والعقل هو الذي يحدد رسالة الشاعر الاجتما عية، ويرسي دعائم القواعد الفنية للعمل الأدبي، والعقل المراد هنا عند الكلاسيكيين يرادف " الذوق السليم " والحكم السليم، وهم يعارضون به الذوق الفردي ويفضلونه ؛ لأ نه ثابت لا يتغير، في حين أن الذوق الفردي يختلف من شخص لآخر. كما يربط دعاة الكلاسيكية وذوق الجمهور الذي يتلقى العمل الأدبي، فيكون مراعيا مثله وعاداته، ويعد الشاعر أو الأديب مؤاخذا ان لم يراع ذلك في ابداعاته.

         وحتى تكتمل صورة الاتجاه الكلاسيكي في أذهاننا علينا أن نوضح هنا أن الشريحة الاجتماعية التي كان الأدب يوجه لأمتاعها وارضائها عند الكلاسيكيين كانت الشريحة أو الطبقة االأرستقراطية،


  تأثرا باليونان والرومان .

     أما الجانب الفني المتصل بالقواعد النقدية المقررة فيتمثل في تمييز الأجناس الأدبية ومراعاة ما يتطلبه كل جنس منها على ضوء ما كان مقررا عند القدماء. وكذلك الحفاظ على الوحدات الثلاث في الشعر المسرحي

     وترتب على شيوع المذهب الكلاسيكي في القرون الميلادية الثلاثة من السادس عشر حتى الثامن عشر رواج الشعر المسرحي وخفوت الشعر الغنائي لأن الأول صوت العقل والأخير صدى الذات والوجدان، كما لأن الأتجاه الكلاسيكي ساعد على تثبيت القيم والتقاليد الموروثة وبخاصة فيما يتصل بنظام الطبقات.

     ونيتطيع أن نلخص أهم الأسس التي قامت عليها الكلاسيكية بعد أن تأثرت باليونان والرومان جهة وبالفلسفة العامة التي راجت في عصر شيوعها في أوروبا في المبادىء التالية:

1 - محاكاة القدماء في روائعهم التي اهتدوا اليها بذوقهم الفني وجعلت لآثارهم سمة مميزة وروعة ضمنت له الخلود وعلى من يريد من الشعراء والكتاب الوصول الى مستوى تلك الروائع أن يحاكيها ويحذو حذوها.

2 - يثار الصنعة والمهارة المكتسبة بالدربة وطول المعايشة واعتماد


   العبقرية على العناية الفنية.

3 - الاعتراف بسيطرة العقل، ونبذ الغلو في الخيال، مع التزام قوانين الفكر المنطقي فالأديب الفذ عندهم من يلتزم جانب العقل ولا يهوم في دروب الخيال.

4 - التزام الحيدة في محاكاة الطبيعة وانطاق أبطال المسرحيات بما يجرى في خواطرهم ويجول في عقولهم حسب ثقافتهم وطبقتهم التي ينتمون اليها.

5 - الاهتمام بالأدب الجماعي الذي يشبه ماكان سائرا لدى الأغريق والرومان ونبذ الشواغل الذاتية.

6 - الاهتمام بتجويد الأسلوب، والدقة في انتقاء الألفاظ ومراعاة تقديم صور فنية تجرى على سنن اللغة وقوانينها (1 )

ثانيا الرومانتيكية:

----------

     جدت على ساحة الفكر والمجتمع في النصف الثاني من القرن الثامن عشر أوضاع نتج عنها ضيق الناس بقواعد الكلاسيكية وقوانينها الصارمة، وظهر جماعة من المنظرين والفلاسفة شككوا في الأسس

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) من كتاب معالم النقد الأدبي ص 158 وما بعدها (بتصرف)


  التي قام عليها المذهب الكلاسيكي ومجمل هذه الأفكار تتمثل في محاور ثلاثة كانت ركائز الأتجاه الكلاسيكي وعدت عليها عوادي المجتمع ولفكر فزلزلتها وخلعت عنها أقنعتها الزائفة فبدأ الأنصراف عنها والبحث عن اتجاه جديد وهذه الركائز هي:

1 - الاعتماد على العقل.

2 - نشدان الحقيقة    .

3 - الغاية الخلقية     .

     وحولها دار الجدل بين دعاة الرومانتيكية ودعاة الكلاسيكية فقد شكك الأولون في مبدأ الاعتماد على العقل وحده وأعلوا من شأن العاطفة والشعور اللذين هما من أهم أسس الأدراك عند دعاة الفلسفة العاطفية باعتبار العاطفة أساس الأحساس بالجمال كما أنها أساس الرغبة التي تحفز الأنسان للعمل.

     أما القاعدة الثانية وهى نشدان الحقيقة فقد رفضه الرومانتيكيون ودعوا الى نشدان الجمال لأنه أهم حقائق الفن ولا جمال دون حقيقة، ولذا يتغنى الرومانتيكيون بجمال النفوس وتأخذهم الرحمة بالجنس البشري كله على أختلاف فئاته وطبقاته ناعين على الكلاسكيين ايمانهم بالطبقية وتقديسهم للأوضاع الموروثة واقرارهم للظلم الاجتماعي والتميز الطبقي وخضوعهم للتقاليد الاجتماعية الجائرة وأنظمة الحكم


  المتسلطة.

     وأخيرا تأتي القاعدةا لثالثة وهى الغاية من الأدب وهى عند الكلاسيكين غاية     

   خلقية تهدف الى التهذيب واصلاح العادات طبقا للفهم السائد لدى الطبقة الأرستقراطية    التي  كان  ك ان الأدب الكلاسيكي يوجه اليها ويروج عندها وقد شكك الرومانتيكيون في تلك القاعدة وعندهم أن الغاية من الأدب هى تحقيق الذات وتلبية نداء العاطفة التي هى عندهم مبعث الجمال الحق، ومن أجل تلك الغاية حرص الرومانسيون على تصوير آمالهم وأحلامهم ورفضوا الخضوع للمواضعات الاجتماعية أو الفكرية السائدة حتى غدت تلك المواضعات وثار شك وتساؤل ومناط بحث، ومن ثنايا ذلك كله غدا الأتجاه الرومانسي مفجرا للثورة وهدم التميز الطبقي والدعوة للعدل الاجتماعي وحث الطبقة الوسطى على أن تتقدم الى قيادة المجتمع وكان أساس ذلك كله في فكرهم وفلسفتهم ومن ثم أدبهم: الأعتداد بالفرد في مواجهة المجتمع الذي بنى على أسس بالية قوامها تأكيد الفوارق الطبقية وسيطرة الآرستقراطيين على مقاليد الأمور وحرمان سواد الشعب من حقه في الحرية والسيادة.

     وترتب على شيوع المذهب الرومانسي ازدهار الشعر الغنائي الذي تتمثل فيه ذاتية الفرد ورؤاه وعواطفه وقلت العناية بالشعر المسرحي


  وتغيرت القواعد التي كانت تحكمه فغدا يعنى بالطبقة الوسطى ويصور قضاياها واذا صور قطاعا من الطبقــة العليا فبقصد نقدها وبيان مساوئها.ونلخص فيما يلي أبرز الأفكار والمبادىء التي دعا اليها الرومانسيون وقرروها:-

1 - اتاحة الحرية للآديب وعدم ربطه بنماذج يحاكيها، وانما معتمدة على موهبته التي تسعفه في ابداع أدب جيد.

2 - الدعوة الى أدب جديد يعلي من مكانة