د/ عبير عبد الصادق محمد بدوي

أستاذ الأدب المشارك بكلية تربية الزلفي

المعارضات السردية

المعارضات السردية في الأدب العربي

 

 

إعداد

الدكتور عبد الرحمن بن إسماعيل السماعيل

 

قسم اللغة العربية وآدابها

كلية الآداب

               جامعة الملك سعود

 

 

 

 

 

 

 

 

                                 ملخص

 

اعتاد النقاد ودارسو الأدب في العصر الحديث على ربط كلمة ( معارضة ) بفن الشعر حتى شاع مصطلح (المعارضات الشعرية ) وأصبح يشير إلى فن قائم بذاته انتشر في فترات مختلفة في العصور الأدبية ، وكان مجالا للتنافس بين الشعراء لإظهار قدراتهم الإبداعية في محاكاة بعض القصائد المشهورة التي انتشرت بين الناس بسبب جودتها وتميزها . والمعنى اللغوي لكلمة معارضة لا يحمل تخصيصا بشعر أو نثر بل يعنى بشكل عام المحاكاة  والمجاراة  . وقد استعمل النقاد ودارسو الأدب في القديم كلمة ( معارضة ) في مجالي الشعر والنثر على حد سواء قبل أن تكتسب معناها كمصطلح شعري معروف ، مما كان حافزا لنا في هذا العمل إلى البحث عما في أدبنا السردي قديمه وحديثه من معارضات سردية ؛  للكشف عن المقومات الأساسية لهذا الفن ، وهي مقومات تختلف في أساسها عن مقومات المعارضات الشعرية بسبب اختلاف مقومات كل فن ، ومن ثم نطبقها في دراسة شاملة على ثلاثة أعمال سردية هي  : رسالة التوابع والزوابع لابن شهيد الأندلسي ، ورسالة الغفران لأبي العلاء المعري ، والعصفورية لغازي القصيبي  .  وسوف نقوم في دراستنا لهـذه الأعمال بالبحث عن جوانب المشاكلة وجوانب الاختلاف بينها وتتبعها لنعرف مدى تأثر اللاحق بالسابق ، ومدى تغلغل العمل المتقدم وحضوره في أنسجة العمل المتأخر .

 

 

 

 

 

 

 

  مدخل إلى المعارضات السردية :

اعتاد النقاد ودارسو الأدب  على ربط كلمة معارضة بفن الشعر حتى شاع مصطلح (المعارضات الشعرية ) وأصبح يشير إلى فن قائم بذاته انتشر في فترات مختلفة في العصور الأدبية ، وكان مجالا للتنافس بين الشعراء لإظهار قدراتهم الإبداعية        في محاكاة بعض القصائد المشهورة التي انتشرت بين الناس بسبب جودتها وتميزها ، وكان لذلك دوافع وأهداف ، أما الدوافع فركيزتها الإعجاب بذلك الأثر ، وأما الأهداف فهي الرغبة في تجاوزه جودة وإبداعا أو الإتيان بمثله . والمعنى اللغوي    لكلمة معارضة لا يحمل تخصيصا بشعر أو نثر بل يعنى بشكل عام المحاكاة  والمجاراة ؛ قال ابن منظور في اللسان تحت مادة  ( عرض ) “ عارض الشيء معارضة أي قابله، وعارضت كتابي بكتابه ، أي قابلته ، وفلان يعارضني ، أي يباريني … ” ويقول الفيروز آبادي في القامـوس : “ عارض الطريق جانبه ، وعدل عنه ، وسار حياله ، والكتاب قابله ، وفلانا بمثل صنيعه : أتى إليه مثل ما أتى ، ومنه المعارضة ”  وقد استعمل الأصمعي وأبوعبيدة هذه الكلمة للدلالة على هذا المفهوم ؛ فقد جاء في  كتاب الأغاني أنهما كانا يقولان عن عدي بن زيد “ عدي في الشعراء بمنزلة سهيل في النجوم يعارضها ولا يجري معها  مجراها ” [1] كما استعمل ابن رشيق هذه الكلمة بمعناها المشار إليه حين تحدث عن معارضة قريش للقرآن الكريم فقال :  “ ولمـا أرادت قريش معارضة القرآن   عكف فصحاؤهم الذين تعاطوا ذلك على لباب البر وسلاف    الخمر ولـحوم الضأن والخلوة ” [2] كما أن أبا المعري لما ألف كتابه ( الفصول والغايات  في محاذات السور والآيات ) اتهمه بعض الناس بمعارضة القرآن ؛ قال الباخرزي عن أبي العلاء حين ترجم له في دمية القصر “ أبو العلاء ضرير ماله في أنواع الأدب ضريب ، ومكفـوف في قميص الفضل ملفوف ، … وإنما تحدثت       الألسن بإساءته لكتابه الذي زعموا أنه عارض به القرآن وعنونه بالفصول والغايات  في محاذاة للسور والآيات ” [3]  ويقول ابن الجوزي : “ رأيت للمعري كتابا سماه الفصول والغايات يعارض به السور والآيات ، وهو كلام في نهاية الركة        والبرودة ” ( [4])  وورود كلمة ( معارضة ) في مجال النثر لدى القدماء أكثر من ورودها في مجال الشعر ، ولم تكتسب مفهومها الشعري إلا في عصور متأخرة . والحد الفني الذي نـراه للمعارضات الشعرية الصريحة  يحتم التوافق بين القصيدة القديمة  والقصيدة الجديدة في الـوزن والقافية والغرض الشعري . أما المعارضات الشعرية الضمنية فهي ما فقدت واحدا من هذه العناصر([5]) وبسبب اختلاف المقومات الفنية المعروفة بين الشعر والنثر فإنه لابد من تعريف خاص بالمعارضات السردية التي نحن بصدد الكشف عنها في الأعمال موضع البحث . ولابد أن أشير هنا إلى أنني  أقصد بالأعمال السردية المذكورة هنا تلك الأعمال التي يمكن أن نسميها أعمالا إبداعية ، مثل رسالة الغفران  ، ورسالة التوابع   والزوابع ، و المقامات ، وغيرها مـن الأعمال التي يمكن أن تنطبق عليها صفة الإبداع بالمفهوم النقدي الحديث ، وهي تشترك مع الشعر بهذه الصفة . وسوف نفرق في دراستنا للمعارضات السردية بين نوعين من المعارضات ؛ الأول معـارضة سردية صريحة ، وهي في رأينا (محاكاة الأديب بعمله الإبداعي عملا إبداعيا آخـر في موضوعه وأسلوبه ) وهذا ينطبق أكثر ما ينطبق على المقامات وبخاصة مقامات الحريري حيث جاءت  معارضة لمقامات بديع الزمان الهمذاني في موضوعها وأسلوبها  . أما النوع الثاني فهو المعارضة السردية الضمنية وهي ما فقدت أحد العنصرين المذكورين ، وهذا ينطبق في رأينا على رسالة  الغفران لأبي العلاء المعري المتوفى سنة 449 للهجرة ، ورواية العصفورية للدكتور غازي القصيبي الصادرة في لندن عام 1996 . حيث جاءت الأولى معارضة ضمنية للتوابع والزوابع ، وجاءت الثانية معارضة ضمنية للرسالتين . وسوف نقوم في دراستنا لهـذه الأعمال بالبحث  عن جوانب المشاكلة وجوانب الاختلاف بينها لنعرف مدى تأثر اللاحق بالسابق ، ومدى تغلغل العمل المتقدم وحضوره في أنسجة العمل المتأخر وذلك في الفقرة التالية :

 

المعارضات وتداخل النصوص :

 (لولا أن الكلام يعاد لنفد ) هذه الكلمة التي رواها أبو هلال العسكري في الصناعتين [6] منسوبةً إلى الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه تلخص النتيجة     التي انتهى إليها النقاد العرب والمحدثون قديما وحديثا في دراستهم للنصوص الإبداعية شعرا ونثرا ، وهي أن النص المستقل لا وجود له  . فالتكرار في حقيقته سبيل لاستمرارية الجنس الأدبي وحفظه كما هو سبيل لاستمرارية الجنس البشري وحفظه ، لهذا فهو حتمي لحفظ الجنس  الأدبي  ، كما هو حتمي لحفظ الجنس البشري. فمن المعاني تتولد المعاني ، ومن الأفكار تتولد الأفكار ، وبدون سابق لا وجود للاحق ، فالكلمة دائما خصبة ، والمعاني دائما منجبة ، وليس لإنجابها عمر محدد . والمعاني   تتشابه كما يتشابه الناس ؛ ذلك لأنها تتكرر كما يتكرر الناس ، وجينات الأعمال السـابقة تتسلل بشكل طبيعي إلى الأعمال اللاحقة ، وقد فطن                  الكتاب والنقاد العرب لهذه الحقيقة منذ القدم فأشاروا إليها كظاهرة طبيعية تحتمها طبيعة اللغة وطبيعة البشر .  فقبل ألف عام قال الناقد العربي القديم أحمد بن أبي طاهر : “ وقد رأينا الأعرابي أعرم ، لا يقرأ ، ولا يكتب ، ولا يروي ، ولا يحفظ ، ولا يتمثل ، ولا يحذو ، ولا يكاد كلامه يخرج من كلام من قبله ، ولا يسلك إلا طريقة قد ذللت  له ، والمحترس المتحفظ المطبوع بلاغة وشعرا من المتقدمين لا يسلم أن يكون كلامه آخذا من كلام غيره وإن اجتهد في الاحتراس وتخلل طريق الكلام ، وباعد في المعنى وأقرب في اللفظ ، وأفلت من شباك التداخل . ” [7]وأبو هلال العسكري يؤكد ذلك بقوله : “ ليس لأحد من أصناف القائلين غنى عن تناول المعاني ممن تقدمهم ، والصب على قوالب من سبقهم ”[8] والعسكري هنا لا يقيد التداخل بفن من فنون القول ، بل إنه يعمم ذلك ليشمل جميع أصناف القول والقـائلين . وهذا الكلام الذي قاله نقـاد عرب قدماء قبل ألف سنة نسمعه اليوم من نقاد غربيين محدثين حين يتحدثون عن حتمية التداخل بين النصوص ؛ فعدم القدرة على الإفلات من شباك التداخل مع السابقين لخصها ديريدا في العصر الحديث بقوله : “التراث لا يمكن الإفلات منه Tradition is inescapable([9])   ويقول ريدل وكأنه يردد ما قاله ابن أبي طاهر وأبو هلال العسكري : “ إن النصوص القديمة تفتح أبواب النص الحاضر ليلعب السابقون فيه دورا غير محدود ، لهذا فالنصوص الأدبية كلها تبدو مزدوجة ، أو ثنائية ؛         لأنها بطريقة لاإرادية متخللة بالنصوص السابقة عليها . وبما أن النصوص السابقة تكمن في النصوص الحاضرة فإنه لا وجود للنص المستقل ذاتيا بشكل كامل ” [10]ويتحدث ليتش عن تداخل النصوص وحتميتها فيشير إلى أن النص ليس مستقلا ، بل هو نظام متكامل من العلاقات من النصوص الأخرى بلغته ونحوه ومعجمه لهذا فإن كل نص هو متداخل مع غيره شعوريا أو لا شعوريا [11] ويقول إليوت الذي عرف عنه تقديره للتراث : “ ليس هناك شاعر أو فنان في أي فن يستطيع أن يستقل بالمعنى الكامل منفردا ” [12] وجوليا كريستيفا رائدة فكرة التداخل بين النصوص في العصر الحديث تؤكـد حتمية التداخل التي قال بها العرب قبل ألف عام فتقول عن علاقة النصوص بعضها ببعض : “ إن كـل نص هو عبارة عن لوحة فسيفسائية من الاقتباسات ، وكل نص هو تشرب وتحويل لنصوص أخرى ” [13]وأي نص لا يمكن قراءته بمعزل عن غيره من النصوص الأخرى ،  بل لابد من قراءته معها ، أو ضدها ،كما يقول جوناثان  كولر .[14] ويرى رولان بارت  أن كل نص يحيل إلى بحر لانهائي من المكتوب قبله [15] كما يرى “ أن النص يتألف من كتابـات متعددة تنحدر من ثقافات عديدة ، وتدخل في حوارات مع بعضها البعض ، وتتحـاكى وتتعارض .” [16]

ولابد أن أشير هنا إلى أن النقاد المحدثين قد وضعوا فرقا بين مصطلحي تداخل النصوص (intertextuality  (والتناص ( intertext (  على الرغم من تقاربهما وتداخلهما . وقد أشار إلى ذلك ريفاتير بقوله : “ إن التناص هو مجموعة النصوص التي نجد بينها وبين النص الذي نحن بصدد قراءته قرابة ، وهو مجموع النصوص التي نستحضرها من ذاكرتنا عند قراءة مقطع معين . أما تداخل النصوص فهو ظاهرة توجه قراءة النص ويمكن أن تحدد تأويله ، وهو قراءة عمودية مناقضـة للقراءة الخطية ” [17] وكلام ريفاتير هنا يؤكد تلقائية التناص وقصدية التداخل النصوصي من جانب قارئ النص ، فكل التداعيات التي تنثال على ذهن قارئ النص أثناء القراءة تشير أو تؤكد تناصه مع غيره من الأعمال السابقة له ويبقى بعد ذلك الهدف من القراءة الذي يعتمد على نوع القارئ وخلفيته الثقافية والنصية ، فالقارئ الناقد يقرأ النص ليعيد كتابته بناء على ما يكتشفه من تناص بينه وبين غيره من النصوص السابقة ، ويكون واعيا لهذه العملية متتبعا لأجزائها ، أما القارئ العادي فليس له من هذه العملية إلا ما يرد على خاطره ورودا تلقائيا لا يقف عنده ولا يستطيع تفسيره . أما التداخل النصوصي فهو عملية نقدية منذ البداية ؛ لأنه ظاهرة توجه قراءة النص ـ كما يقول رفاتير ـ ويمكن أن  تحدد  تأويله ، فهو منهج نقدي مرتبط بنية القارئ الناقد في البحث عن شباك التداخل قبل إقدامه على قراءة ذلك النص . ولعل سائلا يسأل عن نية كاتب النص ، وهل كان يقصد التداخل مع غيره حين إنشائه ؟ الإجابة على هذا السؤال يحدده النص نفسه وطبيعته ؛ فإذا كان النص معارضة لنص آخر شعرا أو نثرا،  فلاشك في نية التداخل لديه سواء أعلن ذلك أم لا؛ لأن التداخل بين النص المعارِض والنص المعارَض تداخل مقصود ، وهدف من أهداف كاتب النص المتأخر ، فالمعارضة دافعها الإعجاب وهدفها التجاوز الإبداعي الذي يعني في النهاية  الرغبة في إغفال العمل السابق ووضع ستار كثيف عليه من إبداع العمل اللاحق على الرغم من إعجاب المتأخر بالمتقدم ، وهذا ما دعا هارولد بلوم أن يفترض “ أن علاقات أي نص بالنصوص الأخرى ليست علاقات تناصية بالدرجة الأولى فحسب ، ولكن لها طبيعة أوديبية أيضا ، وأن هناك في عمق من أعماق النص داخــل علاقته بهذه النصوص جميعا ،   علاقة أوديبية أساسية بنص رئيسي هو بمثابة الأب بالنسبة لــه ، نص يريد أن يدمره  وأن   يحل محله ، ويستولي على جمهوره بصورة تشحن علاقة النص وتملأ المجال التناصي التابع له بقدر كبير من الحيوية والتوتر ” [18]ولعلنا نختم هذه الفقرة بالتفرقة بين المعارضات والتداخل النصوصي وذلك بأن المعارضات منهج كتابة بينما التداخـل النصوصي منهج قراءة ، والأول مرتبط بالمبدع أما الثاني فهو مرتبط بالقارئ ، ولابد للمبدع من نص نموذج يحتذيه ويحاول تجاوزه ، ومهمـة القارئ الناقد أن يكشف عن هذا النص النموذج للتعرف على شبكة التداخل بينه وبين الأول وهذا ما سوف نقوم به في الفقرة التالية لمعرفة النص النموذج بين النصوص الثلاثة التي بين أيدينا والتي سوف تكون ميدانا لدراستنا في هذا البحث . 

 

 

النص النموذج :

يقول الدكتور أحمد ضيف عن رسالة التوابع والزوابع  لابن شهيد ـ وهو من السابقين في الكتابة عنها ـ  :“وقد كتب رسالة هي أشبه برسالة الغفران من حيث أسلوبها الأدبي وسماها (التوابع والزوابع ) . ولعل ابن شهيد كان يحاكي أبا العلاء في ذلك ؛ لأنه أدرك عصره ، ولأن شهرة أبي العلاء كانت ذائعة في المشرق والمغرب ، وكان أهل الأندلس يحاكون أهل المشرق في كل شيء .” [19]والدكتور ضيف هو الوحيد الذي رأيناه يقول بأسبقية رسالة الغفران ومحاكاة ابن شهيد لها . وقد رد الدكتور زكي مبارك  هذا  الرأي ، وأثبت بأدلته المنطقيــة والتاريخية بأن ابن شهيد كتب رسالة التوابع والزوابع  بين سنتي (403    و407هـ )،  وأنها ظهـرت قبل رسالة الغفران بما يزيد على عشرين سنة ، وأن المعري هو الذي قلد  ابن شهيد ؛ لأن أهل المشرق _ كما يقول مبارك_ يحرصون أشد الحرص على متابعة الحركة الأدبية في الأندلس ، بدليل أن رسائل ابن شهيد ذاعت في الشرق ودونها المؤلفون الشرقيون قبل أن يموت وقبل أن توضع رسالة الغفران [20]. وتظهر بنت الشاطئ  على ساحة هذا النقاش صـــاحبة حق أكثر من غيرها في تحقيق كل ما يتعلق بأبي العلاء ، وهي في الحقيقة لا تنكر تقدم رسالة التوابع والزوابع على رسالة الغفـران ولكنها تنكر التشابه بين الرسالتين ومحاكاة إحداهما للأخرى أو تأثر أبي العلاء بابن شهيد ، وترد على كل الذين يرون ذلك ، قائلة : “ فدعوى التشابه والتقليد بين الرسالتين قولة جديدة في عصرنا لم يقل بها سوى قلة لم تتخصص بهذا الموضــوع ، ولا هي تفرغت لتحقيقه ، وإنما تناولته جملة فيما تناولت من مواضيع عامة في النثر العربي ” [21] وقد أيد الدكتور محمد رجب البيومي رأي زكي مبارك ، ورأى أن أثر العجلة السريعة قد ظهر في حكم الدكتور ضيف على ابن شهيد بتقليد أبي العلاء . واعتذر له بأنه كان يكتب دراسة موجزة منهجية في أدب الأندلس لأول مرة  في  العصر الحديث، ثم ناقش آراء بنت  الشاطئ حول  قضية التشابه والمحاكاة ، وذكر أن عدم وجود التشابه  أو المحاكاة لا يدفع التأثر المشروع بين الأدباء . “ فابن شهيد قد ابتكر الكتابة عن بعض عوالم الغيب فتأثر به أبو العلاء ، وأحب أن يكتب عن بعض هذه العوالم أيضا ، وإن سار الأول في طريق الجن والثاني في طريق الجنة والنار … فكل موطن بين الآثار الفنية مجال للدراسة والتحليل فالحكم بالتأثــر والتأثير .” [22]: ويقول بطرس البستاني محقق التوابع والزوابع :“ ليس في أخبار ابن شهيد ذكر للسنة التي وضع فيها رسالة التوابع والزوابع ، غير أن المستشرق بروكلمان يزعم أنها صنفت قبل رسالة الغفران بعشرين سنة ، ومعلوم أن أبا العلاء ألف رسالته الإلهية في أثناء عزلته سنة (424 هـ )، فيكون أبو عامر قد أنشأ التوابع والزوابع سنة  (404هـ  ) على رأي  العالم   الألماني ” [23] ويوافق بطرس البستاني بروكلمان الرأي في أسبقية التوابع والزوابع على رسالة  الغفران ، بيد أنه يشكك  بالتاريخ الذي ذكره بروكلمان ، فيقول : “ فأما أن تكون رسالة ابن شهيد كتبت قبل رسالة المعري ، فهذا لا إشكال فيه ؛ لأن أبا عامر توفي سنة  (426 هـ  ) أي بعد ظهور رسالة الغفران بنحو سنتين وكان قد اعتل قبلها بضع سنوات ، وغلب عليه الفالج في مستهل ذي القعدة سنة (425هـ) مدة سبعة أشهر إلى أن مات في آخر جمادى الأولى من السنة التالية …… وما كان ينتابه من الأوجاع العظيمة ، وضغط الأنفاس ، وعدم الصبر ، خليق بأن يمنعه من القيام بعمل أدبي طويل النفس كرسالة التوابع والزوابع .” [24] ويرى بطرس البستاني أن رسالة التوابع والزوابع تأخرت في الظهور عن التاريخ الذي ذكره بروكلمان واستدل على ذلك بنتفٍ من أخبار ابن شهيد وشؤونه وعلاقاته مع بعض حكام زمانه التي وردت في رسالته لا تسمح بأن تكون ولادتها سنة (404هـ ) ثم انتهى إلى القول بأنها    “ أبصرت النور بعد سنة (414هـ ) ولم تتقدم رسالة الغفران بعشرين سنة ، بل على ما بدا لنا بتسع سنوات ، أو أقل ، فقد كتبها أبو عامر في قوة شبابه بعدما نيف على   الثلاثين “ [25] ورأى بطرس البستاني أن تلك الرسالة  هاجرت إلى المشرق بعد تأليفها بفترة قصـيرة أثناء حياة مؤلفها مـع غيرها من آثاره ، وأنه     “ غير مستنكر أن يكون أبو العلاء قد اطلع عليها فنبهت فيه فكـرة الرحلة السماوية ، ثم جاءت رسالة ابن القارح تدعوه إلى تصنيفها.” [26]ورَجّح ذلك عنـده  أن الثعالبي المتوفى سنة (429هـ ) أورد في يتيمة الدهر بعضا من آثار ابن شهيد الشعرية والنثرية التي وردت في التوابع والزوابع .[27] ولعل فيما قدمنا من أقوال ما يجعلنا نميل إلى أسبقية رسالة التوابع والزوابع ، ونعتبرها النص النموذج لمن جاء بعده ، والشرارة الأولى التي أشعلت خيال أبي العلاء ففتحت أمامه آفاقا واسعة من الخيال الماورائي . وكأني بأبي العلاء قد وجد ضالته في هذه الرحلة الخيالية  التي يستطيع من خلالها أن يعرض أفكاره وآراءه الاجتماعية والدينية والأدبية دون  أن  يثير العامة والخاصة عليه . ويمكننا القول في النهاية بأن المعري عارض ابن شهيد معارضة ضمنية واعية ؛ فخيال ابن شهيد قاده إلى عالم الجن ، وخيال المعري قاده إلى عالم الآخرة  ، والمعري في ذلك يشبه شاعرا ينظم قصيدة  يحتذي فيها قصيدة سابقة في وزنها وقافيتها لا موضوعها، فهو في ذلك يعارض ضمنا لا صراحة  . وعلى الرغم من التشابه بينهما في بعض النقاط إلا أن “ أسلوب المعري المرتكز على الخيال الخصب هو الذي أعطى أبا العلاء ملكية ما جاء فيها من نواح كثيرة ” [28] فخيال المعري كان   أرحب ، وغاياته كانت أبعد من غايات ابن شهيد الذي أراد في رسالته أن ينتصر لنفسه من معاصريه ، ويرفع مــن مكانته شاعرا وناثرا بين أدباء عصره . ولهذا فقد جاءت رحلة أبي العلاء أطول في   زمانــها ، وأغنى في مضمونها وأهدافها ، وهذا لا ينقص من فضل ابن شهيد ، ولا يقلل من  قيمة رحلته  ؛ فهو في رأينا الشرارة الأولى التي  أشعلت الزناد في خيــال المعري فطـاف بابن القارح في رحلة طويلة بين الجنة والنار ومواقف الحساب   والحشر ، وهو أيضا النص النموذج الذي عارضه ضمنا أبو العلاء المعري .

ورسالة التوابع والزوابع لم تصلنا كاملة ، والذي بين أيدينا هو الجزء الذي نقله ابن بسام منها في الذخيرة ، وكونها لم تصل إلينا كاملة لا يعني عدم وصولها كاملة إلى أبي العلاء واطلاعه عليها بنصها الكامل  في القرن الخامس الهجري ، ولعل  رسالة الغفران تحمل بعض السمات من ذلك الجزء المفقود الذي لم يصل إلينا ولكننا لا نستطيع أن نتبينه لعدم معرفتنا بمحتوى الجزء المفقود من التوابع والزوابع . وأحسب أن أبا العلاء كان قريب عهد برسالة التوابع والزوابع حين وصلته رسالة ابن القارح ، وأن قصد المعارضة كان واضحا في ذهنه حين كتابة رسالة الغفران للأسباب التالية :

   أ - التشابه بين المحرضَين لكتابة الرسالتين .

  ب - التشابه في تقنية الكتابة بين العملين في بعض المواضع ، وهو الجنوح إلى السخرية والتهكم مع الفارق بين هدفَي الكاتبين في ذلك .

ج - التشابه بين الحيل السردية  المستعملة في العملين وهي اللجوء إلى عالم المغيبات لتحريك الشخصيات .

ولعله من المناسب قبل البحث في أوجه التشابه والاختلاف بين العملين أن نلقي نظرة سريعة على أبرز الأحداث فيهما في الفقرة التالية :

التوابع والزوابع :

من اليسير أن يدرك المطلع على رسالة التوابع والزوابع  الهدف من وضعها  من خلال حديث ابن شهيد عن نفسه وحرصه على الانتصار لها أمام شياطين الشعراء والكتاب الفحول الذين ما إن يسمعوا شعره أو نثره حتى يسارعوا إلى تقريضه  وإجازته .  وقد أراد ابن شهيد أن يثبت لأنداده من الشعراء والكتاب والنقاد تفوقه عليهم بشهادة متخيلة من توابع السابقين ، شعرائهم وكتابهم ، حين لم يجد إنصافا من معاصريه الذين لقي منهم الظلم والحسد والعداوة . فرسالة التوابع والزوابع ـ كما يقول بطرس البستاني “ لا تعدو هذا الغرض الذي يرمي إليه ، وهو الطعن على أنداده ومنافسيه من الوزراء والكتاب وأهل السياسة والقلم ، ثم المنافحة عن أدبه بالرد على غمزات نقاده ، ثم إظهار محاسنه وفضائله في المتقدمين   والمتأخرين .” [29]

وجه ابن شهيد رسالة التوابع والزوابع إلى صديق له اسمه أبو بكر [30]،  وقد مهد  لرحلته التي أخذته إلى أرض الجن بمدخل قال فيه مخاطبا أبا بكر هذا  :“  وكان لي أوائل صبوتي هوى اشتد به كلفي ، ثم لحقني بعدُ ملل أثناء الميل ، فاتفق أن مات من كنت أهواه مدة ذلك   الملل ، فجزعت ، وأخذت في رثائه يوما في الحائر ، وقد أبـهمت علي أبوابه ، وانفردت ، فقلت :

تـولى الحمــام بظبي الخــدور

 

وفـاز الــردى بالغــزال الأثير

إلى أن انتهيت إلى الاعتذار من الملل، فقلت :

وكنت مــللتك لاعــن قلـى

 

ولاعـن فسـاد جـرى في ضميري

  فأرتج علي القول وأفحمت ، فإذا أنا بفارس بباب المجلس على فرس أدهم ما بقل وجهه ، قد اتكأ على رمحه وصاح بي : “ أعجزا يا فتى الإنس ؟ قلت : لا وأبيك ، للكلام أحيان ،  وهذا شأن الإنسان ! قال لي : قل بعده :

كمثل ملال الفتى للنعــــيم

 

إذا دام فيه وحال السرور

 فأثبت إجازته ، وقلت له : بأبي أنت ! من أنت ؟ قال : أنا زهير بن نمير ، من أشجع الجن . فقلت : وما الذي حداك إلى التصور لي ؟فقال : هوى فيك ، ورغبة في اصطفائك .فقلت : أهلا بك أيها الوجه الوضاح ، صادفت قلبا إليك مقلوبا ، وهوى نحوك مجنوبا . وتحادثنا  حينا ، ثم قال : متى شئت استحضاري فأنشد هذه الأبيات :

والي زهير الحب يا عز إنـــه
إذا جرت الأفواه يوما بذكرها
فأغشى ديار الذاكرين وإن نأت

 

إذا ذكرته الذاكرات أتاهـا
يخيل لي أني أقبل فاهـــا
أجارع من داري هوى لهواها

وأوثب الأدهم جدار الحائط ثم غاب عني . وكنت أبا بكر متى أرتج عليّ ، أو انقطع بي مسلك ، أو خانني أسلوب أنشد الأبيات فيتمثل لي صاحبي فأسير إلى ما أرغب ، وأدرك بقريحتي ما أطلب . وتأكدت صحبتنا ، وجرت قصص لولا أن يطول الكتاب لذكرت أكثرها ، لكنني ذاكر بعضها ” [31]

وقد ذكر ابن شهيد أنه تذاكر مع زهير بن نمير أخبار الخطباء والشعراء وما كان يألفهم من التوابع والزوابع ، ورغب إليه أن يجمعه بمن اتفق منهم ، وبعد أن أخذ الأذن من شيخهم ، أخذه على متن الجواد وسار كالطائر يجتاب الجو فالجو ، ويقطع الدو فالدو إلى أرض لا كأرض الإنس ، وجو لا كجوهم  ، متفرع الشجر ، عطر الزهر ، وقال له : “ حللت أرض الجن أبا عامر ، فبمن تريد أن نبدأ ؟ ” فقال أبو  عامر : “ الخطباء أولى بالتقديم ، لكني إلى الشعراء أشوق ” [32] ثم بدأ يتنقل مع تابعه بين توابع الشعراء يسمع منهم ويسمعهم فيجيزونه ويثنون عليه . وقد التقى بهذه الرحلة الغريبة بعتبة بن نوفل تابع امرئ القيس ، و بعنتر بن العجلان تابع طرفة بن العبد ، وأبي الخطاب تابع قيس بن الخطيم ، وعتاب بن حبناء تابع أبي تمام . . وفي طريقه لزيارة حسين الدنان صاحب أبي نواس الذي كان مقيما منذ أشهر في دير حنة في ذات الأكيراح التقى بأبي الطبع صاحب البحتري فاستنشده إحدى قصائده ، ثم أنشده ابن شهيد معارضة لها فكأنما غشي وجه أبي الطبع قطعة من الليل وكر راجعا إلى حيث كان ، فصاح به زهير : أأجزته ؟ قال : “ أجزته لا بورك فيك من   زائر ، ولا في صاحبك أبي عامر .” ([33]). ثم انتهت جولة ابن شهيد بين توابع الشعراء بلقاء حارثة بن المغلس صاحب أبي الطيب المتنبي الذي قال عن ابن شهيد بعد سماعه قصيدتين له : “ إن امتد به طلق العمر فلا بد أن ينفث بدرر ، وما أراه إلا سيحتضر بين قريحة كالجمر وهمة تضع أخمصه على مفرق البدر “ [34] ثم واصل ابن شهيد رحلته مع صاحبه زهير بن نمير فالتقى بتوابع الكتاب المعــروفين وسمع منهم وأسمعهم فنال إعجابهم  وإجازتهم . كما التقى بنقاد الجن وحضر مجالسهم فتذاكروا ما تعاورته الشعراء من المعاني ، ومن زاد فأحسن الأخذ ، ومن قصر ، ولم ينفض المجلس إلا بعد أن بـهر الحاضرين بشعره  ونال إعجابهم  .وانتهت رحلته  في واد لحيوان الجن حيث جرى حوار بينه وبينها حول قصيدتين غزليتين لحمار وبغل من حيوان ذلك الوادي طلب منه أن يحكم بينهما . والتقى في ذلك الوادي بإوزة نحوية قال له زهير بن نمير إنها “ تابعة شيخ من مشيختكم تسمى العاقلة ، وتكنى أم خفيف ، وهي ذات حظ من الأدب” [35] وجرى بينهماحوار في الأدب والنحو انتهى بسخرية ابن شهيد منها . [36]

رسالة الغفران :  

  جاءت الرحلة إلى العالم الآخر في رسالة الغفران مقدمة لرد  على رسالة بعث بها على بن منصور المعروف بابن القارح من حلب إلى أبي العلاء المعري يشكو فيها أمره إليه ، ويطلعه على بعض أحواله ثم يعرض لأشخاص من الزنادقة والملاحدة أو المتهمين بدينهم فيتحدث عنهم ويذكر شيئا من أخبارهم ، ثم يسأله في ختامها أن يجيب عليها . وقد حفزت هذه الرسالة خيال أبي العلاء فحلق في أجواء بعيدة من الخيال قبل الإجابة عليها وذلك حين تخيل ابن القارح قد غفر له وأدخل الجنة بسبب ما جاء في رسالته من تمجيد لله تعالى واصطفى له ندامى من أدباء الفردوس الذين كانوا متنافرين في الدنيا وقد نزع الله ما في صدورهم من غل وأصبحوا إخوانا في الآخرة . ثم  يخطر لابن القارح هناك حديث شئ كان يسمى النزهة في الدار الفانية فيركب نجيبا من نجب الجنة خلق من ياقوت ودر ، ويلتقي خلال هذه النزهة بعدد كبير من الشعراء الذين اتخذوا منازلهم في الجنة فيحاورهم واحدا واحدا ، ويسألهم عن بعض المسائل المستغلقة في أشعارهم ويسأل من مات منهم قبل الإسلام بم غفر له فأدخل الجنة . ثم يبدو لابن القارح “ أن يطلع إلى أهل النار فينظر إلى ما هم فيه ليعظم شكره على النعم ، فيركب بعض دواب الجنة ويسير ، فإذا بمدائن ليست كمدائن الجنة ، ولا عليها النور الشعشعاني وهي ذات أدحال وغماليل فيقول لبعض   الملائكة : ما هذه يا عبد الله ؟ فيقول هذه جنة العفاريت الذين آمنوا بمحمد r[37]  ثم يتحدث إلى شيخهم الخيثعور من بني الشيصبان  .  ثم يواصل رحلته  حتى  يقف على أبواب الجحيم  فيرى إبليس وهو  يضطرب في الأغلال فيقول له : “ الحمد لله الذي أمكن منك يا عدو الله وعدو أوليائه “ [38]ثم يتحدث مع الشعراء الذين سبقت فيهم كلمة الله . ويلتقي في طريق العودة إلى الجنة بآدم عليه السلام ويسأله عن الشعر المنسوب إليه [39] “ ثم يضرب سائرا في الفردوس حتى يصل إلى روضة مونقة ، فإذا هو بحيات يلعبن ويتماقلن ، يتخاففن ويتثاقلن فيقول : لا إله إلا الله ! وما تصنع حية في الجنة ؟ ” [40]ثم يـدور حوار بينه وبين حية نحوية تجيد القراءات كانت تسكن في بيت الحسن البصري  ثم انتقلت بعد وفاته إلى بيت أبي عمر بن العلاء ثم إلى بيت حمزة بن حبيب ، ومنهم جميعا تعلمت النحو والقراءات [41] ويمر أثناء نزهته هذه بأبيات ليس لها سموق أبيات الجنة ، فيسأل عنها ، فيقال له : هذه جنة الرجز 000 فيقول : “تبارك العزيز الوهاب ! لقد صدق الحديث المروي إن الله يحب معالي الأمور ويكره سفاسفها ، وإن الرجز لمن سفاسف القريض ، قصرتم أيها النفر ، فقصر بكم ” [42] ثم يكون له وقفة مع رؤبة بن العجاج وحديث حول رجزه  ولغته . .وقد التقى ابن القارح بأكثر من ثمانين شاعرا وراجزا وقف مع كل واحد منهم وقفة تطول أو تقصر حسب مكانة الشاعر في الحياة الدنيا ، وقد حاورهم في كثير من المسائل اللغوية   والنحوية ،  وسألهم عن بعض المسائل في أشعارهم

  المحرضان :

لماذا تأخر نص الغفران إلى سنة 424 ؟ وهل جاء رد أبي العلاء بعد وصول رسالة ابن القارح مباشرة  ؟ أم أن هناك فاصلا زمنيا بينهما ؟ وهل اطلع أبو العلاء على رسالة التوابع والزوابع قبل رسالة ابن القارح أو بعدها ؟ وما الذي دعا أبا العلاء إلى أن يرتحل بابن القارح إلى عالم المغيبات بين الجنة والنار قبل الرد على رسالته ؟ الإجابة على مثل هذه الأسئلة قد تساعدنا في معرفة مدى تأثر أبي العلاء بابن شهيد ، ولكن لا سبيل إلى الإجابة عنها إجابة قاطعة ، وكل ما نعرفه ظنا أن رسالة ابن القارح وصلت أبا العلاء في حدود سنة 422 كما استنتجت بنت الشاطئ في كتابها عن الغفران حيث قالت :“ ورجح عندي هذا الاستنتاج قول ابن القارح في رسالته لأبي العلاء (( وكيف أشكو من قاتني وعالني نيفا وسبعين سنة )) وقد ولد ابن القارح فيما روى ياقوت في السنة الأولى بعد منتصف القرن الرابع ، فعبارته هنا نص على أن رسالته كتبت بين عاميْ 422و424 حيث يكون عمره نيفا وسبعين سنة ”[43] أما بقية الأسئلة فلا سبيل إلى الإجابة عنها إجابة قاطعة . ولكننا نظن ،  بسبب تأخر الغفران عن التوابع والزوابع ، بأن أبا العلاء بعد اطلاعه على رسالة ابن شهيد ، ظلت فكرة الرحلة إلى العالم الآخر تراوده حتى جاءت رسالة ابن القـارح التي قامت بـــدور   المحرض . ودور هذه الرسالة في كتابة رسالة الغفران هو الدور نفسه الذي قام به سؤال أبي بكر بن حزم لابن شهيد عن السر وراء قدرته البيانية التي فاق بها غيره ، والتشابه بين المحرضين واضح من كلمات الإطراء التي أسبغها كل من ابن حزم وابن القارح على ابن شهيد والمعري .

يبدأ ابن شهيد نصه بكلام يرويه عن أبي بكر بن حزم مستغربا من قدرته  البيانية ، متسائلا عن سر ذلك فيقول : “ لله أبا بكر ! ظن رميته فأصميت ، وحدس أمّلته فما أشويت ! أبديت بهما وجه الجلية ، وكشفت عن غرة الحقيقة حين لمحت صاحبك الذي تكسبته ورأيته قد أخذ بأطراف السماء ، فألف بين قمريها ، ونظم فرقديها ، فكلما رأى ثغرا سده بسهاها ، أو رأى خرقا رمّه بزباناها إلى غير ذلك . فقلت : كيف أوتي الحكم صبيا ، وهز بجذع نخلة الكلام فاساقط عليه رطبا جنيا ؛ أما إن به شيطانا يهديه ، وشيصبانا يأتيه ! وأقسم أن له تابعة تنجده ، وزابعة تؤيده ، ليس هذا في قدرة الإنس ، ولا هذا النَّفَس لهذه النّفْس ، فأما وقد قلتها أبا بكر ، فأصخ أسمعك العجب  العجاب ” [44]وكان هذا الإعجاب من قبل أبي بكر بن حزم بابن شهيد وسؤاله عن سر تلك المقدرة البيانية العجيبة التي يتمتع بها دون غيره ، هو المحرض الأساسي لما كتبه ابن شهيد فيما بعد في التوابع والزوابع عن نفسه وتفوقه على غيره من الشعراء والكتاب المعاصرين له والسابقين . ولعل أبا العلاء المعري بعد قراءته التوابع والزوابع  كان ينتظر دافعا مشابها ليستعمل حيل السرد التخييلية التي استعملها ابن شهيد حين ارتحل إلى عالم الجن ليحصل على شهاداتهم بتفوقه بعد أن أعياه ذلك في عالم الأنس . وقد جاءت رسالة ابن القارح ، فيما أحسب ، في وقتها ، فكانت الشرارة التي كان ينتظرها ذهن المعري ليحلق في أجواء الخيال الماورائي كما فعل ابن شهيد . ورسالة ابن القارح تفيض في أماكن متفرقة منها تمجيدا وتقريظا وإعجابا بالمعري وغزارة علمه وقدرته على الحفظ ، من مثل قوله : “ وأنا أسأل الله على التداني والنوى والبعاد إمتاعه بالفضل الذي استعلى على عاتقه وغاربه ، واستولى على مشارقه ومغاربه ، فمن مر على بحره الهياج ، ونظر في لألاء بدره الوهاج خليق بأن يكبو قلمه بأنامله ، وينبو طبعه عن رسائله ، إلا أن يلقي إليه بالمقاليد ، أو يستوهبه إقليدا من الأقاليد فيكون منسوبا إليه ، محسوبا عليه ، ونازلا في شعبه ، وأحد أصحابه وحزبه وشرارة ناره ، وقراضة ديناره ، ومن أين للضباب صوب السحاب ، وللغراب هُوِيُّ العقاب وكيف وقد أصبح ذكره في مواسم الذكر أذانا ، وعلى معالم الشكر        لسانا ” [45] وقوله في مكان آخر : “ وأنا معتذر إلى الشيخ الجليل من تقريظه مع تفريطي فيه ؛ لأنه قد شاع فضله في جميع البشر ، وصار غرة على جبهة الشمس والقمر ، خلد ذلك في بدائع الأبصار ، وكتب بسواد الليل على بياض النهار ، وأنا  في مكاتبة حضرته بمنظوم ومنثور كمن أمد النار بالشرر ، وأهدى الضوء إلى       القمر ” [46] وعلى طريقة ابن حزم في انبهاره بقدرة ابن شهيد ،  يقول  ابن القارح معظما علم المعري على الرغم من فقده البصر ، متعجبا من قدرته على الحفظ : “ … وقد سمعت من رسائله عقائل لفظٍ إن نعتها فقد عبتها ، وإن وصفتها فما أنصفتها ، وأطربتني ـ يشهد الله ـ إطراب السماع . وبالله لو صدرت عن صدر من خزانته وكتبه حوله يقلب طرفه في هذا ، ويرجع إلى هذا لكان ذلك عجيبا ، صعبا شديدا … والعجب العجيب والنادر الغريب حفظه ـ أدام الله تأييده ـ لأسماء الرجال والمنثور كحفظ غيره من الأذكياء المبرزين المنظوم ، وهذا سهل بالقول صعب بالفعل ، من سمعه طمع فيه ، ومن رامه امتنعت عليه معانيه ومبانيه .”[47] ثم يختم  ابن القارح رسالته بسؤال المعري أن يجيب على رسالته هذه ، فيقول : “ وأساله ـ أدامه الله ـ تشريفي بالجواب عليها ؛ فإن هذه الرسالة على ما بها قد استُحسِنت وكُتبت عني وسُمعت   مني ، وشرفتها باسمه وطرزتها بذكره … وإذا جـــاء جواب هذه سيرتها بحلب وغيرها إن شاء الله وبه الثقة .” [48] وقد أثارت رسالة ابن القارح وما فيها من إطراء  في نفس المعري ما أثاره كلام ابن حزم وما فيه من إطراء في نفس ابن شهيد الذي راح يتباهى تباهيا صريحا بعلمه وقدراته وتفوقه على غيره .  ولم تكن إجابة المعري بعيدة في هدفها عن هدف رسالة ابن شهيد ؛ فهي لا تخلو من التباهي غير المباشر بعلمه وسعة اطلاعه على مسائل اللغة والنحو ، ومعرفته بأسماء   الرجال ، وكثرة محفوظه من الشعر والنثر كما هو واضح من نص رسالة الغفران .

  

تقنية الكتابة :

 

 1- تمثل السخرية تقنية مهمة في البناء السردي لرسالتي التوابع والزوابع والغفران ، ولكن الهدف من هذه التقنية المشتركة يختلف باختلاف الهدف من كتابة الرسالة نفسها . وقد عرفنا آنفا أن الهدف من كتابة التوابع والزوابع هو انتصار ابن شهيد لنفسه وإبرازها في مظهر المتفوق على جميع أقرانه ، في الوقت الذي ينتقص فيه من غيره ويسخر منهم تصريحا لا تلميحا. وهذا الهدف لم تخل منه رسالة المعري ، ولكنه جاء تلميحا لا تصريحا وهو يتوجه بالدرجة الأولى إلى ابن القارح نفسه ، المحرض الأساسي لكتابة الغفران ، كما سنرى في الفقرة التالية .

 

2- يرى الدكتور مرسل العجمي K في قراءته التأويلية لرسالة ابن القارح إلى أبي العلاء  أن ابن القارح ظهر في رسالته مفتخرا بنفسه ، ومتباهيا بذاته إلى حد  التبجح ، وقد ظهر هذا التبجح في تمجيد ابن القارح لذاته من ناحية ، والقدح بأبي العلاء عن طريق اللمز والتعريض من ناحية أخرى ، وبخاصة في الجانب الديني ؛ فهو كما يراه “ رجـل زنديق مارق عن الدين لطعنه في النبوات ، وقدحه في الأديان ، وتحت هذا الضوء يمكن أن يفهم حديث ابن القارح عن الزنادقة ، وجهاد الرسول r في بداية الدعوة ، والدعوة إلى تأمل هذا الجهاد. ويحاول ابن القارح أن يستفز المعري ، وينبش مكنون أمره ، وذلك بجره إلى مناظرة كلامية تقوم على محورين : الأول يمثله     ابن القارح الذي يعبر عن صوت المسلم ، والثاني يمثله أبو العلاء الذي يمثل الزنادقة ، ويحاول أن يقول له بطريقة غير مباشرة : لقد أوغلت يا أبا العلاء مع زملائك الزنادقة ـ الأحياء منهم والأموات ـ في طريق الإلحاد حتى كدت تنسى الإسلام ، فتعال لنبدأ معك الخطوة الأولى بالحديث عن نبي الإسلام ، فلعلك بعد التأمل في هذا الجهاد تهتدي إلى الصواب .”[49]

وقد جاء رد أبي العلاء تهكميا ساخرا من ابن القارح  ، ويتجلى تهكمه ـ كما يقول العجمي ـ“ في صورة مبكرة ، بل حتى قبل أن يدخل القارئ إلى النص ، حيث ينطلق التهكم مباشرة من عنوان الرسالة : رسالة الغفران ، إن الغفران الذي يضاف إلى الرسالة لا يعود على رسالة أبي العلاء ، كما يتبادر إلى الذهن ، وإنما يحيل على الرسالة القارحية . إن الغفران تَحَقّقَ لابن القارح في رسالة أبي العلاء بسبب بركة الرسالة التي أرسلها ابن القارح ؛ لأنها أولاً كانت تأمر بتقبل الشرع ، وتعيب من ترك أصلا إلى فرع . ولأنها ، ثانيا أظهرت غيرة ابن القارح على الدين ، وغيظه على الزنادقة والملحدين ، ولأنها أخيرا تضمنت ثناء على الله عز وجل . [50] وقد انتهى العجمي إلى أن المعنى الحقيقي لعنوان الرسالة هو( رسالة الخسران في الحياة الدنيا ) [51] ويتجلى تهكم أبي العلاء وسخريته من ابن القارح أيضا في محاولته إيجاد فرق معرفي شاسع بين ابن القارح الحقيقي ، والذي يراه المعري رجلا جاهلا ، وابن القارح القصصي ، بطل الغفران الذي صنعه أبو العلاء بنفسه عالما محيطا بكل فنون الأدب واللغة شعرا ونثرا . ويكفي ـ كما يقول العجمي ـ “ أن نتخيل ردة فعل ابن القارح الحقيقي وهو يتابع ابن القارح القصصي في رسالة الغفران عندما يدرك الفرق المعرفي بين الاثنين فعندما يقرأ ابن القارح هذه القصة الأخروية سيجد نفسه يتحدث عن قضايا أدبية شائكة ، ويناقش أعلام الشعراء مناقشة الند ، بل المتفوق في بعض الأحيان ، ويخوض في مسائل لغوية معقدة ، والمفارقة تكمن في أن ابن القارح الحقيقي                                                                                                          لا يعرف هذه  القضايا ، ولا يرتقي إلى مستوى تلك النقاشات في العالم الواقعي . ”[52] وما يؤكد ذلك أن أبا العلاء يستطرد أحيانا لتفسير معاني بعض الكلمات وكأنه ينتقص من علم ابن القارح ، ونرى مثل ذلك يتردد كثيرا في رسالة الغفران ، من مثل قوله على سبيل المثال :“ لما نهضت أنتفض من الرَّيْم ، وحضرت حرصات القيامة ـ والحرصات مثل العرصات ، أبدلت الحاء من العين ـ فذكرت الآية ) تعرج الملائكة والروح في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة فاصبر صبرا جميلا ( فطال عليّ الأمد واشتد الظمأ والوَمَد ـ والومد شدة الحر وسكون الريح ـ ”[53] وقوله أيضا على لسان حمزة بن عبد المطلب مخاطبا ابن القارح حين تشفع به   “ إني لا أقدر على  ما تطلب ، ولكني أنفذ معك تَوْراً ـ أي رسولا ـ إلى ابن أخي عليّ بن أبي طالب ” [54] وهذا الموقف من أبي العلاء يؤكد ضمنا لا صراحة تهكمه وسخريته غير المباشرة  من معاصره ابن القارح ، في الوقت الذي يرفع فيه من شأن نفسه ومكانته العلمية التي عرضها في ذلك المخزون الهائل من الثقافة العربية شعرا ونثرا ولغة ونحوا ، وكأنه يريد بذلك إحراج ابن القارح حين أجراها على لسانه .

 ومن مظاهر سخرية المعري بابن القارح سخريته الضمنية بإيمانه حين مُنِع من دخول الجنة على الرغم من محاولاته المتكررة لرشوة الملائكة وآل البيت          المقربين بقصائد  المديح ،  وشهادة قاضي حلب وعدولها على توبته بأخرة من     الوقت ، وذلك  للشفاعة له عند الرسول r ليسمح له بدخول الجنة مباشرة لعدم قدرته على تحمل أهوال يوم الحشر . وبعد شفاعة من فاطمة الزهراء ومساعدة من أخيها إبراهيم عليهما السلام يصل إلى الصراط فلا يستطيع عبوره لتساقطه يمينا وشمالا إلا بمساعدة إحدى جواري فاطمة الزهراء التي تحمله وتطير به على ظهرها كالبرق حتى باب الجنة  فيمنعه رضوان من دخولها إلا بجواز وهو لا يملكه ، ويرفض أن يعطيه ورقة من أوراق شجر الجنة ليأخذ عليها جوازا إلا بإذن من العليّ الأعلى تقدس وتبارك ، فيقول ابن القارح لرضوان :“ إنا لله وإنا إليه راجعون ! لو أن للأمير أبي المرجىَّ  خازنا مثلك ما وصلت أنا ولا غيري إلى قرقوف من خزانته ـ والقرقوف الدرهم . ” [55]   ثم يلمحه إبراهيم واقفا عند باب الجنة فيرجع إليه  فيجذبه جذبا إليها .  وفي هذه القصة التي أجراها أبو العلاء المعري على لسان ابن القارح ما فيها من تهكم وسخرية ولمز لعقيدته وحرصه في الدار الفانية على جمع المال ، وتكسبه بالشعر عند أعتاب الأمراء والملوك ، وكأنه أراد أن ينتصر لنفسه على طريقة ابن شهيد في التوابع  والزوابع ؛ لهذا فإننا نرى مع فوزي محمد أمين “ أن أبا العلاء لم يكن يصور جنة  المعتقد ، وإنما هي جنة علائية ، أو قُلْ جحيم علائي سَعّره أبو العلاء لابن  القارح ”[56] 

 

الحيل السردية :

في المعارضات الشعرية الضمنية قد يلجأ الشاعر إلى معارضة قصيدة مدحية بقصيدة هجائية ،أو رثائية ، أو العكس ، محولا مضامين القصيدة السابقة إلى ما يخدم موضوعه وهدفه ، مستفيدا من تداعيات المعاني بتحويلها إلى أضدادها . وهذا         ـ في رأينا ـ هو الذي وقع للمعري حين أراد كتابة رسالة الغفران بعد اطلاعه على رسالة التوابع والزوابع . فرحلة ابن شهيد إلى عالم الجن ألهبت خيال المعري فارتحل إلى العالم الآخر ، والنتيجة أن كليهما قام برحلة خيالية إلى عوالم لا يعرفها الإنسان إلا بالسماع “ ولن تجد موطنا أفسح ولا أوسع من رحلتين خياليتين قامت أولاهما في الأرض  السابعة ، وارتفعت أخراهما إلى السماء العالية . ثم ألا يكون هذا التناقض المعارض دليل التأثر الواضح حين يذكر الشيء بنقيضه كما يذكر بمثيله على               السواء ؟ ”[57]معارضة المعري لابن شهيد في حيله السردية تتمثل في لجوئه إلى الخيال الماورائي واتخاذه مسرحا لبطل رحلته ابن القارح ، وهذا اللجوء بحد ذاته يعتبر معارضة ضمنية واضحة لعمل ابن شهيد ، ثم تأتي بعد ذلك الأحداث وأبطالها خلال رحلة ابن القارح في الحياة الآخرة لتعزز هذا الاتجاه ، وهذا ما سوف نقف عنده في الفقرة   التالية :

الإوز :

من الأشياء المشتركة في الرسالتين الإوز المتكلم . ففي رسالة التوابع والزوابع نرى إوزة بيضاء  حمقاء تسمى العاقلة وتكنى أم خفيف ، والتناقض واضح بين الاسم والكنية ، وهي مفارقة مقصود منها السخرية بصاحبها الشيخ الذي لم يصرح ابن شهيد باسمه ، يقول : “ وكانت في البركة إوزة بيضاء شهلاء في مثل جثمان النعامة … فقلت لزهير : ما شأنها ؟ قال هي تابعة شيخ من مشيختكم ، تسمى العاقلة ، وتكنى أم  خفيف ، وهي ذات حظ من الأدب، فاستعد لها ” وبعد أن لاينها وامتدحها سألته :“ ما الذي تحسن ؟ قلت ارتجال شعر ، واقتضاب خطبة ، على حكم  المقترح والنصبة  . قالت ليس عن هذا أسألك ، قلت : ولا بغير هذا أجاوبك . فقالت :   حكـم الجواب على أصل السؤال ، وأنا إنما أردت بذلك إحسان النحو والغريب اللذين هما أصل الكلام ، ومادة البيان . ”[58] ثم يختم كلامه مع هذه الإوزة ساخرا منها بقوله :  “ فقلت لها :  يا أم خفيف ، بالذي جعل غذاءك ماء ، وحشا رأسك هواء ، ألا أيما أفضل : الأدب أم العقل ؟ قالت : بل العقل . قلت فهل تعرفين في الخلائق أحمق      من إوزة ، ودعيني من مثلهم بالحبارى ؟ قالت : لا . قلت  :  فتطلبي عقل   التجربة ، إذ لا سبيل لك إلى عقل الطبيعة ، فإذا أحرزت منه نصيبا ، وبؤت منه بحظ ، فحينئذ ناظري في الأدب . فانصرفت  وانصرفنا . ” [59] وهذه الإوزة النحوية التي تعترف بحماقتها وغبائها  تتحول في رسالة الغفران إلى إوزة ذكية تعرف من ضروب        الغناء وأشكاله ما يعرفه معبد وابن سريج ، يقول أبو العلاء :“ ويمر رف من إوز    الجنة ، فلا يلبث أن ينزل على تلك الروضة ويقف وقوف منتظر لأمر ـ ومن      شأن طير الجنة أن يتكلم ـ   فيقول ] ابن القارح[ : ما شأنكنّ ؟ فيقلن : ألهمنا أن نسقط في هذه الروضة فنغني لمن فيها من شَرْب . فيقول على بركة الله القدير . فينتفضن فيصرن جواري كواعب يرفلن في وشي الجنة وبأيديهن المزاهر ، وأنواع ما يلتمس به من الملاهي ، فيعجب ، وحق له أن يعجب ، وليس ذلك ببديع من قدرة الله جلت قدرته ” [60] ثم يطلب من إحداهن على سبيل الامتحان أن تغني أبياتا للنابغة بشتى ضروب الغناء المعروفة ، ثم يقول لها بعد أن يسمع ذلك منها : “ ويحكِ ! ألم تكوني الساعة إوزة طائرة ، والله خلقك مهدية لاحائرة ؟ فمن أين لك هذا العلم ، كأنك لجذل النفس خلم ؟ لو نشأت بين معبد وابن سريج لما هجت السامع بهذا الهيج ، فكيف نفضت بله إوز ، وهززت إلى الطرب أشد الهز ؟ . ” [61] ومن هذين المقطعين يتضح الفرق بين إوزة ابن شهيد وإوزة المعري ، فالأولى نراها إوزة حمقاء تعترف بحماقتها وغبائها ، وهي تابعة شيخ يراه ابن شهيد لايقل غباء وحمقا عن تلك الإوزة ، وقد أراد بذلك السخرية والتهكم بعلم ذلك الشيخ الذي لم يسمه ابن شهيد . أما إوزة المعري فقد نفضت بله الإوز وغباءها وأصبحت  عالمة بفنون الغناء ، وقد أجرى على لسان ابن القارح أسئلة كثيرة حول الغناء تكشف عن سعة اطلاع المعري على ضروب الغناء وأنواع ألحانه ، وكأنه أراد أن يحرج ابن القارح حين وسع دائرة ثقافته لتشمل الغناء وأنواع الألحان .

الحيات :

وإذا كانت إوزة ابن شهيد نحوية فإن المعري جعل النحو وعلم القراءات في الجنة من نصيب إحدى الحيات حين جعل ابن القارح “ يضرب سائرا في الفردوس فإذا هو بروضة مونقة ، وإذا هو بحيات يلعبن ويتماقلن ، يتخاففن ويتثاقلن ، فيقول : لاإله إلا الله ، وما تصنع حية في الجنة ؟ فينطقها الله جلت عظمته بعدما ألهمها المعرفة بهاجس الخلد … ” [62] ثم تمضي الحية تقص على ابن القارح قصتها ، وأنها هي ( ذات الصفا ) التي ذكرها النابغة الذبياني في شعره . وتقول حية أخرى : “ إني كنت أسكن في دار الحسن البصري فيتلو القرآن ليلا ، فتلقيت منه الكتاب من أوله إلى آخره … فلما توفي رحمه الله انتقلت إلى جدار في دار أبي عمرو بن العلاء فسمعته يقرأ فرغبت عن حروف من قراءة الحسن … فلما توفي أبو عمرو كرهت المقام فانتقلت إلى الكوفة فأقمت في جوار حمزة بن حبيب فسمعته يقول بأشياء ينكرها عليه أصحاب        العربية .”[63] وكانت الحية خلال تلك المقابلة تجيب على أسئلة ابن القارح في القراءات والنحو كما سمعت ممن أخذت عنهم ، فيعجب ابن القارح لما سمع من تلك الحية فتقول له : “ ألا تقيم عندنا برهة من الدهر ؟ فإني إذا شئت انتفضت من إهـابي فصرت مثل أحسن غواني الجنة … فيذعر منها ويذهب مهرولا في الجنة ويقول في نفسه : كيف يركن إلى حية شرفها السم ، ولها بالفتكة همّ .” [64]

2- مجالس الجن :

بعد أن ينهي ابن شهيد رحلته بين توابع الشعراء مع تابعه زهير بن نمير ويطمئن إلى إجازاتهم ،  يعقد مجلسا نقديا يحضره نقاد من الجن يحشدهم ابن شهيد لينتزع منهم الإجازة والشهادة بتفوقه على غيره من الشعراء السابقين ، وقد قدم لذلك بقوله :     “ وحضرت أنا وزهير مجلسا من مجالس الجن ، فتذاكرنا ما تعاورته الشعراء من المعاني ، ومن زاد فأحسن الأخذ ، ومن قصر . ”[65] وقد ذكر بعض الحاضرين قول الأفوه الأودي :

وترى الطير على آثارنا

 

رأى عين ثقة أن ستمار 

 ثم ذكر الحاضرون أبياتا أخرى لبعض الشعراء الذين أخذوا هذا المعنى وزادوا   فيه ، مثل النابغة ، وأبي نواس ، وصريع الغواني ، وأبي تمام ، والمتنبي ، ولكن المجلس لا يهتز إلا لأبيات يوردها فاتك بن الصقعب لنفسه ، وهو يمثل ابن شهيد ، وقد قدم لها   بقوله : “ ولكن الذي خلص هذا المعنى كله ، وزاد فيه ، وأحسن التركيب ، ودل بلفظة واحدة على ما دل عليه شعر النابغة والمتنبي ، من أن القتلى التي أكلتها الطير أعداء الممدوح ، فاتك بن الصقعب ” [66] وبعد أن يورد أبياتا ستة في هذا المعنى يقوم ابن شهيد من مكانه ويجلس إليه جلسة المعظم له ، ويقول له : “ جُدْ أرضنا  أعزك الله بسحابك ، وأمطرنا بعيون  آدابك ” [67] فيستجيب له ، وينشده أبياتا اشتق معناها من قول امرئ القيس :

سموت إليها بعد ما نـام أهلها

 

سمو حباب الماء حالا على حال

 فيقوم ابن شهيد ويقبل على رأسه ويقول له لله در أبيك . ثم يسأله فارس بن الصقعب عمن جاذب من الفحول وتفوق عليهم ، فيقول المتنبي في قوله :

أأخلع المجد عن كتفي وأطلبه
وفي قوله :

وأظما فلا أبدي إلى الماء حاجة

 

وأترك الغيث في غمدي وأنتجع

وللشمس فوق اليعملات لعاب

 ثم يورد أبياتا معتمدة على هذه المعاني بهرت فارس بن الصقعب حتى أنه صاح صيحة منكرة من صياح الجن كاد ينزع لها فؤاد ابن شهيد فزعا منها .[68]وكان بالقرب منهم جني كأنه هضبة لركانته وتقبضه سمع إنشاد ابن شهيد فقال له : “ أعطنا كلاما يرعى تلاع الفصاحة ، ويستحم بماء العذوبة والبراعة ، شديد الأسر ، جيد النظام ، وضعه في أي معنى شئت .”[69] وبعد أن ينشده ابن شهيد ما يرى أنه تفوق به على غيره من الشعراء ، يقول له الجني : “ والذي نفس فرعون بيده لا عرضت لك أبدا ، إني أراك عريقا في الكلام . ثم قلّ   واضمحلّ ، حتى إن الخنفساء لتدوسه فلا يشغل رجليها ” وحين سأل تابعه زهيراً عنه ، قال له : “هذا فرعون بن الجون ، وهو تابعة رجل كبير منكم . ”[70]

إن القارئ لا يمكن أن يخطئ الهدف من عقد هذا المجلس وما دار فيه من نقاش  ، وابن شهيد نفسه لا يتوارى خلف قناع التضمين والتلميح ، بل يصرح بامتداح نفسه ، والتباهي بعلمه وشعره الذي تفوق به على المتنبي ، ومن سبقه من الشعراء بشهادة كبار نقاد الجن وتوابع فحول شعراء الإنس  . 

  في رسالة الغفران نرى أبا العلاء المعري يمارس عملية الإزاحة والتحويل للنص السابق ، أو النص النموذج ، ويعيد كتابته بطريقة لا تختلف عن ممارسة أي شاعر يعارض شاعرا آخر معارضة ضمنية مستمتعا بالحرية التي يمنحها له هذا النوع من المعارضات . والنص النموذج ، وهو هنا نص ابن شهيد ، يمارس دورا مــزدوجا في النص اللاحق ، وهو نص المعري ، ذلك الدور هو الظهور والخفاء في آن واحد ، ولكن بخطوط باهتة لا يلمحها  القارئ العادي ، وهذا لا يعيب عمل أبي العلاء   المعري ؛ لأن المتبع كما يقول ابن رشيق “ إذا تناول معنى فأجاده فهو أولى به من مبتدعه ، وكذلك إن قلبه أو صرفه عن وجه إلى وجه آخر ”[71] والفن كله ـ كما يقول أنا تول فرانس “ في أن تهب الفكرة القديمة صورة   جديدة .”[72]

يبدأ مشهد لقاء ابن القارح بشعراء الجن في رسالة الغفران  بقول أبي العلاء  عنه : “ ويبدو له أن يطلع على أهل النار فينظر إلى ما هم فيه ليعظم شكره على النعم فيركب بعض دواب الجنة ويسير ، فإذا بمدائن ليست كمدائن الجنة ، ولا عليها النور الشعشعاني ، وهي ذات أدحال وغماليل ، فيقول لبعض الملائكة : ما هذه يا  عبد الله ؟ فيقول : هذه جنة العفاريت الذين آمنوا بمحمد r وذكروا في الأحقاف وسورة الجن ، وهم عدد كثير.   فيقول : لأعدلنّ إلى هؤلاء فلن أخلوَ لديهم من أعجوبة . فيعوج عليهم ، فإذا هو بشيخ جالس على باب مغارة ، فيسلم عليه ، فيحسن الرد ، ويقول : ما جاء بك يا إنسيّ ؟ إنك بخير لعسيّ ، ما لك من القوم   سيّ . فيقول : سمعت أنكم جن مؤمنون فجئت ألتمس عندكم أخبار الجنّان ، وما لعله لديكم من أشعار المردة . فيقول ذلك الشيخ : لقد أصبت العالم ببجدة الأمر ، ومن هو كالقمر من الهالة ، لا كالحاقن من الإهالة ، فسل ما بدا لك .   فيقول : ما اسمك أيها الشيخ ؟ فيقول : أنا الخيثعور ، أحد بني الشيصبان ، ولسنا من ولد إبليس ، ولكننا من الجن الذين كانوا يسكنون الأرض قبل ولد آدم صلى الله عليه . ”[73] ثم يسأله ابن القارح عن كنيته ليكرمه بالتكنية ، فيقول إن كنيته أبو هدرش ، وإنه لقي من بني آدم شرا ولقوا منه كذلك ، وما زال سادرا بالشر حتى منّ الله عليه بالتوبة والإنابة ، ثم ينشد قصيدة يذكر فيها ذلك ، ثم يدير أبو العلاء حوارا بين ابن القـارح وأبي هدرش حول شعر الجن ولغتهم ، ويختتم الحوار بقصيدة سينية طويلة قالها أبو هدرش حول رجم النجوم في الجاهلية .[74] وحرص أبي العلاء على إيجاد جنة للعفاريت ، وإجراء الشعر على لسان أبي هدرش يعزز لدينا قصد المعارضة لدى أبي العلاء على الرغم من محاولته إخفاءها بعملية الإزاحة والتحويل ،  وقد أغراه ـ فيما أحسب ـ إجراء ابن شهيد شعره على لسان فاتك بن الصقعب بأن يجري شعره هو على لسان زعيم من زعماء الجن وهو  أبو هدرش ، ولم يلجأ إلى المقطعات الصغيرة كما فعل بن شهيد  ، بل إنه أنشأ قصيدتين طويلتين تبلغ الأولى واحدا وعشرين بيتا والثانية ستة وستين بيتا يستعرض فيهما قدرته اللغوية ، ويترك للقارئ الحكم فيها ، وكأنه يؤكد ضمنا ما قاله عن نفسه صراحة في إحدى قصائده : [75]

وقد سار ذكري في البلاد فمن لهم
وإني وإن كنت الأخير زمانه
ولي منطق لم يرض لي كنه منزلي

 

بإخفاء شمس ضوءها متكامل
لآت بما لم تستطعه الأوائل
على أنني بين السماكين نازل

عصفورية القصيبي :    

العصفورية مصحة الأمراض العقلية في لبنان اختارها البروفيسور بشار الغول ، بطل رواية القصيبي ، ليروي فيها للدكتور سمير ثابت قصته مع الطموح والنجاح والفشل والتي أدت في بعض مراحلها إلى إدخاله أربع مصحات عقلية في العالم كانت العصفورية أولها .

يستهل غازي القصيبي عمله في العصفورية بمنظر يبين البروفيسور بشار الغول داخل جناحه الفخم في مصحة العصفورية ببيروت وهو يسأل أحد الممرضين عن الدكتور سمير ثابت المكلف بعلاجه والذي بدت عليه الدهشة حين جاء و رأى ذلك الجناح الفخم وما يشتمل عليه من وسائل الراحة ، فقال للبروفيسور :“ بتاريخ العصفورية ما سكن مريض بجناح ” فرد عليه البروفيسور قائلا : “ أولا يا دكتور أنا لست مريضا ، أنا ضيف . .وثانيا ، لم يحدث في تاريخ العصفورية أن زارها إنسان  مثلي ، أنا لست إنسانا عاديا “[76] وكانت هذه المرة الثانية التي يأتي فيها البروفيسور إلى العصفورية ، غير أنه في المرة الأولى كان   مريضا ، أما في هذه المرة فقد جاء لسرد قصته وروايتها أمام الدكتور سمير ثابت ، وقد أكد ذلك بقوله : “ يا مولانا لم أجئ هنا للعلاج ، أتيت للحديث ، وأنت تتقاضى مئة دولار في الدقيقة لا في السـاعة يا دكتور مقابل الإنصات إلـيّ ، لا تقل مرة ثانية لا تصريحا ولا تلميحا إني مريض     هنا . ” [77] ثم بدأ البروفيسور يسرد قصته أمام الدكتور سمير ثابت ورواية أحداثها وما قام به من كفاح ونضال للنهوض بالأمة العربية وما عاناه بسبب ذلك من اضطهاد وفشل   وإحباط . وكان الدكتور سمير ثابت يحمل مفاتيح هذه الشخصية العجيبة في حقيبة منتفخة بها أربعة ملفات من أربع مصحات نفسية في أمريكا وبريطانيا وسويسرا ولبنان . وقد تعرض البروفيسور في هذه المصحات إلى مغامرات عاطفية وصدمات كهربائية خدرت كثيرا من خلايا دماغه المهمة التي ينتج عن تخديرها الاتصال بعوالم الجن والأرواح والفضاء ، لهذا فقد وجد نفسه ذات ليلة في عالم الجن أمام شهاب بن شهاب بن شهاب خاقان الجن الخضيرية الذي زوج ابنته دفاية من البروفيسور . وفي ليلة ثانية وجد نفسه في عالم الأرواح حيث التقى بالمتنبي وتحدث معه وسمع منه . وفي ليلة أخرى وجد نفسه في عالم الكائنات الفضائية حيث فتح مخه وزرع فيه جهاز إرسال مباشرة إلى الفضاء الخارجي  ومنح ألف مليون دولار مقابل استئجار مخه لمدة خمس سنوات ، وفي هذه الأثناء تزوج زوجته الثانية ( فراشة ) وهي إحدى           الكائنات الفضائية ،  وقد استطاع بسبب علاقته بعوالم الجن والأرواح والفضاء أن يلتقي بعدد كبير من الشخصيات المهمة في التاريخ القديم من الشعراء والكتاب والسياسيين ، وأن يزور وادي عبقر في عالم الجن ويلتقي بعدد من شياطين الشعراء المعاصرين أمثال نزار قباني وأدونيس والجواهري ، وقد وضع لنفسه هدفين   قوميين ، هما نهضة الأمة العربية وتدمير إسرائيل . ووضع لنفسه هدفا شخصيا هو مطاردة السعادة . وقد أدرك أن الوسيلة الوحيدة لتحقيق أهدافه القومية للنهوض بالأمة العربية وتدمير إسرائيل هي إقامة حكم عسكري ثوري في مختلف أنحاء الأمة العربية ، فبدأ بعربستان 48 ثم عربستان 49 ، وأعاد التجربة في عربستان 50 .  وحين فشلت كل هذه المحاولات اكتشف أخيرا أن الديموقراطية هي أشد ما تخشاه إسرائيل فيقرر دعم الديموقراطية في عربستان 60 ولكنه يفاجأ أخيرا بانقلاب عسكري بمساعدة إسرائيلية يطيح بها ويطيح بآماله وطموحاته ، وبعد أن فشلت جميع مشاريعه على الأرض   العربية ، يقرر أن يهجر هذا العالم يائسا من إصلاحه ويعيش بين زوجتيه الجنية والفضائية خارج حدود هذا العالم .

القصيبي بين ابن شهيد والمعري :

يقول فراى : “ لا يمكن نظم قصائد شعرية إلا من منطلق قصائد أخرى ، ولا إنشاء روايات إلا انطلاقا من روايات أخرى … ولا يمكن أن تجئ رغبة الكاتب في الكتابة إلا من تجربة أدبية سابقة ، إن الأدب لا يستمد أشكاله سوى من نفسه … كل ما هو جديد في الأدب ليس إلا قديما مطروقا ، أما تجربة الذات ، فشيء لم         يوجد بعد ” [78] ويقول رولان بارت : “ النص يتألف من كتابات متعددة تنحدر من ثقافات عديدة وتدخل في حوارات مع بعضها البعض وتتحاكى وتتعارض . ” [79]

تذكرت هذه الأقوال حين قرأت رواية العصفورية لغازي القصيبي ، فالجينات التراثية شكلت كثيرا من ملامح هذا العمل ، وفتحت أبوابه لجينات كل النصوص السابقة لتأخذ نصيبها منه ،  ولعل أكثرها نصيبا هي جينات  رسالتيْ التوابع والزوابع والغفران مما يجعلنا نجزم بحضور هاتين الرسالتين في ذهن القصيبي حضورا قويا أثناء كتابة عمله هذا . وسوف نتتبع هذه الملامح  في الفقرات التالية  :

 

القصيبي وابن شهيد :

الولوج إلى عالم الجن :

روى ابن شهيد قصة دخوله إلى عالم الجن وملابساتها حين أرتج عليه القول وعجز عن إكمال أبيات رثائية بمحبوب له مات ، وبينما هو كذلك إذا بفارس بباب المجلس على فرس أدهم قد اتكأ على رمحه وصاح به : “ أعجزا يا فتى الإنس ؟ ” وبعد مساعدته في إكمال البيت سأله من يكون ، فقال “ إنه زهير بن نمير من أشجع      الجن .”[80]هذه بداية ابن شهيد في الدخول إلى عالم الجن وبداية رحلته التي زار خلالها شياطين الشعراء والكتاب ، وحضر مجالس نقــادهم ، وسمع أشعار حيوانهم . 

وقد اتبع القصيبي نفس التقنيات التي تعتمد على مفاجأة البطل بمخلص من الجن لحظة وقوعه في مأزق ، وهي مفاجأة يمكن أن نسميها (مفاجأة الخلاص ) حيث أصبح عالم الجن مخلصا من مأزق وقع فيه الراوي بشار الغول مرتين . وإذا كان مخلص ابن  شهيد ، هو زهير بن نمير من أشجع الجن ، وابن شهيد نفسه من أشجع الإنس ،  فإن مخلص البروفيسور بشار الغول هو شهاب بن شهاب بن شهاب خاقان الجن             الخضيرية .[81] والبروفيسور نفسه ، كما يقول ، من أسرة خضيرية ، وهم الذين لا ينتمون إلى قبيلة معروفة [82] . وقد كانت لحظة الخلاص الأولى بالولوج إلى عالم الجن حين كان البروفيسور يفكر جديا بالانتحار للتخلص من الآلام الشديدة بعد الصدمات الكهربائية التي تعرض لها أثناء علاجه النفسي في مصحة مونتري في أمريكا ، يقول راويا حكايته على الدكتور سمير ثابت في العصفورية : “ ذات ليلة ،  يا حكيم ، وكانت أفكار الانتحار تراودني بضراوة ، نمت مجهدا وأفقت لأجد نفسي في         عالم   الجن .

ـ قصدك أنك حلمت أنك في عالم الجن ؟

ـ لم أحلم ، يا عمي . كنت هناك فعلا . لن أدخل معك في نقاش الآن سوف تقتنع فيما بعد . صدقني ! وجدت نفسي في عالم الجن أمام شهاب بن شهاب بن شهاب خاقان الجن الخضيرية .

ـ شو ها لاسم

ـ هذا اسمه يا طبيب هذا اسمه . لم أسمه أنا ولم أكن أعرف أن في الجن قبيلية وخضيرية وكل من الطرفين يحكمهم خاقان ”. [83]

 ثم يذكر البروفيسور بشار الغول أن خاقان الجن زوجه ابنته دفاية وعينه شيخ شمل بني خضير من الإنس ليكون كفؤا لمصاهرته . ثم عاد إلى عالم الإنس بناء على  رغبة الخاقان لتتفرغ دفاية لامتحاناتها التي باتت على الأبواب . وقد كانت هذه هي البداية مع عالم الجن تلتها اتصالات متعددة ، سوف نقف على ما يخدم موضوعنا منها .

أما لحظة الخلاص الثانية بواسطة الجن فكانت حين حكم عليه بالإعدام في     عربستان   49 التي كان يحكمها برهان سرور الذي جاء إلى الحكم بمساعدة من البروفيسور بشار الغول  ، ويقول عن هذه اللحظة :“ أويت إلى فراشي الذي تحول في هذه المرحلة إلى حصير . وكنت أتصور أن عينيّ لن تذوق الغمض في ليلة فجرها  الموت . إلا أنني استغرقت في نوم طويل ، صحوت بغتة على يد تهزني بعنف :“ قم !  قم ! قم ! ”. فتحت عيني فإذا بزوجتي الجنية دفاية أمامي . قلت : دفاية ! ما ذا تفعلين هنا ؟ قالت لا وقت للكلام ، هيا معي . سحبتني من يدي ، وفي تلك اللحظة دخل برهان سرور الغرفة ، أو ربما دخلها رجل من رجاله المتشابهين التقت عينانا لمحة وقلت له : لن أنسى فضلك أبدا . قبل أن أحس بنفسي أخترق الجدار مع دفاية ،        أغمي   علىّ ، أو عدت إلى النوم العميق بمجرد أن خرجنا من  الجدار . عندما أفقت وجدت شهاب بن شهاب بن شهاب ينظر إلىّ ضاحكا ، ويقول : الحمد لله على السلامة يا صهري  العزيز . ” [84]

مع شياطين الشعراء :

تبلغ معارضة القصيبي لابن شهيد ذروتها حين يتمنى على خاقان الجن أن يكثر حاسديه بزورة إلى عبقر ليشاهد شياطين الشعراء ، ويتحدث عن تجربته هذه في المحافل الدولية . فيسمح له الخاقان ويرسل معه مدير البروباجاندا في جولة سياحية في عبقر ممتطين منطادا من مناطيد الخاقان فيحط في هيثرو عبقر ، ثم يمضيان في سيارة رينج  روفر ، وهي المعادل لجواد ابن شهيد ، حتى يصلا إلى عبقر ، حي شياطين الشعراء السكني ، فيجد هناك شوارع خضراء ، وميادين نظيفة ، تتفرع منها شوارع أخرى خضراء تقوم على جانبيها بيوت شياطين الشعراء ، وأمام كل بيت حديقة واسعة تذكره ببيوت كبار الموظفين في أرامكو L . قام البروفيسور بشار الغول بجولة في هذا الحي برفقة مرشده شعلة الذكاء الذي يعرفه بشياطين أدونيس ونزار قباني وسعيد   عقل ، وعبد الوهـاب البياتي ، والجواهري ، وهذا يذكرنا بجولة ابن شهيد على شياطين الشعراء في أرض الجن برفقة تابعه زهير بن نمير وتعريفه بتوابع الشعراء . ولم تكن أسماء شياطين الشعراء وصفاتهم الخَـلقية والخُـلقية في العصفوريــة بعيدة عن اتجاه أصحابها ، كما أن البروفيسور كان يقف عند كل شيطان من الشياطين وينشدهم ويستنشدهم  ويبدون إعجابهم  بشعره كما كان يفعل ابن شهيد مع توابع الشعراء . وتلك كلها من نقاط الالتقاء ، أو المشاكلة المقصودة، مع رسالة التوابع والزوابع ، وليست في رأينا من قبيل وقع الحافر على الحافر .

تظهر رحلة ابن شهيد إلى أرض التوابع والزوابع ، كما رواها ، في المشهد  التالي :   “ تذاكرت يوما مع زهير بن نمير أخبار الخطباء والشعراء ، وما كان يألفهم من التوابع والزوابع ، وقلت : هل حيلة إلى لقاء من اتفق منهم ؟ قال حتى أستأذن شيخنا . وطار عني ثم انصرف كلمح البصر ، وقد أذن له ، فقال : حُل على متن الجواد . فصرنا عليه ، وسار كالطائر يجتاب الجو فالجو ، ويقطع الدو فالدو ،       حتى التمحت أرضا لا كأرضنا ، وشارفت جوا لا كجونا ، متفرع الشجر ، عطر الزهر ، فقال لي : حللت أرض الجن أبا عامر ، فبمن تريد أن نبدأ . ”[85] ثم تبدأ الجولة على مساكن توابع الشعراء فيلتقيان بتوابع بعض شعراء الجاهلية والإسلام يستنشدهم ابن شهيد وينشدهم ويجيزونه . وفي هذه الجولة ذهب ابن شهيد مع تابعه زهير إلى   دير حنـة من ذات الأكيراح  للقاء تابع أبي نواس ، وحين وصلوا أقبلت         نحوهم الرهابين مشددة بالزنانير..  فقالوا: “ أهلا بك يازهير من زائر ، وبصاحبك أبي عامر . ما  بغيتك ؟ قال : حسين الدنان . قالوا إنه لفي شرب الخمرة ، منذ أيام  عشرة ، وما نراكما منتفعين به . فقال : وعلى ذلك . ونزلنا ، وجاؤوا بنا إلى بيت قد اصطفت دنانه ، وعكفت غزلانه ، وفي فرجته شيخ طويل الوجه والسَّبَلة ، قد افترش أضغاث زهر ، واتكأ على زق خمر ، وبيده طرجهارة L ، وحواليه صبية كأظب تعطو إلى  عرارة .” [86]  وفي نهاية لقائه بحسين الدنان أنشده ابن شهيد قطعة في المجون بناء     على طلبه ، وحين سمع آخر بيت فيها قام يرقص به ويردده ، ثم أفاق ،ثم قال : “ هذا والله شيء لم نلهمه من قبل .”  وهذه إشارة من أبي نواس إلى أنه كان أجدر بذلك المعنى من ابن شهيد .  

وتتسلل جينات التوابع والزوابع إلى مشاهد العصفورية حين يصف البروفيسور بشار الغول بيوت شياطين الشعراء الذين زارهم في عبقر ، وهي مشاهد تحمل السمات السابقة التي رأيناها في التوابع والزوابع بشكل واضح ، مما يستدعي إلى الذهن قول جيرار جينت    “ إن النص اللاحق يكتب النص السابق بطريقة جديدة ”[87] وكذلك قول عبد الله الغذامي  “ كل نص أدبي هو حالة انبثاق عما سبقه من نصوص تماثله في جنسه الأدبي . ” [88]

ولنسمع قول البروفيسور بشار الغول واصفا جولته على بيوت شياطين الشعراء في عبقر [89] : “ وقفنا أمام البيت الأول فرأينا شيطانا يرتدي بيجامة قرمزية ، وروب دي شامير فستقيا ، ويدخن سيجارة هولندية . قال مدير البروباجنداء : هذا حادث محدث المحداث ، شيطان أدونيس . تعال يـا حادث ، سلم على البروفيسور . قال حادث : أنشدك أو تنشدني ؟ قلت أنشدك ثم تنشدني …” وبعد أن يسمعه ويسمع منه ينتقل البروفيسور إلى البيت الثاني ،ويصف ذلك يقوله  : “ انتقلنا إلى البيت الثاني فوجدنا في الحديقة شيطانا يرتدي عباءة من جلد النساء ، ويركض بين أهرام من الحلمات ، ويقف كل دقيقة ويزعق : “ هل تسمعون صهيل أحزاني ، فتتعالى الصرخات من كل مكان : نعم ، نعم ، وطّي الصوت . ما إن رآني الشيطان الراكض حتى هجم علىّ وهو يصيح : أيا جملا من الصحراء لم يلجم .. ويا من يأكل الجدريّ منك الوجه والمعصم . قلت ما هذا التورنيدو يا شعلة ؟ قال : هذا فاخذ رديفان النهيدان . قلت شيطان نزار قباني ؟. قال   شعلة :كيف عـرفت ؟ قلت من بغضه للأعراب … ” ثم ينشد البروفيسور أبياتا  يطرب لها شيطان نزار قباني ثم يصرخ ويقول : “ آخ! آخ! طاخ! طاخ! أبو جهل اشترى فليت ستريت ، وجاء يشتري عبقر فرى هولد . هذه ، يا مجدور، قصيدتي أنا ، قصيدتي المشهورة الممنوعة حتى في بارات سوهو ” . ثم ينطلقان إلى البيت المجاور فإذا بهم أمام شيطان يرتدي توجا رومانية ، ويضع على رأسه إكليلا من  الغار ، قال شعلة : أقدم لك فينيس لاتينوس الأفنيقوس شيطان سعيد عقل فيطلب من البروفيسور أن ينشده ، فينشده أبياتا قالها بلغة     مشابهة للغة سعيد عقل يصرخ الشيطان إعجابا بها ويقول : فانتاستيك ، سأوسوس لشاعري فيمنحك جائزته للإبداع الشعري هذا الشهـر . ثم يمضيان إلى البيت  المجاور فيجدان على عتبة الباب شيطانا زريَّ الهيئة ، رثَّ المظهر ، ما إن رأى البروفيسور حتى وثب ومد يديه إلى رقبته وبدأ يخنقه . وحين سأل عن سر ذلك قال له شعلة الذكاء إنه شيطان متشرد فقير المنفى ، وهو يحاول أن يجعل من جمجمة كل رأسمالي منفضة للسجائر ، ثم يقدمه له ويقول : أقدم لك شيطان عبد الوهاب البياتي . وبعد أن ينشده الشيطان شيئا من قصائده يقول : اذهب يا شيطان  ، فأنت أشعر الشعراء المتشردين الفقراء المنفيين  ، فيقول له الشيطان : وأنت يا رأسمالي ، فاذهب فقد منحتك  جمجمتك  . ثم يختم البروفيسور جولته بين بيوت الشعراء  بالوقوف مع شيطان الجواهري ، ثائر دموي الانقلابجي ، وهو شيطان كهل ، جـاء متأبطا زجاجة وقنبلة وبندقية كلاشينكوف ، فأنشده واستنشده ، ثم انتهى اللقاء بعراك كاد أن يودي بحياة البروفيسور .

حمير ابن شهيد وحمير القصيبي:

في فصل من فصول التوابع والزوابع ينتقل ابن شهيد مع تابعه زهير بن نمير إلى أرض خاصة بحيوان الجن فيها قطيع من الحمير والبغال “ تصطك بالحوافر ، وتنفخ بالمناخر ، وقد اشتد ضراطها ، وعلا شحيجها ونهاقها . ” ولما أبصرت ابن شهيد وتابعه أقبلت إليهما وهي تقول : جاءكم على رجليه . .يقول ابن شهيد : “ فارتعت لذلك ، فتبسم زهير وقد عرف القصد ، وقال لي : تهيأ للحكم . فلما لحقت بنا بدأتني   بالتفدية ، وحيتني بالتكنية ، فقلت : ما الخطب ؟ حميَ حماك أيتها العانة  ، وأخصب مرعاك ؟  فقالت العانة لابن شهيد: شعران لحمار وبغل اختلفنا فيهما وقد رضيناك حكما . فسمع شعر البغل أولا ، ثم شعر دكين الحمار الذي ابتدأه بقوله :

دهيت به الحب منــذ هويث
وختمها بقوله :

وما نلت منها نائـــلا غير أنني

 

وراثت إراداتـي فلست أروث

 

إذا هي راثت رثت حيث تروث

 

 ولما سمع الأبيات قال للمنشدة : ما هويث ؟ قالت : هو هويت بلغة الحمير . فقلت : إن للروث رائحة كريهة ، وقد كان أنف الناقة L أجدر أن يحكم في الشعر .[90]

وقد أورد القصيبي في العصفورية قصة مشابهة للبروفيسور مع الحمير الناطقة ابتدأت عندما كان يمتطي حمارا فارها على الشاطئ اللازوردي حين لحق حماره بحمارة فرنسية حسناء على ظهرها شقراء عليها مسحة من جمال غابر أدرك فيما بعد أنها بريجيت باردو ، فدار بينهما حديث عن الحمير وسبب تعلقه هو بها ،وأنه من بلدة تشتهر بالحمير الجيدة. وفي أثناء حواره معها كان حماره يراود حمارتها ، ولما فقد الأمل في وصلها بدأ ينشد أبيات دكين الحمار التي أوردها ابن شهيد في التوابع والزوابع . يقول البروفيسور حول ذلك : “ ترجمت هذه الأبيات الحمارية لبريجيت باردو ، فسرت سرورا عظيما ، ونظرت إلىّ وغمزت ثم قالت : اتبعني إلى منزلي ، هناك مفاجأة سارة تنتظرك . تبعتها وأنا أمني النفس بأشياء لا تخفى على الفطنة . كانت بالفعل مفاجأة ، ولكنها لم تكن سارة . ما إن دخلت معها حديقة منزلها حتى تجمع حولنا أكثر من خمسمئة حمــار وحمارة جمعتهم ب. ب . من كل مكان لتربيتهم وإغداق الحب  عليهم . أحاط بي الحمير ، فهذا يلحسني ، وهذا يقبلني ، وهذا يركلني ، وهذا ينشدني شعرا . أطلقت يا حكيم ساقي للريح حتى حطت بي على متن حماري الذي التفت إلىّ وضحك   ناهقا . فقلت : “ اشمت أيها الخبيث ، فأنا مثلك :

وما نلت منهـا نائــلا غير أنني         إذا هي راثت رثت حيث تروث [91]

إن القصيبي يحيل القارئ في هذا النص إلى الفضاء التناصي لكتابته بما يدرجه في جسد النص من إيماءات وتلميحات واقتباسات بحيث يدرك القارئ مهما كانت خلفيته النصية الروافد الثقافية ومنابعها في هذا النص . وهذا نمط واضح من أنماط التناص التي أشار إليها جيرار جينت في كتابه الذي اختار عنوانه بعناية حين سماه ( أطراس ) وهي جمع ( طرس ) وتعني كما ورد في لسان العرب “ الكتاب الذي محي ثم كتب ، والكتاب الممحو الذي يستطاع أن تعاد عليه الكتابة ” ومعنى ذلك أن أي نص مهيأ أن يدخل في عملية صراع من أجل البقاء مع غيره من النصوص ، فهو يمارس عملية إزاحة وإحلال ، وبمعنى آخر أننا يمكن أن نقرأ النصوص السابقة بين أسطر النصوص اللاحقة وبذلك تتحول القراءة إلى عملية مزدوجة تتبادل فيها المواقعَ النصوص القديمة والنصوص الجديدة . ويرى جينيت أن الاقتباس لمقطع أو لفقرة كاملة هو أكثر أنواع التناص وضوحا وسهولة في  تعرفه  [92]وهو إعلان من المتأخر عن الخلفية النصية لعمله ، وهذا يشبه ما يقوم به الشاعر أحيانا من الإشارة إلى معارضته شاعرا آخر إما تصريحا أو تلميحا داخل قصيدته . وإشارة القصيبي في هذا النص إلى التوابع والزوابع  واقتباسه منها تندرج في هذا المجال التناصي الذي أشار إليه جينيت .          

العصفورية ورسالة الغفران : 

تعتبر رسالة الغفران من النصوص التي يسميها رولان بارت ( نصوص الكتابة ) والتي تحول القارئ إلى منتج للمعنى في مقابل ( نصوص القراءة ) المغلقة التي لا تسمح للقارئ إلا أن يكون مستهلكا للمعنى. والقارئ هنا هو القارئ الناقد الذي يستطيع أن يميز بين هذين النوعين من النصوص . ونصوص الكتابة هي نصوص مفتوحة أمام القارئ ، ومليئة بالفجوات التي تتيح للقارئ أن يملأها بما قد لا يكون ورد على ذهن منتجها . وغازي القصيبي في معارضته لرسالة الغفران كان كمن يعيد كتابة نص قديم بلغة عصرية حديثة تحمل في طياتها استدراكا لما كان يجب أن تتضمنه رسالة الغفران . والحقيقة أن جينات رسالة الغفران لها دور فعال في تشكيل بعض ملامح وسمات التقنيات والحيل السردية في العصفورية ؛ فتقنية السرد العلائية المتميزة بالاستطراد ، والتفسير،  والاستشهاد ،  وحشد أسماء الأعلام ، وإدراج كمٍّ هائل من المعلومات التي تفاجئ السامع والقارئ إلى حد الانبهار، كل ذلك يتكرر بكل وضوح في العصفورية منذ البداية ، وكأنه إعلان مسبق بمعارضتها . ويكفي إلقاء نظرة سريعة على صفحات قليلة من العصفورية لندرك الخلفية النصية لهذه التقنية السردية  ،  ومن أمثلة ذلك في العصفورية    تفسيره لمعنى كلمتَيْ ( المحاجم والجلم ) اللتين وردتا في قول المتنبي ( أين المحاجم يا كافور  والجلم ) بقوله للدكتور سمير ثابت : “ والمحاجم ، يا نطاسي ، هي القوارير التي تجمع فيها دماء الحجامة [93] ومثل قوله حين ورد بيت المتنبي ( أنوك من عبد ومن عرسه / من حكم العبد على نفسه )   “ وأنوك ، يا حكيم ، معناها       أحمق ” [94] وحين كان البروفيسور  يتحدث عن السمفونيات شرح للدكتور سمير ثابت معنى هذه الكلمة ومصدرها فقال  : “ وسمفونية يا نطاسي مأخوذة من الكلمة اللاتينية سمفونيا ، وهي بدورها مشتقة من جذر لاتيني يعني الصوت الجماعي ” [95] أما حيل السرد العلائية والتي تتمثل في هروب أبي العلاء من الواقع وارتحاله بابن القارح إلى العالم الآخر ، والتقائه هناك بعدد كبير من الشعراء الجاهليين والإسلاميين ، فقد جاءت في العصفورية باختلاف مقصود ، فيه نوع من الاستدراك على أبي العلاء الذي لم يجعل للمتنبي دوراً في  الغفـران على الرغم من إعجابه المعروف به ،وكثرة ما ينسج حوله  من قصص  تحتاج إلى مناقشة وتوضيح ، مثل ادعاء النبوة ، وقضية نسبه وعلاقته بسيف الدولة . ولهذا فإننا نستطع أن نفهم السبب الذي جعل البروفيسور حين ارتحل إلى عالم الأرواح لم يلتق إلا بالمتنبي ، وعالم الأرواح في العصفورية  معادل للعالم الآخر في رسالة الغفران  ، وهي حيلة سردية تخلص بها القصيبي بذكاء مما يمكن أن يسبب له حرجا دينيا واجتماعيا ؛ لأنه في الآخرة لابد أن يضع المتنبي في أو في النار  .  والمتنبي الذي أهمله المعري في رسالة الغفران يبرز في العصفورية  منذ الصفحة الأولى  عتبة نصية مهمة  حيث يفتتحها القصيبي بأحد أبياته المشهورة ، وكأنه إيذان بما سوف يحتله      في الصفحات  التالية .  حيث يستمر رفيقا بشعره للبروفيسور ، ورافدا  ثقافيا مهما له في جميع مراحل حياته.  وأحسب أنه لـولا المتنبي لما ارتحل البروفيسور إلى عالم  الأرواح . وقد روى للدكتور ثابت كيفية انتقاله إلى عالم الأرواح ، وذلك بأن قال :  “ غفوت وصحوت فوجدت نفسي في عالم الأرواح .. وجدت نفسي أمام بوابة   كبرى ، ووجدت أمام البوابة رجلا في انتظاري ، ما إن رآني حتى هتف : أهلا بالبروفيسور . قلت : من الرجل ؟ قال : أنا الذي نظر … قلت لا تكمل لا تكمل ، ما تفعل هنا ؟ قال : ( والأسى قبل فرقة الروح عجز/ والأسى لا يكون بعد الفراق)[96]ثم أخبره المتنبي كيف أمكن الاتصال به في عالم الأرواح ، وأن ذلك كان بسبب تخدر الخلية رقم   6666662  في مخه والذي بواسطته يمكن لأرواح الموتى أن تتصل بأرواح الأحياء . ثم سأله عن قصته مع خولة أخت سيف الدولة ، فرد المتنبي قائلا : “ خولة ؟ سامح الله الأستاذ  شاكر ! ورطنا في قضية خولة . حقيقة الأمر أنني لم أكن أحبها ، كانت تحبني من طرف  واحد . هل تريد يا بروفيسور أن تعرف سرا خطيرا ؟ قلت : أي والله . قال : وتعاهدني على كتمانه ؟ قلت : لا، والله ! سوف أبثه بثا يثب الجبال ويخوض البحار . قال : جود ! اعلم أن حبيبتي الحقيقية هي أم سيف الدولة … اعترفت بهذا بقصيدتي عنها ولم يفطن أحد . قلت : تعني إشارتك إلى الوجه المكفن بالجمال ؟ قال : وغير هذا . نصيبك في حياتك من حبيب ، بعيشك هل سلوت فإن قلبي / وإن جانبت أرضك غير سالي … ومع ذلك لم يفهم أحد ،  أنا أعتقد أن كل النقاد حمير . ”[97] وقد روى للدكتور سمير ثابت في عدة مواقف قصصا رواها له المتنبي نفسه ، مثل قصة قطيعته مع سيف الدولة [98]، وقصة زواجه الفاشل من أخت كافور شجرة القار [99]   

 والسؤال الذي وجهه البروفيسور للمتنبي حول قصته مع خولة ، يستدعي إلى الذهـــن سؤالا وجهه ابن القارح إلى النابغة الذبياني حين التقى به في الجنة عن قصيدته في المتجردة امرأة النعمان بن المنذر . فقد قال ابن القارح للنابغة :  “ يا أبا أمامة ، إنك لحصيف الرأي لبيب ، فكيف حَسّنَ لك لبّك أن تقول للنعمان بن المنذر :

زعم الهمام بأن فاها بارد
زعم الهمام ولم أذقه بأنه

 

عذب ، إذا ما ذقته قلت ازدد
يشفى ببرد لثاتها العَطِشُ الصدي

 ثم استمر بك القول حتى أنكره عليك خاصة وعامة ؟ فيقول النابغة بذكاء وفهم : لقد ظلمني من عاب عليّ ، ولو أنصف لعلم أنني احترزت أشد احتراز ؛ وذلك أن النعمان كان مستهترا بتلك المرأة ، فأمرني أن أذكرها في شعري ، فأدرت ذلك في خلدي فقلت : إن وصفتها وصفا مطلقا ، جاز أن يكون بغيرها معلقا ، وخشيت أن أذكر اسمها في  النظم ، فلا يكون ذلك موافقا للملك ؛  لأن الملوك يأنفون من تسمية نسائهم فرأيت أن أسند الصفة إليه فأقول : زعم الهمام ؛ إذ كنت لو تركت ذكره لظن السامع صفتي على المشاهدة ، والأبيات التي جاءت بعده داخلة في وصف الهمام ، فمن تأمل المعنى وجده غير مختل . ”[100]

             

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

                

 

 

 

 

 

 

 

 

   مراجع البحث

(لم نذكر في قائمة المراجع إلا ما وردت الإشارة إليه في متن البحث )

- الأصفهاني ، أبو الفرج . الأغاني . إعداد : مكتب تحقيق دار إحياء التراث العربي . بيروت : دار إحياء التراث العربي ، طب 2 ، 1418/1997.

- أمين ، فوزي محمد . رسالة الغفران بين التصريح والتلميح . الإسكندرية : دار المعرفة     الجامعية ، 1393.

- الباخرزي . دمية القصر وعصرة أهل العصر . تحقيق : محمد  التونجي ، دن ، 1971.

- بارت ، رولان . درس السميولوجيا . ترجمة : عبد السلام بنعبد العالي . الدار البيضاء : دار توبقال ، 1993 .

- ابن بسام . الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة . تحقيق : إحسان عباس . بيروت : دار الثقافة ، 1399/1979.

- البيومي ، محمد رجب . الأدب الأندلسي بين التأثر والتأثير . الرياض : منشورات جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ، 1400/1980.

- التبريزي ، الخطيب . الإيضاح في شرح سقط الزند . تحقيق : فخر الدين قباوة . حلب : دار القلم ، 1419/1999.

- تودوروف ، تزفيتان . مدخل إلى الأدب العجائبي . ترجمة : الصديق بو علام .  الرباط : دار الكلام ، 1993.

- الحاتمي ، أبو على . حلية المحاضرة في صناعة الشعر . تحقيق جعفر الكتاني . بغداد : وزارة الثقافة والإعلام ودار الرشيد للنشر ، 1979.

- حماد ، حسن محمد . تداخل النصوص في الرواية العربية . القاهرة : الهيئة المصرية العامة للكتاب ، 1997

- ابن رشيق القيرواني . العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده . تحقيق : محمد محيي الدين عبد الحميد . بيروت : دار الجيل ، 1972

- السقا ، مصطفى وآخرون . تعريف القدماء بأبي العلاء . القاهرة : الدار القومية للطباعة والنشر . 1384/1965 .

-السماعيل ، عبد الرحمن . المعارضات الشعرية ، دراسة تاريخية نقدية . جدة : النادي الأدبي الثقافي ، 1415/1995.

- ابن شهيد ، أبو عامر . التوابع والزوابع . تحقيق : بطرس البستاني .   بيروت : دار  صادر ، 1400/1980.

- ضيف ، أحمد . بلاغة العرب في الأندلس . القاهرة : مطبعة الاعتماد ، طب 2 ، 1938.

- الطباع ، عمر أنيس . عبقرية الخيال في رسالة الغفران . (دن/ دت/دم.)

- عبد الرحمن ، عائشة . الغفران لأبي العلاء المعري . القاهرة : دار المعارف ، 1962.

- العجمي ، مرسل فالح . بطولة ابن القارح في رسالة الغفران . حوليات كلية الآداب . جامعة الكويت . الحولية السابعة عشرة ، الرسالة السابعة عشرة بعد المئة . 1416/1996.

- العسكري ، أبو هلال . كتاب الصناعتين . تحقيق : على البجاوي وأبو الفضل إبراهيم . القاهرة : دار إحياء الكتب العربية ، 1952.

- الغذامي ، عبد الله . الخطيئة والتكفير . جدة : النادي الأدبي الثقافي . 1405/1985.

- قاسم ، سيزا . “ توالد النصوص وإشباع الدلالة تطبيقا على تفسير القرآن ” مجلة ألف ، العدد الثامن .

- القصيبي ، غازي . العصفورية . بيروت : دار الساقي ، 1996.

- مبارك ، زكي . النثر الفني في القرن الرابع . بيروت : دار الجيل ، 1975.

- المعري ، أبو العلاء . رسالة الغفران . تحقيق : بنت الشاطئ . القاهرة : دار المعارف ، طب 7 ، 1981.

- هدارة ، محمد مصطفى . مشكلة السرقات في النقد العربي . بيروت : المكتب الإسلامي ، 1975.

 

 

 

 

 

 

المراجع الأجنبية :

-Culler, Jonathan.Structuralist Poetics.New York:CornellUniversityPress 1981.                                     

 

-Eliot, T. S . The sacred Wood .London: Methuenand       Co.Ltd. 1972.

 

-Leitch , Vencent. Deconstructive Criticism . Ney York : columbia University Press, 1983 .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

                                         

 

 

                                              Abstract

 

Modern Arab critics and scholars have been accustomed to restricting the usage of the term ( Mu aradhat ) “ emulation ” to poetry which resulted in the widespread of the term “ Al-Mu aradhat Al-Shiriyyah” ( Poetic emulation ) This fact accounts for the usage of this term to denote an independent Genre that was popular in several literary period . It was a field in which poets used to compete in order to exhibit their creative skills in their emulation of well-known poems of high quality and distinctiveness. The non-technical sense of the term does not have any specificity to poetry or prose , it only means emulation and imitation , in general . Ancient critics and scholars , however, used the term “ mu aradhah” in connection with both prose and poetry before it becomes a poetic term .

In this study , I will try to exemplify the basic characteristics of narrative emulation, which differs in its characteristics from those of poetical emulation due to the differences specific to each Genre . I will also apply these characteristics , in detail, to three narrative works : Ibn Shuhaid’s Al-Tawabi wa Alzawabi ; Al- Ma arriy’s Risalat Al-Ghufran ; and Ghazi Al-Qusaibi’s novel: Al-usfuriyyah .

The study will be concerned with trying to find those aspects of similarities  and differences  between these three works , and will try to trace the extend of the ancient writers’ influences on the later ones, and how deeply these influences were , and what forms they take in the later works .   

 



[1] أبو الفرج الأصفهاني . الأغاني .  إعداد : مكتب تحقيق دار إحياء التراث العربي . ( بيروت : دار إحياء التراث العربي ،    طب 2، 1418/1917) جـ 2 ص 393

[2] ابن رشيق القيرواني . العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده . تحقيق : محمد محيي الدين عبد الحميد ( بيروت : دار الجيل 1972، ج1ص211

[3] الباخرزي . دمية القصر وعصرة أهل العصر . تحقيق محمد التونجي . د.ن. 1971 ج1ص157

[4] تعريف القدماء بأبي العلاء . جمع وتحقيق مصطفى السقاء وآخرين  ( القاهرة : الدار القومية للطباعة والنشر ،
1384/1965 ) ص 31

[5] انظر في تعريف المعارضات كتاب  المعرضات الشعرية ، دراسة تاريخية نقدية . عبد الرحمن السماعيل ، ( جدة : النادي الأدبي الثقافي  1415) ص 19

[6] أبو هلال العسكري . كتاب الصناعتين . تحقيق علي البجاوي وأبو الفضل إبراهيم  ( القاهرة : دار إحياء الكتب العربية ، 1952 ) ص 202

[7] أبو علي الحاتمي ، حلية المحاضرة في صناعة الشعر . تحقيق جعفر الكتاني . ( بغداد : وزارة الثقافة والإعلام ودار الرشيد للنشر ، 1979 ) 2/28

[8] العسكري ،كتاب الصناعتين . ص 202

[9] Vencent Leitch . Deconstructive Criticism . ( NewYork : Columbia University Press, 1983 ) p. 100

[10] Deconstructive Criticism , p.  98            Leitch,

[11] Deconstructive Criticism,  p. 59 Leitch,

[12]  T.S.Eliot.The Sacred Wood . ( London: Methuen and Co. Ltd. 1972 ) P.49    

[13]  Jonathan Culler .Structuralist Poetics .(New York: Cornell University Press1981) P139  وقد اعتمدنا ترجمة للدكتور عبد الله الغذامي للنص الإنجليزي التالي (  Every text takes shape as a mosaic of citation , every text is the absorption and transformation of other texet( انظر : الخطيئة والتكفير  ( جدة : النادي الأدبي الثقافي ، طب 1، 1405/1985 ) ص  13       

[14]  Structuralist Poetics, P 139 Culler ,

[15]  حسن محمد حماد . تداخل النصوص في الرواية العربية ( القاهرة : الهيئة المصرية العامة للكتاب 1997 ) ص 20

[16] رولان بارت . درس السميولوجيا . ترجمة عبد السلام بنعبد العالي . ( الدار البيضاء :  دار توبقال ، 1993 ) ص87

[17] حسن محمد حماد . تداخل النصوص في الرواية العربية  . ص 17

[18] نقلا عن حسن حماد ، تداخل النصوص في الرواية العربية   . ص 74

[19] أحمد ضيف . بلاغة العرب في الأندلس . ( القاهرة : مطبعة الاعتماد ، طب 2 ، 1938) ص51

[20] زكي مبارك . النثر الفني في القرن الرابع  ( بيروت : دار الجيل ، 1975)  2/320 .

[21] عائشة عبد الرحمن ، الغفران لأبي العلاء المعري . ( القاهرة : دار المعارف ، 1962 ) الصفحات 294-310

[22] محمد رجب البيومي ، الأدب الأندلسي بين التأثر والتأثير . ( الرياض : منشورات جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية  1400/1980) ص 186-187

[23] ابن شهيد .التوابع والزوابع ، تحقيق بطرس البستاني  ( بيروت : دار صادر 1980) ص 67

[24] ابن شهيد ،  التوابع والزوابع ، ص67

[25] ابن شهيد ، التوابع والزوابع ، ص 70

[26] ابن شهيد ، التوابع والزوابع، ص74

[27]ابن شهيد ، التوابع والزوابع، ص 75

[28] عمر أنيس الطباع . عبقرية الخيال في رسالة الغفران ( دم، دن، دت ) ص 47

[29] ابن شهيد ،التوابع والزوابع . ص70

[30] ذكر ابن بسام في الذخيرة أن ابن شهيد وجه رسالته إلى أبي بكر بن حزم ( الذخيرة  ، تحقيق إحسان عباس ، بيروت : دار الثقافة 1399/1979 القسم الأول ، المجلد الأول ، ص 245 )، وهو كما ذكر المحقق من بيت يختلف عن بيت ابن حزم الفقيه الظاهري المشهور.

[31] ابن شهيد ،التوابع والزوابع ، ص 88-90

[32]ابن شهيد ، التوابع والزوابع، ص 91-92

[33] ابن شهيد ،التوابع والزوابع  ، ص104

[34] ابن شهيد ،التوابع والزوابع ، ص114

[35]ابن شهيد ، التوابع والزوابع  ، ص 150

[36] ابن شهيد ،التوابع والزوابع  ، ص 152

[37] أبو العلاء المعري ، رسالة الغفران  .  تحقيق بنت الشاطئ  .( القاهرة : دار المعارف ، طب 7 ، 1981) ص 289/290

[38]المعري ، رسالة الغفران  ، ص 309             

[39] المعري ،رسالة الغفران ، ص 360

[40]المعري ، رسالة الغفران ، ص 364      

[41] المعري ،رسالة الغفران  ، ص 369

[42] المعري ،رسالة الغفران ، ص ، 375

[43] بنت الشاطئ ، الغفران لأبي العلاء ، ص 9

[44] ابن شهيد ،التوابع والزوابع ص 87-88

[45] المعري ،  رسالة الغفران . ص 22-23

[46] المعري ،رسالة الغفران  ص 62

[47] المعري ،رسالة الغفران ، ص 62-63

[48] المعري ،رسالة الغفران  ص68

K أستاذ جامعي في جامعة الكويت

[49] مرسل فالح العجمي . “ بطولة ابن القارح في رسالة الغفران ” حوليات كلية الآداب . ( جامعة الكويت . الحولية السابعة عشرة ، الرسالة السابعة عشرة بعد المئة  1416-1417 ) ص ص 44-50 بتصرف

[50]  العجمي ، بطولة ابن القارح في رسالة الغفران ، ص 57

[51]  العجمي  ، بطولة ابن القارح في رسالة الغفران  ، ص 58

[52]  العجمي ،  بطولة ابن القارح في رسالة الغفران، ص 59

[53]  المعري ، رسالة الغفران ، ص248

[54] المعري ،  رسالة الغفران  ، ص 254

[55] انظر  قصة ابن القارح في المحشر في رسالة الغفران ، الصفحات : 248-262

[56] فوزي محمد أمين ، رسالة الغفران بين التصريح والتلميح . ( الإسكندرية : دار المعرفة الجامعية ، 1993 ) ص 121

[57] البيومي . الأدب الأندلسي بين التأثر والتأثير ، ص 186-187

[58] ابن شهيد ، التوابع والزوابع ، ص 150-151

[59] ابن شهيد ،  التوابع والزوابع  ، ص 152

[60] المعري ، رسالة الغفران ، ص 213

[61] المعري ، رسالة الغفران  ، ص214

[62] المعري ،رسالة الغفران ، ص 364

[63]  المعري ،رسالة الغفران  ، ص 267

[64] المعري ،رسالة الغفران ، ص 71

[65]  ابن شهيد ، التوابع والزوابع ، ص 132

[66]  ابن شهيد ، التوابع والزوابع ، ص 134

[67] ابن شهيد ، التوابع والزوابع  ، ص 135

[68] ابن شهيد ، التوابع والزوابع ، ص 136-137

[69] ابن شهيد ، التوابع والزوابع  ، ص 138

[70] ابن شهيد ، التوابع والزوابع ، ص 146

[71] ابن رشيق . العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده ، 2/290

[72] نقلا عن محمد مصطفى هدارة ،مشكلة السرقات في النقد العربي ( بيروت : المكتب الإسلامي ، طب 2  ،  1975 )      ص 262 

[73] المعري ، رسالة الغفران  ، ص 289-291

[74] انظر : المعري ، رسالة الغفران ، الصفحات ، 290-304

[75] الإيضاح في شرح سقط الزند . تصنيف الخطيب التبريزي ، تحقيق : فخر الدين قباوة .( حلب : دار القلم ، 1419/1999)  جـ 1 ص 309

[76] غازي القصيبي . العصفورية ( بيروت : دار الساقي 1996 ) ص11

[77]القصيبي ، العصفورية  ، ص  26

[78] نقلا عن : تزفيتان تودوروف . مدخل إلى الأدب العجائبي  . ترجمة الصديق بو علام .( الرباط : دار الكلام ،1993) ص 34 

[79] رولان بارت . درس السميولوجيا . ص 87

[80]  ابن شهيد ، التوابع والزوابع ، ص 89

[81] القصيبي ،العصفورية ، ص 92

[82] القصيبي ،العصفورية  ، ص 84

[83] القصيبي ،العصفورية  ، ص 92

[84] القصيبي ،العصفورية  ، ص 249

L أرامكو هي شركة البترول السعودية .

[85] ابن شهيد ،التوابع والزوابع ، ص 91

L إناء لشرب الخمر .

[86] ابن شهيد ، التوابع والزوابع  ، ص 105

[87] نقلا عن : حماد ، تداخل النصوص في الرواية العربية ،  ص 32

[88] الغذامي ، الخطيئة والتكفير ،  ص 9

[89] انظر تفاصيل لقاءاته بشياطين الشعراء في العصفورية ، الصفحات (250- 253)

L أنف الناقة هو صاحب أبي القاسم الإفليلي أحد الكتاب المعاصرين لابن شهيد .

[90] ابن شهيد ، التوابع والزوابع ، ص 147-149

[91] القصيبي ،العصفورية ، ص139-140

[92] حماد ، تداخل النصوص في الرواية العربية ، ص 30

[93] حماد ، تداخل النصوص في الرواية العربية، ص 47

[94] حماد ، تداخل النصوص في الرواية العربية، ص48

[95] حماد ، تداخل النصوص في الرواية العربية، ص 70

[96] حماد ، تداخل النصوص في الرواية العربية، ص 95

[97] القصيبي ، العصفورية ، ص 96

[98] القصيبي ، العصفورية  ، ص 23

[99] القصيبي ، العصفورية  ، ص 46

[100] المعري ، رسالة الغفران ، ص ، 212

غاية الموقع.

فواصل بسملة 2012 بسملة متحركة 2012 ,بداية مواضيع متحركة 2012




أحبِّي اللغة يا ابنتي ؛

لأنَّ من يحب يعرف طبع من أحب ,

فإذا أحببتِ اللغة باحت لكِ بأسرارها



الساعات المكتبية



الساعات المكتبية الفصل الدراسي الأول للعام الجامعي 1436/1435هـ

الأحد : الأولي والثانية.الخميس : الأولي والثانية.

http://www.timeanddate.com/worldclock/fullscreen.html?n=214


مفهوم الإرشاد الأكاديمي

 

 

 

 

مفهوم الارشاد الأكاديمي


يمثل الإرشاد الأكاديمي ركنًا أساسيًا ومحوريًا في النظام التعليمي، حيث يعد استجابة موضوعية لمواجهة متغيرات اجتماعية واقتصادية وإنسانية في صلب النظام وفلسفته التربوية، علاوة على كونه يستجيب لحاجات الدارس ليتواصل مع التعليم الجامعي الذي يمثل نمًاء وطنياً ضرورياً لتحقيق متطلبات الذات الإنسانية في الإبداع والتميز.

ويتمثل الإرشاد الأكاديمي في محوري العملية الإرشادية: المؤسسة التعليمية والطالب، ويعزز هذا الدور المرشد الأكاديمي المختص الذي يعمل من خلال وحدة الإرشاد الأكاديمي طيلة السنة الأكاديمية. وتتكامل عملية الإرشاد الأكاديمي بوعي وتفهم جميع أطراف العملية الإرشادية؛ بهدف توجيه الطالب إلى انسب الطرق لاختيار أفضل السبل بهدف تحقيق النجاح المنشود والتكيف مع البيئة الجامعية.

ويتحقق هذا الهدف عن طريق تزويد الطلبة بالمهارات الأكاديمية المتنوعة التي ترفع من تحصيلهم الدراسي ومناقشة طموحاتهم العلمية، كما يتضمن أيضاً توعية الطلبة بلوائح وقوانين الجامعة، كل ذلك من خلال خدمات إرشادية متنوعة كالإرشاد الأكاديمي الفردي والبرامج الإرشادية والاستشارات المختلفة.

كما يساعد الإرشاد الأكاديمي الطلاب علي بلورة أهدافهم واتخاذ القرارات المناسبة المتعلقة بمستقبلهم الأكاديمي والمهني عن طريق الاستفادة القصوى من جميع الإمكانيات والبدائل المتاحة.

ويعمل الإرشاد الأكاديمي باستمرار على تبسيط وتسهيل الإجراءات الإدارية بهدف تقديم أفضل الخدمات وأجودها للطالب في زمن قياسي وفق معايير الجودة الشاملة التي تسعى إليها الكلية في ظل ازدياد وسائل الاستثمار في المشاريع التعليمية والفكرية والبحث العلمي.

أرقام الاتصال

http://faculty.mu.edu.sa/public/uploads/image/20120926/20120926004426_93373.jpg

تليفون العمل :3821

الإيميل:[email protected]

 

يوتيوب للجامعة

 

ويكيبيديا:كيويكس