د/ عبير عبد الصادق محمد بدوي

أستاذ الأدب المشارك بكلية تربية الزلفي

بحوث نقدية9

ـ عناصر البناء الفنى للقصة ـ

     تتألف القصة بصفة عامة من عناصر فنية، تلتزم فى معظمها
وهى: الحدث، الأشخاص، الأسلوب، الظرفالزمانى والمكانى.

1- الحـــدث:

     هو اقتران الفعل بالزمن، وهو عنصر الحركة والتشويق فى القصة، ويلعب الحدث دورا هاما فى تسلسل القصص الطويلة أو الرواية فهو يربط بين أجزائها ويختار القاضى الحدث أو مجموعة الأحداث التى تشكل موضوعه، من بين تجاريبه الشخصية، أو من بين الواقعات التاريخية أو الاجتماعية، أو الاسطورية وينظم جزئيات هذا الحدث على نحو معين، يجب أن ينفرد هو به، حتى تتبين لنا شخصيته الفنية فى حبكة، وما يزال ينمى هذا الحدث، وهو يعرضه فى مواقفه، نماء عضويا أو ذهنيا، بمعنى أن يسلم كل موقف إلى الموقف الذى يليه إسلاما طبيعيا، يتفق مع واقعات الحياة، أو مع توقعاتها، وهنا تساعده مخليته فى إنشاء واقعات تسهم فى تسلسل حكايته وتعقيد بعض مواقفها، وفى التعريف الكافى بأشخاص قصته، وفى الحركة اللازمة للابقاء على حيوتيها، وتسهم فى جلاء حدثه، وفى استبقاء القارئين متتبعين إياه، حادسين النهاية، يخطر لهم أكثر من حل يتوقعونه. وسبيل ذلك كله أن يجعل القاص الخيط فى يده دائماً، يحرك به المواقف والواقعات والأشخاص، فى مهارة، ولا يقدر على هذا إلا قاص يعرف من أين يبتدئ، وإلى أين ينتهى.

     ومن هنا يجب أن تكون نهاية القصة ذات صلة وثيقة ببدايتها. وبعبارة أخرى يجب أن يجنى المتذوق فى النهاية ثمرة البذرة التى بذرها القاص فى أول القصة ثم تعهدها، حتى نضجت وأينعت وحان قطافها فيلتذ قارئه فى النهاية بالحل الذى لم يتوقعه من قبل، والذى ند عن حسبانه.

 

     ومن الأحداث ما يجرى طبيعيا، ومنها ما يبدو عليه الافتعال ويعمد بعض الكتاب إلى افتعال الأحداث دون تمهيد، ويعتمدون على المصادفة أو القضاء والقدر أو القوى غير المنظورة لافتعال الحدث. وهذا مما يقبح القصة وأيضا حشد الأحداث حشدا غير طبيعى.

    كما أن بعض الكتاب قد بنوا قصصهم على الحدث بناء ساذجا قائما على فهم سطحى لدور القصاص فى الحياة، أو لقاء الشر بالشر، والخير بالخير.

2- الأشخاص فى القصة:

     لا يوجد الحدث بدون من يحدثه، وأشخاص القصة هم الذين تدور حولهم الأحداث أو هم الذين يقومون بها، والشخصية فى القصة كالشخصية الإنسانية فى الحياة تتركب من عناصر مولده وبيئته والظروف المحيطة به.

    وشخصية البطل فى القصة كالانسان فى الحياة له جانبان، جانب ظاهر واضح أمام الناس، وجانب خفى يطوى عليه صدره، ولا يكشفه إلا لنفسه، وقد يكشف بعضه للمقربين إليه، والقاص يهتم بالجانبين جميعا. ومن هنا كان تناول الشخصيات العامة مختلف عن الشخصيات التاريخية فالأولى لها مجالا لتصرف الكاتب لأنه لا يعرض لملامحها المعروفة فقط، بل يعمد إلى الجانب الخفى أو الخاص الذى لا يعلمه الناس من سيرتها.

     وقد لا تكون هناك صلة بين جانب الشخصية الخفى وجانبها المعروف الظاهر، بل لعل الجانبين يتناقضان او يتنافران، وليس فى ذلك غرابة، مثل شخصية أحمد عبد الجواد فى " بين القصرين " فهى شخصية مزدوجة أو ثنائية الطبع، وهى نموذج للعصر ولهذا اللون من البشر الذى يحتفظ بسمته ووقاره وديانته أمام الناس فإذا خلا إلى نفسه وخاصته تحول شخصا آخر يطلق لشهواته العنان.

     أما المؤرخ يحكم عادة على أشخاصه من الخارج بمجموعة من الأحداث فى بيئة ذات عادات ونظم خاصة، وتتوارى أشخاصه وراء هذه العادات والتقاليد، فيفقدون بذلك عنصر المفاجأة والاستبطان.

     والكاتب يخلق أشخاصه، مستوحياً فى خلقهم الواقع، مستعينا بالتجارب التى عاناها هو أو لاحظها، وهو يعرف كل شئ عنهم، ولكنه لا يفضى بكل شئ، فلا يصح أن يذكر تفصيلات الحياة اليومية إذا كانت لا تمت بصلة إلى فكرة القصة، ولا تدل على الحالة النفسية لأشخاصه، أو على العادات والتقاليد ذات السلطان فى المجتمع.

     هذا والأشخاص ـ في القصص بعامة ـ نوعان:

     1-  ذوو المستوى الواحد Flat " المسطحة "

     2-  الشخصيات النامية Round

1-  والشخصية ذات المستوى الواحد هي الشخصية البسيطة في
صراعها، غير المعقدة، وتمثل صفة أو عاطفة واحدة، وتظل سائدة بها من مبدأ القصة حتى نهايتها، ويعوزها عنصر المفاجأة، إذ من السهل معرفة نواحيها إزاء الأحداث أو الشخصيات الأخرى. فالقارىء يكتشف أبعادها بمجرد ظهورها على مسرح الأحداث، ويرى فيهم أناسا يألفهم دائماً في حياته، وقد يكتشف فيهم بعض أصدقائه ومعارفه.

           ويمثل لذلك في أدبنا ببعض شخصيات قصة: " عودة الروح " للأستاذ توفيق الحكيم، و" زقاق المدق " لنجيب محفوظ.

           وهذا النوع من الشخصيات أيسر تصويراً وأضعف فنا، لأن تفاعلها مع الأحداث قائم على أساس بسيط، لا تكشف به كثيراً عن الأعماق النفسية والنواحى الاجتماعية.

 

2-  الشخصية الناميـة:

      وهى التي لا تبدو ملامحها بمجرد ظهورها، بل تتكشف شيئا فشيئا وتتطور بتطور القصة وأحداثها، ويكون تطورها غالبا نتيجة تفاعلها المستمر مع الأحداث. وقد يكون هذا التطور والتفاعل ظاهرا أو خفيا، ولا يكون نمو الشخصية من الظاهر فقط بل قد يكون نموا من الداخل أى نموا نفسيا، وقد اهتم بهذا الجانب القصص ذات الطابع التحليلى والتى تعتمد على البناء النفسى للأبطال. ومن نماذج الشخصيات النامية " عباس الحلو " في " زقاق المدق "، وأحمد عاكف في " خان الخليلى " وحسنين في قصة " بداية ونهاية " للأستاذ نجيب محفوظ، وشخصية أحمد عبدالجواد وابنه كمال، وحفيديه أحمد وعبدالمنعم في ثلاثية الأستاذ نجيب محفوظ.

ـ   ولكل كاتب طريقته في عرض أبطاله، فبعضهم يظهرهم بكل ملامحهم في المواقف الأولى للقصة، وقد يعمد إلى الوصف لابراز ملامحهم ورسم صورهم حتى تلازم القارىء طوال القصة.

      وبعض الكتاب يؤخر تقديم أبطاله، ويؤخر نقطة الانطلاق في القصة حتى ظهور البطل  فإذا ما ظهر تحركت الأحداث في سرعة.

ـ    ويلجأ بعض الكتاب في التعريف بأبطاله إلى الحوار بينها أو عن طريق نجوى النفس، أو بالفيض الواعى من الرؤى والأفكار التي يفرزها العقل الانسانى في أحلام اليقظة.

3-  الأســلوب:

       هو الصورة التعبيرية التي يصوغ فيها الكاتب قصته، ونعنى بها
اللغة، والعبارات، والصور البيانية، والحوار وما إليها من عناصر الصياغة، وتنجلى براعة الكاتب في العرض بتمكنه من أسلوبه، وعن طريقه قد يمسك بزمام القارىء، ويؤثر فيه.

     ويربط النقاد أحيانا بين أسلوب القصة ومضمونها، ويكون هؤلاء غالبا من أصحاب الاتجاه الواقعى.

     ولا شك أن التعبير بأسلوب فنى جيد يضفى على القصة طابعا جميلا ويرفعها إلى مستوى العمل الفنى المتقن، والكاتب البارع هوالمتمكن من لغته والمسيطر عليها بحيث يستخدمها بطريقة مطاوعة، فينقل مايريده من الصور والأفكار إليها دون جهد أو تعسف.

     وليس معنى اتقانه الأسلوب أن يعتمد على العبارات الانشائية، وأن يسرف في المحسنات اللفظية الجوفاء ولا أن يعتمد على رسم لوحات بيانية لا تشارك مشاركة ايجابية مع عناصر القصة الأخرى، وتكون على حساب فنية القصة ورصانة بنائها.

     ونرى بعض الأدباء في مصر يولون الأسلوب اهتمامهم أكثر من البناء القصصى كالدكتور طه حسين في " دعاء الكروان، والحب الضائع "، والدكتور هيكل في " زينب ".

     ونستطيع أن نتمثل الأسلوب في ثلاثة أنماط:

النمط الأول   :  أسلوب القاص نفسه، وهو يسرد قصته.

النمط الثانى:  أسلوب الأشخاص، حينما يتحدثون عن أنفسهم، فيقدمون لنا عروضا ذاتية في صورة ترجمات أو وثائق مكتوبة، كاليوميات وكالرسائل.

النمط الثالث:  الحـوار وهو صورة من صور الأسلوب القصصى، ويعتمد عليه الكاتب في رسم شخصياته ويكون ممتعا إذا تمكن منه الكاتب كما يفعل توفيق الحكيم في كثير من قصصه.

     إذن فأسلوب القصة يتنوع بين السرد والوصف والحوار.

4-  الظرف الزمانى والمكانى:

       كل حدث لابد أن يقع في زمان معين، وفى مكان معين ولذلك يرتبط الحدث بالظروف والعادات والمبادىء الخاصة، وهو ارتباط ضرورى لحيوية وبناء القصة.

5-  الحبكة أو المعالجة الفنية:

       لكل كاتب طريقته في عرض حكايته في القصة، ولكنهم يلتزمون ضربا من الحبكة توفر للقصة تماسكها بعناصرها المختلفة. ويرى نقاد القصة تنوع الحبكة شكلاً وإن ضم أنواعها نوعان أساسيان هما:

       الحبكة المفككة          ـ        الحبكة العضوية

     وتقوم القصة ذات الحبكة الأولى على سلسلة من الحوادث أو المواقف المنفصلة التي لا تكاد ترتبط برباط ما. ووحدة العمل القصصى فيها
لا تقوم على تسلسل الأحداث، ولكن على البيئة التي تتحرك فيها
القصة، أو على الشخصية الرئيسية فيها، أو على النتيجة العامة التي ستنجلى عنها الأحداث أخيراً، أو على الفكرة الشاملة التي تنتظم الأحداث والشخصيات جميعا.

ـ  أما القصة ذات الحبكة العضوية فتقوم على أحداث مترابطة متماسكة، تسير في خط واحد مستقيم حتى تبلغ غايتها. وقد لا يلتزم كاتب القصة بحبكة ما على تلك الصورة النمطية فهم لا يرتبون أحداثهم مترابطة أو مسلسلة تسلسلا طبيعيا ولا منطقيا، بل تجتمع الأحداث وتتفرق دون نظام وبعفوية، متعللين بأنهم يجارون الحياة في تجمع الأحداث وتفرقها بلا ترتيب ولا روابط تنظمها، فقد يلجأ بعضهم إلى أن يسوق حكايات قصيرة متعاقبة، أو يدير محادثات متقطعة تفصل بينها فواصل.

ـ  ويرى معظم النقاد ضرورة وجود الحبكة لتكتسب القصة عنصرى الفن والتشويق، ذلك أن الحبكة ليست سوى عملية اختيار وتنسيق فنيين يعمد إليهما القاص فيخلق من فوضى الواقع جمال العمل الفنى، فهو يختار من أحداث الحياة فيقدم ويؤخر،  ويختصر ويمط ويوسع، ويلفق ويضم هذا كله بحيث يكون السياق والتتابع وافيين بالغرض.

     ومن خصائص الحبكة وعناصرها العقدة، وهى الذروة التي تتجمع عندها الأحداث وتتعقد، ثم تنفرج بعد ذلك حتى النهاية، والقصة التقليدية تقوم على أساس تدرج الأحداث وتصاعدها نحو ذروتها في العقدة. وقد تبدأ القصة بالعقدة ثم تدور بعد ذلك على انفراجها.

     وقد تبدأ القصة بنهايتها، وكثيراً ما يقع ذلك في القصص " البوليسية " فتبدأ بوقوع الجريمة، لتمييز خيوطها، والرجوع إلى كشف الغامض منها.

     وقد يبدأ المؤلف من فترة خاصة من حياة الشخصية الرئيسية. في منظر صامت، يعتمد على الوصف اعتماداً كبيراً، ثم يقف ليرجع إلى الوراء سنين كثيرة، يشرح بهذا الرجوع المنظر الذى قدمه أولاً.

     أمثلــة تطبيقيــة: