المقدمة و التمهيد لكتابي
مقدمة:
كثيرا ما اعجبتني قصة يوسف - كقصة - منذ صغري، عندما كنت استمع اليها بصوت قاريء القرآن، ان كان ذلك في مجالس العزاء الحسينية ، او كان ذلك في مجالس الفاتحة ، حتى بتنا انا واترابي وقتذاك نتفكه بالطريفة التي تذكر: ان كردياً زار مدينتنا الجنوبية في شهر محرم الحرام (عاشوراء) واندهش من كثرة مجالس العزاء (الحسينية)، اذ كانت اغلب المجالس تلك - وقبل صعود الملا ( قاريء التعزية)- يُتلى فيها القرآن ، وكانت السورة القرآنية التي تُتلى عادة (بواسطة آلة التسجيل) هي سورة يوسف ، وقيل ان هذا الكردي عندما عاد لمدينته سأله معارفه عما رآى في سفرته لمدينتنا ،فقال لهم: ان اهالي المدينة نصبوا مجالس عزاء كثيرة على طفل صغير قد اكله الذئب.(1)
ثم بدأ جيلنا يختصر القصة على انها قصة طفل تاه من عائلته و عثروا عليه بعد سنوات.
وعندما بدأت في سن متأخراقرأ القرآن قراءة فهم وتدبرلمعرفة اعجازه،وكذلك قراءة الكتب – القديمة والحديثة - التي تبحث في علومه ، تشكلت عندي مجموعة من الافكار والاراء عن السورة /القصة تلك، حتى انصبت جميعها في كتابي: (تجليات الاسطورة- قصة يوسف بين النص الاسطوري والنص الديني ) الذي انتهيت من كتابته عام 2005 ، وبعد اربعة اعوام من الانتهاء من كتابته ازدادت معلوماتي كثيرا عن هذه القصة (قصة يوسف) بفضل الشبكة العنكبوتية (الانترنيت) التي اتاحت لي الاطلاع على العشرات من المصادر والمراجع التي لم تكن تحت يدي عند كتابة الكتاب عام 2005 .
ونسخة عام 2005 لم توضع لها مقدمة، لاني كنت على يقين تام بأنها لا تحتاج لذلك ، اما هذه النسخة فأنا على يقين ان القراء يجب ان يعرفوا سبب كتابة هذه النسخة، كونها نسخة مزيدة ومنقحة لنسخة 2005.
***
الهوامش:
1 – لا نريد ان نحمل هذه الطرفة شيئا يجعلها تفسر على اكثر من معنى، سوى ان اختيار الشخص على انه كردي جاء بسبب كونه غريبا عن منطقة الجنوب (فهو من شمال العراق)، فضلا عن مذهبيته المغايرة لمذهب ابناء المدينة.
ارى ان قراءة هذه السورة من القرآن في اغلب تلك المجالس الحسينية ما هو الا اتفاق ضمني غير معلن لاصحاب تلك المجالس الشديدي التعصب لقضية استشهاد الحسين ، وربما موصى بها من قبل بعض رجال الدين الشيعة من غير العرب ، لِما تحمله هذه السورة ، وكذلك تأويلاتها وتفاسيرها وشروحها المليئة بالاسرائيليات، من معان يريد اؤلئك المتعصبين تأكيدها ، خدمة لما يؤمنوا به من افكار لم يذكرها القرآن، في مذهبهم.
في منتصف العام (2009) شاهدت المسلسل الايراني المدبلج (يوسف الصديق) على احدى الفضائيات الممولة من قبل ايران او انها فضائية ايرانية ناطقة باللغة العربية .
والحق يقال كان عملا فنيا كبيرا ، كبيرا في فنه وفي اخراجه وتمثيله وانتاجه ، الا ان الذي اريد ان اؤكد عليه ان هذا العمل لم يعتمد القرآن كمصدر رئيسي له ، وانما راح يبحث في الاسرائليات التي امتلأت بها كتب التفسير وكتب قصص القرآن وكتب قصص الانبياء ، وهي كلها مأخوذة من كعب الاحبار وابن منبه وابن سلام وغيرهم من اليهود الذين دخلوا الاسلام.
راجع الملحق في نهاية الكتاب: (يوسف الصديق - مسلسل تلفزيوني ايراني يبتعد عن النص القرآني ليبشر بدولة اسرائيل).
***
التمهيد:
وحدة الثقافة

هل يمكن اعتبار القصص في القرآن من الامور التي لا يمكن المساس بها ، ولا يمكن دراستها وفحصها نقديا لانها تحوي بعض التشريعات التي تبين حدود الشرع التي انزلها الوحي والتي تشمل الحلال والحرام خاصة ؟
سؤال حاول الكتاب - قدامى ومعاصرين - الاقتراب منه للاجابة عنه وبطرق شتى.
ونحن اذ نطرح السؤال ذاته، نستذكر، ان بعض كتاب الرواية والقصة – كتاب السرديات الحديثة والقديمة على السواء – قد استفادوا كثيرا من القصص القرآني بصور شتى، لانهم وجدوا فيها موضوعات انسانية تثير مجموعة من الافكار.
ان النص القرآني / الالهي ،قد اصبح نصاً بشرياً في اللحظة التي تكلم به – لاول مرة – النبي محمد ، الذي كان ابن الثقافة العربية و يعيش في حضنها، حيث كونت ثقافة النبي العربي الذي نزل عليه الوحي (( و ما ارسلنا من رسول الا بلسان قومه ليبين لهم )) (ابراهيم : 4 )،فأصبح عند ذاك جزءاً مهما من بنية الثقافة العربية التي كانت تضم مجتمع مكة والمدينة والطائف وقتذاك .
وقد تناول اكثر من كاتب قديم ومعاصر النص القرآني باعتباره نصاً ادبياً و بشرياً - بعيدا عن القرآن - ،كالجرجاني على سبيل المثال عندما درسه على انه نص لغوي قارنه بالنص الشعري الجاهلي خاصة ، وان قوانين اللغة- النحو خاصة - تنطبق عليه كما في كتابه دلائل الاعجاز عندما صاغ نظرية النظم .
ان النص القرآني عندما تكلم به النبي محمد صار نصاً بشرياً شائع التملك ،خاصة ان الوحي يخاطب النبي بأن يجيب على تساؤلات ابناء ذاك المجتمع ، وان يحتكم - على سبيل المثال – في قضية سألة اليهود عنها - وهم بنو النضير وبنو قريظة –الى التوراة ، والتوراة- هنا بين يهود المدينة- هي جزء من ثقافة اهل المدينة (( وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله ثم يتولون من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين * إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والاحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء فلا تخشوا الناس واخشون ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون * وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والانف بالانف والاذن بالاذن والسن بالسن والجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون)). [ مائدة : 43 -45 ]
ولما كانت ثقافة ذلك المجتمع تعتمد ما هو شفاهي ، أي انها ثقافة شفاهية – وكان القصص المتداول بين الناس من ضمن مكونات تلك الثقافة – حالها حال الاساطير - ، فيمكن القول ان القصص المذكورة في القرآن قد تداولت هي ايضاً على السنة الناس قبل نزولها كوحي بمئات السنين.
فضلا عن ذلك ، فأن ابناء الديانة اليهودية، وكذلك المسيحية – وهم بنسبة لا بأس بها في مجتمع المدينة- كانوا يعرفون أغلب تلك القصص من خلال توراتهم وكتبهم الدينية الاخرى ، التلمود خاصة، وحتما انهم كانوا ينشرونها بين الناس.
يقول د.جواد علي عن تواجد اليهود على ارض الجزيرة العربية: ((ويرى بعض الأخباريين أن ابتداء أمر اليهود في الحجاز ونزولهم وادي القرى وخيبر وتيماء ويثرب إنما كان في أيام "بخت نصر"، فلما جاء "بخت نصر" إلى فلسطين، هرب قسم منهم إلى هذه المواضع واستقروا بها إلى مجيء الإسلام. وليس في هذا الخبر ما يحملنا على استعباده، فهروب اليهود إلى اعالي الحجاز ودخولهم الحجاز أمر سهل يسير، فالأرض واحدة وهي متصلة والطرق مفتوحة مطروقة، ولا يوجد أي مانع بمنع اليهود أو غير اليهود من دخول الحجاز.)).(1)
اما عن وجود المسيحيين على ارض الجزيرة العربية ، فيقول د. جواد علي : ((ولم تكن اليهودية، الديانة السماوية الوحيدة التي وجدت لها سبيلاَ إلى جزيرة العرب، بل وجدت ديانة سماوية أخرى طريقاً لها إلى العرب، هي الديانة النصرانية. وهي ديانة أحدث عهدأ من الديانة الأولى، لأنها قامت بعدها، ونشأت على أسسها ومبادئها، ولكنها كانت أوسع أفقاً وتفكيراً من الأولى. فبينما حبست اليهودية نفسها في بني اسرائيل، وجعلت إلهها إلَه بني اسرائيل شعب الله المختار، جعلت النصرانية ديانتها ديانة عالمية جاءت لجميع البشر.)). (2)
ولو راجعنا شعرالفترة الجاهلية ، لوجدنا ان الكثير منه قد استفاد من تلك القصص ، أي انها كانت متداولة قبل الاسلام.
يقول الشاعر السمؤل- وهويهودي من خيبر - المتوفي عام 64 ق . هـ :
وَسُلَيمانَ وَالحَوارِيُّ يَحيى وَمَنَسّى يوسُف كَأَنّي وَليتُ
ويقول ايضا :
وَهَذا رَئيسٌ مُجتَبىً ثَمَّ صَـــــــــــــــــفوُهُ وَسَمّاهُ إِسرائيلَ بَـــــكرَ الأَوائِلِ
وَمِن نَسلِهِ السامي أَبو الفَضلِ يوسُفُ ال ذي أَشبَعَ الأَسباطَ قَمحَ السَنابِلِ
وَصارَ بِمِصرٍ بَعدَ فِرعَونَ أَمـــــــــــــرُهُ بِتَعبيرِ أَحــــــلامٍ لِحَلِّ المَشاكِلِ
ويذكره مرة ثالثة ، فيقول :
وَبَقايا الأَسباطِ أَسباطِ يَعقو بَ دارِسِ التَوراةِ وَالتابوتُ
ويقول الشاعر بشر بن ابي حازم المتوفي سنة 32 ق . هــ :
فَقُل كَالَّذي قالَ اِبنَ يَعقوبَ يوسُفٌ لِإِخوَتِهِ وَالحُكمُ في ذاكَ راسِبُ
فَإِنّي سَأَمحو بِالَّذي أَنا قــــــــــــئِلٌ بِهِ صادِقاً ما قــُلتُ إِذ أَنا كاذِبُ
وليس يوسف او يعقوب كانا الوحيدين المعروفين عند العرب ، بل نجد اشعارهم تذكر نوح وداود وسليمان واقوام عاد وثمود التي بادت ، فهذا نوح يُذكر في اشعارهم ، فيقول الشاعر زبان بن سيار الفزاري :
أَلَم تَرَ حَوشَباً يَبني قُصوراً يُرَجّي نَفعَها لِبَني بُقَيلَه
يُؤَمِّلُ أَن يُعَمَّرَ عُمرَ نـــوحٍ وَأَمرُ اللَهِ يَحدُثُ كُلَّ لَيلَه
فيما يقول الشاعرعدي بن زيد:
أَينَ أَهـلُ الدِيارِ مَن قَومِ نوحٍ ثُمَّ عادٍ مِن بَعدِهِـــــــم وَثَمودُ
بَينَما هُم عَلى الأَسِرَّةِ وَالأَنما ط أَفضَت إِلى التُرابِ الجُلود
ويقول الشاعر عمرو بن كلثوم :
إَذا بــــــــَلَغَ الفِطامَ لَنا وَليدٌ تَخِرُّ لَهُ الجَبابِرُ ساجِدينا
عُقاراً عُتِّقَت مِن عَهدِ نوحٍ بِبَطنِ الدَنِّ تَبتَذِلُ السِنينا
ويقول الشاعر عنترة بن شداد:
عَجوزٌ مِن بَني حامِ بنِ نوحٍ كَأَنَّ جَبينَها حَجَرُ المَقامِ
اما الشاعر افنون فيذكر عاد وارم وجدن ولقمان فيقول :
لَو أَنَّني كُنتُ مِن عادٍ وَمِن إِرَمٍ رَبيتُ فيهِم وَمِن لُقمانَ أَو جَدَنِ
فيما يقول الشاعر :
لَو دامَ لِتُبَّعٍ وَذَوي ال أَصناعِ مِن عادٍ وَمِن إِرَمِ
ويقول الشاعر النابغة الذبياني:
إِلّا سُلَيمانُ إِذ قالَ الإِلَـــــــهُ لَهُ قُم في البَرِيَّةِ فَاِحدُدها عَنِ الفَنَدِ
وَشَيِّسِ الجِنَّ إِنّي قَد أَذِنتُ لَهُم يَبنونَ تَدمــــُرَ بِالصُفّاحِ وَالعَمَدِ
اما الشاعر زهير بن جناب الكلبي فيقول :
أَصَبنَ سُلَيمانَ الَّذي سُخِّرَت لَهُ شَياطينُ يَحمِلنَ الجِبالَ الرَواسِيا
والشاعر احيحة بن الجلاح فيقول:
تَجِنُّهُمُ مِن نَسجِ داوُدَ في الوَغى سَرابيلُ حيصَت بِالقَتيرِ المُسَمَّرِ
اما الشاعر الاسود بن يعفر النهشلي فيتمثل بقوة نسج دروع النبي داود فيقول :
ودعا بمُحكمةٍ أمين سكها من نسج داودٍ أبي سلامِ
وبتأثير اختلاطه بالنصارى العرب ، يقول الاعشى:
جزى الإله إياساً خير نعمـتـه كما جزى المرء نوحا بعدما شابا
في فلكه اذ تبداها ليصنـعـهـا وظل يجمع الواحـا و ابـوابـــــــا
ويقول الأفوه الأودي" وهو صلاءة بن عمرو:
ولما يعصها سام وحـام ويافث حيثما حلت ولام
وان الكثير من عادات وتقاليد – جزء من ثقافة - ذلك المجتمع قد اقرها الاسلام، اوصاغها صياغة جديدة، اما بواسطة الوحي او من خلال سنة النبي التي هي وحياً كذلك ، وترى هذه الدراسة:
1 – ان ثقافة المجتمع العربي ، القريشي خاصة- ومن ضمنهم مجتمع المدينة على اعتبار ان قسماً من المخاطبين كانوا من مهاجرة قريش الذين نزل القرآن ليخاطبهم - كانت واحدة .
2 – ان جزء من الثقافة تلك ،هي ثقافة حنيفية / توراتية / انجيلية / وثنية - على المستوى الديني - وان النصوص ذات البنية السردية معروفة للقسم الاكبر من المجتمع العربي وقتذاك لذكرها في التوراة او الانجيل ، و ان القرآن جاء بها بصياغة جديدة.
وخير دليل على ذلك كتب التفسير التي اضافت للنص القرآني الكثير من الوحدات الحكائية (موتيفات) ذات الصبغة الاسطورية ،التي كانت متداوله بين العرب وقد تركها الوحي بعد تشذيبه لها.
3 – ان اكثرالاحاديث النبوية جاءت لتبين وتوضح النص القرآني للمسلمين(( لتبين للناس ما نزل اليهم ))(النحل:44) ،أي لتساعد النص الالهي على ان يكون نصاً بشرياً، أي انها كانت اضافة للنص .
4 – اختلاف قراءة القرآن بين المسلمين الذين كانوا من اصل غير قريشي او غير عربي، أي من ثقافة ليست ثقافة المجتمع القريشي ،على اعتبار ان اللغة - حسب المفهوم السوسيري – هي نظام من العلامات ( راجع محاضرات في علم اللغة ) و هي وسيلة الاتصال التي تمثل المعرفي في الثقافة ، وما رسالة عمر بن الخطاب – كما يذكر ابن داود في كتاب المصاحف ( ص 12 -14) (3 ) - الى عبد الله بن مسعود الذي كان يقرأ القرآن في الكوفة بلغة هذيل (قبيلته)، خير دليل على ذلك .
يقول فيها : (( اما بعد ، فان الله تعالى انزل القرآن بلغة قريش ، فاذا اتاك كتابي هذا فأقرىء الناس بلغة قريش ، ولا تقرئهم بلغة هذيل )).
و قضية نسخ عثمان بن عفان للقرآن ، ما هي الا عملية جيرت قضية قريشية لغة القرأن ، وكانت وصية عثمان بن عفان للناسخين ان يكتبوا – اذا اختلفوا في شيء من القرآن – بلغة قريش . (4)
نستنتج من كل ذلك ، ان الثقافة التي كانت سائدة وقتذاك – في مجتمعات مكة والمدينة والطائف بصورة عامة - هي الثقافة القريشية – اذا صحت التسمية – كون اللغة التي كانت حاضنة لها هي لغة قريش ،التي (( ساعدت ظروف دينية وعوامل سياسية واقتصادية على ان تسود لهجة قريش خلال القرن السادس الميلادي وان تصبح لغة الشعر مهما اختلفت لهجات الشعراء )).(5)
***
ان المقاربات النقدية الحديثة قد اعتمدت على النص من الداخل ، و قللت من هيمنة المؤلف - الله في النص القرآني و احبار اليهود في النص التوراتي و طبقة القصاصين في المجتمع العربي - والغت كل المقاربات والرؤى الخارجية عنه ، مهما كان توجه هذه المقاربات والرؤى : فكرية او اجتماعية او تاريخية اودينية ،لانها وجدت فيها وثائق ذات صبغة تاريخية – دينية - ايدولوجية،لا تصلح الا للمهتمين بالتاريخ والسياسة . وقد استفدنا نحن هنا من تلك المقاربات دون ان ننسى ان بعض ما يحيط بتلك النصوص سيضيء النص كثيراً وعلينا ان لا نتركه.
ان الدراسة - هذه - استطاعت ان تفصل النص المدروس ( قصة يوسف) عن منتجه ، وهوالوحي ،أي ان النص القرآني اصبح نصاً بعيداً عن مقاصده التي كان من احد اسباب نزوله لتبيانها في ذلك الوقت ، انه نص لا ديني ، وان ما اراد النص ان يبينه دينيا- اهدافه ومراميه - استطاع العشرات من الكتاب ان يفسروه ويؤلوه ويشرحوه للملايين من المسلمين ، حتى بات المسلمون – وكذلك اتباع الديانات السماوية الاخرى - في مشارق الارض ومغاربها يفهمونه على انه قصة ( نبي الله) يوسف الذي تآمر عليه اخوته من ابيه – حسدا له - فالقوه في الجب ،وبعد ان اخرج منه وبيع على عزيز مصر ، راودته امرأة العزيزعن نفسه- لجماله – ومن ثم استطاعته – بمساعدة من الله - التخلص من الغواية هذه .
اذن كان الهدف الديني من نزول القصة – وحياً - هو التأكيد على ان الحسد الذي يؤدي الى التهلكة، و المراودة عن النفس، هما من عمل الشيطان ، وان من يتبع سبيل الله معصوم من الله ، انه نص يقدم مجموعة من امراض النفس البشرية وعلاجها الميتافيزيقي .
هذا ما اوصله لنا من تناول القصة تناولاً دينياً ، اما هدف هذه الدراسة هو الخروج من هذا التناول ، واعتبار النص - على مستوى هذه الدراسة - نصاً اسطورياً . (6)
وقد تناول الكاتب د . نصر حامد ابو زيد قضية تناص اغلب القصص في القرآن مع ما جاء في الكتب السماوية الاخرى و من ثم مع الثقافة السائدة بين قسم من ابناء المجتمع العربي وقتذاك ، قال : (( وفيما يتعلق بالنصوص القصصية الشفاهية يمكن القول ان التناص معها اعتمد على آلية الاستيعاب واعادة التوظيف من خلال سياق يعيد تأويلها تأويلا ناطقاً بايديولوجية النص . اما الموقف من النصوص الدينية فقد اعتمد آلية الانتقائية التي تقبل الاجزاء وتعيد توظيفها و تأويلها ،اما الاجزاء المرفوضة فتم تصنيفها في خانة الانحراف ، او التحريف ، الناتج عن الضلال . ومن السهل على النص ان يقوم بالتأويل و التصنيف اعتماداً على انه نص نابع من المصدر نفسه ، وان احدى مهامه من ثم تصويب الانحرافات التي احدثها البشر في اصوله السابقة )).(7)
ان الكلمات الاخيرة للكاتب تبين مدى انتشار مثل هذه القصص في الثقافة العربية – وقتذاك – قبل نزول الوحي بها ، أي تحولها في الذاكرة الجمعية طيلة الفترة التي سبقت البعثة الى حكايات واساطير ، فرفضها القرآن ، ومن ثم صاغها صياغة جديدة ، شذبها – ايدولوجياً - من خلال طرح ما هو زائد عن حاجة المجتمع الجديد الذي يريد ان يبنيه ، لكن - هذه الزوائد - عادت مرة اخرى على ايدي مفسري القرآن وكتاب السيرة النبوية الى النص.
من المفيد ان نذكرخلو نتائج الحفريات الاثارية – ولحد يومنا هذا - من شواهد واقعية لأغلب القصص التي اوردها القرآن .
ان الحفريات في اور الكلدانية لم تهدنا الى ابراهيم وتدميره لتماثيل مدينته ، وكذلك الحفريات في مصر الفرعونية هي الاخرى لم تزودنا بشواهد عن يوسف ،خاصة انه كان له شأناً فيها لسنوات، كما تذكر بعض المصادر ذات الاساس التوراتي.
يذكر القمني وهو يشير الى حقيقة وجود يوسف في مصر : ((برغم انه لم يوجد نص مصري واحد فيما اكتشف حتى الان يشير الى هذا المعنى )). (8)
واذا كان السبب – كما يرى البعض – يعود الى الحفريات ، فأن الدراسة ترى ان الاساطير – مهما كان نوعها – ذات اساس واقعي (( فالاسطورة تعبير ادبي عن انشطة الانسان القديم الذي لم يكن قد طور بعد اسلوباً للكتابة التاريخية يعينه على تسجيل احداث يومه ، فكانت الاسطورة هي الوعاء الذي وضع فيه خلاصة فكره)). (9)
اذن فالاسطورة ، هي التاريخ غير المدون ، و بتقادم الزمن لبست - بفضفاضية - الكثير من احداث التاريخ تحت تأثير القدرة الالهية التي تصنع كل شيء ، فأصبحت اية اضافة خارج الواقع مندرجة تحت هذه القدرة ، فتحول الواقع الى لا واقع واضيف الى ما في التاريخ من كرامات لبعض الناس – وصفوا في القرآن على انهم انبياء – افعالاً ادرجت تحت مفهوم القدرة الالهية .
وما الشروحات والاضافات المختلفة في كتب التفاسير وكتب السيرة الا اضافات تقع تحت مفهوم الاسطورة .
لقد فهم البعض النص القصصي القرآني على انه تاريخ ، اوجزء من التاريخ الماضي (( ان هذا لهو القصص الحق)) [ آل عمران / 62 ] و (( تلك القرى نقص عليك من أنبائها ))[ اعراف :101 ] ((نحن نقص عليك نبأهم بالحق))[ كهف : 13 ](( كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق ))[ طه : 99 ] ،الا ان اكثر الدراسات الحديثة – دراسات محمد عبدة عن القصص القرآني خاصة، وخلف الله ، وابو زيد ،وغيرها على سبيل المثال – تؤكد عدم تاريخية تلك القصص، حتى بات التمثيل – واحد من فنون البيان العربي - هو الخانة التي تندرج ضمنه ، وقد صرح الشيخ عبدة قائلا: ((ليس القرآن كتابًا في التاريخ،وإنما المراد بها – القصة القرآنية - الاعتبار والعظة من السياق)) كما يذكر ابو زيد.
فقد جاء في سورة يوسف : (( نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا اليك هذا القرآن وان كنت من قبله لمن الغافلين )) (يوسف :3 ) لكنه – النص القصصي القرآني - تحول على ايدي الشراح والمفسرين الى اسطورة اعتماداً على تلك الاضافات .
وهكذا وصلنا الواقع بغياب التدوين( التاريخ ) على شكل اسطورة قبل الاسلام :
الواقع+ اضافات متخيلة = التاريخ .
يقول د. جواد علي: ((وفي قصصهم قصص له أصل تأريخي، لكنه لم يحافظ على نقاوته وأصله، وانما غلب عليه عنصر الخيال فحوّله إلى أسطورة، رصعت بالشعر في الغالب، وبالجنس، لتثير الغرائز، فتقبل الأنفس على سماعها، ومن هذا القبيل قصص طسم وجديس، وقصص الزباء والتبابعة، والأقوام الغابرة، حيث تجد قصصهم في كتب الأخبار والأدب.)). (10)
وكما يستنتح ابو نصر من كلام الشيخ عبدة (تفسير المنار) والدكتور طه حسين (في الشعر الجاهلي) من ان ورود اغلب الحوادث التاريخية وايضا القصص القرآني ليس معناه ((دليل على صحتها التاريخية بقدر ما هو دليل على وجودها في وعي المخاطَبين بالقرآن وفي ضمائرهم)). (11)
النص القرآني جاءنا مليئا بالفجوات– التي تصاحب كل عملية سرد - التي تحتاج الى من يملأها ،من مثل: هل ان ام يوسف كانت ميتة ام لا ، وماذا فعل يوسف في الجب قبل ان يخرجه السيارة ، وهل تزوج امرأة العزيز ام لا ، ومن هو الشاهد في تبرئة يوسف من المراودة ، ولماذا اوصى يعقوب ابنائه بأن يدخلوا مصراً من عدة ابواب في السفرة الثانية ؟ (12)
اسئلة كثيرة لم يجب عنها النص القرآني لانه لم يكن معنياً بها بقدر عنايته بالجانب الاخلاقي ، ولكن مجموعة المفسرين والشراح وكتاب الحديث والسيرة النبويتين اكملوها من خارج الثقافة الاسلامية الحقة.
ومن هذا الطريق، لعب بعض اليهود الذين اسلموا مؤخراً - مثل كعب الاحباروابن منبه وابن سلام وغيرهم - في ما كتبه الشراح والمفسرون لنصوص القرآن القصصية. (13)
ان النص الاسطوري (14) الذي تتناوله الدراسة بالتحليل هنا ، هو نص اخرس ، لا ينطق الا بقارئه ، مليء بكل النداءات المكبوتة التي من شأنها ان تجعل قارئه - أي قاريء وفي أي زمان ومكان - يتوصل الى الدلالات التي يرغب، والتي – ما برحت - تكمن في لا وعيه .
ولكي اكون اكثر صراحة مع القاريء ، اقول لمن لايعنيه مثل هذه الدراسة-المقاربة النقدية – ان يترك قراءة هذا الكتاب ، ويتناول غيره .
***
الهوامش :
1- المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام - د. جواد علي - الجزء الثالث – الفصل 76.
2- المصدرالسابق – الفصل 79.
3 - علوم القرآن الكريم – د . غانم قدوري حمد – ط3 – المطابع المركزية- 1999 .
4 - المصدرالسابق - 60 .
5 - الشعر الجاهلي – د. سيد حنفي حسنين – الهيئة المصرية العامة للتاليف والنشر 1971 .
6 –تناولنا هنا هو الذي فرض هذاالتصنيف لها ، خاصة اذا ما اخذنا بنظر الاعتبار،الاخبار التي اكمل بها الشراح والمفسرون القصة والتي عد بعض الدارسين من الشراح والمفسرين الكثير منها على انها اساطير ، واعدوها من الاسرائيليات التي ما انزل الله بها من سلطان .
فضلا عن ذلك فان رأي المفكر النهضوي محمد عبدة وغيره من القائلين برأيه في القصص القرآني ، رأي جدير بإن يكون هو الرأي الصحيح عند النظر لهذه القضية.
يقول د. نصر حامد ابو زيد اعتمادا على افكار الشيخ محمد عبدة : (ذكر القصة في القرآن لا يقتضي أن يكون كلُّ ما يُحكى فيها عن الناس صحيحًا. فذكر السحر في هذه الآيات [البقرة: 102] لا يستلزم إثبات ما يعتقد الناس منه... إن القصص جاءت في القرآن لأجل الموعظة والاعتبار، لا لبيان التاريخ ولا للحَمْل على الاعتقاد بجزئيات الأخبار عند الغابرين. وإنه ليحكي من عقائدهم الحقَّ والباطل، ومن تقاليدهم الصادق والكاذب، ومن عاداتهم النافع والضار، لأجل الموعظة والاعتبار. فحكاية القرآن لا تعدو موضع العِبرة، ولا تتجاوز موطن الهداية، ولا بدَّ أن يأتي في العبارة أو السياق وأسلوب النظم ما يدل على استحسان الحَسَن واستهجان القبيح. وقد يأتي في الحكاية بالتعبيرات المستعمَلة عند المخاطَبين أو المحكيِّ عنهم، وإن لم تكن صحيحةً في نفسها، كقوله: "كما يقوم الذي يتخبَّطه الشيطانُ من المس" [البقرة: 275]، وكقوله: "بلغ مطلع الشمس" [الكهف: 90]. وهذا الأسلوب مألوف. فإننا نرى كثيرًا من كتَّاب العربية وكتَّاب الإفرنج يذكرون آلهة الخير والشرِّ في خطبهم ومقالاتهم، ولاسيما في سياق كلامهم عن اليونان والمصريين القدماء، ولا يعتقد واحدٌ منهم شيئًا من تلك الخرافات الوثنية). (إشكاليَّة تأويل القرآن- قديمًا وحديثًا ). وانظر كذلك: الفن القصصي في القرآن الكريم- ص200.
- كتب احدهم على موقع الذاكرة الالكتؤوني في مقال بعنوان (الاسطورة في القرآن الكريم ): ((لم ينْفِ القرآنُ عن نفسه وجود الأساطير فيه، وإنما حرص على أن ينكر أن تكون هذه الأساطير هي الدليل على أنه من عند محمد وليس من عند الله)).
7 - النص ، السلطة ، الحقيقة – د . نصر حامد ابو زيد - 101 .
8 - مدخل الى فهم دور الميثيولوجيا التوراتية – سيد محمود القمني – شبكة اللادينيين العرب- ص7.
9- الاسطورة والتاريخ في التراث الشرقي القديم – د . محمد خليفه حسن احمد - دار الشؤون الثقافية العامة – 1988 - ص 23 .
10 - المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام - د. جواد علي - الجزء الثالث – الفصل 128.
11- إشكاليَّة تأويل القرآن- قديمًا وحديثًا- ص36 .
12 – جاء في التلمود : (واوصى يعقوب بنيه ان يدخلوا المدينة من مداخل عدة ، حتى لا يقابلوا بالرفض بكمية الشراء التي يرومونها، ففعلوا ما امرهم به) - ص135
فيما يرى كاتب المسلسل التلفزيوني الصديق يوسف – وبالتأكيد قد فحص النص من قبل رجال الدين الايرانين - ان السبب هو كي لا يقبض عليهم يوسف فيما لو كان يضمر لهم شرا.
فيما يعلق اغلب المفسرين على ان الامر هذا متروك لله ، فهو الذي يعرف السبب، وكذلك الى يعقوب ((إلا حاجة في نفس يعقوب قضاها وإنه لذو علم لما علمناه ولكن أكثر الناس لا يعلمون)).
13 – لا ننسى تأثيرات كعب الاحبار في تفسير ابن عباس للقرآن ، وكذلك تلمذة – ان صحت التسمية – ابو هريرة لكعب ذاته.
14 – اعتبارا من هذه السطور سأدعوا نص الدراسة بالنص الاسطوري ، والى هذا استرعي انتباه القاريء اللبيب .
يقول خلف الله: (نعم نحن لا ننكر ان بعض المفسرين من اصحاب اللمحات قد فتح الباب وأجاز القول بوجود القصة الاسطورية واصـّل لذلك اصولا مهمة لهذه الفكرة (...) وهو ما ذهب له الاقدمون كالامام الرازي وهو ما قرره الاستاذ الامام الشيخ محمد عبدة في صراحة ووضوح حين تحدث عن التعبيرات البيانية وأنها قد تقوم على شيء من الخرافات الوثنية ). (الفن القصصي في القران الكريم – ص 199).
فيما ينفي كاتب معاصر ان يكون الله قد نفى وجود الاساطير في القرآن في الايتين الخامسة والسادسة من سورة الفرقان : ((وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَّوَلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرةً وَأَصِيلاً قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي ا لسَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً)). فيقول :(( لم ينْفِ القرآنُ عن نفسه وجود الأساطير فيه، وإنما حرص على أن ينكر أن تكون هذه الأساطير هي الدليل على أنه من عند محمد وليس من عند الله)).راجع مقال " الاسطورة في القرآن الكريم" دون ذكر اسم الكاتب ، موقع الذاكرة الالكتروني.