بيان


ليس المقصود هنا تصوير الحياة الفرعونية، أو بسط العقائد المصرية القديمة، بل المقصود هو إبراز أشخاص الأسطورة إبرازاً جديداً إنسانياً، وتخريج معناها على النحو المفهوم الحي في كل عصر، وفي العصور الحديثة على الأخص.

***


منذ تأليف مسرحية شهرزاد حوالي 1930 وشخصية إيزيس تتهيأ للظهور يوما. وقد ورد ذكرها بالفعل في نصوص تلك المسرحية القديمة، لما بين المرأتين من وشائج الشبه في علاقة كل منهما بزوجه. كلتاهما قد فعلت شيئاً مجيداً من أجل زوجها.

***


إذا كانت الصورة المميزة لإيزيس المصرية هي صورة الوفاء الزوجي، فإن المقارنة بينها وبين "بنيلوب" اليونانية لأمر جدير بالالتفات فالزوجتان قد اتفقتا في وضع واحد، هو أن زوجيهما اختفيا. فما الذي فعلته الزوجتان؟ أما اليونانية "بنيلوب" فقد اكتفت بالجلوس في دارها تنتظر عودة زوجها وتنسج ثوبها المشهور. وأما المصرية إيزيس فلم تكتف بالجلوس والانتظار، بل قامت تبحث وتكافح وتناضل.. الوفاء عند بنيلوب هو وفاء سلبي. أما الوفاء عند إيزيس فهو وفاء إيجابي.

***



الأسئلة التي يطرحها الحكيم في مسرحيته


ما هي حقيقة الصراع بين أوزيريس وطيفون؟ ربما كان في نظر المعاني الحديثة صراعا بين رجل يعرف كيف يخدم الناس، ورجل يعرف كيف يستخدم الناس. أي بالمعنى العصري أيضاً: بين رجل العلم ورجل السياسة.

***


لم يبدأ الصراع بعد بين أوزيريس وطيفون في عصورنا الحديثة على نحو ظاهر. وإذا جاز التنبؤ، فقد يحتدم الصراع بين رجل العلم ورجل السياسة حوالي سنة 2000 ميلادية.

***


إن المرحلة لمرحلة الصراع بين العامل والرأسمالي، (العامل الذي يخدم والرأسمالي الذي يستخدم) ستبدأ ولا شك عندما يستطيع العلم أن يقضي على الجوع "باستنباط الغذاء" كما يقال، من ماء البحر وأشعة الشمس ونحو ذلك. عندئذ ستبدأ قضية جديدة هي: من الذي يحكم الدنيا؟ أهو العالم الذي يخترع ويكتشف ويوفر الغذاء ويغير المصائر؟ أم هو الرجل الآخر الذي يتفوق بالبراعة في الاستحواذ على أزمة الجموع؟ بعبارة أخرى: هل المرحلة التالية لمرحلة الصراع بين العامل الأجير والرأسمالي المغامر، سوف تكون مرحلة الصراع بين العالم الأجير والسياسي المغامر؟!.

***


إذا كانت الغلبة للأمهر والأمكر، فهل يجب على رجل العلم أن ينخذل ويسلم؟ أو أن ينازل منافسه بنفس سلاحه؟

***


ماذا كان يجب على إيزيس الأم أن تفعل لتضمن النجاح لابنها؟ هل تفعل ما فعلت؟ أو تتمسك بمبادئ زوجها وتعرض ابنها لخطر الهزيمة؟...

***


قوة الشعب مثل الشمس لا أثر لها إذا تفرقت أشعتها وتشتت، ولكنها تعمل عملها إذا تجمعت وتكتلت ونظمت. وهذا التنظيم والتجميع والتكتيل تحذفه دائما وسائل السياسة العملية. لذلك كانت الخطة النهائية لإيزيس في هذه المسرحية، هي الوصول بأي ثمن إلى خداع طيفون وإقناعه بالاحتكام إلى الشعب المتجمع لتعرض أمامه الحقائق كي يصدر رأيه الحر.

***


هل الأهداف السماوية لا تتحقق على الأرض بين البشر إلا بالطرق البشرية؟

***


هل نجاح الدعوات الدينية والاجتماعية ما كان يمكن أن يتم كما تم بغير الالتجاء إلى الوسائل السياسية والعملية التي تكفل النجاح السريع الشامل؟

***


ما هي مسؤولية الكاتب ورسالته، أهي أن يلتزم بالمبدأ كما فعل مسطاط؟ أم أن يلتزم بالقضية؟ كما فعل توت؟...

***


هل الفرق بين الملائكة والبشر هو أن الملائكة لا تعرف من الوجود غير شيء واحد: المثالية. فهي عندها هدف ووسيلة في عين الوقت؟ في حين أن البشر يعرفون شيئين : المثالية والواقعية ولا يمكن أن يتجردوا من الواقع وهم يسيرون نحو مثل أعلى؟

***


ما هو مستقبل الإنسان؟ هل هو في الارتفاع إلى صفاء الملائكة؟ أو هو في بقائه بشراً يكافح ليعادل المثالية والواقعية، ويخرج من هذا التعادل بهدف أنبل وحياة أفضل؟
توفيق الحكيم