د/ عبير عبد الصادق محمد بدوي

أستاذ الأدب المشارك بكلية تربية الزلفي

دراسات نقدية قديمة

النقـد في عصر بني أمية:

 محاضرةلد/ عبير عبد الصادق محمد بدوي 

أستاذ الأدب المشارك 

    وفي عصر بنى أمية برزت في أفق الحياة الأدبية  في المجتمع العربي ثلاث بيئات لكل بيئة منها اهتماماتها الخاصة ونزعتها التى تميزت بها عن غيرها. وتوزع النقد بين هذه البيئات الثلاثة متأثرا بكل منها وثقافة أهلها والذوق الغالب عليهم وهذه البيئات هى:

1 ـ  بيئــة الحجــاز.

2 ـ  بيئــة العـــراق.

3 ـ  بيئــة الشــــام .


     ونحن نفرد كل بيئة من هذه البيئات بالقول متتبعين اهتماماتها النقدية والنزعة الغالبة على نظرتها إلى الشعر ومقدار ما تتميز به من أصالة  وفنية.

بيئـــة الحجـــاز:

     وجد أهل الحجاز أنفسهم في عصر بنى أمية مجبرين على التخلى عن لواء الزعامة السياسية في الدولة الإسلامية الذي ظل بأيديهم منذ نجم من بينهم نور الدعوة وبعد أن كان أهل هذا الإقليم هم مصدر الهيبة والزعامة بين كافة الأمصار الإسلامية عكفوا على أنفسهم وانزووا في بيئتهم مشتغلين بشئونهم الخاصة مؤثرين حياة الدعة بعد أن طحنتهم الحروب وراح جِلَّتُهم ضحية للصراع السياسى المحتدم دون جدوى. ولقد ساعد خلفاء بنى أمية على إنماء هذه الروح المسالمة بين الحجازيين فأغدقوا عليهم المنح والهبات وضاعفوا لهم العطايا والأرزاق وأغرقوا الأقليم بالرقيق من سبى الفتوحات فاستنام الحجازيون إلى حياة الترف وعرفوا الطريق إلى التنعم ووجدوا في ذلك مسلاة تخفف عنهم وطأة الاحساس بالإخفاق والضياع .

     وكان من أثر ذلك أن شاع في إقليم الحجاز فن الغناء الذي توفر علـى نشره وإذاعــته جمـاعة من الموالى الـذين كانـوا قـــد تمرنوا عليه


وحذقوه، وقد تركت هذه الأحداث آثارها في أدب الحجازيين فظهر بينهم فن الغزل الذي كان لشعرائهم فيه مذاهب ومشارب وأفانين.

     وهذا الثراء الواسع وذلك الترف والتنعم ساعد على النهوض بشعر الغزل والافتنان في تلحينه والتغنى فيه، ولم يلبث أن أغرم عامة الحجازيين بهذا الفن الوليد وتعلقوا به، وطبعي أن يواكب هذا النشاط الفنى الذى بلغ مداه نشاط نقدى يقوِّم نتاج الشعراء ويفاضل بينهم ويميز مذاهبهم ويوازن بين معانيهم وأخيلتهم، فظهرت حول هذه النهضة الفنية حركة نقدية ناضجة اهتدت عن طريق الذوق المهذب والإحاطة بمذاهب العرب في التعشق والصبابة إلى كثير من مظاهر الإصابة في شعر الغزل، وتعقبت نواحى القصور التى ظهرت في شعر بعض الشعراء، وأبانت حقيقة الصواب فيها.

خصائص النقد في بيئة الحجاز:

1 ـ صدر النقد في بيئة الحجاز عن الذوق العربي الذي هذَّبه الترف ورققه الغنى والثراء، وتأثر بالحضارة فابتعد عن جفاء البداوة وشراستها، وتمثل ذلك في تعليقاتهم على شعر الغزل ذلك الفن الذي يظهر بجلاء خفىّ الأحاسيس، ويصور لواعج النفوس .

" روى مصعب بن عبد الله الزبيرى عن عروة بن عبيد الله بن عروة


الزبيرى قال: كان عروة بن أذينة نازلا في دار أبى العقيق فسمعته ينشد:

        إن التى زعــمت فــؤداك مـــلَّها  

                                 خلقت هواك كما خلقت هوى لها

        فيك التى زعمت بها وكــلا كمـا

                                  أبدى لصاحبه الصبابة كلهـــــــا

        ولعمرها لو كان حبك فوقهـــــا

                                  يوما وقد ضحيت إذًا لأظلهـــــا     

        فاذا وجدت لها وساوس سلـــوة

                                  شفع الضمير إلى الفؤد فسلهـــا

        بيضاء باكرها النعيم فصاغهـــــا

                                  بلباقة فأدقهـــــا وأجلهـــــــــــــا

        لما عرضت مسلما لى حاجــــــة

                                  أخشى صعوبتها وأرجو ذلهــــــا

       منعت تحيتها فقلت لصـاحبـــــــــى

                                   ما كان أكثرها لنا وأقلهــــــــــا   

       فــــدنا وقــال لعلهــــــا معــــذورة

                                   في بعض رقبتها فقلت لعلهــا !!


قال: فأتانى أبو السائب المخزومي فقلت له بعد الترحيب به ألك حاجة فقال: نعم أبيات لعروة بلغنى أنك سمعته ينشدها فأنشدته الأبيات فلما بلغت قوله:

                فدنا وقال لعلها معذورة..

طرب وقال: هذا والله الدائم الصبابة، الصادق العهد !. لا الذي يقول:

   إن كان أهلك يمنعونك رغبة      عنى فأهلى بى أضن وأرغب

        لقد عدا هذا الأعرابى طوره وانى لأرجو أن يغفر الله لصاحب هذه الأبيات لحسن الظن بها وطلب العذر لها " (1).

2 ـ ميَّز النقاد في هذه البيئة بين المذاهب الشعرية وأقاموا أحكامهم النقدية استنادا اليها ؛ فشعراء الغزل يجمعهم فن له مقوماته وأساليب القول فيه، وكذلك شعراء المديح والهجاء والوصف.. وغيرها، فكل غرض من هذه الأغراض الشعرية له شعراؤه الذين أجادوا فيه وصرفوا اهتمامهم اليه ومن ثم فقد فطن النقاد في هذا العصر إلى خصائص كل شاعر والفـــن الغالب علـيه فـلم يوازنوا بين شاعرين من

ـــــــــــــــــــــــ

(1) زهر الآداب 1/149.


مذهبـين مختلفـيـن، بل كانت موازناتهم ومناظراتهم بين شعراء المذهب الواحد أو بين شعرين قيلا في غرض بعينه.    سئل نصيب عنه وعن أصحابه فقال للسائل: " جميل  إمامنا، وعمر بن أبى ربيعة  أوصفنا لريات الحجال  وكثير  أبكانا على الدمن وأمدحنا للملوك وأما أنا فقد قلت ما سمعت " (1). 

3 ـ كانت المجالس الشعرية التى عقدت في بيئة الحجاز وضمت شعراء من مختلف الأمصار الإسلامية والبوادي العربية خاصة في موسم الحج  ـ ميدانا خصبا للنقد الأدبى أسهمت به بيئة الحجاز في ترقية الفن الشعري وفسحت المجال لظهور الاتجاهات النقدية المختلفة والاطلاع على وجهات النظر المتباينة في الشعر والشعراء .

روى صاحب العقد قال:

     " قدم عمر بن أبي ربيعة المدينة فأقبل اليه الأحوص بن محمد ونصيب فجعلوا يتحدثون ثم سألهم عن كثير عزة فقالوا: هو ها هنا قريب. قال: فلو أرسلنا اليه ـ قالا هو أشد بأوا من ذلك قال: فاذهبا بنا اليه. فقاموا نحوه، فأَلْـفَوْهُ جالسا في خيمة، فوالله ما قام للقرشى ولا وسَّع له، فجعـــلوا يتحـدثـون ساعة فالتفـت إلى عمر بن أبى ربيعة

ـــــــــــــــــــــــــ

(1) الأغاني 1/ 355.


فقال له: إنك شاعر لولا أنك تشبب بالمرأة ثـــم تدعــــها وتشبب بنفسك ! أخبرنى عن قولك:

    ثم اسبطرّت تشتد في أثرى     تسأل أهل الطواف عن عمر

   والله لو وصفت بهذا هرة أهلك لكان كثيرا !!، ألا قلت كما قال هذا (يعنى الأحوص):

    أدور ولولا أن أرى أم جعفــــر       بأبياتكم ما درت حيث أدور

    وما كنت زوَّارا ولكن ذا الهوى      وإن لم يزر لابد أن ســيزور

قال فانكسرت نخوة عمر بن أبى ربيعة ودخلت الأحوص زهوة، ثم التفت إلى الأحوص فقال: أخبرنى عن قولك: 

    فإن تصلى أصلك وإن تبينى      بهجرك بعد وصلك لا أبالى

 أما والله لو كنت حرا لباليت ولو كسر أنفك !!. ألا قلت كما قال هذا الأسود  وأشار إلى نصيب :

     بزينب ألمم قبل أن يرحل الركب

                               وقل إن تَميلِّنا فما مَــلَّكِ القلب

قال فانكسر الأحوص ودخلت نصيب زهوة ثم التفت إلى نصيب فقال له: أخبرنى عن قولك:

            أهيم بدعد ما حييت فان أمت 

                                    فواكبدى من ذا يهيم بها بعدى


أهمك ويحك من يفعل بها بعدك ؟! ـ  فقال القوم الله أكبر استوت الفرق. قوموا بنا من عند هذا !!(1).

   وروى صاحب الأغانى قال:

  " اجتمع النصيب والكميت وذو الرمة فأنشدهما الكميت قوله:

          هل أنت عن طلب الأيفاع منقلب..

حتى بلغ قوله فيها

          أم هل ظعائن بالعلياء نافعة

                                وان تكامل فيها الأنس والشنب

فعقد نصيب واحدة. فقال له الكميت: ماذا تحصى ؟. قال: خطأك. باعـــدت في القول ما الأنس من الشنب ؟ !. ألا قلت كما قال ذو الرمة:

         لمياء في شفتيها حوة لعس

                               وفي اللثات وفي أنيابها شنب

ثم أنشدهما قوله :

              أبت هذه النفس الا ادكارا...

حتى بلغ قوله:

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) العقد الفريد 5/ 373.


       اذا ما الهجارس غنينها         تجاوبن بالفلوات الوبارا

 فقال له النصيب:  والوبار لا تسكن الفلوات. ثم أنشد حتى بلغ منها:

       كأن الغطا مط من غليها       أراجيز أسلم تهجو غفارا

فقال: ما هجت أسلم غفارا قط، فانكسر الكميت وأمسك (1).

4 ـ  اشتهر في بيئة الحجاز في هذه المرحلة ناقدان كبيران تركا ثروة نقدية تعد من أبرز ما أسهمت به بيئة الحجاز فى التراث النقدى عند العرب، وهذان الناقدان هما: ابن أبى عتيق، وسكينة بنت الحسين. _ أما ابن عتيـق فهو من أحفـاد أبـى بكر رضى الله، وكان ذا بصر بالشعر وكلف بالغناء والطرب وكان مولعا بشعر ابن أبى ربيعة مُفِّضلا له مع أنه لم يسلم من نقده، فكانت له مآخذ على بعض أشعاره وقد أوردت لنا كتب الأدب فيضا من آراء ابن أبى عتيق ونظراته النقدية وهى تدل على سلامة ذوقه وسعة معرفته بالشعر ومذاهب الشعراء.

أورد  صاحب الأغانى قال:

   " ذكر شعر الحارث بن خالد وشعر عمربن أبى ربيعة في مجلس رجــل من وُلْـد خالد بن العاص بن هشام فقال: صاحبنا (يعنى الحارث

ــــــــــــــــــــــــ

(1) الأغاني 1/ 348، والغطامط: صوت الغليان.


بن خالد) أشعرها فـقال له ابن أبى عتيق: بعض قــــــــولك ياابــن أخى !!. لشعر عمر بن أبى ربيعة نَوْطَةٌ في القلب، وعلوق بالنفس ودرك للحاجة ليست لشعر، وما عصى الله عز وجل بشعر أكثر مما عصى بشعر عمر بن أبى ربيعة !!. فخذ عنى ما أصف لك: أشعر العرب من دق معناه، ولطف مدخله، وسهل مخرجه، ومتن حشوه وتعطَّفـت حواشيه، وأنارت معانيه، وأعرب عن حاجته. فقال المُفضِّلُ  للحارث أليس صاحبنا الذي يقول:

     إنى وما نحروا غداة منىً       عند الجمار يئودها العقل

     لو بُدِّلـت أعلى مساكنهــــا       سُفْلا وأصبح سفلها يعلو

     فيكاد يعرفها الخبير بهــــا       فيـرده الإقواء والمحــــل 

     لعرفت مغناها بما احتملت       منى الضلــوع لأهلها قبلُ

     فقال له ابن أبى عتيق: ياابن أخى استر على نفسك واكتم على صاحبك ولاتشاهد المحافل بمثل هذا !. أما تطير الحارث عليها حين قلب ربعها فجعل عاليها سافلها ؟  مابقى إلا أن يسأل الله تبارك وتعالى لها حجارة من سجيل !!. ابن أبى ربيعة كان أحسن صحبة للربع من              صاحبك وأجمل مخاطبة حيث يقول

    سائلا الربع بالبُـلَىّ وقـــــولا    هجت شوقا لي الغداة طويــلا

    أين حـي حلوك إذ أنت محفــــــوف بهم آهــل أراك جميـــــلا

  

    قال ساروا فأمعنــوا واستقلوا   وبرغمي لو استطعت سبيـــلا

    سـئمونا وما سئمنا مقاما        وأحـبـوا دمـــاثـة وسهــــــولا

قال فانصرف الرجل خجلا مذعنا !!.. (1).

     وروى صاحب الموشح.. قال: أنشد كثير ابن أبي عتيق قوله:

     ولست براض من خليل بنائل   قليل ولا راض لـه بقليل

فقال ابن أبي عتيق: هذا كلام مكافيء وليس بعاشق !. القرشيان أصدق منك وأقنع.....، قال عمر:  

       ليت حظى كطرفة العين منها      وكثير منها قـليل مُهَـنَّا                        

وقال ابن قيس:

     رُقَىَّ بعمركم لا تهجرينا         ومنينا المنى ثم امــطلينا

    عدينا فى غد ماشئت انا          نحب ولومطلت الواعدينا 

    فاما تنجزى عدتى واما          نعيش بما نؤمل منك حينا (2)

ولماأنشده ابن أبى ربيعة قوله:

  بــينـما ينعتنى أبصرننــى      دون قيد الميل بعدو بى الأغر

ــــــــــــــــ

  (1) الأغاني 1/ 108.  

  (2) الموشح / 237.


   قالت الكبرى أتعرفن الفتى     قـــالت الوسطى نعم هذا عمر

   قالت الصغرى وقد تيمتها     قـــد عرفناه وهل يخفى القمر

قال له ابن أبى عتيق: أنت لم تنسب بها، وانما نسبت بنفسك !! كان 

ينبغى أن تقول قلت لها. فقالت لى. فوضعت خدى فوطئت عليه!!.نحن اذا أمام نمط جديد من النقد يطلعنا                    فيه ابن أبي عتيق  على تصوره لمقومات الإجادة في فن الشعر ويوازن بين النماذج الشعرية التى تدور حول معنى واحد أو معان متقاربة وهو في تفضيله لابن أبى ربيعة في الرواية الأولى لا يطلق مقالته جزافا وإنما يستند في حكمه على شعره  إلى مميزات فنية ماثلة في شعر عمر وهى التى تجعله محببا الى النفوس أثيرا لدى جمهور متذوقي الشعر لاجتذابه اياهم بتلك القصص التى يصطنعها في شعره ويتخذ منها قالبا للتعبير عن صبابته وهيامه. ثم إن شعر بن أبي ربيعة يتميز بخصائص أسلوبية ومعنوية ترفعه عن شعر غيره فهو أشعر قريش في رأى ابن أبي