د/ عبير عبد الصادق محمد بدوي

أستاذ الأدب المشارك بكلية تربية الزلفي

د

مقاييس النقد في القرن الثاني:

 

     ونعرض في هذا المبحث أبرز المقاييس التي صدر عنها النقاد في القرن الثاني على اختلاف مشاربهم واهتماماتهم، وقد لخصناها من تتبعنا للمرويات النقدية التي تناقلتها كتب التراث مروية عن أعلام من القرن الثاني الهجري.

1 _ صحة المعنى واستيفاؤه:

 

             وليس هذا المقياس جديدا على النقد العربي فقد رأينا أمثلة كثيرة منه في عصر ما قبل الاسلام وفي القرن الأول ونعنى به تلك النظرة الذوقية في المعاني الشعرية وتتبع نواحى القصور فيها.. وقد رأينا هذا النوع من النظر في الشعر في تعليق النابغة على أبيات حسان في الرواية المشهورة وتابعناه وهو ينمو في أندية الحواضر الحجازية وبلاط خلفاء بنى أمــية في القـرن الأول. وها نحن نراه في


    هذا العصر يزدهر في مجالس العباسيين وفي حلقات الدرس الأدبى بحواضر العراق في البصرة والكوفة وفي أندية الشعراء في مجالس سمرهم وأنسهم وعلى ألسنة كبارهم.

        روى صاحب الموشح عن الأصمعى قال:

       " أنشدت الرشيد أبيات النابغة الجعدى من قصيدته الطويلة:

        فـتى تم فيه ما يسر صديقه     على أن فيه ما يسوء الأعاديا

        فـتى كملت أعراقه غير أنه     جواد فما يبقى من المال باقيا

       أشمُّ طويلُ الساعدين شمردلٌ     إذا لم يرُحْ للمجد أصبح غاديا

      فقال الرشيد:ويله !! ولِم لمْ يروّحْهُ في المجد كما أغداه  ؟ ألا قال إذا راح للمعروف أصبح غاديا  "(1).

        وروى صاحب العقد قال:قال شراحيل بن معن بن زائدة: حج الرشيد وزميله أبو يوسف القاضى وكنت كثيرا ما أسايره فبينما أنا أسايره إذ عرض له أعرابى من بنى أسد فأنشده شعرا مدحه فيه وقرظه فقال له الرشيد: ألم أنهك عن مثل هذا في شعرك يا أخا بنى أسد  ؟. إذا أنت قلت فقل كما قال مروان بن أبى حفصة في أبي هذا     _ وأشار إلى _:

          بنو مطر يوم اللقاء كأنهم      أسود لها في غٍيل خفَّان أشبل

         همُ يمنعون الجار حتى كأنما    لجارهم بين الســــماكين منزل

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   (1) الموشح / 93.


        بها لِيلُ في الاسلام سادوا ولم يكن

                                   كأوّلهـــم فـــــــــي الجاهـــلية أوّل

       هم القوم إن قالوا أصابوا وان دُعـوا

                                  أجابوا وان أعطوا أطابوا وأجزلوا

      وما يستطيع الفاعــــلون فعــــالهــــم

                                  وان أحســنوا في النائبات وأجملوا

    ولما أُنشد بشار قول الشاعر:

       وقد جعل الأعداء ينتقصونها        وتطمع فينا ألسن وعيون

       ألاإنما ليلى عصا خيزرانــــة        إذا لمســوها بالأكف تلين

     فقال: والله لو زعم أنها عصا مُخّ أو عصا زُبد لقد كان جعلها جافية خشنة بعد أن جعلها عصا !!. ألا قال كما قلت:

         ودعجاءُ المحاجر من معدٍّ       كأن حديثها ثمر الجنـــان

         اذا قامت لمشـــــيتها تثنت       كأن عظامها من خيزران

    * وأبو نواس الشاعر يقول :   

     ما أحْسن  الشماخُ حين يقول :

         إذا بلغتنى وحملت رحلى       عرابة فأشرقى بدم الوتين

    ألاقال كما قال الفرزدق :

       علام تلفَّتيـــن وأنت تحتــــى       وخيرالناس كلهمُ أمامــى


         متى تأتى الرصافة تستريحى      من الأَنساع والدبر الدوامى     

     قال وقد كان قول الشماخ عندى عيبا فلما سمعت قول الفرزدق     

   تبعته فقلت

        فإذا المطى بنا بلغن محمدا      فظهورهن على الرجال حرام

        قربننا من خير من وطىء الحصى

                                   فلها عليــــنــا حــرمــــة وذمـــــام

      وقلت:

           أقول لناقتى إذ قربتنــى       لقد أصبحت عندى باليمين

           فلم أجعلك للغرباء نحلا      ولا قلت أشرقى بدم الوتين

           حرُمتِ على الأزمَّة والولايـــــــــا

                                       وأعلاق الرحالة والوضين

2ـــ  الجـزالـة:

   

         وهذا مقياس جديد من مقايس النقد ظهر في هذا العصر وأثير حوله كثير من الجدل والنقاش بين علماء اللغة وبين الشعراء والأدياء فعلماء اللغة ورواتها يميلون في الغالب إلى الألفاظ الفخمة والعبارات المجلجلة، والشعراء المولدون يؤثرون الألفاظ السهلة والعبارات القريبة المألوفة.


      روى صاحب الأغانى عن أبي حاتم قال:

        " قدم علينا أبو العتاهية في خلافة المأمون فصار اليه أصحابنا فاستنشدوه فكان أول ما أنشدهم:

        ألم تر ريب الدهر في كل ساعـة     له عارض فيه المنيـــــة تلمع 

        أيابانـى الدنيـــا لغيــرك تبـتنـــــى     وياجامع الدنيا لغيـرك تجــمع

        أرى المرء وثَّابا على كل فرصة    وللمرء يوما لا محالة مصرع

        تبارك من لايملك المــلك غيـــره    

                                     متى تنقضى حاجات من ليس يشبع

        وأىّ أمرىء في غاية ليس نفسه      إلى غاية أخرى سواها تطلّع

     قال: وكان أصحابنا يقولون:" لو أن طبع أبى العتاهية بجزالة لفظ لكان أشعر الناس " (1)

      وقد اشتهر أبو العتاهية بسهولة ألفاظه وقرب معانيه حتى تكاد بعض أشعاره تكون كلاما عاديا منظوما في قوالب الشعر، وكان أبو العتاهية يعلم ذلك من نفسه ويقول فيما أورده عنه صاحب الأغانى : " أكثر الناس يتكلمون بالشعر وهم لا يعلمون ولو أحسنوا تأليفه كانوا شعراء كلهم.  قال: راوى الخبرفبينما نحــــن كذلك إذ قال رجل

   ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   (1) الأغاني 4/ 62.


لآخر عليه مسح يا صاحب المسح تبيع المسح فقال لنا أبو العتاهية هذا من ذلك ألم تسمعوه يقول :

                      يا صاحب المسح تبيع المسحا

        قد قال شعرا وهو لا يعلم.  تعال ان كنت تريد الربح فقال أبو العتاهية وقد أجاز المصراع بمصراع آخر وهو لا يعلم قال له:

                  تعال ان كنت تريد الربحا  (1) 

        وهناك رواية أخرى أوردها صاحب الأغانى يعلل فيها أبو العتاهية لظاهرة السهولة في شعره وهو تعليل يتميز بالعمق والفنية وإدراك مقومات الأسلوب الجيد ومواطن اصطناع الألفاظ الجزلة والعبارات القوية والأخرى التى تحسن فيها السهولة ويطلب الوضوح. تقول الروايةحدّث ابن أبى الأبيض  قال: أتيت أبا العتاهية فقلت له انى رجل أقول الشعر في الزهد ولى فيه أشعار كثيرة وهو مذهب استحسنه لأنى أرجو ألا آثم  فيه، وسمعت شعرك في هذا المعنى فأحببت أن أستزيدك منه، فأحب أن تنشدنى من جيد ما قلت. فقال:  أعلم أن ما قلته ردىء !. قلت: وكيف ؟. قال:  لأن الشعر ينبغى أن يكون مثل أشعار الفحول المتقدمين أو مثل شعر بشار وابن هرمة

    ـــــــــــــــــــــــــــــــ

    (1) المرجع 4/ 39.


    فان لم يكن كذلك فالصواب لقائله  أن تكون ألفاظه مما لا تخفى على جمهور الناس مثل شعرى ولا سيما الأشعار التى في الزهد وهو مذهب أشغف الناس به الزهاد وأصحاب الحديث والفقهاء وأصحاب الرياء والعامة وأعجب الأشياء اليهم ما فهموه " (1).

         وأبو العتاهية على أية حال معتد بمذهبه فى الصياغة الشعرية وقد دافع عنه أكثر من مرة وتصدى للشعراء الذين عابوه فقد اجتمع مع مسلم ابن الوليد في بعض المجالس فجرى بينهما كلام فقال له مسلم :  " والله لو كنت أرضى أن أقول مثل قولك:

                الحمد والنعمة لك          والملك لا شريك لك

                            لبيـك إن المــلك لك         

    لقلت في اليوم عشرة آلاف بيت !!.  ولكنى أقول:

           موف على مهج في يوم ذى رهج

                                      كأنه أجل يســعى إلى أمـــــل

            ينال بالرفق ما يعيا الرجال بـــــه

                                   كالموت مستعجلا يأتى على مهل

   ــــــــــــــــــــــــــــــــ

   (1) الأغاني 4/ 70.


           يكسو السيوف نفوس الناكثين به

                                   ويجعل الهام تيجان القنا الذبــــــل

           لله من هاشم في أرضه جبــــل

                                   وأنت وابنك ركنــا ذلك الجبـــــــل

      فقال أبو العتاهية: قل مثل قولي " الحمد والنعمة لك " أقل مثل قولك:   " كأنه أجل يسعى إلى أمل "  !!. (1)

      وعندما لاحظ بعض الأدباء على بشار بن برد تدليه في بعض الأحيان إلى أسلوب العامة ولغة السوقة بينما هو في عامة شعره يـــؤثر

الجزالة ويصوغ أشعاره في قوالب مؤثرة تسامق أشعار القدماء وتطاول نتاج العرب الأقحاح _ يعلل بشار لذلك بمثل ما علل به أبو العتاهية لسهولة شعره .

         روى صاحب الأغانى قال: " حدثنا أحمد بن خلاد قال: حدثنى أبى قال: قلت لبشار إنك لتجىء بالشىء الهجين المتفاوت قال وما ذلك ؟  قلت: بينما تقول شعرا تثير به النقع وتخلع به القلوب مثل قولك:

          اذا ما غضبنا غضبة مضربة        

                               هتكنا حجاب الشمس أو تمطر الدما

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الأغاني 4/27.


         اذا ما أعرنا سيدا من قبيلــــة

                                ذرا مـنبر صـــــــلى علينا وســــلما

           تقول:

                  ربابـــة ربة البيت          تصب الخل في الزيت

                  لها عشر دجاجات         وديــك حسن الصـــوت

 فقال لكلِّ وجه وموضع فالقول الأول جِـدٌّ، وهذا قلته في ربابة جاريتى، وأنا لا آكل البيض من السوق، وربابة هذه لها عشر دجاجات وديك، فهى تجمع البيض وتحفظه عندها فهذا عندها  من قولى أحسن من: قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل... عندك  (1)

   3 _  توازن القصيدة واعتدال أقسامها:

       

         استقر في أذهان الناس في هذا العصر البناء التقليدى للقصيدة العربية وهو الذي يبدأ بالتشبيب ووصف الأطلال والديار والحديث عن  الراحلة ثم التخلص من ذلك إلى الغرض الأصلى للقصيدة، من مديح أو فخر أو وصف أو ما إلى ذلك...، ومع أن جماعة من الشعراء المولدين في القــرن الثانى قــد أعلنوا الثورة على هذه المقدمة

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   (1) الأغانى ج3 ص 162.


التقليدية وحاولوا أن يستبدلوا بها مقدمة أخرى في صفة الخمر ومجالس الشراب فقد ظل للبناء القديم للقصيدة مكانته واحترامه وكانت الأذواق لا تزال تميل إلى  تلك الافتتاحية الجذابة التى أدرك الناس في القرن الثانى الهدف منها فطالبوا الشاعر الإبقاء عليها، إلا أنهم رأوا من بعض الشعراء إ فراطا في هذا الجانب العرضى، وتجاوزا للحد في هذه الأغراض الفرعية، فطالبوا الشعراء بالاعتدال في ايراد هذه الأغراض والمواءمة بينها وبين المقصود الأصلى للقصيدة والبراعة في الانتقال من المقدمة إلى الغرض الأساسى.

     روى صاحب الأغانى قال:  " حدثنا عبد الله بن الضحاك قال: إن عمر بن العلاء مولى عمرو بن حريث صاحب المهدى كان ممدحا فمدحه أبــــو العتاهية فأمــر لــه بسبعين ألف درهم فأنــكـر ذلك بعض

الشعراء وقال: كيف فعل بهذا الكوفي ؟ وأى شىء مقدار شعره ؟ فبلغه ذلك فأحضر الرجل وقال له: والله ان الواحد منكم ليدور على المعنى فلا يصيبه، ويتعاطاه فلا يحسنه، حتى يشيب بخمسين بيتا ثم يمدحنا ببعضها !!.  وهذا  كأنّ المعانى تجمع له مدحنى فقصر التشبيب وقال:

    إنى أمنت من الزمان وريبه      لما علقت من الأمير حــبالا

    لو يستطيع الناس من إجلاله      لحذو له حر الوجـــوه نعالا


    إن المطايا تشتكيك لأنهـــــــا      قطعت اليك سبا سبا وجبالا

    فإذا وردن بنا وردن أخـفـة      وإذا رجعن بنا رجعـن ثقـالا

  4_ عمق التجـــربة:

  

       قاس النقاد في القرن الثانى أشعار أشعار الشعراء على أساس ما تتركه في النفس من أثر فلم تكن خلابة اللفظ أو جمال الجرس أو رقة العبارة هى كل شىء في الشعر بل كانت هناك قيم فنية أخرى أبعد من ذلك وأعمق ولعل هذه الرواية التى تناقلتها كتب الأدب عن _أبى عمرو بن العلاء تدل بوضوح على أن الشعر كان يقوّم بالنظر إلى ما فيه من شعور وإحساس، وما يتركه في ذهن القارىء والسامع من انفعال ويثيره في نفسه من معان وخواطر.. يقول أبو عمرو بن العلاء عن شعر ذى الرمة:  "  انما شعــر ذى الـــرمة نقط عروس تضمحل

عن قليل وأبعار ظباء لها مشم في أول شمها ثــم تعود إلى أرواح البعر ".  ويقول الأصمعى معلقا على هـذه الملاحظة النقدية الدقيقة:ان شعر ذى الرمة حلو أول ما تسمعه فإذا كثرإنشاده ضعف ولم يكن له حسن "

     والشعر الصادق الناتج عن تجربة عميقة ومعاناة حقيقية يزداد الإعــجاب به كلما أعـــيد إنشاده، أو تكررت قــــراءته حيث يرى فيه


الناظر ويلمس فيه المتأمل قيما فنية لم تظهر له في قراءته الأولى وقد فطن أبو عمرو بن العلاء في القرن الثانى إلى هذه الحقيقة النقدية المهمة ومثل لها بشعر ذى الرمة.  وذلك بلا شك مقياس من مقاييس النقد الأدبى بمعناه الأمثل.

5_  ابتكــار المعانـــى :

  

       وكان السبق إلى الاتيان بالمعنى الشعرى الجديد يعد من مقومات الإجادة، ودلائل التفوق والشاعرية بين شعراء القرن الثانى ونقاده .

       روى صاحب الأغانى قال:  " قال بشار لأبى العتاهية  أنا والله استحسن اعتذارك من دمعك حيث تقول:

         كم