د/ عبير عبد الصادق محمد بدوي

أستاذ الأدب المشارك بكلية تربية الزلفي

دراسات نقدية قديمة

الــنـقــد فــي الــقــرن الـثــالـث

          انتقل النقـد الأدبي عنـد العرب في القرن الثالث نقلة واسعة، وبدأ مرحلة جديدة يمكن أن نعدها حدا فاصلا بين حقبتين متميزتين: الأولى كان النقد فيها قائما على الملاحظات الجزئية، ومقصورا على مناسبات أو تداعيات تثير بعض مسائله، وتعرض شيئا من قضاياه..، وهذه المرحلة تشمل في تقديرنا صور النقد الذي أثر عن العرب قبل القرن الثالث، أما المرحلة الأخرى فتشمل الإضافات النقدية التي أسهم بها النقاد العرب بدءا من القرن الثالث وما تلاه من القرون، وفيها بدأ البحث في النقد الأدبي يأخذ طابعا جديدا أهم ملامحه: البحث المنظم، ووضع المؤلفات التي تعالج النقد الأدبي بصورة أكثر تمحيصا وأكثر تعمقا.

        ففي القرن الثالث ظهرت بواكير المؤلفات النقدية كما سنرى، وبدأ النقد الأدبي يتميز بحسبانه علما أو مبحثا مستقلا، وإن كان في بداية أمره قد اختلط لدى بعض العلماء منذ البداية بالدراسات البلاغية، ثم اتخذ كل منهما مسارا مستقلا منذ القرن الرابع الهجري.

     وحـــتى لا تتشعب بـنا القضــايا، ويطول تناولـنا للظواهر سنجعل


استعراضنا لصور النقد الأدبي عند العرب وأحواله العامة في القرن الثالث منصبا على التعريف بجهود بعض الأعلام الذين خلفوا تراثا نقديا لــه قيمته، وآراءً لهـا تميزها وتأثيرهـا، ونعتقـد أن من بين النقاد الذين عاشوا في القرن الثالث وتركوا بصمات واضحة في ساحة البحث النقــدي كلا من: ابن سلام الجمحي، وأبي عثمان الجاحظ، وابن قتيبة، وسنعرض لكل علم من هؤلاء بشيء من التفصيل، ولا ينبغي أن يغيب عن وعي القاريء الحصيف أن هؤلاء الذين نعرض لهم ليسوا وحدهم الذين عالجوا البحث في النقد الأدبي في هذا القرن، أو تركوا مؤلفات تعرض لمباحث نقدية، فهناك غيرهم من أمثال: الأصمعي، والمبرد صاحب الكامل، وابن المعتز صاحب كتاب البديع وغيرهم، ولكنا آثرنا الاقتصار على الثلاثة الأول لأهمية الدور الذي أداه كل منهم، وعظم الإضافة التي أسدوها للبحث النقدي.

ابن سلام وتراثه النقدي:

ْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْ   

         ولد أبو عبد الله  محمد بن سلام بن عبيد الله بن سالم مولى قدامة بن مظعون الجمحى في حدود سنة أربعين ومائة للهجرة ومن ثم تكون المرحلة التى نشأ فيها ابن سلام وتطلع إلى طلب العلم كانت حافلة بالعـلــماء والـرواة الذين أُخــذ عـنهــم معظـم الـتراث الفكري للمدرسة

     

      البصرية وهذا يفيدنا في تقويم الأثر الذي أحدثه كتاب طبقات الشعراء  لابن سلام الذي جمع فيه آراء علماء البصرة حتى عصره في مختلف قضايا الأدب والنقد كما سنشرح بالتفصيل.

         قضى ابن سلام معظم حياته في البصرة ثم قدم بغداد في سنة اثنين وعشرين ومائتين ، يقول البغدادى: " وقدم بغداد فأقام بها إلى حين وفاته ".

          ونأخذ من أخبار ابن سلام أنـه عُــمِّـر أكثر من تسعين عاما وكانت وفاته سنة إحدى وثلاثين ومائتين أو اثنتين وثلاثين ومائتين على خلاف بين العلماء في ذلك وكانت وفاته ببغداد وقيل بالبصرة .

     مـــؤلفاتــــه:

     ْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْ

         أوردت المصادر التى ترجمت لابن سلام أسماء بعض المصنفات التى وضعها ولعل ـ أهمها هو كتاب طبقات الشعراء الذي نعتقد أنه السبب المهم في بقاء ذكره واهتمام العلماء به في مختلف العصور. وذكر له ياقوت في معجمه كتابا آخر بعنوان.  (غريب القرآن)  وعد له صاحب الفهرست من الكتب: كتاب الفاضل فى ملح الأخبار والأشعار،  كتاب بيوتات العرب، كتاب طبقات الشعراء الجاهليين كتاب طبقات الشعراء الاسلاميين. 


        ولم يصلنا من مؤلفات ابن سلام سوى كتاب " طبقات الشعراءوهو الذي نصّت معظم المصادر على أن ابن سلام ألف كتابا بذلك العنوان وصاحب الفهرست نص على أنهما كتابان أحدهما في طبقات الجاهليين والآخر في طبقات الإسلاميين . غير أن الكتاب الذي بين أيدينا الآن كتاب واحد يشتمل على الطبقتين جميعا  وقد اعتمدنا في دراستنا على النص الذي حققه الأستاذ محمود محمد شاكر وأخرجه بعنوان " " "  طبقات فحول الشعراءوهو يضم شعراء الجاهلية والاسلام، وسواء أكان ابن سلام ألف كتابين منفصلين في طبقات الشعراء أم كتابا واحدا فاننا نرى منهجه في ترتيب الطائفتين واحدا لااختلاف فيه ولا تغيير، سوى أنه أفاض في الجانب الذى ذكر فيه طبقات  الجاهلين وأدلى بمعظم آرائه النقدية وعندما أخذ في ذكر طبقات فحول الإسلامين لم يضف شيئا ذا بال في مجال النقد، ولذا جعل يشغل قارئه  بأخبارالشعراء الإسلاميين  والأحداث التى وقعت لهم، وكأنه كان قد استراح إلى أن ما يريد أن يقرره من مبادىء قد ثبت في الأذهان من حديثه عن الجاهليين وتعليله للموضع الذي وضع فيه كل شاعر منهم

                                 *  *  *


         يتمثل التراث النقدي لابن سلام في الآراء التى نثرها في ثنايا كتابه  " طبقات الشعراءوفيما عدا ذلك لا نكاد نجد لابن سلام آراء نقدية في المصادر الأدبية الأخرى وقد أورد صاحب الأغاني وكذا صاحب الموشح بعض التعليقات النقدية لابن سلام الا أن معظمها مذكور في كتاب الطبقات ؛ ومن ثم فإن حديثا عن تراث ابن سلام النقدي سيكون محصورا في دراسة كتابه الطبقات وسنتعرف من خلال ذلك الكتاب على مكانة ابن سلام في النقد وأثره في الفكر النقدي عند العرب  وستكون دراستنا لكتاب " طبقات الشعراء " ومكانة ابن سلام في النقد بصفة عامة موزعة على الجزئيات التالية:

      1)  تحليل مقدمة طبقات الشعراء وبيان أهميتها وتقويم ما فيها من آراء في الأدب والنقد.

      2)  منهج ابن سلام في ترتيب الطبقات والملاحظات العامة عليه والمقاييس النقدية التى استند اليها في مؤلفه .

      3)  مآخذ الباحثين المحدثين على كتاب ابن سلام وموقفنا منها .

      أولا مقدمة طبقات الشعراء:

      ْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْ

           صدَّر ابن سلام كتابه بمقدمة تعد غاية في الأهمية اذ تصور الفكر النقدى لابن سلام وتوضح الأبعاد الحقيقية للأثر الذى أحدثه في دراسة


      الأدب العربي والمفاهيم التى أرساها لمن بعده من العلماء والباحثين . ولعل القيمة الكبرى لمقدمة الطبقات - من وجهة نظرنا - ترجع إلى أن ابن سلام عبر فيها عن آرائه الذاتية ووجهة نظره المستقلة ولم يكن يكن فيها ناقلا أو راويا لآراء غيره من العلماء كما هو الحال في كثير من الأحكام التى ساقها في صلب كتابه ، كما أن مقدمة الطبقات تسجل لابن سلام سبقه إلى اثارة العديد من القضايا التى لم يعرض لها أحد من العلماء قبله والتى استأنس بها معظم الدارسين للأدب ونقده من بعده.  وكان ابن سلام في مقدمة الطبقات أول كاتب عربي يعرض للتراث الأدبى وتكون له نظرات عامة فيه فهو أول من حاول أن يضع لنا تصورا موجزا عن حياة الشعر القديم وتاريخه وبدايته ونزعات الشعراء واهتماماتهم، وتنقل الشعر في القبائل العربية، وتأثير البيئات المختلفة في الشعر قوة وضعفا.  هذا بالاضافة إلى القضية الرئيسية التى تتعرض لها المقدمة وهى قضية تحقيق التراث الشعرى وبحث ظاهرة الافتعال في الشعر القديم مع تتبع العوامل المؤثرة فيها والأبواب التى دخل الاضطراب في التراث الشعرى من خلالها .

           بدأ ابن سلام مقدمته فأثار قضية افتعال الشعر ولاحظ أن هناك أشعارا تروى وتنسب إلى القــدماء لا خـير فيها  ولا فائـدة مـن تداولها


      وأشار في ثنايا كلامه إلى أنه يدرك القيمة الحقيقية للأثر الشعرى وهى القيمة الفنية التى يصبح الشعر بدونها عديم الفائدة ولا يستأهل أن يروى أو يتداول  يقول ابن سلام :

         " وفي الشعر المسموع مفتعل موضوع كثير لا خير فيه ولا حجة في عربيته ولا أدب يستفاد ولا معنى يستخرج ولا مثل يضرب ولا مديح رائع ولا هجاء مقذع ولا فخر معجب ولا نسيب مستطرف " .

          ويوضح ابن سلام أن السبب في شيوع هذا النوع من الشعر المصنوع أن الناس يتسامحون في قبول الأشعار عن غير أهل البادية وأنهم لا يعرضونها على العلماء بالشعر، ولعله بذلك ينبه  على الأسس القويمة للتحقق من التراث الشعرى والتثبت من نسبته إلى قائليه فان أخذ الشعر عن أهل البادية ضمان أكيد لصحته وعرضه على العلماء به كفيل بتمييز صحيحه من سقيمه، يقول ابن سلام عن الشعر الموضوع: " وقد تداوله قوم من كتاب إلى كتاب لم يأخذوه عن أهل البادية ولم يعرضوه على العلماء ، وليس لأحد اذا أجمع أهل العلم والرواية الصحيحة على إبطال شىء منـه أن يقبل من صحيفة أو يروى عن صُحفى  ".

          ويستطرد ابن سلام فيقرر أن تمييز الجيد من الردىء في الشعر صناعـة لـها حذاقها والبصراء بها مثَـلها مــثَـل غيرها من الصناعات


      والخبرات، ويعد ابن سلام أول من أوضح هذه القضية وشرحها شرحا وافيا، وأفاض في التدليل عليها وذكر الأمثلة التى تقررها في الأذهان يقول:

         " وللــشعر صناعة وثقافة يعـرفهـا أهل العـــــلم كسائر أصناف العلم.  والصناعات منها ما تثقفه العين، ومنها ما تثقفه الأذن، ومنها ما يثقفه اللسان، من ذلك اللؤلؤ والياقوت  لا يعرف بصفة ولاوزن دون المعاينة من يبصره، ومن ذلك الجهبذة  بالدينار والدرهم لا تعرف جودتها بلون ولا مس ولا طراز ولا وسم ولا صفة.. ويعرفه الناقد عند المعاينة، فيعرف بهرجها وزائفها وستوقها ومفرعها..، وكذلك بَصَر الرقيق فتوصف الجارية فيقال ناصعة اللون، نقـــية الثغر، حسنة العين والأنف،  جيدة النهود، ظريفة اللسان.. فتكون في هذه الصفة بمئة دينار وبمئتى دينار،  وتكون أخرى بألف دينار وأكثر!! لايجد واصفها مزيدا على هذه الصفة. ويقال للرجل والمرأة في القراءة والغناء: إنه لنديُّ الصوت والحلق، طلّ الصوت، طويل النفس مصيب اللحن، ويوصف الآخر بهذه الصفة وبينهما بون بعيد يعرف ذلك العلماء عند المعاينة والاستماع له بلا صفة ينتهى اليها ولا علم يوقف عليه، وإن كثرة المدارسة لتعدى على العلم به فكذلك الشعر يعرفه أهل العلم ".


         ولعلنا نستفيد من مقالة ابن سلام هذه أنه يؤكد على ضرورة صدور النقد عن خبرة ودراسة بأصول الفن الشعري ومقومات الإجادة فيه كما أنه يشير إلى أن للمدارسة والاكتساب قيمة كبرى في تنمية الملكة النقدية وإثرائها، وهنا ندرك أننا نعيش مع المفاهيم النقدية الحديثة ونقترب منها في ذلك الجزء المهم من مقدمة الطبقات.

          ويؤكد ابن سلام ما ذكره عن معرفة أهل العلم بالأصيل والزائف من الأشعار من ناحية، والجيد والردىء فيها من ناحية أخرى بهاتين الحكايتين عن خلف الأحمر يقول:  قال خلاد بن يزيد الباهلى لخلف بن حيان بن محرز - وكان حسن العلم بالشعر يرويه - ويقوله بأى شىء ترد هذه الأشعار التى تروى قال له: هل فيها ما تعلم انت انه موضوع لاخيرفيه  قال: نعم  قال: أفتعلم في الناس من هو أعلم بالشعر منك  قال: نعم  قال: فلا تنكر أن يعلموا من ذلك أكثر مما تعلمه أنت.

          وقال قائل لخلف:  إذا سمعت أنا بالشعر أستحسنه فما أبالى ما قلت فيه أنت وأصحابك  !. قال له: اذا أخذت درهما فاستحسنته فقال لك الصراف انه ردىء هل ينفعك استحسانك له ؟

          وابن سلام كان عميق النظر سليم الاستدلال والاستنتاج حينما بحث ظاهرة الافتعال في الشعر العربي وتتبع مظاهرها المختلفة وخلص من


     ذلك إلى حصر أسبابها وبيان عوامل الوضع ودوافعه وهى  ثلاثة عوامل أساسية :

      أولها: المؤرخون وعلماء السير: وهؤلاء وضعوا الأشعار أو أثبتوها دون تروٍّ  أو رواية صحيحة وذلك بقصد إضفاء شىء من الحقيقة على ما يوردونه من أخبار وتواريخ، وقد حمل ابن سلام في هذا الجانب حملة شديدة على محمد بن اسحاق بن يسار أقدم من كتب في السير والمغازى  والذي رُوى عنه القدر الأكبر من سيرة النبى صلى الله عليه وسلم ومغازيه وأخبار العرب الأقدميين.

          يقول ابن سلام:  " وكان ممن أفسد الشعر وهجنه وحمل كل غثاء منهمحمد بن اسحاق بن يسار مولى آل مخرمة بن عبد المطلب بن عبد مناف، وكان من علماء الناس بالسير، فقبل الناس عنه الأشعار وكان يعتذر منها ويقول لا علم لى بالشعر أوتى به فأحمله، ولم يكن ذلك له عذرا، فكتب في السير أشعار الرجال الذين لم يقولوا شعرا قط وأشعار النساء فضلا عن الرجال، ثم جاوز ذلك إلى عاد وثمود فكتب لهم أشــعارا كثيرة ولــيس بشعر انما هو كلام مؤلف معقود بقواف ".

          ولم يترك ابن سلام ذلك الشعر الذي أورده ابن اسحاق فأقام الحجج على بطلانه وفساده من الوجوه التالية:

      1