د/ عبير عبد الصادق محمد بدوي

أستاذ الأدب المشارك بكلية تربية الزلفي

دراسات نقدية قديمة

      المقاييس النقدية في طبقات ابن سلام:

      ْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْ

      1- كثرة النتاج الشعري:

         ْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْ

           وهو أهم مقاييس النقد في كتاب طبقات فحول الشعراء، وقد أخَّــر ابن سلام بسبب هذا المقياس كثيرا من الشعراء المجيدين لقلة ما بقي من أشعارهم، فقد قال وهوبصدد الحديث عن الطبقة الرابعة من فحول شعراء الجاهلية: " وهم أربعة رهط فحول شعراء، موضعهم مع الأوائل، وإنما أخل بهم قلة شعرهم بأيدي الرواة، وهم: طرفة بن العبد، وعبيد بن الأبرص، وعلقمة بن عبدة، وعدي بن زيد، فأما طرفة فأشعر الناس واحدة وهي قوله:

               لخولة أطلال ببرقة ثهــمــد

                                       وقـفت بها أبكي وأبكي إلى الغـد

      وعبيد بن الأبرص قديم الذكر عظيم الشهرة، وشعره مضطرب ذاهب،


      لا أعرف له إلا قوله:

              أقفـر من أهــله ملحوب   فالقطبيات فالذنوب

      ولا أدري ما بعد ذلك.

     ولابن عبدة ثلاث روائع جياد لا يفوفقهن شعر:

            ذهبت من الهجران في كل مذهب

                                     ولم يك حقا طول هذا التجنب

     والثانية:

          طحابك قلب في الحسان طروب

                                  بعـيـد الشباب عصر حان مشيب

    والثالثة:

        هل ما علمت وما استودعت مكتوم

                                   أم حبلها إذ نأتك اليوم مصـروم

   2- تعدد الأغراض الشعرية:

      ْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْ   

           وهــو يـلـي مقياس الكثرة، وإن كان ابن سلام قدمه على الإجادة في الفن الواحد والتوفر عليه ؛ فقد قدم " كثيرا " على " جميل "، فوضع كثيرعزة في الطبقة الثانية من شعراء الإسلام ووضع جميل بثينة في الطبقة السادسة وقال عنهما:


          " وكان لـ " كثير " في التشبيب نصيب وافر، و" جميل " مقدم عليه وعلى أصحاب النسيب جميعا ؛ وله في فنون الشعر ما ليس لجميل، وكان جميل صادق الصبابة، وكان كثير يتقول ولم يكن عاشقا ".

     فابن سلام يقدم " كثـيـِّرًا " على الرغم من أنه يقرر أن " جميلا " يفوقه في النسيب وصدق الصبابة وأن كثيرا كان متقولا وليس عاشقا أوصادق الصبابة كجميل ولم يفعل ابن سلام ذلك إلا لأن كثيرا له في فنون الشعر ما ليس لجميل.

     3- جــودة الشعر.

       ْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْ   

        وهذا ثالث المقاييس التى رتب ابن سلام الشعراء بالنظر اليها وان كان أخَّره عن الكثرة وتعدد الأغراض ومقياس الجودة هذا مبهم في كتاب ابن سلام لأنه مقياس عام يحتاج إلى إيضاح وتمييز ؛ فقد حكم على بعض الأشعار بأنها جيدة أومحكمة ولم يوضح لنا أبعاد الجودة فيها.

          تلك هى المقاييس الرئيسية في طبقات ابن سلام وتبقى بعد ذلك عدة مقاييس أخرى نراه يستخدمها أو ينقلها عن غيره ومنها:

        1 -  ابتكــار المذهب الشعرى:

         ْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْ

              بمعنى أن يسبق الشاعــــر إلـى اختراع تقاليد فنية في صياغته


       الشعرية يستحسنها الجمهور المتذوق وتستهوى الشعراء فينهجون نهجه وبذلك تشيع طريقته وتصير مذهبا شعريا راسخا.  يقول ابن سلام في الاحتجاج لأسبقية أمرىء القيس وهو على رأس الطبقة الأولى من فحول الــجاهلية:

        " فاحتج لامرىء القيس من يقدمه قال: ما قال ما لم يقولوا ولكنه سبق العرب إلى أشياء ابتدعها استحسنها العرب واتبعته فيها الشعراء منها استيقاف صحبه والبكاء في الديار ورقة النسيب وقرب المأخذ وشبَّه النساء بالظباء والبيض وشبه الخيل بالعقيان والعصى وقيد الأوابد وأجاد في التشبيه وفصل بين النسيب وبين المعنى " .

      2 -  الجـــزالة :

       

           وهذا مقياس شائع في نقد علماء اللغة  في تلك المرحلة وقد رأيناه ضمن المقاييس التى نظر القدماء في الشعر على ضوئها ونراه هنا في طبقات ابن سلام ضمن مقومات الإجادة والحكم على الشاعر بالتفوق.  يقول ابن سلام عن النابغة:

           "  وقال من احتج للنابغة: كان أحسنهم ديباجة شعر وأكثرهم رونق كلام وأجزلهم بيتا " .


  

       ملاحظات عامة على طبقات ابن سلام :

      ~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~

          من السمات والملاحظات العامة التى لاحظناها على طبقات ابن سلام ما يأتى:

      أولا:  كان ابن سلام ناقلا لكثير من الأحكام النقدية التى أصدرها على الشعراء وكان كتأثرا في ترتيبه لهم بالآراء الشائعة في بيئة البصرة بحيث يمكن أن نعد كتاب الطبقات ممثلا للاتجاه النقدى العام في بيئة البصرة حتى العصر الذي أُلّف فيه وهو بداية القرن الثالث الهجري ففي حديث ابن سلام عن الطبقة الأولى من فحول الجاهلية يقول:

        " أخبرنى يونس أن علماء البصرة كانوا يقدمون امرأ القيس بن حجر وأهل الكوفة يقدمون الأعشى وأهل الحجاز يقدمون زهيرا وأخبرنى يونس كالمتعجب أن ابن أبي اسحاق  كان يقول: أشعر أهل الجاهلية مرقش  وأشعر أهل الاسلام كثير ولم يقبل هذا القول ولم يشع. وعندما يتحدث عن أفضلية كل شاعر ممن عدهم في الطبقة الأولى من فحول الجاهلية يقول:

         " فاحتج لامرىء القيس من يقدمه قال: ما قال ما لم يقولوا ولكنه سبق العرب إلى أشياء ابتدعها استحسنهاالعرب واتبعته فيها الشعراء "

       " وقال من احتج للنابغة كان أحسنهم ديباجة شعر واكثرهم رونق كلام


        وأجزلهم بيتا. وقال أهل النظر كان زهير أحصفهم شعرا وأبعدهم من سخف وأجمعهم لكثير من المعنى في قليل من المنطق وأشدهم مبالغة في المدح "

         " وقال أصحاب الأعشى: هو أكثرهم عروضا وأذهبهم في فنون الشعر وأكثرهم طويلة جيدة. "

       وبعد أن يورد ابن سلام آراء العلماء وأقوالهم في الطبقة الأولى من فحول الجاهلية يمضى دون أن يطلعنا على رأيه هو أو وجهة نظره في الشاعر المقدم منهم ومع أنه بدأ بامرىء القيس فقد ذكر نصا فى نهاية مقدمة الطبقات يقطع بأنه لا يقدم من ابتدأ به. يقول: " وليس تبدئتنا واحدا في الكتاب نحكم له ؛ ولا بـد من مبتدأ ".

           وكان على ابن سلام ألا يطوي الحديث عن هذه الطبقة حتى يطلعنا على رأيه هو مادام قد وضح أن العلماء مختلفون حول المقدم من شعرائها.

      ثانيا: استخلص ابن سلام من استعراضه لتراث العرب الشعري جملة من الظواهر الأدبية فتحدث عنها وكان له فضل السبق إلى استنباطها والتنبيه عليها. من ذلك:

      تعليله لقلة شعر بعض الحواضر وكثرة الشعر في البادية.

      تأثر لغة الشعر بالبيئة المحيطة بالشاعر. لــذلك يقــــول ابن سلام عن 


       عدي بن زيد: كان يسكن الحيرة ومراكز الريف فلان لسانه، وسهل منطقه ؛ فحمل عليه شعر كثير ".

    ثالثا:  لم تخل ترجماته للشعراء من الإشارة إلى ما برع فيه كل منهم من فنون الشعر.

    رابعا: لم يدخل ابن سلام في طبقاته أحدا من شعراء عصره، وهو عصر _ كما نعرف _ حافل بالشعراء المجيـديـن، ولم يكن لابن سلام في إغفالهم عذر سوى أنه كان ممن يتعصبون للقديم لقدمه ويزرون بالجديد لحداثته.

     مآخـــذ الباحثين المحدثين على كتاب ابن سلام:

    ْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْْ

            يجمع الباحثون في النقد العربي القديم على أهمية كتاب طبقات الشعراء لابن سلام وقيمته الكبرى في التعرف على الفكر النقدى عند العرب منذ وجد حتى العصر الذى ألف فيه الكتاب وهو بداية القرن الثالث الهجرى. ومع اقرار الباحثين المحدثين لابن سلام بالفضل واشادتهم بجهوده في دراسة الأدب والنقد فان منهجه في كتاب الطبقات ومكانته بين النقاد العرب  بصفه عامة قد تعرضت لبعض المآخذ ولم يُسلّم له المحدثون أو يتفقوا على قيمة ما أداه للنقد العربي من فوائد وما أسهم به من جهود.

      


       رأي الدكتور محمد مندور:

      ~~~~~~~~~~~~~~~      

             يرى الدكتور مندور في كتابه النقد المنهجى عند العرب (1)أن ابن سلاماذا كان مصيبا في نظرته إلى انتحال الشعر فأنه أقل إصابة فيما عدا ذلك ويأخذ في سرد مآخذه على ابن سلام فيقول:  " فتفسيره لندرة شعر بعض القرى مردود لأن الشعر ليس كله في الحرب ولا هو قاصر عليها بل ان فيه مصادرة على المطلوب ؛ فليس بصحيح أن الشعر كان نادرا في مكة مثلا خصوصا بعد الإسلام،وإنما أسقط ابن سلام من حسابه - لسبب لا نعرفه - الكثير من الغزلين وعلى رأسهم عمر بن أبي ربيعة الذي لم يذكره أصلا.  ولين شعرعدى بن زيد لا يكفى لتعليله قوله " أنه سكن الحيرة وراكز الريف " وإلا حرنا في تعليل " نحت الفرزدق من صخر واغتراف جرير من بحر.  وأما تفضيله الكثرة على الجودة وتعدد الأغراض الشعرية على التوفر على الفن الواحد الذي تحزبنا اليه ملابسات حياتنـــا _ ففي ظننــا أنه من الواضح أن الكم ليس مقياسا صحيحا لقيم الشعراء، ثم اننا نلاحظ أنه يورد ما يختاره للشعراء المختلفين أو يورد مطالعه ولكنه لا يحلله ولا ينقده ولا يظهر ما فيه من جمال وقبح، وان حكـــم على بعض القصائد

      ــــــــــــــــــــــــــــ

      (1) النقد المنهجي عند العرب / 20، وما بعدها.


       أو بعض الشعراء فأحكامه في الغالب هى الأحكام التقليدية التى كانت الألسن تتداولها عن السابقين.  وهو إن أورد حكما لنفسه كقوله عن أصحاب المراثي " والمقدم عندنا متمم بن نويرةأو  " من الناس من يفضل قيس بن الحطيم على حسان ولا أقول ذلكلم يسبب أحكامه بتحليل لنص أو ذكر لصفات مميزة.  وإن أورد خصائص جاءت عامة غامضة غير دقيقة. كقوله عن أبي ذؤيب الهذلى انه:        "شاعر فحل لاغميزة فيه ولا وهنوعن عبد بنى الحسحاس _أنه: 

         " حلو الشعر رقيق حواشى الكلام "   وعن البعيث أنه  " فاخر الكلام حر اللفظ  "  وأمثال ذلك مما لا تحديد فيه ولا تفصيل.        

            واذن فان ابـن سـلام _ فــي رأي الدكتورمندور _ لم يتقدم بـــالنقد الفنى إلى الأمام شيئا كثيرا وان كان قد صدر في تحقيقه للنصوص عن مذهب صحيح وحاول أن يدخل في تاريخ الأدب اتجاها نحو التفسير ومحاولة للتبويب تقوم على أحكام فنية.

      رأي طـه إبراهيم:

     ~~~~~~~~~        

        وللأستاذ طه ابراهيم مآخذ على ابن سلام ومنهجه في كتاب الطبقات نوجزها فيما يلى:

         "  ان ابن سلام وهـــو يقرر نظرية الشعـر الموضوع ويــؤاخذ عــليه


       العلماء وقع في مثل ما وقع فيه ابن اسحاق واضاف إلى بعض الجاهليين ما ليسش لهم وأورد بشعرا جاهليا لا يطمئن اليه. وأن ابن سلام وان كان بارعا في تناول المسائل الأدبية من جميع جوانبها فان ملكته الأدبية في تحليل الشعر وتذوقه لا تكاد تظهر فيما كتب فملكته الأدبية أضعف بكثير من ملكته العلمية.  وأنه في تصديه لجعل الشعراء طبقات انفرد من بين العلماء باضافة الراعى الى الثلاثة الاسلامية وعده من طبقتهم وهو في ذلك لم يستند إلى حجة ولم يقم دليلا ولم يذكر شيئا يبرر هذا التقديم.  والمقياس الذي اتخذه في الطبقات وهو كثرة الشعر وجودته نجده قد راعى ذلك حينا وأغـفـله حينا. فليس من شك من أن الحطيئة جدير بأن يكون من شعراء الطبقة الثانية  كما وضعه ابن سلام فأما جدارة كعب بن زهير فذلك موضع نظر فنحن لا نكاد نعرف لكعب إلا  " بانت سعادوهى من غرر الشعر العربي مافى ذلك جدال، ولكن الأمر اذن يرجع بنا إلى طرفة ولبيد مثلا فمعلقة طرفة من عيون الشعر وهو أجودهم طويلة كما ورد في ابن سلام ثم له بعد المعلقة قصيدة أخرى مثلها ثم له بعد ذلك قصائد حسان جياد تلك عبارات ابن سلام نفسه .

           وينتهى الأستاذ طه ابراهيم إلى القول بأنه:  "  مهما يكن من شىء فـقـــد اضطرب ابن سلام كثـيرا في مـــنازل الشـعـــراء. وسـر هــــذا


       الاضطراب واضح مفهوم ؛ فليس من الرأىفي شىء أن يكون الشعراء عشر طبقات وليس من الممكن بحال أن نعرف من الفروق بين الشعراء ما يمهد لنا أن نوزعهم على طبقات عشر، والخصائص الفنية رقيقة متموجة ولا تطيع الباحث إلى مثل هذا المدى، وانما الذى عليه جمهرة العلماء والذى يرضاه المنطق  أن يقسم الشعراء ثلاثة طبقات:  مبرزين، ومتوسطين، ومتأخرين. ولو فعل ابن سلام ذلك لكان أصوب ولما اضطر في الطبقات الأخيرة أن يسرد الطبقات سردا دون شاهد أو دليل .

          وإلى جانب تلك المآخذ التى يسردها هذا الباحث نجده يقرر أن أهمية كتاب الطبقات لابن سلام والقيــمة التى أفادها النقد العربي منه بقوله:لقد كانت الأفكار في النقد مبعثرة لا يربطها رابط حتى جاء ابن سلام فضم أشتاتها وألف بين المتشابه منها بروح علمى قوى ثم إن الأصول التى عرفت قبله في النقد لم توطد ولم تؤكد ولم تستقر وترسخ الا في كتاب طبقات الشعراء، كالآمدى صاحب الموازنة وأبى الفرج الاصبهانى صاحب الأغانى وحسب كتاب ابن سلام أن يكون جماع