د/ عبير عبد الصادق محمد بدوي

أستاذ الأدب المشارك بكلية تربية الزلفي

رثاءُ المرأةِ في شعر

بسم الله الرحمن الرحيم

المقدمة:

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، 

فالأدب في العصر الأندلسي جزء من الأدب العربي، فقد شاعت فيه الأغراض العربية المعروفة من مدح وهجاء ورثاء ونسيب.

والرثاء في الشعر من الأغراض ذات الصدارة ذلك لأنه من صميم الشعر، فالرثاء الأصيل لا ينبعث إلا من عمق وجدان الشاعر، وهو غرض باقٍ ما بقيت إنسانية الإنسان، فما هو إلا ترجمان الوفاء وصلة الحي بالميت.

والمرأة كان لها مكان الصدارة في الشعر العربي من قديم، وحسبنا من دليل هذا النسيب الذي يتصدر القصائد على اختلاف أغراضها، فالمرأة إذن من العربي فاتحة قصيده، وأول سطرٍ في كتاب إلهامه، ولا عجب فالمرأة كانت ـ وما تزال ـ من العربي موضعاً للنخوة والكرامة، وعنواناً للعزة والشرف، فهو يستمد منها وبها القوة، ويستوحي من معانيها كل معاني حياته الكريمة، وكما كان النسيب العربي دليل اعتزاز وتكريم، كذلك كان رثاء المرأة دليل صدق على حب العربي لها وإبقائه عليها حية وميتة، وقد كانت أفانين في الشعر في هذا المجال من قديم.

وقد رغبت أن أتناول بالدراسة والتحليل قصائد رثاء المرأة في ديوان الأعمى التطيلي، تحت عنوان:

رثاءُ المرأةِ في شعر ِالأعمى التُطَيْلي

 

وتظهر أهمية هذا الموضوع في جدّته، فلم تُفرد قصائد رثاء المرأة ـ بخاصة ـ في ديوان أحد الشعراء بأي دراسة، فعزمت على دراستها متوكلةً على الله هو حسبي وإليه أنيب، وقد رغبت ـ أيضاً ـ في إثراء معلوماتي وطريقتي في الدراسة والتحليل بما يعزّزها من دراسة لبعض القصائد، وقد اخترت ديوان الأعمى التطيلي وتحديداً قصائدَ رثاء المرأة فيه.

ولا توجد دراسات سابقة أفردت قصائد رثاء المرأة في شعر الأعمى التطيلي، بل وجدت دراسات عامة لقصائد رثاء المرأة في العصر الأندلسي، ومن أبرزها رسالة الطالبة: منى عبدالله المفلح، بعنوان: رثاء المرأة في الشعر الأندلسي، قدّمتها لنيل درجة الماجستير من جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، لعام 1423هـ ـ 1424هـ.

وقد اعتمدت عليها بالإضافة إلى بعض المصادر المتخصصة في هذا المجال، ومن أهمها:

·       الأعمى التطيلي، حياته وأدبه. لعبد الحميد الهرامة.

·       ديوان الأعمى التطيلي، ومجموعة من موشحاته. لأحمد بن عبد الله بن أبي هريرة.

·       معجم المصطلحات العربية في اللغة والأدب. لمجدي وهبة، كامل المهندس.

·       فصول في الشعر ونقده. لشوقي ضيف.

·       النقد الأدبي. لأحمد أمين.

·       الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة. لعلي بن بسام الشنتريني. تحقيق: إحسان عباس.

·       الوافي بالوفيات. لصلاح الدين خليل الصفدي. إعتناء: إحسان عباس.

·       الفن ومذاهبه في الشعر العربي. لشوقي ضيف.

·       البيئة الأندلسية وأثرها في الشعر، عصر ملوك الطوائف. لسعد إسماعيل شلبي.

وقد قسّمت بحثي إلى مقدمةٍ وتمهيدٍ وأربعة فصول وخاتمة ثم الفهارس، كما يلي:

·       المقدمة وتشمل ما يلي:

o     التعريف بالموضوع.

o     أهميته وأسباب اختياره.

o     أهم مصادره، والدراسات السابقة.

o     خطة البحث، والمنهج المتبع في الدراسة.

o     أهم الصعوبات، وشكر المشرف.

·       التمهيد، ويشتمل على:

o     الأعمى التطيلي وعصره.

o     مكانة المرأة في المجتمع الأندلسي.

·       الفصل الأول: بواعث رثاء المرأة في شعر الأعمى التطيلي، وفيه ثلاثة مباحث:

o     بواعث نفسية.

o     بواعث فكرية.

o     بواعث اجتماعية.

·       الفصل الثاني: موضوعات رثاء المرأة في شعر الأعمى التطيلي، وفيه :

o     رثاء الزوجة.

o     موضوعات أخرى في رثاء المرأة.

·       الفصل الثالث: الدراسة الفنية، وفيه مبحثان:

o     المضمون: ويشتمل على:

§       العاطفة.

·       صدق العاطفة.

·       قوة العاطفة.

·       ثبات العاطفة واستمرارها.

·       سمو العاطفة.

§       التجربة الشعرية.

§       الأفكار والمعاني.

·       معاني أشعار رثاء المرأة.

·       مصادر المعاني.

·       مقاييس نقدية.

o     الشكل: ويشتمل على:

§       بناء القصيدة.

·       المطالع.

·       الخواتيم.

·       الوحدة الموضوعية.

·       الوحدة العضوية.

§       الألفاظ والتراكيب.

§       الصورة الشعرية.

·       مصادر الصورة.

·       أنماط الصورة.

·       الصورة التقليدية والمبتكرة.

§       الموسيقا.

·       الداخلية.

·       الخارجية.

·       الفصل الرابع: موازنة بين رثاء المرأة ورثاء الرجل في شعر الأعمى التطيلي، وفيه مبحثان:

o     في الجانب الموضوعي.

§       رثاء ذوي الشأن والمكانة.

o     في الجانب الفني.

§       المضمون.

·       العاطفة.

·       التجربة الشعرية.

·       الأفكار والمعاني.

§       الشكل.

·       بناء القصيدة.

·       الألفاظ والتراكيب.

·       الصورة الشعرية.

·       الموسيقا.

·       الخاتمة، وفيها أبرز النتائج.

·       الفهرس ، ويشتمل على

o      فهرس المراجع : وفيه أهم المراجع التي اعتمدت عليها في إنجاز هذا البحث.

o     فهرس الموضوعات.

وسيكون منهجي ـ بإذن الله ـ في إعداد هذا البحث عبى النحو التالي:

1. المنهج الاستقرائي التحليلي، بحيث أقرأ الديوان قراءةً متفحصةً متمعنةً، وأستخرج الأبيات والقصائد التي رثى فيها الأعمى نساءً أو رجالاً، ثم تحليلها تحليلاً موضوعياً وفنياً.

2.   توثيق المادة العلمية من مصادرها.

3.   عمل الفهارس اللازمة: فهرس المراجع، وفهرس عامٌ للموضوعات.

4. في الحاشية سأعتمد ذكر اسم الكتاب أولاً ثم المؤلف والمحقق إن وجد، ثم رقم الصفحة والجزء إن وجد، و عند تكرر ذكر الكتاب أكتفي باسمه ورقم الصفحة.

وقد واجهتني بعض الصعوبات منها طول الخطّة المقررة للبحث، وبالمقابل ازدحام الفصل الدراسي بالتكاليف والامتحانات التي تزامنت مع البدء في كتابة البحث، كذلك واجهتني صعوبة توفر المراجع؛ لعدم توفر المواصلات.

إلا أن ذلك كله قد ذلَّ بسبب توجيهات المشرف الكريم الدكتور: حمدي حسَّانين، الذي لم يدِّخر جهداً في توجيهنا، وتقديم الخطة والمراجع لنا، وإمدادنا بمهلة ساعدت على إتمام البحث، فأتوجه له بالشكر الجزيل ـ بعد شكر الله تعالى ـ فجزاه الله عني كل خير، ورفع من قدره في الدنيا والآخرة.

وفي الختام أرجو من الله تعالى أن أكون قد وفِّقت في بحثي هذا، وأن أكون قد قدمت فيه مادة علمية مفيدة.

والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين.

 


التمهيد: ويشتمل على:

 

 

·      الأعمى التطيلي وعصره.

·       مكانة المرأة في المجتمع الأندلسي.
التمهيد: الأعمى التطيلي وعصره.

اسمه وكنيته ولقبه:

هو أحمد بن عبد الله[3] بن أبي هريرة[4] التطيلي الإشبيلي، (عادة ما ينسب إلى تُطَيْلة ـ وهي غير طليطلة ـ وتقع قريباً من سرقسطة، من الثغر الأعلى، وينسب ـ أيضاً ـ إلى اشبيلية)[5]، فتطيلة موطن أهله، واشبيلية دار هجرتهم، وينسب من حيث القبيلة إلى قيس فيقال: القيسي[6]، له كنيتان تردان في المصادر: أبو العباس وأبو جعفر[7]، نشأ باشبيلية ضريراً فلقِّب بالأعمى، وورد هذا اللقب مصغراً "الأعيمى"[8]، وهناك تطيلي أعمى آخر اشتهر بالشعر بعد عصر شاعرنا أبي جعفر التطيلي، ويُعرف بأبي إسحاق إبراهيم بن محمد، نشأ بقرطبة، وسكن اشبيلية أيضاً، وقد لُقِّب بالتطيلي الأصغر[9]؛ تميزاً له عن التطيلي الأكبر[10].

ولم توضح المصادر عن نسب التطيلي غير ما تقدم، ويبدو أنه لم يكن من أسرة مشهورة في ميدان العلم والأدب، أو أن المصادر قد أغفلت ذكرها فلم تشر إليها قليلاً أو كثيراً.

وقد شارك الشاعر نفسه في إغفال شأن أسرته، وإسدال الستار على حياتها وأخبارها، بحيث لا تكاد توجد إشارة إلى والده أو إلى أجداده فيما بين أيدينا[11].

مولده ونشأته ووفاته:

لم تذكر المصادر تاريخاً محدداً لمولده سوى أنه ولد في ظل دولة المرابطين وفي عهدهم فارق الحياة[12]، ويتحدد نشاطه الشعري بعهد علي بن يوسف بن تاشفين الذي كان أميراً للمسلمين من عام 500 ـ 437 هـ[13]، وليس هناك ـ من بعد ـ إلا حفنة يسيرة من المعلومات عن الشاعر تستمد بصورة أساسية من ديوانه.

ونلاحظ أنه لا يشير قط إلى تطيلة، فلم يحمل من بلده الأصلي إلا النسبة إليه[14]، في حين أنه كثيراً ما يذكر اشبيلية التي نشأ بها وقضى فيها أكثر أيام حياته، ولم يكن مسروراً من الإقامة فيها، ومع ذلك فقد كان لا يحب مغادرتها، ولكنه يبدو بها ملولاً أحيانا:

مللت حمص وملتني فلو نطقت

***

كما نطقت تجارينا[15] على قدرِ

وسوَّلت لي نفسي أن أفارقها

***

والماء في المزن أصفى منه في الغدُرِ

هيهات بل ربما كان الرحيل عناً

***

بالمال أُحيي به فقراً من العمرِ

كم ساهرٍ يستطيل الليل من دنفٍ

***

لم يدرِ أن الردى آتٍ مع السحرِ

أما اشتَفت مني الأيام في وطني

***

حتى تضايق فيما عنَّ من وطري

ولا قضتْ من سواد العين حاجتها

***

حتى تكرَّ على ما كان في الشَّعَرِ[16]

وحمص هنا هي اشبيلية؛ لأن أهل حمص لمَّا دخلوا المغرب استوطنوها[17]، فسميت "حِمْص الأندلس"[18].

ويقول فيها أيضاً:

وقائلة ما بال حمص نبت به

***

وربَّ سؤال ليس عنه جواب

نبت بي فكنت العرف في غير أهله

***

يعود على أهليه وهو تباب

فبالله ما استوطنتها قانعاً بها

***

ولكنني سيفٌ حواه قراب

أيغضب حسادي قيامي إلى العلا

***

وقد قعدوا لمَّا ظفرت وخابوا[19]

وفي شكواه نلمس أنه متعلق باشبيلية وأن فراقها لا يهون عليه، غير أنه يتألم لما يلقاه من إهمال وتضييع[20]، فإما أن يتأثر الناس بعجزه فيعطفوا عليه ويساعدوه، وإما أن يجذبهم علمه وأدبه فيكافئوه ويسدوا حاجته، وهذه كانت هي وسائله في كسب الرزق، وقد عبّر عن انزعاجه من عدم اهتمام الناس لحاله[21] بقوله:

وما كنت أخشى أن أحل ببلدة

***

بها غصص من أهلها وهي بلقع

وما أخملوني لكن المجد أخملوا

***

وما ضيعوني لكن العلم ضيعوا[22]

وقد عاش أطول فترات حياته في اشبيلية، وفيها أنشد أشعاره وموشحاته، وهي يومئذٍ عامرة بمجالس الأدباء والعلماء والوشاحين، مشهورة بمنتزهاتها الخلابة، وطبيعتها الجميلة، وطقسها المعتدل، وإذا كان الشاعر قد حُرم رؤية جمالها بسبب عاهته، فقد اتصل بها عن طريق حواسه الأخرى، فاستنشق عبيرها، وسمِع عن أوصافها، ومحتوياتها، وشعر ببردها ودفئها، وأحسَّ بوقع أمطارها وثلوجها، فليست العين إلا واحدة من تلك الحواس التي تتأثر بالبيئة المحيطة بها[23].

ولا بد أن نشأته في مدينة الأدب والعلم والفن قد أسهمت اسهاماً كبيراً في صقل مواهبه، وإذكاء شعلة التفكير في ذهنه، حتى عرف في المصادر القديمة بالذكاء وسرعة الفهم وجودة الأدب وسلامة النظر فيه.

ويقال أنه اضطرَّ إلى السكنى مُدَيْدَةً في مُرْسِيَة ثم إلى المجيءِ إلى قرطبة ليتكسب بمدح رجالٍ فيهما[24]، فالتقى في قرطبة بأبي الوليد محمد بن مالك وأنشده من شعره[25].

(وكان الصبيان يقولون له: "تحتاج كحلاً يا أستاذ"، فكان ذلك سبب انتقاله من مُرسِية، وقيل له: يا أبا بكر، كم تقع في الناس؟ فقال: أنا أعمى، وهم لا يبرحون حُفراً فما عذري في وقوعي فيهم؟ فقال له السائل: والله لا كنت قط حفرة لك، وجعل يواليه بِرَّه ورِفده)[26].

وقد اختلفت المصادر في تحديد وفاته، فأكثرها تشير إلى أنه اعتبط ـ أي مات شاباً ـ، ومنها ما يحدد وفاته في عام 535هـ، ومنها ما يذكر عام 529هـ لوفاته[27]، إلا أن الراجح أنَّ وفاته ـ كما تذكر أكثر المصادر ـ كانت في عام 525هـ قبل أن يجاوز الأربعين من عمره[28].

أسرته وصورة من شخصيته:

إننا لا نجد فيما يتعلق بوالد الشاعر شيئاً يذكر في شعره وأخباره، إلا ما يتعلق باسمه ونسبته؛ الأمر الذي يبعث على الشك في أنه عاش حتى شهد نشاط ابنه في مجال الشعر، بل ربما لم تربطهما حتى مجرد الذكريات القوية التي تثير الوجدان ولو بعد حين[29].

ونعلم أن التطيلي وحيد أمه من قوله:

بكت ولأمر ما بكت أم واحد

***

لها كل يوم من تفقده شان

فلم يذكر أن له أخوة في شعره، وهذا يعزز الاحتمال القائل أن الشاعر قد توفي أباه مبكراً قبل أن تربطهما ذكريات مشتركة في حياة الشاعر وفي شعره[30].

ويذكر التطيلي أمه في شعره وقد حناها الدهر فأمست كالهلال:

وأخرى قد اشتف الزمان شبابها

***

ولم يروها أن الزمان لظمآن

حناها فأمست كالهلال وزادها

***

صباح مشيب غالها منه نقصان[31]

ويذكر التطيلي في القصيدة الخامسة من ديوانه امرأة اسمها "زهر" عاتبته على قعوده عن طلب الرزق:

هبت تعاتبني زهر وقد علمت

***

أن العتاب شجى في القلب أو شجب

وقد نحسب أنَّها زوجه، إلا أننا نلتقي بقصيدة له يرثي فيها زوجة له اسمها "آمنة":

آآمن أن أجزع عليك فإنني

***

رزئتك أحلى من شبابي ومن وفري

آآمن لا والله ما زلت موقناً

***

ببينك لو أني أخذت له حذري

ويذكر ابناً له صغيراً:

وفي المهد مبغوم النداء وكلما

***

أهاب بشوقي فهو قس وسحبان

يجد بقلبي حبه وهو لاعب

***

ويبعث همي ذكره وهو جذلان

وله قينة اسمها "لذيذة" له فيها:

يا حبَّ لذَّة قد أدنفت فاتئد

***

إن كنت تجهد في نقصي فلا تزد

ويا لذيذة لا والله ما خطرت

***

بالقلب ذكراك إلا بتُّ في عضد

أتحسبين فؤادي عنك منصرفاً

***

وقد حللت محل الروح من جسدي

بنتم فخلَّد عندي وَشْكُ بينِكُمُ

***

شوقاًَ نفى جلدي لا بل سبى خلدي

هيهات يسلو فؤادي عنكم أبداً

***

أنَّى ووجدي بكم باقٍ على الأبد[32]

وله صاحب لا يفارقه في روحاته وغدواته وهو أبو القاسم بن أبي طالب الحضرمي المنيشي، فأصبح لذلك يُلقَّب "عصا الأعمى"[33].

إن ما نعلمه من ارتباطات شاعرنا بأسرته ينصب على بيته فقط، فلا يتناول الأعمام ولا أبناء العمومة أو غيرهم من الأقارب، مما يدعو إلى التساؤل عمَّا إذا كانت علاقاته بعشيرته محدودة نتيجة انطوائه أم أنه كان غريباً في أرض ليس له فيها من أقارب[34].

وذلك قدر يسير عن وضعه الاجتماعي العائلي لا يقدم كثيراً ولا يؤخر.

أما فيما يتعلق بجوانب شخصيته فمن الطبيعي أن يكون العمى عاملاً مؤثراً في بناءها، ويبدو أنه تقبَّل تلك الحقيقة الكبيرة دون أن يحيطها بشيء من الشكوى المعلنة إلا في القليل، فهو لا يتحدث عن عماه إلا اضطراراً، كأن يشير إليه باسم "الزمانة"، أو حين يحس بالضيق الشديد من تعسف الحياة في مثل قوله حين رثى زوجته:

ولي مقلة أفضت بها لحظاتها

***

إلى عبرات جمة وكرى نزر

وكان حراماً أن تجود بدمعة

***

وقد تركتها الحادثات بلا شفر

ولكن العمى ترك أثره على شعره، فحدَّ لديه من مجال الوصف القائم على الرؤية، كما قلل من تغنيه بالمغامرة التي ترد على ندرة في شعره كقوله:

وقد أهبط الشعب القليل أنيسه

***

بطامسة الأعلام دراسة السبل

وأصبح بسبب هذا الوضع منطوياً على حزن عميق حتى أن راحته الكبرى لتتمثل في تأمل الموت، فهو يُقبل على الرثاء، ويطمئن إلى نوع من النظرة الزاهدة التي لا تلبث لديه طويلاً حتى تصطدم بواقع الحياة اليومية وشئونها العاجلة، فهو شاعر مدّاح، يؤرقه كسب الرزق، ويرى نفسه أداة معطلة إذا لم يستطع أن يثير بشعره أريحية الممدوحين:

وكم نطفة من ماء وجهي أرقتها

***

بودي لو أني أرقت لها دمي

وما لمت نفسي يوم جئتك مادحاً

***

ولكنه من يحرم الله يحرم

أأكسر قوسي بعد علمي بأنني

***

رميت فما أخطأت شاكلة الرمي

فإذا وافاه الرزق أحسَّ أنه انْتُشل من ضياع:

كفيت تعاوني وكففت فقري

***

بقاسٍ من شئونك أو بلين

وقدماً كنت بينهما كأني

***

أسير اثنين أو زوج اثنتين

ألا ذا وذلك من مديحي

***

بأضيع من دريد في حنين

ويحذِّر من أن يُرمى بالتكالب على الغنى، ويصوِّر نفسه بارئاً من الشح والجشع، ويتمدَّح بخلال من التعقل والوقار والإباء والسماحة والوفاء:

واتبع عقلي على ما وفى بحزامتي

***

وبعض عقول الناس أجنحة النمل

أبيّ إذا كان الإباء سجية

***

من الترك للنقصان والأخذ بالفضل

وسمح ولو أن السماح ذريعة

***

إلى الموت لا حتى أقول إلى القتل

وفيّ وقد ضاع الوفاء وأهله

***

مصانعةً بين الغواية والجهل

ويظهر رجلاً جاداً فيصف الخمر دون أن يعرف حقيقتها:

هي الشيء أطريه ولا علم لي به

***

سوى أنني لا أمتري أنها بسل

إلا أنه استجاز شربها حين أُخبر أنها تحكي ريح الحبيب؛ فتنتقض الجدية، ويظهر الاستخفاف بالمعايير والتحدي لها:

أصبحينا بالله أم حكيم

***

هذه أخريات زهر النجوم

بادريها من قبل أن يعوم التحــ

***

ــريم أن الخلاف في التحريم

قد تولى شهر الصيام حميداً

***

فاخلفيه فينا بفعل ذميم

ضيعي حرمت له كرمت ما

***

كان عهدي في حفظها بكريم

ونجد له غزلاً بالمذكر وشيئاً من المجون، ولا ندري أهو تقليد شعري أم طريقة واقعية في الحياة، وإذا أخذنا بالتقدير الثاني؛ فهل هذا يمثل مرحلة من حياته أو يمثل نظرة ملازمة حاول إخفاءها بالصورة الجدية، وأيّاً كان الأمر؛ فعلينا الحذر عند استنتاج شخصية شاعر بالاعتماد على شعره[35].

ثقافته وتعليمه:

يغلب على الظن أن التطيلي بدأ كما يبدأ أي طفل أندلسي تعليمه، فدرس العربية والشعر مع نصوص من القرآن الكريم، وقدم ذلك على سائر العلوم آخذاً بمذهب أهل الأندلس في تعليم أطفالهم[36].

وجاءت في أدب التطيلي إشارات تدل على صلته بالعلم وإلمامه بثقافة عصره، وبين هذه وتلك نجد دلالات ضمنية يُفهم منها أن الرجل ذو صلة أكيدة بالعلم وأهله، منها:

وما أخملوني لكن المجد أخملوا

***

وما ضيعوني لكن العلم ضيعوا

وقد تميزت ثقافة التطيلي بالتنوع والشمول، وعُرف بسعة ثقافته الأدبية[37]، أما ثقافته الدينية فيبدو أنها لا تقل كثيراً عن ثقافته الأدبية واللغوية[38].

عمله وحياته الاجتماعية:

عانى التطيلي من العيش في دياجير الظلام طويلاً من الزمن، والذي نجده أن المصادر لا تدلنا على نوع العمل الذي كان يمارسه، ولا توجد في شعره إشارة إلى مهنة كان يزاولها ويعيش من ريعها، إذا ما استثنينا التكسب بالشعر باعتباره مصدراً للرزق، وإن كنا نتصور أن مهنة التعليم هي أقرب الأعمال إلى طبيعته، إلى جانب تكسبه بالشعر كما ذكرنا حيث نجد أن زوجته تلومه على قعوده عن طلب الرزق فيجيبها أن سوق الأدب كاسدة[39].

التطيلي الشاعر الوشَّاح الكاتب:

نظم التطيلي قصائده في الأغراض المعروفة، وأولها المدح، فقد مدح بنو الحضرمي، وبنو زهر، وبنو اليناقي[40]،ومدح ابن حمدين قاضي قرطبة، ومدح من يكنى أبا بكر، وأبا الحسين بن الربيع في ثمانية وسبعين بيتاً، ومدح من نساء بني تاشفين الحرة "حواء" أخت يحيى ومحمد وأبي بكر وزوجة ابن سير:

يا ربع ناجية التي انهلَّت بها السحب

***

أما ترى كيف نابت دونك النوب

وله أيضاً في الغزل والنسيب:

هو الهوى وقديماً كنت أحذره

***

السقم مورده والموت مصدره[41]

يا لوعة أجلاً من نظرة أمل

***

الآن أعرف رشداً كنت أنكره

جدُّ من الشوق كان الهزلُ أوله

***

أقل شيء إذا فكرت أكثره

ولي حبيب دنا لولا تمنُّعه

***

وقد أقول نأى لولا تذكره

وله في الشكوى، وخاصةً شكوى الفقر:

الحمد لله وشكراً له

***

لا طارف عندي ولا تالد

صرت ولا أنبيك عن غائب

***

في حالة يرثي لها الحاسد

حولي أفراخ كزغب القطا

***

ليلي من هم بهم ساهد

وله في الرثاء، سواءً رثاء الرجال أو النساء، وقد أبدع في قصيدة رثى فيها زوجته "آمنة"[42].

أما عن موشحاته[43]، فقد برع التطيلي فيها، وأحرز فيها شهرة أكثر من الشعر، وقد تواترت المصادر تلك الحكاية التي قصَّت اجتماع التطيلي بأشهر وشّاحي الأندلس في مجلسٍ باشبيلية، ومن بينهم الوشّاح ابن بقي، فتقدم الأعمى للإنشاد، فلما افتتح موشحته المشهورة:

ضاحك عن جمان

***

سافر عن بدر

ضاق عنه الزمان

***

وحواه صدري

*   *   *

آه مما أجد

***

شفّني ما أجد

قام بي وقعد

***

ظالم متئد

كلما قلت: قد!

***

قال لي: أين قد؟

وانثنى خوط بان

***

ذا مهزٍّ نضر

عابثَتْه يدان

***

للصبا والقَطر

خرّق ابن بقي موشحته وتبعه الباقون[44].

وليس لدينا خبر دقيق عن عدد موشحاته، إلا أنه كان مكثراً في فن التوشيح إكثاره في القصيد، وكل ما جمع عنه بلغ اثنين وعشرين موشحاً.

وموشحات الأعمى متفاوتة في الشكل والموضوع ونوع الخرجة، وربما كان التنوع هو دليل القدرة، والقدرة هي أساس المفاضلة بين وشاح وآخر[45].

أما عن كتاباته، فقد وصفه لسان الدين الخطيب بأنه "كاتب"، وفي ديوانه رسائل شعرية، أي قصائد كتبها على نحو ما تكتب الرسائل، في خطاب من بَعُدَ عنه من أصدقائه وممدوحيه، ولا يوجد له رسائل منثورة، فإذا صحَّ ذلك، وكانت الكتابة صورة من صور هذا الشاعر الوشاح؛ فربما أن شهرته في القصيد والتوشيح جعلت من كتبوا عنه يغفلون أمرها[46].

(وللسان الدين رأي في شعر التطيلي يحسن إيراده، فهو يقول: "وشعره متقدم في شأو الإجادة سابق، ليس فيه لاحق... وله أراجيز حرر أساليبها وأجرى في شأو الإعجاز أعاجيبها، مع تقدم في سرعة الحفظ")[47].

ومن الملاحظ أن المعلومات عنه قليلة للغاية، وكل ما يرد ـ باستثناء المختارات الشعرية ـ لا يتجاوز الأسطر القليلة، ويعود الفقر في الترجمات التي وصلتنا عنه ـ كما يقول إحسان عباس ـ إلى طبيعة كاتبيها[48]، فقد ترجم له ابن بسام في الذخيرة ترجمة مسجوعة افتتحها بقوله: (له أدب بارع، ونظرٌ في غامضه واسع، وفهم لا يجارى، وذهن لا يُبارى، ونظم كالسحر الحلال، ونثرٌ كالماء الزلال، جاء في ذلك بالنادر المعجز، في الطويل منه والموجز، نظم آثار الأمم في لبة القريض، وأسمَعَ فيه ما هو أطرفُ من نغم مَعْبَد والغريض، وكان بالأندلس سرَّ الإحسان، وفرداً في الزمان، إلا أنه لم يَطُل زمانه، ولا امتدَّ أوانه، واعْتُبِطَ عندما به اغتبط، وأضحت نوادر الآداب لفقده رَمِدَةً، ونفوس أهله متفجعةٌ كمدة، وقد أثبتُّ ما يشهد له بالإحسان والانطباع، ويثني عليه أعنَّة السماع)[49]، وتأثر بها العماد في الخريدة فقال: (وصفه بالفهم الفائض، والذهن الدرَّاك لخفيات الغوامض، والبصيرة المبصرة لأسرار المعاني بعين الاطلاع، والفكرة المستخرجة من معادن الفوائد فرائد الجوهر بيد الاضطلاع، إن فقد المرئيات لفقد ناظره فقد أحصى مغيبات النكت بناظر خاطره، لم يفز جنى نجحه بالهطول، ولم تعمر حياته بالطول...)[50]، وعارض العمري هذا اللون من الكلام المسجوع في مسالك الأبصار فقال: (نفس جلالة زكا شمّها، كان لو نادى الليل لما أسفر، أو نظر الصباح في المشرق لما فرّ، أي بحر زاخر، وأي بدر زاهر...)[51]،وكل ما قيل عنه في هذا المجال يشير إلى عماه، وما اجتمع له مع العمى من الذكاء، إلا أنه لا ينبئنا بشيء عن حقيقة التطيلي وتاريخ حياته[52].

عصره:

عاش الأعمى في عصر المرابطين، في القرن الخامس الهجري في الأندلس، وفي ذلك الوقت انحدر حال الشاعر بالنسبة للفقيه، مما دفع شاعرنا بأن يصرخ:

أيا رحمة للشعر أقوت ربوعه

***

على أنها للمكرمات مناسكُ

وللشعراء اليوم ثلث عروشهم

***

فلا الفخر مختال ولا العز تامكُ[53]

فيا دولة الضيم أجملي أو تجاملي

***

فقد أصبحت تلك العرى والعرائكُ

ويا "قام زيد" أعرضي أو تعارضي

***

فقد حال من دون المنى قال مالكُ![54]

وأصبحت مراكش عاصمة الأندلس، ولم تعد صلة بين الشاعر وأمير المسلمين إذا لم يرتحل إليه، ولعله لو ارتحل لوجد الفقهاء يسدون الأبواب دونه، ولذلك فاء الشاعر إلى الرجال البارزين في بلده ليمتدحهم، وكان أكثرهم من الفقهاء، أمثال القاضي ابن حمدين أو بني عشرة في سلا، فهم أصحاب النفوذ الواسع في الدولة، ولا وجود للشاعر إن لم يرتبط كيانه بكيانهم، واشتدت الصلة بين الشاعر والتكسب، واستوى الشاعر والوشاح والزجال في هذا، فكانوا جميعاً يمدحون الفقيه أو القاضي أو صاحب الأحباس وغايتهم في ذلك قد تتضاءل حتى لا تعدو الحصول على غفارة أو ثوب أو خروف[55].

وعاش شعراء الأندلس في هذه المرحلة بحياةٍ لم يحظون فيها بالتقدير الذي يستحقونه من بني قومهم برغم ماكانوا يتحلون به من مواهب، فالناس هناك مازالوا يشيحون بوجوههم عن شعرائهم ويرون في المشرق قبلة الفن والإبداع[56].

وقد عانى الأندلسيون من ذلك الإحساس بالنقص بسبب وضع المشارقة، فالمشارقة كانوا مهد الثقافة الإسلامية، وبلادهم منبع اللغة العربية، وأقاليمها مصدر الاتجاهات الأدبية، فكل شيء عقدي أو عقلي أو فني يظهر أولاً في المشرق ويأخذ منه المشارقة ما يشاءون[57].

وإن الإنسان ليخيَّل إليه أن الأندلس كانت تقلد المشرق في جميع جوانب الحياة، فإنهم ظلوا يستمدون من قارتهم القديمة ما شكلوا به حياتهم وعلمهم وفنهم.

أما من الناحية الاجتماعية فقد عمَّ التأثر فيها كل شيء، إذ نرى الخلفاء يهتمون بالغناء والموسيقى والغناء، والاهتمام بالزينة في الطعام والشراب والاستقبال[58].

أما الحياة الفنية، ونقصد بها حياة العمارة والبناء فيظهر أن الأندلس تأثرت صور الزخرف العربي العام[59].

أما الحياة العقلية، فقد كان التأثر واضحاً، فقد رحل الكثير ممن عرفوا بالعلم من الأندلس إلى المشرق للتزود بالعلم، ورحل كثير من المشرق إلى الأندلس لطلب المجد العلمي والشهرة، وقد أقبل الأندلسيون على هؤلاء العلماء الوافدين يأخذون عنهم ويتعلمون على أيديهم[60].

أما من الناحية الأدبية، ظهر تأثر المغرب بالمشرق، فالأصول الفنية التي حكمت شعر المشرق هي التي امتدت إلى المغرب، إلا أن أهل الأندلس كانوا أقل شغفاً بالبديع من نظائرهم بالمشرق، فلم يحتفي الأندلسيون بمنزع التوليد العقلي الذي أغرم به كثير من شعراء المشرق، حيث دفعتهم الرغبة في الابتكار إلى الوقوع في شراك التكلف والاتكاء على الأفكار والمصطلحات العلمية والفقهية، وأدى ذلك إلى أن يكون النص الشعري الأندلسي واضح النسق، مترابط البنيان، لا يلجأ عادةً إلى المقدمات الشكلية، ويغلب عليه الميل إلى التشخيص والتفاعل مع الطبيعة والحياة، ويجنح الشعر الأندلسي إلى التعبير عن مدى إقبالهم على الحياة وشغفهم بكل ما يحيط بهم من جمال وترف ونضارة؛ فجاء شعرهم واضح الأفكار والتراكيب والصور، وقد يوصف بالسطحية وعدم الجزالة وقلة التأنق وغيره من الأحكام التي يطلقها أصحاب الأذواق "الكلاسيكية" من أحكام قاسية لا تخلو من تعسف، فالشعر الأندلسي أكثر"رومانسية"[61] من الشعر المشرقي، فالحدة العاطفية تبدو أشد توهجاً في الأندلس منها في المشرق، وقد ضمّت تلك الفترة شعراء مثل الأعمى التطيلي، وابن خفاجة الأندلسي، وابن الزقاق البلنسي، وابن اللبانة [62].

وكان للطبيعة أثر كبير في مختلف فنون الشعر الأندلسي، فقد افتنَّ الشعراء الأندلسيين بالطبيعة فتنة لا يعادلها إلا اعتزازهم بشعرهم الذي هو ذوب نفوسهم ونتاج قرائحهم فاقتبسوا من الطبيعة صوراً يشبهون بها شعرهم، فالقارئ للشعر الأندلسي لايدري أكان الشعراء يتحدثون عن الطبيعة، أم كانت الطبيعة تتحدث عنهم لفرط ما تغلغلت في نفوسهم، لكثرة ما وصفوا من مناظرها وما تراءى من نفوسهم على وصفهم[63]:

إن للجنة بالأندلس

***

مجتلى حسنٍ وريا نفس

والشعر الأندلسي لم يكن كله شعر لهو وغزل وهيام في رحاب الطبيعة، فقد خاض الشعراء في مختلف مجالات التعبير، والتصق بالخلفاء والأمراء وذوي الجاه، وتناول كذلك المعارك فهلل للانتصارات، ونقَّب عن الأعذار عند الهزيمة[64].

هذه لمحة عن الأعمى التطيلي وعصره الذي عُدّ من أعظم شعراء عصر المرابطين، أي ذلك العصر الذي هيمن فيه البربر على مقاليد الأمور في المغرب والأندلس، واهتزت فيه مكانة الشعراء تبعاً لذلك حين تصدَّر الفقهاء، ومع ذلك فقد عاش شعر التطيلي وتغنى به العارفون بفضله في الشرق والغرب.

مكانة المرأة في المجتمع الأندلسي:

يجدر بنا أولاً أن نعرض لمكانة المرأة عند العرب عامةً، فقد تغنى الشاعر العربي بمحاسن المرأة منذ أقدم العصور، وأشاد بمفاتنها، ووصف حركاتها وسكناتها، في حلِّها وترحالها، وبكاها أحرَّ البكاء عند فراقها، ووقف عند ديارها يتشوَّق إليها، ويحن لساكنيها، ثم عرض لمغامراته معها، ونظم ذلك كله نشيداً أحلَّه صدر قصائده، وافتنَّ في اختراع أروع الصور، يعبر فيها عن عواطفه بأرق الألفاظ وأعذبها، مسترفداً خياله الواسع سعة الصحراء، ومستعيناً بأقرب الإيقاعات إلى القلب، فجاء شعره متناسقاً في شكله ومضمونه[65].

وفي المجتمع الأندلسي استطاعت المرأة أن تلعب دوراً رئيسياً، أوضح مظاهره أنها استحوذت على فكر الرجل، وندر من الأندلسيين من اعتبر المرأة كائناً شريراً:

خُنْ عهدها مثل ما خانتك مُنتصفاً

***

وامنحْ هواها بنسيانٍ وسُلوانِ

فالغيدُ كالروضِ في خلْقٍ وفي خُلُقٍ

***

إنْ مرَّ جانٍ أتى من بعده جانِ[66]

ففي عصر الطوائف احتلت المرأة مكانة عظيمة، فاحتلت قصائدَ ومقطوعات قالها الأندلسيون تُظهر مكانتها في قلوبهم، وقد ألِّفت فيها كتبٌ أشهرها "طوق الحمامة" لا بن حزم، وفيه يحلل طبيعة المرأة، فهو يعد مثلاً رائعاً في سعة المعارف وتنوع الثقافة، وتوقد القريحة، لم يُجالس الرجال في نشأته، وإنما أشرفت النساء على تربيته وهن اللائي علّمنه القرآن وروين له كثيراً من الأشعار، ودربْنه في الخط، ويدل هذا على أن المرأة الأندلسية قد نالت حظاً وافراً من التعليم، وقد نبغت كثيرات منهن في العلوم والفنون والآداب، وساجلن الرجال في ميادين الشعر والعلم والفن[67].

وكثرت الجواري في هذا العصر وزادت العناية بتهذيبهن وثقافتهن، فكن يدرسن بجوار الغناء والموسيقى علوم اللغة، ثم يزدن على هذا دراسة الطب وعلم التشريح وعلم الطبيعة، فقد تعلّمت "إشراق" مولاة عبد الرحمن بن غلبون من سيدها النحو واللغة، ثم فاقته وبرعت في العروض وحفظت الكامل للمبرد، والنوادر للقالي، وحرصت الحرائر على ألا ينقصن عنهن ثقافة وظرفاً[68].

فالمرأة الأندلسية لها مكانتها في الأدب والشعر، ومن أشهر شاعرات غرناطة حفصة بنت الحاج الركونية، والتي يذكر المؤرخين أن جمالها لا يعادله إلا موهبتها وتوارث أشعارها التي أبقى عليها الدهر[69]، ومنهن الشاعرة "أم الكرام" بنت المعتصم بن صمادح، وغاية المنى الشاعرة، وأسماء العامرية القرطبية، وبثينة بنت المعتمد، وهذه ولادة بنت المستكفي لها مجالسها الأدبية الشهيرة والتي تنشد من خلالها أشعارها، ولها جلسائها الذين يبادلونها ويحاورونها في الأشعار والأمور الأخرى، ولها أدب غض ونوادر عجيبة ونظم جيد، فصارت بطلة قصص ومواقف مثيرة ترويها كتب الأدب عندما تتحدث عن شاعر الأندلس الكبير "ابن زيدون"[70].

فالمرأة الأندلسية راحت بجانب الرجل تستندي القريحة لتهمس بالشعر فهمست به همسات رائعة ملذة أثبتت قدرتها وتفوقها على الرجل ـ في بعض الأحيان ـ، والدلائل على ذلك لا تحصى.

وإنْ عرضنا لواقع اللهو والمجون في الأندلس يستوجب ذكر الجواري والقيان اللائي كنَّ فكاهة المجلس، فكن يقمن بعملية ترفيه لأصحابها من تسرٍّ وشعرٍ وعزفٍ وغناء، ثم ما لبثت بعضهن أن صرن أمهات أولاد، وأنجبن بعض الخلفاء، وتسلطن على الحكم، لقد كانت البيوت الأندلسية وقصور الأمراء والخلفاء مملوءة بالحرائر والإماء من الإسبانيات وغيرهن ففي عهد المرابطين انتشرت السراري بسبب كثرة الحروب والمعارك، وأدى ذلك إلى أن يتعدد الأولاد في البيت الواحد من هؤلاء وهؤلاء، وإلى أن يشيع الحقد والنزاع بين الحرائر والإماء، وأن يسري ذلك إلى أولادهن، وكثيراً ما تدخلت النساء في السياسة[71]، فكان نفوذ نساء القصر في عهد الحكم المنتصر على رجال الحكومة كبيراً، وكانت صُبح أم الخليفة هشام أعظمهن تسلطاً ونفوذاً، ولعل "اعتماد الرميكية" ذات الشأن العظيم في تاريخ المعتمد الذي أفرط في الميل إليها وغلبت عليه فاختار لنفسه لقباً يناسب اسمها، فقد كانت أديبة ظريفة كاتبة شاعرة ذاكرة لكثير من اللغة معدودة من علماء اشبيلية، وأنجبت للمعتمد أولاداً شاركوا أباهم في امتلاك الأندلس فسميت "أم الملوك"، وقاسمته أيام نعيمه وأيام بؤسه واعتُقلت معه وسيقت إلى أغمات[72].

 ومن الإسبانيات من كن يتظاهرن بحب الإسلام، ولكنهن في الحقيقة لم ينسين نصرانيتهن ولا إسبانيتهن، ومن هؤلاء النساء من كن يتجسسن على الخلفاء، وينقلن لقومهن دقائق الأمور، ويوقعن العرب في أشد أنواع الحرج، وكذلك فعل بعض أبنائهن، وكان ذلك عاملاً مهماً في إخراج العربي من الأندلس، والأمراء العرب مهما سمت رتبتهم وعلت مرتبتهم يبقى موقفهم ضعيفاً أمام جبروت المرأة[73].

وكان لانتشار الفروسية بالأندلس أثر عظيم في تكريم المرأة وتبجيلها، وكانت السيدات المسلمات يؤلفن عنصراً بارزاً بين المشاهدين في الميادين التي كانت تقام بالعاصمة، فكان حضورهن في تلك الاحتفالات العامة يُكسب المنظر هيبة ووقاراً[74].

ولعل سيادة المرأة وامتداد نفوذها في الحياة الاجتماعية والسياسية يُفسر اهتمام التطيلي بهذه الظاهرة "النسائية" في مدحه للحرة حواء، ومراثيه لعدد غير قليل من النساء، وإن تكن مراثيه فيهن تمثل جانباً من العلاقة بينه وبين ممدوحيه من الرجال.

 


 

الفصل الأول: بواعث رثاء المرأة في شعر الأعمى التطيلي

وفيه ثلاثة مباحث:

المبحث الأول: بواعث نفسية.

المبحث الثاني: بواعث فكرية.

المبحث الثالث: بواعث اجتماعية.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


الفصل الأول: بواعث رثاء المرأة في شعر الأعمى التطيلي.

 

من الأولى أن نتعرّض أولا لمفهوم الرثاء أو المرثية ونشأتها وتطورها، فالرثاء في المعجم المفصل هو: "غرض من أغراض الشعر الغنائي، يعبِّر الشاعر فيه عن مشاعر الحزن واللوعة التي تنتابه لغياب عزيز فُجع بفقده، أو لكارثة تنزل بأمة، أو شعب، أو دولة... ويندر أن يخلو ديوان شاعر عربي منذ الجاهلية إلى اليوم من مرثيات متداولة في فقد حبيب، أو صديق، أو من ذوي الشأن والمقام، أو في نكبة جماعية..."[75]، فهي"كل قصيدة جادة ترثي شخصاً معيناً أو تندب فناء البشر"[76].

ولعل تأسيس مفهوم للمرثية بصورة جامعة مانعة أمر صعب في ظل ما مرت به من أطوار متعددة بين النشأة والتأصيل والتجديد، وبخاصة أنَّ المساحةَ المعقودةَ لها من الشعر القديم كبيرة، وتاريخها يبدأ بعصر ما قبل التاريخ الأدبي وينتهي بنهاية العهد الراشدي، فنشأت المرثية مرتبطة بما قُدِّم حول نشأة الشعر، فوجدت الأبيات ومن ثمَّ المقطعات والقصائد[77].

فالوصول إلى التصوِّر الحقيقي والدلالي لقصيدة النثر ينطلق من إدارك طبيعتها ووظيفتها وماهيتها، فقد انتقلت من طور إلى آخر وظلت متجذرة في إطار الردِّ الفطري الذاتي على الضغوط النفسية والاجتماعية المتأججة في لحظات الضَّعف الكبرى مجسدة بموقف الفَقد، بمعنى أنها الملجأ الذي يحتمي به الراثي أولاً والمجتمع ثانياً لتخفيف وطأة المأساة التي حلّت بهما، فهي تحمل مفهوم الإلهام الجماعي الإنساني الذي يوازي الواقع المأساوي في لحظات استشعار العجز، وانتشال النفس من وهدته إلى مواقف الموعظة والعبرة والتعزي والتجلد والسلو، ومن ثم تجديد الأمل بالمستقبل وكأنها الحكمة الخالدة[78].

فالراثي كغيره يلتقط بحسِّه وحدسه ما استقرَّ في أعماق الجماعة التي يعيش معها من مشاعر خفية غامضة، فيبرزها أمامهم في صورة تروعهم وتشعرهم أنه ينطق عما في قلوبهم، فهو المؤرخ لهم والمعبِّر عمَّا يجري بين ظهرانيِّهم، ولعل أبرز ما يميز الراثي عن غيره حِسّه بموقف الفقد حسٌ واعٍ مدركٌ لأبعاده على شدة تأثره به، وهو بعيد عن الوهم والتخيل، ومتجه بفطرته إلى إيقاع ترددي ثائر كلما كانت نفسه ملتاعة باكية، وإلى إيقاع ترددي هادئ رزين كلما بَعُد به العهد عن الانفعال[79].

وبهذا الفَهم الذي نتخيله لقصيدة الرثاء ندرك أنها "بناءٌ فنيٌ كليٌ مركبٌ دقيقٌ قائم على وحدة معنوية وإيقاعية مثيرة ومؤثرة للتعبير عن موقف وجداني وفكري، ذاتي واجتماعي بكاءً وندباً وتأبيناً وعزاء"[80]، أو هي "كلام أدبي فني رفيع موزون يعبّر عن الواقع النفسي والاجتماعي والفكري والحضاري في حالات الضَّعف الكبرى بكاءً وندباً وتأبيناً وعزاءً"[81]،وكلا التعريفان يصبان في غاية واحدة، ويصدران عن بواعث واحدة، مجسدة في الموقف المأساوي الذاتي والاجتماعي.

فقصيدة الرثاء بهذا المفهوم إنما هي حياة فنية متكاملة الإيحاء لمكوناتها ومصادرها وتشكيلها، فهي توازي الواقع، وتمثل موقفاً فنياً ابتكارياً مستمراً لما تختزنه من مشاعر وعواطف إنسانية وأفكار، وإن كانت في بعض صورها سبباً لانبعاث الآلام فهي أولاً وأخيراً تنقل الإنسان إلى عالم الهدوء والسكينة والطمأنينة، إذا تفرج عنه الضغوط المحزنة التي دهمته، أي تمثل حالة التوازن النفسي والاجتماعي للأفراد والجماعات حين تنقلهم من لحظات العجز والضعف إلى حالة استجماع القوة، ودفع الهمة لاستقبال الحياة بصورة متفائلة، فالمرثية موقف دفاعي يواجه به الراثي الموت المحتوم الذي يبطش بالخلق، ويواجه به السلوك القلق من تقلبات الزمان وغدره، والخوف من المجهول القادم[82].

وشعر الرثاء غرض قديم عالجه الشعر العربي منذ عصوره الأدبية الأولى، والغرض باقٍ لايفنى مادام الإنسان كائناً اجتماعياً له علاقاته وروابطه مع الآخرين، يعيش خِضمَّ الحياة، ويعاني متاعبها، ويُفْجع بمصائبها، ومادام هناك موت وفناء يعقبان الحياة ويصدمان الموجودات، ولكن الذي يميز رثاء عصرٍ عن عصر آخر، وشاعر عن شاعرٍ آخر؛ هو طريقة تناوله وكيفية عرضه والوصول إلى قصده، والسبل التي يمكن أن تؤثر من صوت ولغة وصورٍ في السامعين أو القارئين.

"قال الأصمعي: قلت لأعرابي: مابال المراثي أشرف أشعاركم؟ قال: لأننا نقولها وقلوبنا محترقة"[83].

وعندما سئل البحتري عن سبب تفوق رثائه على مديحه فقال: "من تمام الوفاء أن يعلو على المدح الرثاء"[84].

وقد نظم شعراء الأندلس الشعر في مختلف الأغراض، ولم يشذوا ـ بوجه عام ـ عن القواعد والأساليب التي اتبعها المشارقة في أشعارهم.

والرثاء أحد الأغراض التي تناولها الشعراء في الأندلس، ولم يخرجوا عن طريقة العرب التي تدور غالباً في أفلاك ثلاثة هي: التأبين، والندب، والعزاء، وكان يقصد بالأول الثناء على الشخص حياً أو ميتاً، ثم اقتصر على الموتى فقط،وفيه إشادة بالميت ومناقبه، أما الثاني فيقصد به النواح والبكاء على الميت بالعبارات المشجية والألفاظ المحزنة التي تصدع القلوب، والثالث يقصد به الصبر على كارثة الموت والمواساة بفقد الميت العزيز[85].

 وكانوا يستهلون مراثيهم بالحِكَم كالمشارقة، إلا أن حِكَمهم كانت ساذجة لا عمق فيها، ترتكز على الشكوى من الأيام[86]، وكانت عادتهم أن يبدأوا مراثيهم بذكر أحوال المرثي وظروفه التي أدركته المنون فيها، ثم يتناول الشاعر مديح المتوفى وآله، أي أن هذا الفن كان في واقع الأمر مديحاً مصوغاً في قالب الألم والتفجع[87].

وكان رثاؤهم للممالك الزائلة أكثر روعة من رثاء شعراء المشرق، فقد أشجاهم أن يروا ديارهم تسقط بلداً إثر بلدٍ في أيدي الغرباء من المكتسحين، فبكوا بكاء من يبكي على فراق وطن أحبه وفُتن بجمال طبيعته ورخاء أيامه، وقد بلغت شهرة المراثي السياسية التي قيلت في زوال الدول شهرةً واسعةً في الأدب، ومن أشهرها بكاء أبي البقاء الرندي الأندلسَ بأسرها بعد أن استردَّها النصارى:

لكل شيءٍ إذا ماتمَّ نقصـــانُ

***

فلا يُغَرَّ بطيب العيش إنســـانُ

هي الأمور كما شاهدتَها دولٌ

***

من سرَّه زمنٌ ساءَته أزمــانُ

وهذه الدار لا تبقي على أحـدٍ

***

ولا يدوم على حالٍ لها شــانُ[88]

فقد سلك الرثاء في الأندلس ثلاث سبلٍ واضحة، أوضحها تلك الطريقة التي تشبه التعزية العامة بذكر فضائل المرثي، والتهويل لما كان لفقده من أثرٍ في القلوب والعيون، والطريقة الثانية هي الاعتبار بزوال الأمم الماضية والأفراد المشهورين، والثالثة هي التفلسف في الرثاء[89].

ويشير الدكتور إحسان عباس إلى لون آخر من ألوان الرثاء يسميه البكاء على زوال الرقة والجمال، وهو يتصل غالباً ببكاء الزوجة التي فارقها الشاعر بطلاق أو موت، فمن الأول قول ابن هند الداني:

أبديت سري مذ كتمت سـراك

***

وعصيت صبري مذ أطعت هواكِ[90]

والقصيدة تصور مشكلة اجتماعية نجمت عن يمين أكدها الشهود، ووافقت هوى أهل زوجته والنظرة لمثل هذه الحادثة تدل على عدم تمكن المرأة من تحكيم رأيها.

ومن الشعراء الذين رثوا زوجاتهم، أبو اسحاق الألبيري، والأعمى التطيلي، وابن حمديس، وابن الزقاق، وهذا يدل على مكانة المرأة الأندلسية زوجة وصلاحها وفلاحها من كونها زوجة[91].

ولو حاولنا تلمس الأسباب والدوافع التي تختفي وراء شعر الرثاء، لوجدنا أن عاطفة الحزن هي الدافع الأساس، وتنبثق عن هذه العاطفة بواعث متعددة تختلف باختلاف الأحوال والمواقف المحيطة بجو القصيدة، ولا تبدو عاطفة الحزن حقيقةً إلا في المراثي الصادقة، إذا تخلو المراثي الرسمية ـ غالباً ـ من الصدق الخالص ويشوبها التكلف، والقصد منها إرضاء من توجه إليه القصيدة من الحكام والأعيان.

وقد اختلفت بواعث رثاء المرأة الأندلسية في عصر الطوائف لاختلاف طبائع الشعراء ونزعاتهم النفسية، واختلاف الظروف العامة والأحداث المحيطة بالشعراء، ولا شك أن كل قصيدة في مراثي النساء تحمل باعثاً خاصاً،وتتنوع البواعث بين نفسية وفكرية واجتماعية[92].

·       المبحث الأول: البواعث النفسية:

1. الرثاء فن أدبي يقوم على الوفاء للراحلين، ويتسم في الغالب بصدق المشاعر والأحاسيس ويخلو من نوازع الرغبة أو الطمع، وقد أثار موت القريبات قلوب شعراء الأندلس، فبكوا لفقدهن بالدموع الغزار، ورثاء المرأة يصوِّر الوفاء لها وهي في قبرها.

قال أبو إسحاق الألبيري في رثاء زوجته:

إني لأستحييه وهو مغيــب

***

في لحده فكأنه كالحاضــر

أرعى أذمَّته وأحفظ عــهده

***

عندي فما يجري سواه بخاطري[93]

2. إظهار الأسى والحزن للمصاب الأليم والفاجعة العظيمة، والتنفيس عما يجيش في أعماق النفس من الآلام بعاطفة صادقة ومشاعر فياضة، فالعلاقة بين الراثي والمرثي قائمة على الحب والتعاطف والحنان، قال أبو الصلت أمية الداني في رثاء والدته:

أنوح لتغريد الحمائم بالضحى

***

وأبكي للمع البارق المتبـسم

وأرسل طرفاً لا يراك فأنطوي

***

على كبدٍ حرَّى وقلبٍ مكلَّم[94]

3. الشعور بالفقد والإحساس بالوحدة والوحشة سبب لاستنطاق المشاعر الكامنة في أعماق النفس، قال ابن الزقاق البلنسي عند فقد زوجته:

أظاعنةٌ والحزن ليس بظــاعن

***

لقد أوحش الأيام يومُ نواك[95]

4. ذاتية المصيبة والتعلق بالمتوفاة، حيث يكون لحدث الوفاة أثر عميق في نفس الشاعر إذ تنهار آماله وأحلامه، وتشتد وخزات الألم، وتعمق الجراح في نفسه، قال ابن حمديس في جاريته جوهرة:

أعانق القبر شوقاً وهو مشـتمل

***

عليك لو كنت فيه عالماً خبرك

وددت يا نور عيني لو وقي بصري

***

جنادلاً وتراباً لاصقاً بشـرك[96]

5. يعد الوازع الديني سبباً من أسباب رثاء المرأة الأندلسية، إذ أنه صورة من صور التأسي والصبر التي تساعد على التخفيف من وطأة الحدث، والاستسلام للقضاء والقدر والرضا به، قال أبو الوليد بن المنذر في وفاة ابنته:

رضيت بحكم الله فيما أصـابني

***

أذا لم يكن يسرٌ فيا حبذا العسر

والشعراء الأندلسيون يلجأون في مثل هذه المواقف إلى مواساة أهل الفقيدة الراحلة ومشاركتهم في مصيبتهم للتخفيف من هول المأساة، ودعوتهم إلى ترك الجزع واليأس واحتساب الأجر والمثوبة من عند الله، امتثالاً لقوله صلى الله عليه وسلم: (ما من مؤمن يعزي أخاه بمصيبة، إلا كساه الله سبحانه من حُلل الكرامة يوم القيامة)[97].[98]

وتنطبق هذه البواعث على الأعمى، فقد كانت أحاسيسه صادقة في رثائه لزوجته، وولد شعوره بالفقد والوحدة ألماً عميقاً استنطق بسببه مشاعره، كما قال في رثائها:

أتمضي الليالي لا أراكِ وربمــا

***

عدتني العوادي عن طلابك في الحشرِ[99]

كذلك ذاتية المصيبة والتعلق بالمتوفاة، وأثره العميق في نفسه:

وأما أنا فالتعت والله لــوعةً

***

هي الخمر لو سامحت في لذة السكرِ[100]

وقد دعا إلى الصبر في مواجهة مصيبة الموت:

خذوا للصبر أقرب مأخذيه

***

وإن أبت البلابل والشجون

فإن الحر أكثر ما تــراه

***

به الأرزاء أصبر ما يـكون[101]

 

·       المبحث الثاني: البواعث الفكرية:

كان التفكير بحقيقة الحياة وفلسفة الموت وما بعده باعثاً من بواعث رثاء المرأة الأندلسية، فالدنيا دار فناء لا دار بقاء، والموت كأس يتجرع مرارته جميع الناسâكل نفسٍ ذائقة الموتá[102].

والشاعر بطبيعته إنسان مرهف الإحساس، له تجاربه الخاصة التي تلون مواقفه، وتحدد خواطره إزاء هذه الحقائق الخالدة، "وفي كفن الرثاء قد يشغلنا ظاهره من الندب والتأبين والعزاء عن موقف أسلافنا من مشكلة الحياة والموت، وتطور هذا الموقف من النظرة العابرة إلى النظرة التحليلية في حقيقة الحياة وحقيقة الموت، ومن أين نأتي وإلى أين نذهب؟ وما الفرح وما الحزن؟ وما علاقتنا بالوجود؟ ففي الظاهر رثاء، وفي الحقيقة تفكير فلسفي خليق بالبحث والدرس"[103]، فالشاعر يواجه الموت، فيشعر بعجزه التام عن التصدي له ومقاومته، كما يقول ابن حمديس:

فكيف نرد الموت عن مهـجاتنا

***

إذا غلبت منه ضراغمة الغلبِ

فالموت سرٌ مجهول لبني البشر عجزت عقولهم عن إدراكه وفهمه، كما يقول ابن الحداد:

إن المنية ليس يدرك كنهـها

***

فنوافذ الأفهام قد وقفت هنا

وحياتنا سفرٌ وموطننا الردى

***

لكن كرهنا أن نُحِلَّ الموطنَ[104]

وينطبق ذلك على الأعمى، فتلوح إشكالية الموت في ذهنه، فيحاول تصورها والتوصل إلى فهم حقيقتها بمنظوره الخاص:

قضيت حاجةَ نفسي غير مشكلةٍ

***

في الموت لم أقضِ من علمٍ بها وطرا

أدنو إليها فتنأى لا تلوح سوى

***

لبسٍ من الظـن لا عُرفاً ةلا نكـرا

وقد أصيح بمثل النفس من شفقٍ

***

ودونها مايفوت السـمع والبصـرا

هيهات أعياك ما أعيا الزمان فلا

***

ترتب وإن تستطع فاقدر كما قدرا[105]

·       المبحث الثالث: البواعث الاجتماعية:

1. نجد أن بعض المراثي النسائية تستدعيها المجاملات الاجتماعية؛ إرضاءً لذوي المكانة والشأن، وطلباً لودهم وتزلفاً إليهم، وقد يختلط الرثاء الموجه لتلك المرأة بمديح موجه إلى تلك الفئة مما يجعلها تفقد شيئاً من مصداقيتها، قال ابن خفاجة في رثاء والدة قاضي القضاة أبي أمية:

وسطا بسيدة النساء وما درى

***

أن قد سطا بقليلة النـظراء

بنجيبة جاءت بأوحد أمـجد

***

قد فات طولاً أيدي النجباء

متقلب في الله بـين بشاشـة

***

يندى الهشيم بها وبين مضاء[106]

2. وقد يثير الموت الشفقة والعطف في قلوب الشعراء فيدفعهم ذلك لمشاركة حكامهم وأعيانهم في مآسيهم؛ للحد من لوعتهم وللتخفيف من بلواهم، وتذكيرهم بحتمية الموت، فالنفس الإنسانية بحاجة إلى من يواسيها، ويرثي لها، ويمنحها السلوى، يقول ابن زيدون معزياً أبا الوليد بن جهور:

فلا تهض الدنيا جناحك بعدها

***

فمنك لمن هاضت نوائبها جبر

ولا زلت موفور العديد بـقرَّةٍ

***

لعيْنيْك مشدود بهم ذلك الأزر[107]

3. وقد يكون الباعث هو التأسف على المتوفاة وإظهار محاسنها والإشادة بأخلاقها، تقديراً لعطاءاتها وإسهاماتها في مجتمعها، قال ابن خلصة الضرير في رثاء أم معز الدولة:

يا صناع الصنائع الغـر بدعـاً

***

غالت المكرمات بعدك غول

أيها اللحد هل علمت بما استـو

***

دعت كلا إن الجماد جهول

ووريت فيك رحمـة وغيـاث

***

وحجا نابل وقدر نبــيل

فالعلاقات الاجتماعية والصلات النفسية بين البشر ترتكز على العواطف، فللفن أهمية نفسية في المجتمع تتمثل في أنه وسيلة لربط المشاعر بين الناس[108].

وهذه البواعث الاجتماعية تنطبق على الأعمى، فقد رثى تلبية لدوافع اجتماعية تنبع من اتساع علاقته بالناس وما تتطلبه هذه العلاقة من مجاملة ومواساة، ظهر ذلك في رثائه لزوج صديقه:

هذا علي من عجبِ الــزمان به

***

لم يسقه الصفو حتى شاب بالكدرِ

سمت إليه فما ارتابت ولا نـدمت

***

نكـراء جلَّت له عن حادث نكرِ

عن مصرع الدين والدنيا وما وسعا

***

لعمـر صرف الليالي إنه لجـري

يا قـبر أم علــي هل علمت بها

***

إن السيادة بين الشرب والـمدرِ

أنثى ولكــن إذا عدُّوا فضائلها

***

لم يدع الفضل من أنثى ولا ذكرِ[109]

وقد رثى أيضاً بدافع الشفقة والعطف، كقوله في رثاء إحدى النساء:

أبا عبدالإله وقد تسامــت

***

لك الأيام بالعجب العجابِ

أتجزع للزمان وأنــت منه

***

مكان الحزم من صدر اللبيبِ

عزاءك إنما الإنــسان نهبٌ

***

على أيدي الحوادث والخطوبِ[110]

وقد رثى أيضاً بدافع التأسف على المتوفاة، كقوله في رثاء إحدى النساء:

لتبك المكرمات وإن عـدتها

***

عوادٍ من عذولٍ أو رقيبِ

على أم اليتامى والأيــامى

***

إذا نبت المواضع بالجنوبِ[111]

 


 

الفصل الثاني: موضوعات رثاء المرأة في شهر الأعمى التطيلي، وفيه مبحثان:

المبحث الأول : رثاء الزوجة.

المبحث الثاني : موضوعات أخرى في رثاء المرأة.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الفصل الثاني: موضوعات رثاء المرأة في شعر الأعمى التطيلي.

·       المبحث الأول: رثاء الزوجة.

لقد حظيت زوجة الأعمى "آمنة" بمرثية تُفصح عن مدى العلاقة الحميمة بينهما، وتبين مكانة زوجته في نفسه، فقد كشف من خلال هذه المرثية عن حزنه وأظهر الجزع ولوعة الفراق، مبيناً عُمق روابط المحبة والود التي تصل بينهما، فالأيام تزداد وحشةً وهماً بعد رحيل زوجته التي تشاركه أعباء الحياة، والبعد قد ولّد لديه الأحزان والآلام التي تُضعف قدرة الزوج على الصبر والتجلد:

مغالطة لولا الأسى ماحملتها  على مركب مما وصفت به وعر

"ونلمس في تتبعنا لهذه القصيدة عاطفة صادقة، ووفاء نادراً... ولا نغرب كثيراً إذا وضعناها بين أجود القصائد العربية في رثاء الزوجات"[112].

وكما صوّر الأعمى شدة حزنه لفقد زوجته، فإنه تناول أيضاً شدة تعلِّقه بها، ووصف مشاعره وأحاسيسه نحوها، فأفصح عما يجول في أعماق قلبه:

فلا تبعدي إن الصبابة خــطة

***

لشخصك في قلبي وإن كان في القبر

ولا تبعدي إني عليك لـواجد

***

ولكن على قدر الهوى لا على قدري

ذكرتك ذكر المرء حاجة نفسه

***

وقد قيل إن الميت منقطــع الذكر

ووالله ما وفيت رزءك حـقه

***

ولكنه شيء أقــمت به عذري[113]

وظهر تحسره على فقدها في مرثيته لها:

ألا ليت شعري هل سمعتِ تأوهي

***

فقد رعت لو أسمعت قاسية الصخر

وهل لعبت تلك المعاطف بالنهى

***

كسالف عهدي في مجاسدها الحمر[114]

وقد كشف الشاعر عن مفارقة عظيمة في تأثير الفقد على أهل الراحلة والزوج المحب، وهذه المفارقة تعكس بلا شك صدق المعاناة الناجمة عن الفراق:

ونيتهم قد أجمعوا عنك سلوةً

***

لعشرين مرت من فراقك أو عَشْرِ

وأذهلهم حب التراث فكفكفوا

***

به زفرةً تُعتاد أو عــبرة تجري

ولم يبق إلا ذكرة ربـما امترت

***

بقية دمع الشوق في أكؤوس الختر

وأما أنا فالتعت والله لــوعة

***

هي الخمر لو سامحت في لذة السكر[115]

ونظراً لافتتان شعراء الأندلس بالطبيعة، فإن الأعمى اقتبس منها صوراً حيّةً بثّها في مرثيته لزوجته:

هنيئاً لقبرٍ ضم جسمك إنه

***

مقرُّ الحيا أو هالة القــمر البدر

وإنك فيه كلما عبث البلى

***

بأرجائه كالغصن في الورق النضر[116]

ويتنامى شعوره بالفقد والوحشة حينما يستشعر الزوج صورة زوجته وهي منفردة في جنبات قبر مقفر:

أمخبرتي كيف استقرت بك النوى

***

على أن عندي مايزيد على الخبر

وما فعلت تلك المحاسن في الثرى

***

فقد ساء ظني بين أدري ولا أدري[117]

·                                 المبحث الثاني: موضوعات أخرى من رثاء المرأة:

عزَّى شعراء الأندلس أمراءهم وحكامهم وأعيانهم في نسائهم اللاتي تخطفهنَّ الموت سواء أكنَّ أمهات، أم بنات، أم أخوات، أم زوجات، وصاغوا في رثائهن القصائد الطوال، وصوروا الأحزان الناجمة عن فقدهن، وأسهموا في التسلية عن المصاب، وبث روح الصبر والتأسي، كما رسموا في هذه المراثي مكانة المتوفاة وفضائلها، وأعمالها الخيِّرة، كاشفين أثناء ذلك عن نظراتهم العميقة إلى الموت، وهذه المراثي رغم كثرتها إلا أنها ـ في الغالب ـ تفتقد صدق المشاعر وحرارة الأحاسيس، وتتسم بالتكلف والمبالغة، فالهدف من إنشائها مجاملة ذوي الشأن والمكانة، أو الطمع في نيل ما يصبون إليه من هبات[118].

وقد بالغ الأعمى عند رثائه لإحدى النساء في وصف قوة وقع المصيبة وشدة التحسر على وفاة الراحلة:

ياحسرةً ملأت صدر الزمان أسىً

***

أمسى وأصبح عنها ضيِّقــاً حَصِراً

زالت جبال سروري من مواضعها

***

واستشعر الخوف منها كلُّ ليثِ شرى[119]

وعمد الأعمى إلى بيئته، فجنى منها صوراً حية للتعبير عما يختلج في نفسه:

من كل وطْفاء لم تكذب مخيلتُها

***

لو أنها شــيمة للدهر ما غدرا

بحرٌ ولا شك إلا لمــع بـارقةٍ

***

يكاد يغْرَقُ منه كلــما خطَرا

قد طبَّق الأرضَ منها عارضٌ غَدِقٌُ

***

ما غضَّ من طلِّه أن لم يكن مطرا

إذا انتحى بلداً أبْصَرت سـاحته

***

كأنه وجه مـعروفٍ إذا شُكرا[120]

فقد مزج الأعمى بين عناصر الطبيعة المتمثلة بالسحب الكثيفة والأمطار الغزيرة، وبين مشاعره النفسية التي يعبر بها عن الفقد المحزن حينما جعل الغيث سقياً لقبر الفقيدة.

وقد وجّه الأعمى المعزَّى إلى الصبر على نوائب الدهر؛ لأنه ـ في نظره ـ وراء كل الخطوب المفجعة:

أما وفقيدِكم قسماً عظيــماً

***

أذيل له القصائد أو أُهينُ

لقد راعت صروف الدهر منكم

***

أسوداً ليس يحويها عرينُ[121]

وبيَّن الأعمى أن مشكلة الموت أزليةٌ استعصت على الأفهام البشرية، وأنه ليس بالإمكان إزاء هذه المعضلة إلا الاستعداد التام لمواجهة المصير المحتوم:

ما أشبه الموت بالمحيا وأجـدر من

***

لا يعرف الوِرْد أن لا يعرف الصدرا

أعدَّ زاديك من قولٍ ومن عـملٍ

***

إن المقام إذا طال اقتضى السـفرا

وافُرغْ لشانيك من قولٍ ومن عملٍ

***

كلٌ سيجري مداه طال أو قصرا

وسل عن الناس هل صاروا مصيرُهُمُ

***

فما أظنك ممن يجهل الخــبرا[122]