إيزيس
توفيق الحكيم




الفصل الأول
المنظر الأول


( شاطئ النيل في موضع يكثر فيه الغاب والبردى. وقد احمر الأفق مؤذنا بشروق الشمس وخلا المكان إلا من بعض الفلاحات يسرن بما حملن إلى السوق. وإذا بفلاحة شابة تعترض الطريق..)

الفلاحات: (للفلاحة) لماذا رجعت؟
الفلاحة: شيخ البلد على باب السوق، خطف مني أوزتي..
فلاحة عجوز: خطفته التماسيح!.. أهو هناك الساعة؟!. نحن ما بكرنا هكذا إلا لنفلت من يده..
الفلاحة: ما من أحد يفلت اليوم من يده.
العجوز: معي بطة أريد أن أشتي بها قمحا.
الفلاحة: لا تذهبي!..
العجوز: ماذا جرى اليوم في البلد؟!. ما كان يحدث هذا من قبل!..
فلاحة: حتى الشكاوي اليوم لا تفيد. لقد لجأت جارة لي إلى الكاتب توت، فحرر لها شكوى منذ أسبوع وما من صدى!..
فلاحة أخرى: وحتى التعاويذ لا تنفع. لقد صنع لي الساحر توت تعويذة . وما من جدوى لـ ..
فلاحة: كيف ذلك؟ إن تعاويذ توت وعقاربه تنفع دائماً!.. لا أنسى يوم اختفت عنزتي، وجئت إليه في هذه النواحي.. فأنت دائماً تجدينه ها هنا في هذه النواحي التي يكثر فيها القصب والبردى.. لأنه يصنع من القصب مزاميره وأقلامه، ومن البردى قراطيسه وأوراقه..
الفلاحة: أصنع لك تعويذة نافعة؟..
الفلاحة الأخرى: ما رأيت أنفع منها. لقد وجدت بعدها عنزتي المفقودة .. عادت من تلقاء نفسها إلى الدار..
الفلاحة: نعم.. إنه ساحر ماهر!.. ما قولك في أن أذهب إليه ليحضر لي الأوزة المخطوفة؟!.
الفلاحات: فلنذهب إليه جميعاً ليحمينا من شيخ البلد!.. هيا بنا.. هيا بنا.. (يتحركن للانصراف ما عدا العجوز..)
الفلاحات: (للعجوز) ألا تذهبين معنا يا خالة؟!.
العجوز: لا.. سأذهب أنا إلى السوق، ليس معي غير بطة واحدة، أستطيع أن أخفيها في صدرى..
الفلاحات: (يذهبن وهن يصحن مناديات) توت!.. أين أنت يا توت!..
( العجوز تخفي بطتها في صدرها. وما تكاد تتهيأ للنهوض حتى يظهر شيخ البلد آتيا من الجهة الأخرى..)
شيخ البلد: (باحثاً حوله) أين تلك الفلاحة التي هربت من السوق؟..
العجوز: (مضطربة وقد فوجئت) شيخ البلد!!...
شيخ البلد: لماذا اضطربت لمرآي أيتها العجوز؟! أين تلك الفلاحة الهاربة؟!.
العجوز: لم أبصر أحداً..
شيخ البلد : إنها تحمل أوزا..
العجوز: لم أشاهد أوزا ولا بطا..
شيخ البلد: (يفحصها بعينه) وأنت ماذا تحملين؟..
العجوز: (بهدوء وقد تماسكت) تريد أن تعرف ماذا أحمل؟..
شيخ البلد: نعم بالصدق والحق.
العجوز: أحمل شيئاً لي وحدي.
شيخ البلد: تكلمي ولا تخافي.. ماذا تحملين؟..
العجوز: أحمل فقري وهمي وعجزي!..
شيخ البلد: حقاً هذا حمل تحملينه أنت وحدك.. ولكنك تدركين معنى سؤالي.. لست أسألك عن هذا الحمل الذي تحملينه وحدك.. إنما أسألك عن الحمل الآخر الذي يصلح أن يحمله معك غيرك؟!.
العجوز: لا أحمل شيئاً آخر.
شيخ البلد: أتقولين الصدق؟..
العجوز: ما كذبت في حياتي قط!..
( صوت البطة تصيح من صدرها)
شيخ البلد: صوت من هذا!..
العجوز: (مرتبكة) أي صوت تعني!..
شيخ البلد: صوت الصدق الذي خرج الآن من صدرك.. لا تخفيه .. لا تخفيه.. دعيه ينطلق من صدرك حراً طاراً..
العجوز: (متلعثمة) طاراً؟!.
شيخ البلد: مصفقا بجناحيه.. فرحا بالنجاة من هذا الصدر المغلق.. شأن كل سر مكتوم في الصدور.. أخرجيه إلى الهواء .. إلى النور.. هلمي!.. أسرعي!!.
العجوز: (تخرج البطة) خذها!.. إنها كل ما أحمل.
شيخ البلد: ( وهو يتناول البطة) أرأيت؟.. ها أنت ذي تحملين شيئاً آخر غير فقرك!.. فلنتعاون إذن على حمل الثقل لأخفف عنك.. أنت تحملين فقرك، وأنا أحمل بطتك!
العجوز: (متنهدة) إنها كل ما أملك.. أردت أن أشتري بها قمحا أصنع منه فطيرة لحفيدي اليتيم!
شيخ البلد: أنا أيضا يتيم.. ثقي من ذلك! وعندما أقول شيئا يجب أن تصدقيه.. إني ما كذبت في حياتي قط.. إلى اللقاء في السوق القادمة أيتها العجوز الصادقة!
( يذهب حاملاً البطة وتنهض العجوز تلطم خديها وتنصرف في الاتجاه الذي سارت فيه زميلاتها الفلاحات منذ قليل.. ولا تمضي لحظة حتى تسمع أصوات مزامير خافتة تخرج من الغاب.. ثم يظهر سبعة رجال على رؤوسهم قلانس كأنها أذناب العقارب، وفي آذانهم أقلام من القصب، وهم ينفخون في المزامير، ما عدا سابعهم ويدعى "مسطاط" وقد تخلف عن صفهم.....)
العقارب: (ينشدون وهم يسيرون في شبه رقص):
نحن العقارب السبع
هكذا يسموننا ..
لأننا نجيد اللسع
وفي أسنان أقلامنا
ترياق وسموم
مسطاط: (صائحا بهم) حان وقت الشروق
واليوم يوم السوق
ونحن نرقص في الطريق
بين ظالم ومظلوم
وسارق ومسروق
العقارب: (ينشدون) حان وقت الشروق واليوم يوم سوق الخ..
( ثم يذهبون تاركين مسطاط يلتفت خلفه كمن ينتظر أحداً... وعندئذ يظهر توت من بين الغاب....)
توت: أسرع يا مسطاط!.. إنهم قد سبقونا.
مسطاط: لن أذهب.
توت: لماذا؟
مسطاط: أيعجبك يا توت هذا الذي يحدث من شيخ البلد؟! أكان يحدث مثل هذا من قبل؟!.
توت: ليس هذا من شأننا.. فلنلحق بإخواننا، لنرفه عن أهل السوق بمزاميرنا!...
مسطاط: أهل السوق ليسوا اليوم في حاجة إلى مزاميرنا. إنهم في حاجة إلى معونتنا، ونحن نختبئ هنا خلف هذا الغاب، ونهرب ممن ينادينا..
توت: ماذا تريد أن نصنع لهؤلاء؟!. لقد تعبت من صنع التمائم والتعاويذ .. إني لست بساحر. إني فنان. سحري هو فني. ولكنهم لا يريدون أن يفهموا ذلك.. هؤلاء السذج!.. إنهم يصرون على تسميتي الساحر، ويلحون في طلب التعاويذ والتمائم.. وقد تركتهم في وهمهم.. ولكنهم تمادوا .. كل حامل قلم عندهم ساحر.. هؤلاء الجهلاء!..
مسطاط: إنهم على صواب.!.
توت: ماذا تقول؟
مسطاط: كل حامل قلم ساحر.. لماذا لا يكون الأمر كذلك؟!.
توت: أنت أيضاً تقول هذا يا مسطاط؟! أنت الذي تدري حقيقة عملنا..
مسطاط: قد يكون لشكوى نكتبها بإخلاص وإيمان فعل السحر.
توت: كتبنا وما من أذن سمعت!
مسطاط: لأنها لم تصل إلى الأذن التي يجب أن تسمع! أنت تعلم ذلك يا توت. إنها لا يمكن أن تقع اليوم إلا في يد المشكو. وأنت تعلم أيضاً من هو المتصرف الحقيقي في البلد اليوم!..
توت: نعم مع الأسف.. طيفون هو المتصرف الحقيقي.
مسطاط: هو وحده الذي يدير من قصره كل شئون المملكة، بينما شقيقه الطيب حاكمنا أوزيريس..
توت: مشغول عن الحكم باكتشافاته واختراعاته .. نعم.. كلنا يقولها ببساطة. ولكن أجبين أنت: هل في ذلك لوم عليه؟!.
مسطاط: ومن الذي يلومه ؟!. أنا آخر من يلومه.. إن علمه وإبتكاراته هي وحدها في نظري كما تعلم، التي درت الخير على هذا البلد.. لولاه ما استطاع الفلاح أن يزرع ولا حضارتنا أن تكون. من ينكر أنه مخترع المحراث والشادوف ومشيد الجسور والقناطر.. ولكن الأمر الذي لا ينكر أيضاً هو أنه ترك شئون الحكم إلى شقيق داهية ماكر يعمل ليصطنع الأنصار ويستميل أشياخ البلد ويتركهم ينهبون الشعب..
( يسمع صوت صياح ونداء)
الصوت: ( من بعيد) توت!.. أين أنت يا توت؟!.
توت: هذه امرأة تناديني.. هلم بنا نهرب!..
مسطاط: نهرب؟. نهرب من مثل هذا النداء.. الفاجع؟!.
توت: تلك امرأة ولا شك فقدت بطة أو خطفت منها عنزة.. هذا هو كل النداء الفاجع.. إني أعرفهن.. أعرف هؤلاء النسوة!
مسطاط: فليكن!.. ليس من حقنا الهرب ممن يطلبنا!
المرأة: (صائحة من بعيد) توت يا توت!
توت: (متأهباً للهروب) إني ذاهب.. ابق أنت إذا شئت ما دام الأمر يروق لك..
مسطاط: (يمسك به) لن تذهب!... سنبقى معا.. وسنواجهها، ونعمل من أجلها شيئاً..
(تظهر امرأة تخفي وجهها بنقاب أسود)
المرأة: توت!.. انجدني!..
توت: تكلمي وأسرعي!.. ماذا خطف منك؟ ماذا فقدت؟!..
المرأة: زوجي...
توت: ماذا تقولين؟!.. زوجك؟!
المرأة: نعم.. زوجي..
توت: أعترف أني لم أكن أتوقع ذلك.. المسألة خرجت عن نطاق البطة والأوزة والعنزة!. وصرنا إلى ما هو أكبر من ذلك حجما وقدرا... (يلتفت إلى زميله) أيعجبك هذا يا مسطاط؟!.
المرأة: لا تسخر يا توت. الأمر أخطر مما تظن!.
مسطاط: صدقت المرأة!.. إن فقد زوج ليس بالأمر الذي يدعو إلى السخرية..
المرأة: وأي زوج لو علمم؟!. أتدري يا توت من هو الرجل الذي جئت إليك من أجله؟
توت: من هو..
المرأة: أوزيريس.
توت: ماذا أسمع؟!.
المرأة: نعم .. هو أوزيريس.
توت: أوزيريس الملك؟!.
المراة: (تخلع نقابها) نعم.. زوجي.
توت: (وهو ينظر إليها) إيزيس!..
إيزيس: أنت تعرفني جيدا.. إني ما كنت أجيء إليك في مثل هذه الساعة إلا لأن الذي حدث يستوجب القلق... بل أكثر من القلق... قلبي يحدثني .. وقلما يخطئ قلبي.. أن كارثة توشك أن تقع.. إن لم تكن وقعت بالفعل...
توت: ماذا حدث لأوزيريس؟!. تكلمي!.
إيزيس: خرج من قصره البارحة ولم يعد حتى الساعة!..
توت: هذا أمر لا أحسبه يدعو إلى كل هذا القلق!.. لعله شغل باختراع جديد أو كشف أخير، واستغرقه العمل فنسي نفسه ونسى الوقت. هذا يحدث له أحيانا.. وأنت تعلمين ذلك حق العلم. إنه في مثل هذه الأيام، كما بلغنا، مشغول بابتكار ساقية جديدة تخرج من الماء أضعاف ما تخرج السواقي القائمة. من يدريك؟.. قد يكون الساعة في مكان ما على النيل يجرب تجربه من تجاربه..
إيزيس: لا.. لم يذهب إلى عمل من أعماله. لقد دعاه أخوه طيفون إلى وليمة عشاء.. وقد ذهب بمفرده إلى قصر أخيه..
توت: وهل سألت عنه في هذا القصر؟..
إيزيس: سألت، فأظهر لي أخوه الدهشة، وقال لي إنه غادر القصر في منتصف الليل، ووعدني بأن يأمر بالبحث عنه في كل مكان.
توت: انتظري إذن نتيجة البحث.
إيزيس: أهذا كل ما تنصحني به؟! ألهذا جئت إليك يا توت؟!. لتلقي إلي بهذه الكلمة؟! لتقول لي: انتظري! أنتظر حتى يبحث لي طيفون عن زوجي؟!.
توت: تريدين أن تبحثي عن زوجك بنفسك؟..
إيزيس: هذا واجبي.
توت: إذن افعلي!..
إيزيس: هذا ما أفعل.. ولهذا جئت إليك ألتمس المعونة..
توت: إني رهن إشارتك، ... كيف أستطيع أن أعاونك في مسألة كهذه..
إيزيس: تستطيع .. إن في قدرتك السحرية..
توت: عجبا!.. أنت أيضاً تقولين هذا؟!.
إيزيس: وأين غرابة في ذلك؟!.
توت: تلجئين إلى السحر؟!
إيزيس: ألجأ إلى كل وسيلة تدلني على مكان زوجي!
توت: تفعلين مثل أولئك الفلاحات الساذجات، ممن يصدقن أني أصنع المعجزات؟!.
إيزيس: وأي فارق بيني وبينهن؟!. ألست منهن؟! إني امرأة مثل الأخريات. عندما نفقد شيئاً عزيزاً فإنا نلتمس المعجزة حيث تكون.
توت: كل ما أستطيع هو أن أكتب لك شكوى أو تعويذة. أما الشكوى فلا محل لها، لأن الذي بيده الحكم الآن قد وعدك خيرا، وأما التعويذة فإني أصارحك، لما أعلمه من حصافتك، أنها ليست هي التي ستعثر لك على زوجك.
إيزيس: (بألم) لماذا تحطم أملي فيك؟..
توت: أردت أن أبصرك بالحقيقة. في مقدوري أن أكتب لك تعاويذ وتمائم، كما أفعل لللآخرين عندما يلحون ، فأذعن لأريح رأسي، ثم يدهشني بعد ذلك قولهن إنهم يجدون بها أحيانا ما يفقدون.. أتريدين أن أصنع لك ذلك؟!. ثقي أن هذا ليس بعمل جدي. إن عملي المجدي حقا تلك المزامير التي أصنعه من القصب.. وهي وحدها التي تحوي كل السحر...
مسطاط: (متدخلا) لا... ولا هذه أيضاً.. إن السحر ليس في المزامير..
توت: فيم إذن؟..
مسطاط: في الإيمان الذي قد تلقيه أحيانا في النفوس...
توت: ربما..
مسطاط: (لإيزيس) إيذني لي يا سيدتي أن أتطفل بالرأي.. إن معجزتك ليست عند توت ولا عندي. إنها عندك أنت!..
إيزيس: عندي أنا؟!.
مسطاط: نعم. في قلبك.. أصغي إلي قلبك وحده!. هو الذي يدلك... هو الذي يقول لك إن زوجك في أمان أو في كرب.. بماذا يهمس لك قلبك الآن؟...
إيزيس: (كالمخاطبة نفسها) إنه في كرب...
مسطاط: هل يهمس لك أيضاً بأن أحداً أراده بسوء!؟
إيزيس: لست أتهم أحداً.. ولكن طيفون.. وهذا لم يعد بالسر الخافي...
توت: ماذا تريدين بهذا التلميح؟. أرأيت يا مسطاط؟!. ألم أقل لك فلنهرب؟!. إن الأمر سيصل إلى اتهام طيفون.. وسيسفر عن نزاع على الحكم بين شقيقين.. وسنجد أنفسنا بذلك قد جررنا إلى صميم السياسة!...
مسطاط: إذا كان لطيفون يد حقا في الأمر فإن هذا لأدعى...
توت: أدعى إلى ماذا؟!.
مسطاط: إلى أن نقف بجانب هذه السيدة!
توت: (صائحا) ياللكارثة!.. أتدري معنى ما تقول ايها المجنون؟! تريد أن تدخلنا في حرب ضد طيفون؟!.
مسطاط: وما الذي يخيفك؟.. من يحمل قلمك مم يخاف؟!.
توت: قلمي للتسجيل لا للحرب.
مسطاط: قلمك للمحتاجين إليه.
توت: أتريد أن تخرجني من صناعتي؟! أنا توت المسجل.. ألا تعرف أن صناعتي هي أني حامل القلم المسجل.. لا أناصر أحداً ولا أحارب أحداً.. أنا توت المسجل.. المسجل.. أسجل كل شيء... ولا شأن لي بأحد.
مسطاط: لا شأن لك بأحد؟!
توت: (صائحاً) نعم وأقولها بأعلى صوتي؟!.
إيزيس: (ناهضة) لا داعي إلى رفع صوتك يا توت!.. لقد سمعت وفهمت وأشكرك.. سأذهب وحدي للبحث عهن زوجي.. سأعمل وحدي!.. سأجاهد وحدي!..
(تنصرف .. ويطرق توت، بينما يشيعها مسطاط بالنظر الآسف الحزين.. ثم لا يلبث أن ينتفض ناهضا....)
توت: (ملتفتاً إليه) ماذا دهاك؟!. إلى أين؟
مسطاط: سأعاونها أنا..
توت: ابق مكانك!..
مسطاط: ما من قوة تمنعني..
توت: لن يمنعك غير رأيك.. رأيك أنت الذي أبديته منذ قليل.. ألست القائل لها إن معجزتها هي في قلبها؟... دعها تواجه مصيرها بنفسها... ليظهر معدن عزمها...