المنظر الثاني


( عين المنظر على شاطئ النيل.. ولكن الليل قد خيم على المكان .. يظهر في الظلام شبح شيخ البلد البدين وهو يسير بحذر ثم يلتفت إلى الخلف ويشير بيده فيظهر أربعة أشخاص يحملون صندوقا كبيرا وخلفهم رجل تبدو عليه هيئة الأمر والنهي هو "طيفون" )

شيخ البلد: (في صوت خافت) هنا .. في هذا الموضع من النيل يكثر الغاب والبردى ... كما ترون ...
طيفون : ألم يرنا أحد ونحن خارجون من القصر بهذا الصندوق ؟...
شيخ البلد : في مثل هذا الوقت من الليل والظلام دامس ؟!. إن هذا لمن المستحيل !
طيفون : خيراً صنعنا إذن بانتظارنا حتى يخيم الليل ..
شيخ البلد: كل الخير أيها الملك ..
طيفون: لست بالملك بعد .. لا تكن عجولا ، إن الأمور يجب أن تسير خطوة خطوة.. قبل كل شيء يجب التخلص من هذا الصندوق.
شيخ البلد: هنا دغل الغاب والبردى سيخفيه عن الأنظار إلى أن يجرفه التيار .
طيفون: افعلوا ..
شيخ البلد: ( مشيرا إلى الرجال) تقدموا بحملكم وألقوا به هنا.. بهدوء .. بغير أن تحدثوا صوتا...
( الرجال يقومون بإلقاء الصندوق حيث أشار شيخ البلد .....)
طيفون : نعم بهدوء ... هكذا تتم دائماً الأمور الناجحة لأن الهدوء مظهر من مظاهر الأمر الطبيعي .. ونحن نريد أن يسير كل شيء سيرا طبيعيا...
شيخ البلد : ما من شك أن الأمر طبيعي .. أليس من الطبيعي لرجل مشغول بصنع ساقية أن يكون على حافة النيل؟... فإذا دهمه الظلام أليس من الطبيعي أن تزل قدمه؟.. وإذا زلت قدمه أليس من الطبيعي أن يجرفه التيار؟ وإذا جرفه التيار أليس من الطبيعي أن يختفي عن الوجود؟...
طيفون: نعم هذا ما ينبغي أن ينشر ويذاع في البلد منذ الغد...
شيخ البلد: منذ الليلة...
طيفون: إن له أنصاراً . لا تنس ذلك !...
شيخ البلد : من عامة الناس ... نعم... وهم مشتتون هنا وهناك... ولكن أنصارنا نحن أشد تنظيماً.. وهم من الرؤساء...
طيفون: أشياخ البلاد . أأنت واثق منهم جميعا؟...
شيخ البلد: جميعا .. ثقتي بنفسي... أو لم تتركهم يثرون ؟... إنهم يذكرون لك ذلك: كلهم يدين لك بالولاء...
طيفون: كل شيء على ما يرام إذن...
شيخ البلد: إن براعتك أيها الملك قد حسبت لكل شيء حسابا .. فلتطمئن كل الاطمئنان...
طيفون: ومع ذلك... عندما يعلن الخبر فهناك من سيرتاب في الأمر كل الارتياب...
شيخ البلد: من تعني؟..
طيفون: زوجته على الأقل!...
شيخ البلد: إيزيس!...
طيفون: طرقت أبوابي فجر اليوم تسأل عن زوجها... ولمحت في عينيها معاني غريبة.. لم تعجبني...
شيخ البلد: إنه امرأة .. ماذا تستطيع امرأة ؟...
طيفون: إنها ليست مع ذلك بالهينة. انت لا تعرفها...
شيخ البلد: إنها امرأة بمفردها .
طيفون: ولكنها صلبة كالصخرة ... ستبحث عن زوجها في كل ركن ... وستطرق كل باب.. وستسأل كل حي .. إنها ستثير لنا المتاعب...
شيخ البلد: سأسد عليها الطرق... اتركها لي...
طيفون: تركتها لك... إن أمامي عملا جسيما. الحكمة يقظة دائمة، والحاكم يجب أن يكون كالذئب ينام بعين مفتوحة. ومن ينعس بملء جفنيه كالأطفال وكشقيقي، فإنه قد يصلح كاهنا أو عالما ولكنه لا يصلح حاكما... والآن هلم بنا .. هل انتهوا؟...
شيخ البلد: ( وهو ينظر إلى موضوع البردى) نعم.. وقد فرغوا. ولم يبق للصندوق أثر ها هنا، قد حمله التيار...
طيفون: (متجها نحو النيل) إلى الأبدية يا أوزيريس!.. يا شقيقي العزيز!.. في قلبي حزن من أجلك ولكن الملك لمن يعرف كيف يناله .. فاغفر لي !...
شيخ البلد: هلم بنا أيها الملك!...
طيفون: هلم بنا ...
( ينصرفان وينصرف خلفهما الرجال الأربعة ويخلو المكان لحظة... وإذا بغلام يظهر من الجهة الأخرى متسللا في حذر وهو يشير لغلام آخر خلفه)
الغلام الأول: (هامسا) تعال... لقد مروا بهذا المكان .. إني واثق.
الغلام الثاني: تقول إنهم كانوا يحملون صندوقا..
الغلام الأول: نعم.. نعم .. صندوق كبير جميل... براق كأنه من الذهب.
الغلام الثاني: ترى ماذا يوجد في هذا الصندوق؟...
الغلام الأول: لا أدري.. لا بد أن يكون فيه أشياء جميلة..
الغلام الثاني: ومن هم هؤلاء الأشخاص؟..
الغلام الأول: لا أعرف. خيل إلي مع ذلك أني لمحت معهم رجلا بدينا مثل شيخ البلد.
الغلام الثاني: إنهم ليسوا إذن بلصوص يحملون مسروقا.. ما دمت تقول إن شيخ البلد معهم..
الغلام الأول: لا أدري من هم..
الغلام الثاني: ولكن.. لماذا يأتون بصندوق إلى هذا المكان المنعزل؟..
الغلام الأول: لقد رأيتهم من بعيد يقفون هنا لحظة.. ولم أجرؤ على الاقتراب منهم..
الغلام الثاني: ربما جاءوا يخفون الصندوق هنا... تعال نبحث ..
الغلام الأول: إني خائف.
الغلام الثاني: ممن تخاف؟؟ أيها الجبان!..
الغلام الأول : لست جباناً.. ولكن..
الغلام الثاني: لا ترتعد هكذا... المكان كما ترى.. وما من أحد هنا غيرنا...
الغلام الأول: هب أننا وجدنا الصندوق؟ ماذا نفعل؟..
الغلام الثاني: يا لك من أحمق! صندوق جميل كما تقول فيه أشياء جميلة.. ألا نفتحه لنرى ما فيه؟..
الغلام الأول: لنرى ما فيه فقط لا لنسرق..
الغلام الثاني: طبعا. ومن قال إننا سنسرق ما بداخله ؟
الغلام الأول: فلنبحث عنه إذن ولنسرع!..
الغلام الثاني: نعم.. فلنسرع!.. .إنه لا شك في هذا الدغل من الغاب...
الغلام الأول: ( صائحاً وهو يشير إلى مجرى النيل) انظر .. انظر !...
الغلام الثاني: ( يلتفت) ماذا ؟..
الغلام الأول: (مشيرا باصبعه) هناك؟.. في المجرى.. شيء يبرق..
الغلام الثاني: (ناظرا) نعم .. نعم .. شيء يبرق وسط التيار.. يظهر ويختفي...
الغلام الأول: إنه الصندوق..
الغلام الثاني: أأنت واثق؟..
الغلام الأول: هو هو الصندوق ... هو بعينه...
الغلام الثاني: ( ناظرا) إنه يبتعد. التيار يحمله بعيدا.. لن نستطيع اللحاق به. حتى ولو سبحنا خلفه... بكل قوانا...
الغلام الأول: ولماذا لا نجرب..
الغلام الثاني: لا تكن مجنونا...
الغلام الأول: (وهو يخلع ملابسه) سأسبح خلفه!...
الغلام الثاني: لا تتقدم.. إنها مجازفة!..
الغلام الأول: ( وهو يتأهب للسباحة) قلت لك إني لست جبانا... سأجازف .. إلى اللقاء!...
( يلقي بنفسه في الماء)
الغلام الثاني: (صائحا) أيها المجنون!.. في هذا الليل والتيار جارف! تجازف بحياتك من أجل شيء مغلق يبرق لا تعرف ما فيه...