المنظر الثالث


( قرية مصرية.. بيوت صغيرة تلفظ أبوابها في شبه جرن أو ساحة في وسطها شجرة جميزة ضخمة.. شيخ البلد يظهر بعصاه الطويلة ويقف تحت الشجرة وهو ينادي: "يا أهل القرية" يقبل عليه الرجال والنسوة والغلمان، تفتح أبواب الدور ويخرج منها من بداخلها....)

شيخ البلد: (يدق على الأرض بعصاه ويكرر النداء) يا أهل القرية... جئتكم بالأمس أعلن إليكم الخبر السعيد.. خبر اعتلا الملك الجديد العرش.. ملكنا المحبوب طيفون.. لقد بشرتكم وأبشركم مرة أخرى الآن بعهد رخاء وأمان. لقد كنتم في عهد الملك الراحل تشكون مما كان يؤخذ منكم في الأسواق. اليوم لن يؤخذ منكم إلا نصف ما كنتم تعطون.. لتوقنوا أن العهد قد تغير وأن طيفون ساهر على راحتكم مدبر لأموالكم. قولوا معي: النصر لطيفون!...
أهل القرية: ( صائحين) النصر لطيفون!..
شيخ البلد: الآن جئت إليكم أخبركم وأحذركم : تجوب القرى اليوم امرأة مجنونة ساحرة، تزعم أنها تبحث عن زوجها، فلا تصغوا إليها! سدوا آذانكم عن مزاعمها وأغلقوا أبوابكم في وجهها فإنها حيث حلت تجر في أذيالها الشؤم والنحس. قولوا معي: الطرد للمجنونة!
أهل القرية: الطرد للمجنونة!..
شيخ البلد: البعد عن المشئومة!..
أهل القرية: البعد عن المشئومة!..
شيخ البلد: قد بلغتكم وحذرتكم وأترككم في سلام يا أهل القرية الآمنة...
( شيخ البلد ينصرف ويترك أهل القرية في مكانهم ذاهلين لحظة. ثم يأخذ بعضهم في الانصراف إلى شأنه، ويبقى البعض يتحادث فيما سمع........)
قروي: (لآخر) ما كنا نرى من قبل شيخ البلد يعنى بالتحدث إلينا؟..
القروي الآخر: وما كان يأتي إلينا أحد يبشرنا بالرخاء المنتظر..
القروي الأول: لا ريب أنه عهد سعيد كما قال...
القروي الثاني: أسمعته وهو يقول إنه سيخفف عنا بعض ما كنا ندفع؟..
القروي الأول: نعم.. كنا في عهد ملك ذاهل أما الآن...
القروي الثاني: قد تغير كل شي. وأصبح لنا، كما قال شيخ البلد، ملك ساهر على راحتنا وأموالنا.
قروية: (تقترب) من هذه المرأة التي قال إنها تجلب معها الشؤم والنحس؟..
القروي الأول: لا ندري.. لعلها امرأة ساحرة ممن يحدث سحرها الشر، ولا شك أنه لديه علما بخبرها.. لعلها حلت بقرية أخرى فوقعت فيها مصيبة...
القروية: فليبعدها الإله عن قريتنا.. إني أوجس خيفه.. ابني خرج في الليل مع صديق له ولم يعودا حتى الآن...
القروي الثاني: أي ابن من أبنائك؟؟؟
القروية: الأكبر.. الغلام اليافع...
القروي الثاني: ربما يعمل في الحقل.. نحن الآن في موسم الري بالليل كما تعلمين..
القروية: صدقت.. ربما ذهب لمعاونة صديقه في عمل عاجل في حقل من الحقول.. إنه أحيانا يفعل ذلك..
القروي الثاني: ما دام يفعل ذلك أحيانا ففيم الخوف؟..
القروي الأول: ( ينظر ناحية الشجرة ويهمس) انظر إلى شجرة الجميز!.. من المرأة التي جاءت تجلس تحتها..
( ينظران فيجدان امرأة قد جاءت وجلست تحتها هي إيزيس وهي تخفي وجهها بنقابها الأسود)
القروي الثاني: يبدو أنها امرأة غريبة عن القرية..
القروية: (في قلق) غريبة!..
القروي الأول: فلنسألها..
القروية: نعم فلنسألها من هي؟.. ولماذا جاءت؟ وعمن تبحث؟.
القروي الثاني: اذهبي إليها أنت واسأليها
القروية: ( تتقدم إلى إيزيس) يا خالة.. أغريبة أنت عن القرية؟
إيزيس: نعم.
القروية: أتريدين أحداً هنا؟..
إيزيس: أريد أن أستريح قليلا..
القروية: حقا انت متعبة فيما أرى. أجئت من مكان بعيد؟.
إيزيس: نعم.. لقط طفت بقرى كثيرة على قدمي حتى كاد يقطر منهما الدم...
القروية: تجوبين القرى؟ تبحثين عمن؟ .. تبحثين عن زوجك؟..
إيزيس: ( بدهشة) كيف عرفت؟..
القروية: (صائحة) هي.. إنها هي.. الساحرة المجنونة...
إيزيس: الساحرة المجنونة؟...
القروية: المجنونة المشؤومة التي حدثنا عنها شيخ البلد.. اخرجي من هذه القرية. أيتها المرأة!..
إيزيس: شيخ البلد.. سبقني إلى هذه القرية أيضاً؟!
القروية: إنها هي.. هي.. فلنطردها قبل أن.. قبل أن..
إيزيس: مهلا يا أخت.. لا تغضبي.. إني سأترك القرية عما قليل.. إني لم أرتكب شرا. ولن تجدي مني إلا كل خير.. اجلسي بجانبي، ولا تخشي من أمري شيئا!.
القروية: ( ناظرة إلى القرويين) كيف أجلس بجانبها؟!
القروي الأول: ما دامت لم ترتكب بعد شراً. فلا تخافي! أي ضير في أن نسمع ما تقول..؟
القروية: وتحذير شيخ البلد؟!.
القروي الأول: ربما كانت هذه امرأة أخرى غير المقصودة؟..
القروية: بل إنها هي.. هي التي تبحث عن زوجها. إنها هي التي تحمل الشقاء إلى كل القرى.
إيزيس: ما أبرعهم!. سرعان ما نشروا عني الأقاويل!. أتعرفين من أنا أيتها الأخت الطيبة؟..
القروية: لا...
إيزيس: (تخلع نقابها) أنا إيزيس.
القروية: إيزيس.. زوجة ...
القرويان: (معا) زوجة الملك الذاهل...
إيزيس: ( في ألم) الذاهل؟.. أهكذا تسمونه الآن أنتم أيضاً؟!. في كل مكان أذهب إليه أسمع مثل هذا الكلام...
القروي: جئت إذن تبحين عنه؟!.
القروي الثاني: أتظنين أنه مدفون هنا؟!. لماذا تجهدين نفسك في البحث هنا وهناك؟... مكانك في قصرك.. والملك طيفون المحبوب لا شك سيشملك بعطفه في هذا العهد السعيد!!.
إيزيس: العهد السعيد!!.
القروي الأول: بالطبع.. إذا كان الملك الجديد سيسهر على راحتنا نحن الفلاحين، فما من ريب أن أرملة أخيه ستكون أول من يظفر برعايته.
إيزيس: قالوا لكم إن طيفون سيسهر على راحتكم؟!
القروي الثاني: وهل في هذا شك؟!!
إيزيس: وملككم أوزيريس نسيتموه؟!.
القروي الأول: إنه كان مشغولا بنفسه!..
إيزيس: بنفسه!؟ واأسفاه.. نعم نعم.. صدقتم سريعا هذه الدعايات..
القروي الأول: صدقنا ماذا؟!
إيزيس: معذورون أنتم!.. إنهم بارعون مهرة!..
القروي الثاني: لم أفهم لماذا تجوبين القرى أيتها السيدة الكريمة.. لماذا لا تقرين في بيتك؟.. ما جدوى طوافك هذا؟!.
إيزيس: لن يقر لي قرار حتى أعثر على زوجي..
القروي الأول: أهو لم يمت كما قيل؟!.
إيزيس: إنه حي
القروية: حي؟..
إيزيس: في مكان ما، ولو وجدت منكم معاونة لاكتشفت مكانه...
القروية: ماذا تريدين منا؟...
إيزيس : إجابة بسيطة: أن يخبرني كل فرد منكم عما إذا كان قد شاهد شيئاً غريبا أو مريبا مر به.
القروي الأول: أما أنا فلم أرد شيئاً...
القروي الثاني: ولا أنا..
القروية: ولا أنا الأخرى.
إيزيس: أنتم لستم كل القرية.. يجب أن أسأل كل فرد في كل بيت من بيوتكم.
القروية: حذار أن تطرقي هذه الأبواب...
إيزيس: أعلم أن أكثر الأبواب مسدودة في وجهي.. ولكني أريد أن أعتمد عليكم.. لأني أرى الطيبة في وجوهكم!.
القروي الأول: لسنا نضمن الآخرين...
إيزيس: أعلم.. ولكن فلنحاول...
القروية: سأطرق باب صديقة لي...
( تتجه إلى أحد الأبواب وتطرقه، ثم تعاود طرقه طويلا وأخيرا يفتح الباب ويظهر منه رأس غلام.........)
الغلام: (مضطربا) من؟! أنت يا خالة!..
القروية: عجبا!! أنت هنا في دارك؟ كنت أحسبك مع ابني في حقل من الحقول.. أين ابني إذن...
الغلام: ابنك؟..
القروية: (صائحة) ابني؟! أين ابني؟..
الغلام: ابنك..ابنك...
القروية: ابني؟ أين ابني.. ألم يكن معك؟..
الغلام: نعم.. يجب أن أقول لك كل شي.. لم يعد في إمكاني أن أخفي عنك...إنه.. لقد خرجنا معاً في الليل ليعاونني في الري.. ولكنه قال لي إنه شاهد صندوقا كبيرا يبرق في النيل، فنزل يسبح خلفه.. وكان التيار..
القروية: ( في صرخة تفجع) ابني غرق في النيل؟..
الغلام: أقسم أني حاولت منعه من اللحاق بالصندوق.. ولكنه لم يستمع لنصحي...
القروية: ( صائحة) ابني.. ابني.. ابني غرق... مات.. مات...
( جميع الأبواب تفتح وتظهر نسوة يملأن الساحة)
نسوة: ما خطبك؟!. ماذا جرى؟!.
القروية: (مولولة) ابني.. مات.. مات...
النسوة: متى؟.. متى حدث ذلك؟...
القروية: (صائحة) يا لليوم الشؤم!.. يا لليوم النحس.. الشؤم.. النحس.. ابني.. ابني.. غلامي.. أكبر أبنائي!.. عماد داري.. قوام بيتي..
امرأة: (من بين النسوة تلمح إيزيس تحت الشجرة) مَن هذه المرأة الغريبة؟..
القروية: (تنظر إلى إيزيس) إنها هي.. حل النحس.. بحلولها.. صدق شيخ البلد..إنها هي.. هي المشؤومة.. جرت على قريتنا النحس...
النساء: (صائحات) اطردوها!.. اطردوها...