المنظر الرابع


( شاطئ النيل. الغلام يقود إيزيس...)

الغلام: (مشيرا بيده إلى المجرى وهو يمسح دمعه) هنا... هنا غرق صديقي...
إيزيس: لا تبك.. لقد قمت بالواجب عليك...
الغلام: أقسم لك أني نصحته أن لا يجازف بحياته..
إيزيس: والصندوق؟.. أكان حقا كبيرا؟..
الغلام: نعم...
إيزيس: وطوله؟.. أكان حقا كما وصفت؟...
الغلام: نعم .. . نعم...
إيزيس: أكان في طول رجل؟...
الغلام: كان في طول رجل مديد...
إيزيس: وكان يحمله رجال أربعة.. معهم شيخ البلد...
الغلام: نعم... هكذا قال لي صديقي... ولكني لم أرهم بعيني...
إيزيس: ما دام صديقك قد رآهم، فهو لا شك صادق..
الغلام: ولكنه لم يقل إنه رآهم وهم يخفون الصندوق.
إيزيس: ولكنكما رأيتماه ملقى في مجرى النيل...
الغلام: نعم... كنا نحسبه مخبوءا. وكنا موشكين أن نبحث عنه في دغل البردى... وفجأة أبصرناه والتيار يجرفه بعيداً...
إيزيس: إلى أي جهة؟...
الغلام: (مشيراً بيده) .. إلى الشمال...
إيزيس : الشمال؟...
الغلام : لا ريب أنه ذهب الآن إلى مكان بعيد. فالتيار سريع الجريان في هذا الوقت من العام...
إيزيس: واحسرتاه...
الغلام: (ناظرا إليها) ألم تبصري هذا الصندوق من قبل؟...
إيزيس: لا...
الغلام: وتهتمين بأمره هذا الاهتمام؟... كيف لو رأيتيه إذن كما رأيناه.. لقد كان جميلا باهراً للبصر...
إيزيس: (بقوة وهي شاردة) من هو؟...
الغلام: الصندوق...
إيزيس: (تتنهد) لو علمت ما بداخله أيها الغلام...
الغلام: أوتعلمين أنت؟.. هذا ما كنا نريد نحن أن نعلم.. ما كنا نريد أن نسرق ما فيه.. أقسم لك.. ولكنا كنا نريد أن نرى ما بداخله من أشياء رائعة.. إن مثل هذا الصندوق لا بد أنه يحوي أشياء رائعة.. أليس كذلك؟...
إيزيس: وأية روعة..
الغلام: إنك تعلمين ما فيه إذن.. إنك ساحرة كما يقولون عنك..
إيزيس: لست ساحرة...
الغلام: لا تغضبي.. إني أصدقك. وأطمئن إليك.. لقد طردوك من القرية بسببي.. إنك لم تأت بالنحس إن النحس هبط القرية في الليل ساعة أن غرق صديقي.. وأنت لم تهبطي القرية إلا في الصباح.. أنا وحدي الذي أعرف أنهم ظلموك..
إيزيس: ما أطيبك أيها الغلام..
الغلام: في نظرتك حزن.. لماذا؟
إيزيس: لأني فقدت شيئاًً عزيزاً...
الغلام: ماذا فقدت؟.. لعله هذا الصندوق الذي اهتممت بأمره منذ سمعتني أذكره في القرية؟.. أهو مسروق منك؟..
إيزيس: مسروق مني؟ ماذا أقول لك؟.. إنك تلقي الكلام ببساطة وبراءة.. ومع ذلك..
الغلام: إنك تعلمين ما بداخله.. إني الآن على يقين.. هي جواهر .. جواهرك.. أليس كذلك؟ خطفوها منك.. إن شيخ البلد اعتاد أن يخطف من الناس..
إيزيس: ( مطرقة تمسح دمعة) حقا خطفوه مني!...
الغلام: هو جوهر إذن.. ذلك الذي في الصندوق!..
إيزيس: وأي جوهر!..
الغلام: (ببراءه) صفيه لي!
إيزيس: هو جوهر يضيء للناس.. ويكتشف لهم ما ينفعهم.. واأسفاه..
الغلام: (بسذاجة) يضيء؟.. نعم حقيقة.. إنه كان يضيء ويبرق وسط التيار.. وقد بهر صديقي. فألقى بنفسه خلفه ومات من أجل هذا الشيء دون أن يعلم ما فيه...
إيزيس: (وقد سالت من عينها دمعة) لقد مات من أجل شي عظيم دون أن يعلم...
الغلام: أتبكين؟..
إيزيس: (تمسح عينيها بقوة) لا.. لا ينبغي أن أبكي.. صاحبك لم يبك وهو يلقي بنفسه في اليم خلفه؟..
الغلام: لا.. بل كان يبتسم...
إيزيس: أرأيت؟.. هذا درس لنا.. يجب أن ننهض نحن أيضا ونلقي بأنفسنا خلفه.. في الجهاد.. دون أن نبكي.. الجهاد من أجل البحث عنه..
الغلام: ولكنه ذهب بعيداً.. عن الصندوق قد ذهب بعيداً.. حمله التيار إلى الشمال...
إيزيس: سنسير إلى الشمال.. على أقدامنا الدامية.. إلى الشمال...
الغلام: سوف نسير طويلا...
إيزيس: سأسير الحياة كلها إذا لزم الأمر... سأسير وحدي.. اذهب أنت إلى قريتك.. لا شأن لك بكل هذا.. سأسير.. وسأصمد أمام كل عقبة حتى أعثر عليه...
الغلام: تسيرين وحدك؟.. ألا تخافين الليل.. وعواء الذئاب من حولك؟.. وصرخات ابن آوى..
إيزيس: لن أخاف.. اذهب أنت إلى اهلك أيها الغلام الطيب.. إني لك شاكرة.. لن أنسى وقوفك إلى جانبي وخروجك معي.. والقرية ترجمني بالحجارة!..
الغلام: لولا خشيتي أن تقلق أمي لسرت معك حتى الغد. ولكني.. أتمنى لك حظا حسنا وليكن الإله لك معينا...
( ينصرف الغلام وتحاول إيزيس أن تسير بقوة وعزم، ولكنها تلتفت إلى النيل في الموضع الذي ظهر فيه الصندوق.. وتتخاذل وتنهار وتقع على ركبتها مادة يدها نحو ذلك الموضع من النهر صائحة باكية مولولة نائحة......)
إيزيس: (نائحة) أوزيريس.. أين أنت يا أوزيريس أين أنت؟.. أين أنت؟..

كان لك بيت
كان لك ملك
كان لك حب
في كل قلب
عد إلى بيتك يا أوزيريس
عد إلى ملكك أيها العزيز
عد إلى زوجك أيها الحبيب
عد إلى التي تحبك إيزيس
عد ... عد ... عد


( ترتمي على وجهها باكية في غير شهيق.. وتمكث بلا حراك لحظة كأنها في إغماء.. وإذا صوت غناء ملاح يشد حبل مركب يقترب منها فتنهض في الحال)
إيزيس: (تنادي بقوة وعزيمة) أيها الملاح!..
الملاح: (يقف) من يناديني؟..
إيزيس: من أين أنت قادم؟..
الملاح: من الشمال.. كما ترين..
إيزيس: (كالمخاطبة لنفسها) نعم.. من الشمال؟..
الملاح: نسير كما ترين عكس التيار.. ولا ريح تدفع في شراعنا.. فبدلا من أن يجرنا المركب بالشراع نجره نحن بالحبال...
إيزيس: ومن أي جهات الشمال جئتم؟...
الملاح: من قرب البحر الكبير...
إيزيس: نعم.. نعم، أخبرني أيها الملاح.. أما صادفتم شيئاً غريبا في النيل وأنتم سائرون؟
الملاح: شيئاً غريبا؟!.. نحن لا نصادف غير الريح.. تارة في ظهورنا. وتارة في وجوهنا.. ثم تختفي فلا نجدها هنا ولا هناك...
إيزيس: في النيل.. أما وقع بصركم على شيء؟
الملاح: علام تريدين أن يقع بصرنا في النيل.. إن الأسماك لا تخرج رؤوسها من الماء.. ولا ألسنتها..
إيزيس: لا أقصد الأسماك..
الملاح: ماذا تقصدين إذن.. أفصحي!.
إيزيس: ألم تلمحوا شيئاً يبرق في التيار؟
الملاح: يبرق؟...
إيزيس: شيئاً يبهر البصر؟..
الملاح: رأينا قرب البحر الكبير البرق في السماء.. وكلن البرق الذي في الماء لم نره بعده...
إيزيس: لا أقصد هذا البرق..
الملاح: إنك تقصدين أن تعوقينا عن سيرنا.. لقد آمنت أن الملاحة لا يعطلها غير شيئين: سكوت الهواء وانطلاق لسان المرأة...
إيزيس: (متوسلة) انتظر أيها الملاح!.. كلمة واحدة!..
الملاح: تكلمي وأسرعي...
إيزيس: ألم تصادفوا.. شيئاً يسبح؟..
الملاح: نحن لا نصادف إلا أشياء تسبح.. أو تظنين أننا المركب الوحيد الذي يسبح في النيل!..
إيزيس: لست أعني المراكب. أعني شيئاً آخر يسبح.. صندوقا مثلا..
الملاح: صندوقا؟ً.
إيزيس: نعم.. ألم تروا صندوقا سابحا في التيار؟..
الملاح: صندوقا كبيرا؟!.
إيزيس: (بلهفة) نعم..
الملاح: لم أره بعيني..
إيزيس: سمعت ؟
الملاح: كلاماً مما يقال بين الملاحين للسمر.. بعد العشاء..
إيزيس: ماذا قالوا.. أسرع.. أتوسل إليك!...
الملاح: قابلنا مركباً متجهاً نحو الشمال كان ملاحوه يتحدثون عن صندوق كبير وجدوه عائماً.. كاد يصدمهم فأخرجوه..
إيزيس: ماذا صنعوا به؟..
الملاح: لا أدري.. لعلهم وضعوه في مركبهم..
إيزيس: وأين هذا المركب؟..
الملاح: رحل..
إيزيس: إلى أين رحل؟.. إلى أين؟..
الملاح: خرج هذا المركب إلى البحر ميمما شطر ببلوس..
إيزيس: ببلوس؟!
الملاح: نعم.. مملكة ببلوس.. ألا تعرفين أين تقع مملكة ببلوس؟!
إيزيس: (كالمخاطبة لنفسها) نعم.. ببلوس!
الملاح: والآن.. هل لديك سؤال آخر؟!.
إيزيس: (كالشاردة) لا.. شكرا لك!..
الملاح: ها هي ذي نسمة ريح تهب..إذا سكتت المرأة نطقت الريح.. فلنغتنم هذه النسمة.. تركتك بخير أيتها المرأة!.
(ينصرف جاذبا حباله وهو يغني أغنية)
إيزيس: (صائحة في أمل وعزم) ببلوس.. أوزيريس!...