الفصل الثاني

المنظر الأول


( تحت أسوار قصر ببلوس – حارسان يقفان بالباب......)


الحارس الأول: إذا جاءت هذه المرأة مرة أخرى تريد الدخول فإني سأطعنها برمحي..
الحارس الثاني: يبدو عليها أنها ليست من أهل هذه البلاد.
الحارس الأول: نعم.. ولهذا تلح في لقاء ملكنا لتسأله الصدقة...
الحارس الثاني: كيف علمت؟.. أقالت ذلك؟..
الحارس الأول: لم تقل. ولكن هذا معروف بالبداهة.. هل يطلب مثلها من الغرباء مقابلة الملك إلا ليسألوه مالا...
الحارس الثاني: إن ملكنا كريم مع الغرباء.
الحارس الأول: ليس كل الغرباء يستحقون عطفه...
الحارس الثاني: من يدريك!؟ قد يعطف على كل غريب من أجل ذلك الغريب الذي نحبه جميعا..
الحارس الأول: هذا صحيح. ولكنه يضيق أيضاً بالغرباء واللصوص الأنذال.. لا تنس أولئك الملاحين الجشعين وما حدث منهم؟!.
الحارس الثاني: ولكن هذه المرأة..
الحارس الأول: لست أعني هذه المرأة بالذات. نحن لا نعرف من هي ولا ما تريد... إنما نحن نحرس هذه الأسوار والأبواب من اللصوص والمتطفلين وعملنا هو أن نرتان في كل شخص غريب...
الحارس الثاني: إذا جاءت مرة أخرى فإني سأسألها عما تريد من الملك..
الحارس الأول: لن تجيب بوضوح..
الحارس الثاني: لأنك لم تعرف كيف تسألها بلطف...
الحارس الأول: اسألها أنت هذه المرة... أما أنا فسألزم الصمت...
الحارس الثاني: قد لا تأتي وتريحنا من أمرها..
الحارس الأول: ستأتي.. إنها كما رأينا تدور حول هذا القصر منذ الفجر.. وأغلب ظني أنها قضت الليل تحت هذه الأسوار.. والآن وقد طلع الصباح، ما من ريب في أنها ستعاود الكرة وتأتي لتسألنا الدخول...
الحارس الثاني: (وهو يلتفت) صدقت... ها هي ذي امرأة تقترب...
الحارس الأول: (ملتفتا) إنها هي.. بعينها ...
الحارس الثاني: دعني إذن أحادثها...
الحارس الأول: افعل ما شئت...
الحارس الثاني: (صائحا) ماذا تريدين أيتها السيدة..
(تظهر إيزيس)
إيزيس: قلت لكم أريد مقابلة ملككم.. أريد مقابلة ملك ببلوس...
الحارس الثاني: أنت لست من أهل هذه البلاد؟...
إيزيس: لا...
الحارس الثاني: من أي البلاد أنت؟..
إيزيس: من بلاد بعيدة.. في الغرب..
الحارس الثاني: أنت من الغرب؟!
إيزيس: نعم.. لماذا هذه الدهشة؟..
الحارس الثاني: عندنا رجل من الغرب.. يحبه أهل بلادنا كثيرا..
إيزيس: (باهتمام) لماذا يحبونه؟..
الحارس الثاني: لأنه صنع أشياء عجيبة ما كان يعرفها أهل بلادنا..
إيزيس: (باهتمام) حدثني عن هذا الرجل...
الحارس الثاني: صنع آلات أحدثت عجبا.. لم يعد الناس هنا ينتظرون المطر ليسقوا أرضهم.. لقد اكتشف لنا الينابيع وركب عليها آلات تسمى الشودايف والسواقي.. وعلم الناس الحرث بما يسميه المحراث.. إنه في كل يوم يصنع جديدا وعجيبا ينفعنا ويبهرنا.
إيزيس: (هامسة دامعة العينين) هنا أيضاً؟!
الحارس الثاني: ماذا تقولين؟..
إيزيس: (كالمخاطبة لنفسها) حقا، هو كذلك حيثما حل يبعث الحياة، يغير الحياة..
الحارس الثاني: ليت كل الغرباء مثله..
إيزيس: ما من أحد مثله ..
الحارس: أتعرفينه إذن؟.
إيزيس: ( كالهامسة) نعم...
الحارس: بالطبع ما دمت من بلده، من الغرب مثله...
إيزيس: (هامسة) ليس هذا فقط...
الحارس: ماذا تعنين؟...
إيزيس: كيف أستطيع أن أرى هذا الرجل؟.
الحارس: وماذا تريدين منه؟..
إيزيس: أتوسل إليك.. قل لي أين أجد هذا الرجل الان؟..
الحارس: هنا في هذا القصر.. إنه يقيم هنا.. إن الملك يعزه ويكرمه، ولا يعامله معاملة العبد الرقيق... إن له هنا مكانة ومنزلة.
إيزيس: كيف أستطيع أن أراه؟..
الحارس: عجباً!! أجئت لتقابلي الملك أم لتقابليه؟..
إيزيس: بعد ما علمت أنه هنا.. أقصد ذلك الذي هو من بلدي وموطني...
الحارس: عدلت إذن عن مقابلة الملك؟...
إيزيس: نعم.. أريد أن أرى هذا الرجل...
الحارس: هذا أيسر لنا ولك..
إيزيس: كيف أراه؟..
الحارس الأول: (يقطع صمته فجأة) لن نسمح لها بدخول القصر مهما يكن من أمر!..
الحارس الثاني: ليست في حاجة إلى دخول القصر لتراه.. اسمعي أيتها السيدة.. إذا كان هذا هو كل ما تريدين فهناك طريقة مأمونة..
إيزيس: أتوسل إليك؟... ما هي الطريقة؟...
الحارس: انتظري ها هنا.. قرب الباب.. إنه عما قليل يخرج من القصر كعادته كل صباح...
إيزيس: (مضطربة ملهوفة) سيخرج الآن من هذا الباب؟..
الحارس: نعم في ذهابه إلى أعماله...
إيزيس: (مضطربة) سأراه الآن.. سأنتظر.. أنتظر، أنتظر.. (تنتحي ناحية قرب الباب منتظرة) شكرا ياسيدي .. شكراً..
الحارس الثاني: (لزميله) ها هي ذي المسألة قد حُلت .. بغير حاجة إلى أن تطعنها برمحك!..
الحارس الأول: نعم.. ولكن الأمر لم يزل غامضا.. ماذا فهمت أنت من كل هذا؟..
الحارس الثاني: ليس في الأمر غموض. أنت الذي تعقد الأمور...
الحارس الأول: امرأة جاءت تطلب الملك وتلح في الطلب.. ثم عدلت فجأة واكتفت برؤية شخص آخر..
الحارس الثاني: من بلدها...
الحارس الأول: (ملتفتا ناحية إيزيس) انظر.. انظر إليها.. إنها تذرف عبرات بلا شهيق ولا صوت..
الحارس الثاني: (ملتفتا) نعم .. لعله حنين الغربة...
الحارس الأول: كل هذا لا يكفي.. إن في هذا كله شيئاً مريبا...
الحارس الثاني: لست أدري كيف تساورك أنت وحدك مثل هذه الظنون؟!
الحارس الأول: أترى أن كل هذا الذي حدث أمامنا هو شي طبيعي؟!.
الحارس الثاني: ولم لا؟..
الحارس الأول: سنرى الآن أينا المصيب؟!.
الحارس الثاني: (ملتفتا إلى الباب) صه!.. ها هو ذا يخرج من القصر.
( يخرج من باب القصر رجل مهيب الطلعة هو أوزيريس.. ما يكاد يخطو خطوات بعيدا عن الأسوار حتى تنهض إيزيس وتجري إليه صائحة صيحة يمتزج فيها الفرح بالبكاء....)
إيزيس: أوزيريس!...
أوزيريس: (بدهشة وحنان وتأثر) إيزيس!...
إيزيس: (تلمسه بيديها غير مصدقة) هذا أنت يا أوزيريس.. هذا أنت؟!. هل أنت بخير.. هل أنت..
أوزيريس: كما ترين.. وأنت؟. أيتها الحبيبة!..
إيزيس: زوجي..
(يتعانقان............)
الحارس الأول: (لزميله) انظر!... أليس هذا غريبا!...
الحارس الثاني: (ناظرا إلى الزوجين) نعم.. حقا.. قالت له زوجي.. أسمعت!..
الحارس الأول: سمعت..
الحارس الثاني: فلنغض الطرف ولا نخجلهما!..
أوزيريس: (يقف أمامها متأملا) دعيني أولاً أملأ عيني منك.. فإني ..
إيزيس: (تكفكف دموع التأثر وتبتسم له) ...
أوزيريس: نعم كفكفي الدموع وابتسمي.. فقد التقينا ..
إيزيس: (كالمخاطبة لنفسها ولكنها لا تصدق) حقا لقد التقينا.. أخيرا.. لقد عثرت عليك.. أخيرا.. أخيرا...
أوزيريس: بحثت عني طويلا.. ولا شك ...
إيزيس: (مكتفية بهز الرأس والغمغمة) نعم..
أوزيريس: ما من يوم مر بي إلا وتصورتك كما تركتك آخر مرة.. تلك الليلة الملعونة.. وأنا أقول في نفسي: عبثا لبثت تنتظر عودتي.. إنها أيقنت أخيرا أن شراً لحقني وأني قد أكون في عداد الأموات.. وعندئذ.. يا لها من دموع تلك التي ولا ريب ذرفتها!... ويا له من حزن ذلك الذي سكن قلبها!...
إيزيس: (تنظر إليه مليا وتغمغم) نعم...
أوزيريس: ولكني لم أتصورك هنا.. لم يخطر ببالي قط أنك مستطيعة أن تأتي إلى هنا.. اجتزت إذن خلفي كل هذه البحار. قطعت كل هذه القفار.. أنت..
إيزيس: (تطرق برأسها وتصمت)..
أوزيريس: (وهو يتأملها) إنه لجهد.. إنه لجهاد !..
إيزيس: (تطرق ولا تجيب)..
أوزيريس: إيزيس!..
إيزيس: (ترفع رأسها بقوة) حدثني عما وقع لك أنت كيف حدث لك هذا.. كيف حدث؟..
أوزيريس: ما توجست خيفة من أخي طيفون.. لأني لم أكن أظن أنه يقدم على مثل هذا الفعل..
إيزيس: أما أنا فقلبي كان يحدثني بسوء.. أخبرني عما فعل تلك الليلة..
أوزيريس: استقبلني على خير ما أحب.. وكانت وليمة كريمة وبعد الطعام قال: عندي تحفة رائعة أعرضها عليكم. وأمر فجيء بصندوق بديع النقوش فأبدى أتباعه الحاضرون إعجاباً، فقال: إني لمهديه إلى من يلائم قامته. فبادر الأتباع كل بنوبته يدخلون الصندوق فلا يلائمهم.. ونظر إلى آخر الأمر وقال: هل لك يا أخي في أن تجرب؟.. فحملت الأمر على محمله البريء ووضعت نفسي في الصندوق ضاحكا مرحا فوجدته ملائما لقامتي، وفي تلك اللحظة ما شعرت إلا والأتباع قد هجموا على غطاء الصندوق فأغلقوه عليّ وأحكموا إغلاقه...
إيزيس: (من بين أسنانها) الخائن!...
أوزيريس: بعد ذلك لم أعلم من أمري إلا أني ألقيت بالصندوق ببين لجج تتقاذفني.. ومضى على ذلك وقت لا أستطيع تقديره.. قد يكون يوما وليلة، أو يومين وليلتين.. لست أدري على التحقيق.. فقد رحت في سبات .. ولم أفق إلا على صدمة.. ثم إذا بي أحس بالصندوق يرفع من الماء. ويفتح غطاؤه وأرى نور النهار.. وأجد نفسي على سفينة.. وأجد حولي وجوها غريبة.. وعيونا تحملق في وجهي...
إيزيس: الملاحون...
أوزيريس: نعم.. سألوني عن شأني، فخشيت أن أبوح لهم باسمي بعد الذي حدث لي.. فقلت لهم إني عبد رجل من الأثرياء وضعني في الصندوق وألقي بي في النيل قربانا .. فصدقوني.. ولكنهم.. طفقوا يتهامسون ويتآمرون.. إنهم يريدون الصندوق النفيس، ولكنهم مختلفون فيما يصنعون بي؟.. أيقتلونني؟.. أيلقون بي في الماء بعد تجريدي من ثيابي؟.. أدركت ما يجول في روسهم فسألتهم عن وجهتهم، فقالوا إلى الشرق، إلى مملكة ببلوس... فقلت لهم: أدلكم على طريقة تربحون بها مالا كثيرا. إنكم لن تكسبوا بقتلي غير الإثم ولا من الصندوق غير الحيرة به. ولكن اذهبوا بي وبه إلى ملك ببلوس التي تتجهون إليها وبيعوني له مع صندوقي فهو خير من يدفع لكم في ذلك المال الوفير.. فقالوا: نعم الفكرة!.. وباعوني لهذا الملك الطيب.. تلك كل قصتي..
إيزيس: (كالمخاطبة نفسها) أوزيريس .. يباع كالعبد الرقيق...
أوزيريس: ولكن هذا الملك الكريم لم يعاملني قد معاملة العبد الرقيق ...
إيزيس: أيعرف من أنت؟..
أوزيريس: لا... ما من أحد هنا يعرف عني شيئا غير ما قلت للماحين وما قالوه هم للملك.. "الرجل الآتي من الغرب" هذا كل ما يعرفه الناس عني في هذه البلاد..
إيزيس: والملك بماذا يناديك؟..
أوزيريس: "الصديق المصري"!..
إيزيس: يا له حقا من كريم!.. ولكنك أنت أيضاً كريم عظيم في هذه البلاد..
أوزيريس: من أدراك؟..
إيزيس: من أدراني؟!.. شذاك في هذه الأرض كأنه شذى اللوتس في أرضنا.. منتشر عبيره في كل الأرجاء..
أوزيريس: (كالحالم في حنين) أرضنا!..
إيزيس: (في حنين هي الأخرى) نعم.. أرضنا!.
(يطرقان ويصمتان......)
الحارس الأول: (يلتفت نحو الزوجين) إنهما قد أطالا الحديث!.
الحارس الثاني: دعهما وشانهما!..
الحارس الأول: كيف أدعهما.. ألا ترى من واجبنا أن نبلغ الملك..
الحارس الثاني: بماذا؟..
الحارس الأول: قدوم هذه الزوجة..
الحارس الثاني: أترى ذلك؟..
الحارس الأول: نحن مكلفون بتبليغ ما نشاهد.. سأدخل في الحال القصر وأبلغ..
(يسارع إلى دخول القصر)
أوزيريس: (كالمستيقظ من حلم) نعم.. أرضنا الجميلة..
إيزيس: ونيلها وسقيان البردى تلعب فيه...
أوزيريس: نعم.. نيلها الذي لم يغرقني.. ما أطيبه!.
إيزيس: حقا.. حتى نيلها حملك على صدره الحنون كأنك طفله الصغير..
أوزيريس: نعم.. كنت أشعر بهزات أمواجه اللطيفة حول صندوقي كأنها يد أم تهز طفلها الرضيع..
إيزيس: ما من شيء في الوجود ينسينا هذه الأم!..
أوزيريس: (في حنين) أرضنا!..
إيزيس: نعم..
أوزيريس: (حالما) نيلنا!..
إيزيس: نعم..
أوزيريس: مهما يصبنا هناك من سوء!..
إيزيس: إن السوء لا يأتينا من أرضنا ولا من نيلنا..
أوزيريس: (بعد لحظة) لماذا فعل بي ذلك شقيقي؟!.
إيزيس: الحكم!...
أوزيريس: ألم أبذل جهدي في خدمة الشعر؟! ألم يكن الناس يحبونني؟!.
إيزيس: هذا سؤال لم يطرحه هو على نفسه...
أوزيريس: والناس؟.. ماذا يقولون في ذلك؟..
إيزيس: (تطرق صامتة)؟
أوزيريس: لماذا لا تجيبين يا إيزيس؟.. ماذا يقول الشعب الآن؟..
إيزيس: لا تطرح علي اليوم هذا السؤال يا أوزيريس.
أوزيريس: (في براءة) لماذا.. إن شعبي يحبني دائما.. أليس كذلك؟..
إيزيس: (متفادية الإجابة) يجب أن نركز تفكيرنا الآن في شيء واحد...
أوزيريس: ما هو؟...
إيزيس: العودة إلى الوطن.
(ملك ببلوس وخلفه الحارس الأول يظهران بباب القصر.......)
الملك: (مناديا) أيها الصديق المصري!
أوزيريس: (ملتفتا) الملك!...
الملك: قيل لنا إن زوجتك قد أقبلت..
أوزيريس: نعم أيها الملك..
الملك: فلتنزل إذن على الرحب والسعة...
إيزيس: شكراً لك أيها الملك!..
الملك: لقد حدثنا عنك أيتها السيدة، وهو القليل الكلام عن نفسه وعن ماضيه..
إيزيس: (لزوجها) تحدثت عني؟..
أوزيريس: (هامسا) هذا ما لم أستطع كتمانة!...
إيزيس: (للملك) ماذا قال عني؟..
الملك: قال إنك كل ما يعتز به ويحرص عليه في تلك البلاد البعيدة .. لم يكن له من شئونه ما يفكر فيه غيرك أنت وما صرت إليه..
إيزيس: (كالمخاطبة لنفسها) هو ايضاً؟!.
الملك: حتى أيقنا أنه لو قدر له يوما أن يتركنا فلن يكون ذلك إلا حنينا إلى زوجته. أما وقد جئت إليه. فقد ذهب قلقه ولا ريب. واكتملت راحة نفسه. وتوطد أملنا في أن يبقى معنا دائما.
إيزيس: هناك حنين آخر أقوى من حنينه إلي.
الملك: ما هو؟..
إيزيس: حنينه إلى وطنه.
الملك: أنت كل وطنه أيتها السيدة...
إيزيس: لا.. أيها الملك...
الملك.. هذا ما فهمناه عنه..
إيزيس: إنه لم يُظهر الحقيقة المكتومة في أعماقه...
الملك: أي حقيقة؟...
إيزيس: أرضه تناديه!
الملك: (في قلق) أرضه؟!.
إيزيس: نيله يناديه؟..
الملك: (بوجوم) نيله؟!.
إيزيس: هذا ما نطمع فيه منك أيها الملك الكريم...
الملك: (متوقعا صدمة) ماذا تقصدين؟!.
إيزيس: أن تأذن لنا اليوم بالعودة إلى وطننا..
الملك: اليوم؟!
إيزيس: نعم اليوم.
الملك: (بعد لحظة إطراق) أتعرفين ماذا تطلبين إليّ أيتها السيدة؟.. أترين هذا القصر؟.. أنت تريدين مني أن أنتزع العمود الضخم الذي يقيم سقفه ويدعم أركانه..
إيزيس: العمود الضخم؟
الملك: هو زوجك أيتها السيدة!...
إيزيس: أعلم أن له عندك منزلة ومكانة..
الملك: وعند شعبي..
إيزيس: بلاده أيضاً لها عليه حق..
الملك: بلاده باعته لي..
إيزيس: نعم مع الأسف. ولكنه هو لا يجوز له أن يبيعها.
الملك: نحن نريده. أما بلاده فليست في حاجة إليه.
إيزيس: من قال إن بلاده ليست في حاجة إليه؟..
الملك: ألم يلقوا به في النيل ليغرق؟!. ألم يأت به الملاحون يساومون فيه. من هذا الثري الأحمق الذي كان يملك مثله ويفرط فيه ولو من أجل قربان؟. ثقي أيتها السيدة أني لا أستطيع أن أفرط فيه؛ وإلا كنت أشد حمقا من ذلك الثري المصري!..
إيزيس: صدقت!.. هذا من حقك.. فقد دفعت فيه مالا..
الملك: لا أيتها السيدة.. لا تذكري المال.. لقد صنع لي ولشعبي ما لا يقوم بمال.. لا تتحدثي عنه كأنه عبد رقيق.. لا أسمح بهذا أبدا.. إنه حر.. ومن خيرة الأحرار..
إيزيس: ما أكرمك!..
الملك: ثقي أيتها السيدة إني عندما قلت إني لا أفرط فيه لم أقصد أنه مملوك لي.. بل قصدت أن حياته عزيزة علينا وأنا لن نضمن سلامته في بلاده التي لفظته.. نحن أولى به. إلا أن يكون هو قد ضاق بنا أو زهد فينا أو ناله أذى في بلادنا دون علم منا..
أوزيريس: لا أيها الملك. ما هو ضيق ولا زهد ولا أذى. بل على النقيض.. ما رأيت منك ومن الناس هنا إلا الخير والعطف والحب.
الملك: ومع ذلك تترك من يحبونك إلى من لا يريدونك..
أوزيريس: على الرغم مني.
الملك: ستكون في خدمة رجل آخر في بلادك.. هذا ما ينتظرك بالضرورة...
أوزيريس: ربما.
الملك: لست أفهم.. كيف تفضل ذلك المجهول هناك .. على الأصدقاء هنا..
أوزيريس: من الصعب حقا أن تفهم ذلك أيها الملك!.
الملك: كل هذا صعب التصديق حقا. إن في الأمر لسرا.. ما أن ظهرت زوجتك اليوم حتى ظهرت هذه النوايا.. صارحاني بالحقيقة. ما هو الدافع إلى هذه الرغبة المفاجئة في ترك هذه البلاد؟..
إيزيس: أظن من الخير أن نصارحك..
أوزيريسهامسا) تصارحينه بماذا؟..
إيزيس: بكل الحقيقة. إن الملك النبيل هو خير من نصارحه بحقيقتنا ونأتمنه على سرنا.. ومن حقه أن يفهم لماذا يجب أن نعود إلى وطننا. ولكي يفهم لا بد من أن يعرف من نحن. سنبوح لك بسر أيها الملك الكريم..
الملك: وأنا له حافظ أمين.
إيزيس: زوجي هو: أوزيريس.
الملك: (مأخوذ في الدهشة) أوزيريس ... ملك بلاد مصر...
إيزيس: نعم، وأنا زوجته إيزيس.
الملك: (ماخوذا) الملكة!...
إيزيس: لم أعد ملكة ولم يعد زوجي ملكا.. فقد اغتصب أخوه طيفون الحكم..
الملك: وصل إلى علمي شيء كهذا..
إيزيس: وهو الذي وضعه في الصندوق وألقى به في الماء..
الملك: يا للقسوة!.
إيزيس: هذا هو سرنا..
الملك: حقا لقد كانت نفسي تحدثني بأن ضيفي ليس رجلا مثل بقية الرجال.. وأنه يطوي بين جنبيه سراً.. كان ضيفي إذن أوزيريس .. إنه لشرف عظيم. إنه لشرف عظيم..
أوزيريس: ما من شيء يعدل عندي في الشرف نداءك لي: "أيها الصديق المصري!"
الملك: ثق أنك دائما صديقي المصري. وسأظل أحتفظ لهذه الصداقة بأجمل الذكرى.
إيزيس: فهمت الآن أيها الملك لماذا ينبغي لنا أن نعود إلى بلادنا؟..
الملك: نعم. فهمت. من حق الملك أوزيريس أن يعود إلى بلاده لاسترجاع عرشه.
أوزيريس: ليس العرش هو الذي يدعوني...
إيزيس: حقا.. زوجي لم يفكر في ذلك.. ولكن مكاننا على كل حال هو في أرضنا..
أوزيريس: وعلى شط نيلنا!..
إيزيس: نعم.. نيلنا..
الملك: أقدر موقفكما وما أنتما فيه.. وإني رهن الإشارة..
إيزيس: كل ما نرجو أن تأذن لنا بالرحيل.
الملك: لكما ذلك. على الرغم مني. سآمر بتجهيزكما للرحيل إلى مصر بما يليق بمقام الملوك.
أوزيريس: لا.. لا أيها الصديق الكريم.. لا.. بل نذهب كما جئنا..
إيزيس: نعم.. نذهب كما جئنا في الخفاء، دون أن يشعر بنا أحد. ألم أقل لك أيها الملك إن أمرنا يجب أن يظل سرا مستورا.. إذا أردت لنا السلامة فهذا هو السبيل.
الملك: فهمت.
إيزيس: أي ضجيج حولنا يعرضنا للخطر...
الملك: لكما ما أردتما..
أوزيريس: لن أنسى كرمك أبداً أيها الصديق..
إيزيس: لن ننسى نبلك أبداً..
الملك: أرجو أن تتذكر دائما أني خليق أن تعتمدا علي .. ابعثا إلي وقت الحاجة تجداني أهب إلى المعونة أسرع من الريح.. إذا فعلتما ذلك أيقنت أنكما لم تنسيا حقا أني لكما صديق.
إيزيس: لن ننسى!..
(إيزيس و أوزيريس يتحركان)
أوزيريس: وداعا!...
الملك: (هامسا) وداعاً!..