المنظر الثاني


( شاطئ النيل.. بيت صغير منعزل تخفيه عن الأنظار بعض سيقان الغاب الطويلة ولا يظهر منه إلا درج صغير من حجر وباب مغلق.. يظهر رجلان أحدهما مسطاط والآخر توت)

مسطاط: (مشيراً إلى البيت) ها هنا..
توت: هذا البيت المنعزل؟..
مسطاط: بيتهما.
توت: حقا إنه لموضع خفي، ليس من اليسير العثور عليه. أهما مختفيان هنا منذ زمن طويل؟..
مسطاط: منذ ثلاثة أعوام..
(يسمع بكاء طفل داخل البيت...)
توت: ما هذا ؟...
مسطاط: طفلهما. لقد أنجبا طفلا.. أسمياه حوريس...
توت: لو علم طيفون بكل هذا؟!.
مسطاط: ومن أين لطيفون أن يعلم؟
توت: وكيف علمت أنت؟...
مسطاط: المصادفة.. وإن شئت الدقة فقل الحركة أو الاجتهاد أو النشاط.. فأنا لا أحب الجلوس راكداً بجوار البردى..
توت: كما أفعل أنا؟!.
مسطاط: (مستمراً) ولا أقنع بالنفخ في مزامير القصب..
توت: كما يفعل إخواننا...
مسطاط: أحب أن أخوض الحياة وأرى الناس.. لقد قادتني قدمي إلى موضع في الصحراء هناك في الشط الآخر.. رأيت قناة هناك قد شقت وحول إليها ماء النيل وأهل هذه المنطقة، الجرداء بالأمس، يعيشون اليوم في الخصب ويتحدثون عن الرجل الأخضر..
توت: الرجل الأخضر؟.. من هذا؟..
مسطاط: (يشير إلى البيت الصغير) صاحب هذا البيت...
توت: (هامساً) أوزيريس!...
مسطاط: (يضع اصبعه على فمه) صه!.. ما من أحد هنا يعرف الاسم!..
توت: يسمونه الرجل الأخضر؟..
مسطاط: لأنه حول صحراءهم إلى خصب.. رأيته بعيني وهو يعمل معهم ويعلمهم.. ثم تبعته إلى بيته هذا.. ثم رأيتها هي..
توت: (همسا) إيزيس!..
مسطاط: نعم.. وما إن أبصرتني حتى أجفلت وذعرت ثم اطمأنت إلي.. ثم قبلت أخيراً أن أحضرك إلى هنا..
توت: أكانت مترددة في ذلك؟..
مسطاط: كل التردد.. كبرياؤها.. قالت إنها قد تعلمت أن تكافح بنفسها وألا تستجدي أحداً..
توت: يا لها من امرأة!..
مسطاط: نعم.. إنها لم تنس موقفنا الماضي منها..
توت: إن شئت الدقة فقل موقفي أنا..
مسطاط: قلت لها أخيراً: نحن الذين نستجديك أن تشركينا في كفاحك..
توت: أحسنت القول..
مسطاط: والآن هل أطرق بابها؟ أو لديك بعد ما تسأل عنه؟
توت: اطرق بابها..
(مسطاط يطرق باب البيت وينتظر لحظة وعندئذ يفتح الباب بحذر وتطل منه إيزيس ثم تخرج مطمئنة....)
إيزيس: (باسمة) هذا أنت؟!.
مسطاط: كما وعدت.. ومعي توت...
توت: (يتقدم) نعم.. ها أنذا...
إيزيس: مرحبا بكما.. كنت أود أن أستقبلكما داخل هذا البيت الصغير.. لكن طفلي مريض، لسعته عقرب، وقد غمضت عينه منذ لحظة، وأخشى أن يزعجه حديثنا.. فلنبق هنا..
توت: طفلك لسعته عقرب؟!
إيزيس: منذ أيام، وكنت معه وحدي، فقد كان زوجي قد ذهب إلى الشاطئ الآخر..
توت: وماذا فعلت؟..
إيزيس: قد علمني زوجي فيما علمني ما ينبغي أن أفعل إذا وقع هذا الأمر.. أسرعت إلى سكين وشرحت مكان اللسعة قليلاً، ثم جعلت أمص السم من الجرح وأبصقه بعيدا..
توت: لعل الخطر قد زال عن طفلك؟..
إيزيس: طفلي في طريق الشفاء الآن.. ولا خوف عليه..
مسطاط: والآن.. فلنتحدث فيما جئنا من أجله.. نحن في خدمتك..
إيزيس: شكرا لكما.. ولكني كما تريان أعيش مع زوجي وطفلنا هذه الحياة الهادئة.
مسطاط: إن هذه الحياة الهادئة لم تكتب لمثلكم.. إن عرشكم يجلس عليه طيفون.. وكلنا يعرف بأي الطرق وصل إليه؟.
إيزيس: كلنا يعرف؟ من تعني بقولك كلنا؟.. هل كل الناس يعرفون؟..
مسطاط: يجب أن نعمل ليعرف كل الناس... والوقت مناسب. فقد ساء حكم طيفون حتى عم الفساد كل شيء والأمة تنحدر إلى هاوية..
إيزيس: في عرفك أنت. وربما قلة غيرك. ولكنكم لستم كل الناس..
مسطاط: تكفي هذه القلة لنبدا بها العمل..
إيزيس: أي عمل.. عودتنا إلى الحكم؟.. مستحيل .. زوجي لا يريد..
مسطاط: توت يستطيع أن يقنعه..
إيزيس: ما من أحد يستطيع إقناعه.. لقد حاولت أنا طيلة أعوام ثلاثة أن أدفعه إلى هذا الهدف.. ولكنني أخفقت .. حتى وجود طفله لم يحمله على تغيير رأيه.. لقد صدم المسكين..
مسطاط: صدم؟..
إيزيس: نعم.. صدم في أعماق قلبه يوم سمع بأذنيه الناس يلعنون ذكرى أوزيريس...
مسطاط: إنها دعايات طيفون..
إيزيس: قلت له ذلك.. فازداد تمسكاً برأيه..
مسطاط: ولكنه لم يزل يحب الناس ويعلمهم ويخدمهم..
إيزيس: إن الذي صدمه ليس الناس.. ولكن طرائق الحصول على الحكم.. لقد اشمأزت نفسه من ذلك، وانتهى الأمر...
توت: أريد أن أراه.. إنه ليس هنا في البيت؟
إيزيس: لا.. إنه هناك في عمله بين الفلاحين.. في تلك المنطقة من الشاطئ الآخر..
توت: ومتى يعود؟..
إيزيس: كان ينبغي أن يعود منذ قليل.. فالشمس قد اقتربت من الغروب. لست أدري ما الذي أخرّه اليوم.. أشعر داخل نفسي بقلق لغيبته..
مسطاط: ما من سبب يدعوك إلى القلق...
إيزيس: عندي سبب، لقد قال لي منذ يومين إنه لمح شخصا غريبا مريبا يجول في تلك المنطقة.. يسأل الناس سرا عن حقيقة ما يعرفون عمن يسمونه الرجل الأخضر..
مسطاط: تظنين أنه طيفون..
إيزيس: من يدري؟!. قد يكون خامره شيء من أمر زوجي وبث عيونه وجواسيسه.. إذا كان هذا حقاً فيا للمصيبة!..
مسطاط: هوّني عليك.
إيزيس: لقد حذرت زوجي عاقبة هذه السمعة بين الناس، قلت له: إن الناس سوف يتناقلون خبرك وعملك في الصحراء فإذا شمك أنف طيفون، وتحرى ، فهنا الخطر.. فأجابني أن ما من خطر يقعده عن خدمة الناس. ومضى إليهم حيث يمضي كل يوم..
توت: إنه لا يدرك ما يفعل..
إيزيس: ماذا تعني؟..
توت: إن الخطر قريب منه.
إيزيس: أترى ذلك؟...
مسطاط: لا تخفها بهذا الكلام يا توت!. لا تخفها!..
توت: سألزم الصمت إذن..
إيزيس: بل تكلم.. إني رابطة الجأش..
مسطاط: نحن على ثقة من شجاعتك. ولكن ليس في الأمر حتى الآن ما يزعج. وتوت لا يقصد إثارة المخاوف.. ولكنه يبدي رأياً عابراً من تلك الآراء..
إيزيس: (كالمخاطبة لنفسها) نفسي منقبضة منذ الصباح.. قلبي يحدثني..
مسطاط: بخير. يحدثك بخير. تفاءلي! نحن مقدمون على خير كثير، وعلى عمل وكفاح ونجاح. لأنك خلقت لذلك..
(تسمع أصواب بعيدة)
إيزيس: (مرتاعه) ما هذا ؟!
توت: صياح في الشاطئ الآخر!...
مسطاط: لعله هتاف المرح .. أو تحية الفلاحين لأوزيريس..
إيزيس: (تنظر إلى بعيد) ما هذه القوارب العديدة تسير نحو الجنوب!..
مسطاط: (وهو ينظر) لعلها قوارب الفلاحين تحمل متاعهم بعد ان انتهى يومهم والشمس نحو المغيب..
إيزيس: (في صوت غريب) ليست هذه قوراب الفلاحين!
مسطاط: مهما يكن من أمر ففيم الخوف؟.. إن زوجك بخير وإني أعتقد أنه سيكون في أمان حتى ولو علم بأمره طيفون. إن طيفون قد يجد من حسن الرأي أن يتجاهله ويتركه في شأنه، ما دام الناس يعتقدون أنه قد مات غرقا. وما دام هو في عزلته البعيدة عن محيط الحكم لا يأتي من الأعمال ما يعد تهديدا للحكام..
توت: إنه يفعل هذا كما قلت لك، دون أن يدرك..
مسطاط: هو؟.. ماذا يفعل؟..
توت: يكتسب حب الناس. اكتساب حب الناس عمل سياسي.
مسطاط: ماذا تقول؟..
توت: أقول وأنا أعرف ما أقول إن هذا عمل سياسي يعتبره الحاكم تهديدا.. على الأخض إذا صدر ممن له الحق في الحكم.
مسطاط: إذن أوزيريس يعمل، من حيث لا يدري ولا يريد، على الوصول إلى الحكم...
توت: هذا ما قلت.
مسطاط: وبأشرف الطرق..
توت: هذا إذا أوصلته..
مسطاط: أو تشك في إمكان وصوله بها؟!.
توت: سنرى..
مسطاط: نبرات صوتك تخيفني!..
توت: تجلد وترقب!..
مسطاط: (ينهض متحمسا) لا يكفي أن نتجلد وأن نترقب، الان اتضح لي كل شيء.. إن لم يستطع طريق شريف كطريق أوزيريس أن يوصل إلى الحكم.. إن لم يستطع الخير المحض.. خير الناس ونفع الشعب أن يحمل صاحبه إلى السلطان.. بلا تزييف ولا تضليل ولا مأرب شخصي. فما هي النتيجة؟ ما هو المصير؟..
توت: أتسألني؟..
مسطاط: نعم أسألك وأسأل نفسي. إن إخفاق أوزيريس ليحمل معنى فاجعاً. إنه لطمة كبرى لكل شيء طيب على هذه الأرض. إن إخفاقه هو إخفاق للحق وللخير وللشرف.. إخفاق لي ولك.. ولكل من يدافع عن المثل العليا..
توت: دعك الآن من هذه الكلمات السامقة.. فلتقصر الوصف على واقع الأمر: إن إخفاق أوزيريس معناه بصورة أبسط أن العلم والعمل لخير الناس ليسا بالفعل الوسائل المؤدية إلى الحكم..
مسطاط: وما هي أفعل الوسائل إذن؟..
توت: ربما.. وسائل طيفون..
مسطاط: (صائحا) لا تقل ذلك!.. لا تقل ذلك!
توت: أهدأ!.. لست أعني شيئا.. إنك تعلم أني ما رأيت قد طيفون هذا ولا كانت لي به صلة. كل هذه فروض .. وأنت الذي بدأ يفترض..
مسطاط: (متحمسا) أوزيريس يجب أن ينتصر.
توت: أتمنى ذلك بالطبع.
مسطاط: لأن قضيته قضيتنا.. واجبنا أن نمنعه من الهزيمة.. تلك مسؤوليتنا.
توت: مسؤوليتنا! نعم أنا وأنت وحدنا.. أما بقية جماعتنا فأنت تعلم أين هم الآن!..
مسطاط: واأسفاه!.. طيفون قد اشتراهم! إنهم الآن في قصره يدبِّجون له أناشيد مجده، ويذيعون حكمه المآثر، وينفخون له في المزامير..
توت: تلك أيضاً وسيلة من وسائله!
مسطاط: نعم. في يده قوى كثيرة.. حتى القوى التي كان يجب أن تكون في صفنا.. يا للخيانة!. ولكن برغم ذلك.. برغم ذلك سنقاوم..
توت: المقاومة معناها الحرب ضد طيفون، والتعرض لبطش طيفون. أفهم ذلك جيدا!.. تحمل المسئولية ليست كلمة تقال بل معنى كله المضي رغم هذا الخطر. هل أنت مستعد؟
مسطاط: مستعد.
توت: وأنا كذلك.
مسطاط: أنت كذلك؟!. وافرحتاه!..
توت: نعم. اعتمد عليّ! .. إني اليوم غيري بالأمس. في الماضي كنت أكتفي بالتسجيل. أراقب وأسجل. أما الآن فموقفي قد تغير. لأن كل شيء، كما قلت أنت، قد اتضح لعيوننا. بالأمس لم تكن أمامنا قضية واضحة. أما الآن فنحن أمام قضية هي بالفعل قضيتنا قبل أن تكون قضية أوزيريس. إما أن نترك طيفون ينتصر وتنتصر معه أساليب. وما أن ننصر أوزيريس وننصر معه خيره ومبادئه. إما أن نسلم للمغتصب كما سلم الآخرون. وإما أن نقاوم..
مسطاط: نقاوم!..
(تسمع أصوات مختلطة لناس آتين.. ثم يظهر رجل من الفلاحين وهو يلهث.. وخلفه جماعة الفلاحين في صمت ووجوم..)
الفلاج: (مترددا) أين.. أين زوجة الرجل الأخضر؟..
إيزيس: (المطرقة طول الوقت تهب واقفة) ماذا حدث له؟..
الفلاح: أنت زوجته؟..
إيزيس: نعم.. تكلم.. ماذا حدث له؟..
الفلاح: تجلدي يا سيدتي..
إيزيس: ماذا حدث له؟؟
الفلاح: (يشير إلى الشاطئ الآخر) كنا هناك.. وكان هو معنا يرينا كيف نتقي الحشائش الضارة.. وإذا جماعة من الجند يأتون في قوارب، ويسألون عنه، فتقدم إليهم وعندئذ..
إيزيس: (متجلدة) وعندئذ.. ماذا؟..
الفلاح: (ينظر إليها لحظة ثم ينظر إلى إخوانه الفلاحين خلفه مترددا) وعندئذ أخذوه..
إيزيس: أخذوه إلى أين؟..
الفلاح: إلى قواربهم..
إيزيس: وبعد؟..
الفلاح: مضوا به..
إيزيس: مضوا به.. حياًً؟!.
الفلاح: (في لعثمة وتردد) نعم..
إيزيس: (تحدق فيه) أنت تكذب..
الفلاح: بل هذا ما حدث..
إيزيس: هذا ليس كل ما حدث.. قل الحقيقة!.. الحقيقة!.. اصدقني.. اصدقني..
الفلاح: (ينظر إلى الفلاحين خلفه مترددا مستنجدا) هل أقول؟..
إيزيس: تكلم.. ماذا فعلوا به؟..
الفلاح: (وهو مطرق) قتلوه!..
إيزيس: (هامسة في غير وعي) قتلوه!..
فلاحات: (من بين الجماعة يصحن باكيات) نعم.. قتلوه.. ذبحوه..
إيزيس: (في غير وعي) ذبحوه!
الفلاح: أمام أعيننا.. بخناجرهم..
الفلاحات: (نائحات) وقطعوه..
الفلاح: نعم قطعوه إرباً.. ووضعوا كل عضو من أعضائه في كيس. وحملوا الأكياس إلى قواربهم ثم مضوا نحو الجنوب..
إيزيس: (تغمض عينيها وتحاول التماسك فيسرع إليها توت ومسطاط ويمسكان بذراعيها حتى لا تسقط وهي تهمس في غير وعي) نحو الجنوب..
فلاحون: صحنا فيهم وحاولنا منعهم فشرعوا في وجوهنا الرماح...
الفلاحات: (نائحات) نعم قتلوه.. قتلوا الرجل الطيب.. الرجل الأخضر.. لن يخضر لنا بعده عود.. لن يطلع عود.. وستجف عن الأرض العيون.. لن تجف عليه منا العيون.. (يبكين صائحات)
إيزيس: (تتنبه عائدة إلى وعيها وتحاول تخليص ذراعيها لتدفع في شبه جنون وهي تصرخ صرخة مكتومة في صوت أجش كأنه الحشرجة) زوجي.. زوجي!.