الفصل الثالث

المنظر الأول


(مكان مقفر على ضفاف النيل قد أنشىء فيه كوخ تخفيه بعض الصخور، وقد وقفت إيزيس وقد بدا عليها أثر السنين ولكن جمالها قد أحاط به إطار من الجلال.. شيخ البلد مائل بين يديها كأنه بين يدي ملكة..)

شيخ البلد: (يجيل البصر فيما حوله) هنا في هذا المكان المقفر تقيمين؟..
إيزيس: نعم.. أخيراً في هذا المكان.. حط بي الترحال ها هنا.. منذ أن قتل زوجي وأنا أنتقل من مكان إلى مكان.. منذ خمسة عشر عاماً و أنا أجوب القفار.. لا أستقر في موضع واحد..
شيخ البلد: خوفاً على ولدك؟..
إيزيس: نعم.. عيون عدونا كانت دائبة البحث عنا.. أما الآن وقد استطعت أن أختفي به حتى بلغ أشده، واصبح فتى جلداً قويا.. فقد آن أوان العمل..
شيخ البلد: إني في خدمتك.. ولكن ..
إيزيس: أعلم.. لا تحدثني عما تريد.. إني أعرف عنك كل شيء . ولو لم أكن على ثقة أنك ستخدمنا لما اتصلت بك. إن مصالحك لم تعد مرتبطة بطيفون.
شيخ البلد: لقد خدعني هذا المحتال...
إيزيس: كان يجب أن تفهم أن مثله لا يؤتمن. لقد استخدمك حتى بلغ مأربه ثم فاز بالغنيمة دونك..
شيخ البلد: كلما تذكرت تلك السنين الطويلة التي قضيتها في خدمته دون جدوى!.. لقد كنت ولم أزل موضع رأيه ومشورته.. ومع ذلك ما أن أبدي له الرغبة في بعض المكافأة، حتى يزور عني ويضن علي..
إيزيس: اسمع!.. أنت تعرف أنه كان لي ذهب كثير وحلي.. تركتها في القصر يوم خرجت أبحث عن زوجي..
شيخ البلد: أعرف ذلك.. لقد استولى طيفون على الكنز.. ولا يزال هذا الشحيح محتفظاً به حتى الآن..
إيزيس: لك نصفه.
شيخ البلد: (يفرح) نصفه؟!..
إيزيس: وأنا التي تعدك بهذا.. وأنت تعرف أن إيزيس إذا قالت فعلت. هل تثق بي؟..
شيخ البلد: كل الثقة!... امرأة وفت لزوجها لا يمكن أن تخدع من يخدمها..
إيزيس: اتفقنا إذن..
شيخ البلد: إني في خدمتك.
إيزيس: ابني حوريس يصر على أن يثأر لدم أبيه. ويريد أن ينازل طيفون بالرمح..
شيخ البلد: أخشى عليه من طيفون.. طيفون قوي جبار.. ويجيد استخدام كل سلاح..
إيزيس: وابني أيضاً قد مرن على الطعام.. وهو يذهب كثيراً إلى الصيد. وقد نازل أسداً أخيراً وقتله.
شيخ البلد: دعك من الصيد ومنازلة الأسود.. إن طيفون لن ينتظر حتى يصيده حوريس.. إن له وسائله الأخرى..
إيزيس: نعم.. ومن أجل هذا فكرت فيك وبحثت عنك .. من أجل هذه الوسائل الأخرى..
شيخ البلد: اتركي لي الأمر إذن أتدبره وأضع الخطط.. لقد حذقنا هذه الأمور.. إن الوصول بحوريس إلى الحكم ليس أصعب من الوصول بطيفون..
إيزيس: لا تنس أيضاً أن حوريس هو ابن أبيه وأنت تعرف من هو أبوه!.
شيخ البلد: هو الخير والعلم والفضل.. ولكن هل ورث حقا فضائل أبيه؟..
إيزيس: أرجو ذلك.. لقد مكثت خمسة عشر عاما ألقنه كل شيء طيب في أبيه. ولم أكتف بهذا بل وضعته منذ صباه في أيدي توت ومسطاط.. وقد تعداه وما زالا يتعهدانه حتى الساعة بالتهذيب.
شيخ البلد: سيكون ملكاً عظيماً. أين هو الآن؟..
إيزيس: في الصيد . قد يأتي عما قليل..
شيخ البلد: أراه في المرة القادمة. أما الآن فإني ذاهب لأبدأ العمل في الحال. وسأعود إليك بتفصيل ما ينبغي. الأمر يتطلب اكتساب بعض النفوس، وبذل بعض الوعود.. وتنظيم بعض الصفوف.. وغير ذلك من الترتيبات التي سيأتيك بيانها فيما بعد.. والآن إلى اللقاء..
إيزيس: إلى اللقاء!..
(شيخ البلد ينصرف.. وما يكاد يختفي حتى يظهر توت ومسطاط آتيين من الجهة الأخرى )
مسطاط: (محدقا ببصره) من هذا؟ أليس هذا شيخ البلد؟!.
توت: (ينظر هو الآخر) نعم. هو بعينه. كرشه ومشيته وعصاه!...
مسطاط: ماذا جاء يفعل هنا؟!
إيزيس: جاء لزيارتي.
مسطاط: أوَيجسر!؟.
إيزيس: أنا التي طلبت ذلك..
مسطاط: أنت؟! طلبت ذلك؟!.
إيزيس: نعم أنا.
مسطاط: أنت تعلمين أنه من أخطر أعدائنا.
إيزيس: لم يعد كذلك اليوم، إنه سيعمل من أجلنا...
مسطاط: هذا الرجل!!..
إيزيس: مصلحته الآن في جانبنا.
مسطاط: مصلحته؟ بالطبع! مصلحته نعرفها كلنا! إنه لا يعمل بغير الرشوة! لقد رشوته إذن؟..
إيزيس: ولم لا..
مسطاط: (ملتفتا إلى توت الصامت) أسمعت يا توت؟.
إيزيس: (بعزم) حوريس ابني يجب أن ينجح.. أسمعتم؟ يجب أن ينجح..
مسطاط: هذا ما نتمناه.. هذا ما نعد له العدة ونعمل لتحقيقه منذ خمسة عشر عاماً .. ولكن..
إيزيس: ولكن ماذا؟.. ماذا تريد أن تقول؟..
مسطاط : لا أريد أن أقول غير شيء واحد: إن كل ما شيدناه في تلك السنين الطويلة قد انهار في لحظة واحدة...
إيزيس: إنك لم تكن تشيد إلا على رمال الأوهام..
مسطاط: الأوهام؟..
إيزيس: لقد تركتك أنت وتوت تحشوان رأس ابني حوريس بتلك الأفكار الجميلة، وأنا أعرف أنها لن توصل إلى شيء.. اتركاني الآن أفعل ما أراه مجديا..
مسطاط: تريدين لحوريس الوصول من ذلك الطريق؟..
إيزيس: من أي طريق؟..
مسطاط: طريق الرشوة والتدجيل والتضليل..
إيزيس: أطلق عليه ما شئت من أوصاف.. هذا لا يمنعه من أن يكون الطريق الموصل إلى الحكم..
مسطاط: تنكرت هكذا أخيراً لمبادئ زوجك؟! ياللخيانة؟
إيزيس: مكانك يا مسطاط مكانك!. لم أتنكر قط لمبادئ زوجي، ولم أخن عهده قط.. إن زوجي لم يطلب العوده إلى ملكه. لقد زهد في الملك وأسبابه كما عرفتم وانقطع لخدمة الناس. ولم يكن له من مطمع إلا أن يفجر ينابيع الخير بين أيدي هؤلاء الفلاحين المساكين. وكنا نحسب أنا وأنتم أنه سيترك آمنا يؤدي هذه الرسالة في هدوء. ولكن طيفون لم يتركه. وأنتم تعلمون ماذا فعل به؟ ماذا فعل بزوجي؟!. زوجي العزيز بقلبه الطيب ونفسه الطاهرة ظهر الأطفال، وهو لم يرتكب ذنبا، ولم يفكر في عدوان، ولم يسيء إلى أحد..
(تسقط من عينها دمعة...)
مسطاط: (متأثراً) إني ما قصدت..
إيزيس: (تمسح دمعتها وتصيح بصوت أجش) لا أريد لابني هذا المصير! أفاهمون؟! لا أريد لابني أن يقتل وأن يقطع جسده إربا إربا... وأن يوضع كل عضو من أعضائه في كيس، وأن يلقى كل كيس في موضع مختلف من النيل والبحيرات والمستنقعات.. لا.. لا.. لا.. لا أريد ذلك لحوريس.. أسمعتم!. لا أريد ذلك لابني حوريس...
مسطاط: نحن أيضاً لا نريد له ذلك.. وأنت تعلمين..
إيزيس: إذن لماذا تريدون له أن يسير في طريق أبيه المنكوب؟!..
مسطاط: أردنا له الحكم من طريق الشرف.. أليس كذلك يا توت؟! لماذا تصمت الآن كل هذا الصمت يا توت؟.. تكلم معي قليلاً.. تكلم!..
توت: إني أصغي إليكما.. وأفكر
مسطاط: تفكر؟!. أبدأت عقيدتك أنت أيضاً تتزعزع؟..
توت: قلت لك كثيراً لا تسرف في استخدام هذه الألفاظ!. إني أفكر وكفى؟.. ألا يجوز لي أن أفكر في مشكلة لها كل هذه العواقب!؟.
مسطاط: أنسيت أننا مرتبطون بقضية، نجاهد في سبيلها من أعوام؟ أتذكر ما هي قضيتنا؟
توت: نعم الوصول بحوريس إلى الحكم.
مسطاط: على أساس مبادئنا نحن.. هذا هو الشرط.
إيزيس: (صائحة) لا تصغ إلى هذا الساذج يا توت. إنه ينسى أننا نعد لمعركة. وأن خصمنا في هذه المعركة رجل قوي مغامر بارع الوسيلة واسع الحيلة. وهو فوق ذلك مطلق اليدين يطعن بكل سلاح. في حين أننا نريد أن نكتف حوريس بقيود الشرف ونقدمه لخصمه مغلول اليدين مكشوف القلب...
توت: حقا إنها لمخاطرة!..
مسطاط: أنت أيضاً يا توت؟.. هذا ما توقعته .. إنك لن تمضي معي إلى النهاية..
توت: ابسط لي قبل كل شيء وبكل وضوح: ما هو في رأيك السبيل الحقيقي لبلوغ حوريس الهدف؟..
مسطاط: الشعب.
إيزيس: إن مسطاط ينسى أن زوجي أوزيريس كان معبود الشعب في يوم من الأيام، فما إن ظهر أخوه المغامر طيفون حتى استطاع ببراعته وحيلته وأساليبه وأكاذيبه أن يسلب من زوجي المسكين: ملكه وشعبه معا..
توت: حقا.. إن اليد البارعة تستطيع أن تسرق تأييد الشعب أيضاً فيما تسرق..
مسطاط: (صائحا) إلى حين.. إلى حين..
توت: نعم.. إلى حين ظهور يد أخرى أبرع..
مسطاط: (بمرارة) أهذه عقيدتك؟..
توت: اسمع يا مسطاط!.. إن مبادئ أوزيريس.. أي مبادئنا لا يمكن أن تعمل عملها إلا في حالة واحدة وعلى فرض واحد: هو خلو الميدان من المغامر والمحتال.. أما إذا ظهر المغامر فلا بد أن تحاربه بسلاحه كي تنتصر..
مسطاط: وما قيمة هذا الانتصار؟!.
توت: ماذا تعني؟..
مسطاط: أعني ما قلته قبل الآن: إذا كان لا بد لانتصار رجل العلم والخير من أسلحة المغامر والمحتال، إذا كان لا بد لنجاحه هو أيضاً من استخدام الرشوة والتدجيل والتضليل، فمعنى ذلك أنه لم يعد هناك أمل في القوة الذاتية للعلم والخير.. وإذا سلمنا نحن خدام مبادئ أوزيريس بذلك فمعناه بكل بساطة: الخيانة لقضيتنا. وها أنذا أكرر ألفاظي بذاتها، لأني لا أجد غيرها تعبيراً صحيحاً عن الموقف. وما دام في قلبي عرق ينبض فلن أسمح لنفسي أن أخون قضيتي. إني لم أناصر حوريس لأنه حوريس بل لأنه يمثل مبادئ . فإذا ضاعت هذه المبادئ فلا معنى عندي لانتصار حوريس. لن أخون القضية الحقيقية من أجل نجاح شخص. لا.. لن أخون.. لن أخون.. هذه كلمتي الأخيرة.. وليس لي الآن إلا أن أذهب، وأقول لكم، وداعاً!..

(ينصرف سريعاً.. تاركا إيزيس وتوت ينظران إلى ذهابه المفاجئ واجمين ذاهلين)