د/ عبير عبد الصادق محمد بدوي

أستاذ الأدب المشارك بكلية تربية الزلفي

ظاهرة المنصفات في

ظاهرة "المنصفات" في الشعر العربي القديم

(مادة مرشحة للفوز بمسابقة كاتب الألوكة الثانية)

 

أولا: العصر الجاهلي

الشاعر و القبيلة.. انحراف مسار:

ارتبط الشاعر بالقبيلة ارتباطا وثيقا في العصر الجاهلي، وغدا الشاعر لسان قبيلته، ووسيلة إعلامها، والمتحدث الرسمي باسمها في مختلف المحافل الرسمية وغير الرسمية، وجاء صوت الشاعر مجلجلا معبرا عن طموحاته، وطموحات قبيلته في صورة فخر ذاتي أو قبلي.


ويكون الصوت أكثر علوا إذا أراد الشاعر علوه وارتفاعه، وذلك يتأتى من الإحساس العميق بنشوة النصر، وما تحدثه هذه النشوة من زهو وخيلاء في نفس الشاعر. وكذلك أيضا في نفوس أبناء القبيلة إن كان قائما على افتخار العشيرة بما هي عليه من قوة وعزة، ومكانة مرموقة بين القبائل الأخرى، لا سيما في مجتمعات قبلية تتمثل فيها الوسيلة الأولى لضمان حياة حرة كريمة.[1]

 

وعرفت في المجتمع الجاهلي أصوات أخرى تبحر عكس التيار، وتنحرف بمسارها عن الطريق التي رسمته القبيلة، وتمثل ذلك في شعر الشعراء الصعاليك، وشعر المنصفات؛ فشعر المنصفات لون من ألوان الشعر العربي يسير في اتجاه معاكس لاتجاه الشعراء في فخرهم بذواتهم وذويهم، ويقف من الخصم موقفا مغايرا لما عرف عن معظم شعراء العصر الجاهلي من ازدراء بالخصم، واستهانة به خاصة عند النصر عليه. فجاء صوت الشاعر المنصف متهدجا تارة، ومرتفعا أخرى، ورافضا في أحيان كثيرة. وصوت الرفض الذي أعلنه الشاعر الجاهلي كان قاصدا به قبيلته لأنها استسلمت، وربما فرت من ساحة الميدان، فجاء صوت الشاعر رافضا هذا المنزع الخجولي، ومعلنا العصيان لقبيلته، ومعلنا رضاه عن القبيلة التي انتصرت، وربما مدحها.


عمرو بن مَعْدِيكَرِبَ الزبيدي له تجربة في هذا المعنى، وذلك عندما وقف من قبيلته موقفا يعلن من خلاله رفضه لسلوكها في الحرب، ومعلنا رضاه المطلق للقبيلة التي هزمته، فقال(الطويل):

ومُرْدٍ عَلَى جُردٍ شَهِدْتُ طِرادَها 
قُبيلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ أو حِينَ ذَرَّتِ 
صَبحْتُهُمُ بيضاءَ يَبرُقُ بَيضُها 
إذَا نظرَتْ فِيها العيونُ ازمَهرَّتِ 
ولمَّا رأيتُ الخيلَ رَهواً كأنَّها 
جَداوِلُ زرعٍ أُرسِلَتْ فأسْبَطرَّتِ 
فجَاشَتْ على النَّفسُ أولَ وهلةٍ 
وَرُدَّتْ علَى مكرُوهِها فاستقرَّتِ 
علامَ تقولُ الرُمحُ يُثقلُ عَاتِقِي 
إذَا أنَا لمْ أطعُنْ إذ الخيلُ ولَّتِ 
عَقَرْتُ جَوادَ ابنْي دُريدٍ كليهِما 
ومَا أخَذَتْني في الخُتُونَة عِزَّتي 
لَحَا اللُه جَرْماً كلَّمَا ذَرَّ شارقٌ 
وُجوهُ كِلابٍ هَارَشَتْ فازبَأرَّتِ 
ظَلِلْتُ كأنَّي للرماحِ دريّئَةٌ 
أُقاتِلُ عَنْ أبناءِ جَرْمٍ وفرَّتِ 
فلمْ تُغنِ جرْمٌ نهْدَهَا إذْ تَلاقيَا 
ولكنَّ جَرماً في اللقاءِ ابْذَعَرَّتِ 
فلو أنَّ قومِي أنطقتِني رمَاحُهُمْ 
نطقتُ ولكِنَّ الرِماحَ أجرَّتِ[2] 

 

فالشاعر يعبر عن شدة سخطه وغضبه لفرار قبيلته وهروبها، ويلمح بإعجابه بالقبيلة المنتصرة، ويصف جنودها بأنهم مرد قد امتطت جردا، ويمدح كثرة عددهم، وأن العين إذا نظرت اليهم ازمهرت، وقد جاء الأعداء راكبين خيولهم مسرعين كأن الخيل من كثرة عددها وتتابعها أمواه أنهار كيرة وممتدة في سرعة فائقة، لا يستطيع هو وقبيلته اللحاق بها، وهو عندئذ ارتاع وفزع بادئ الأمر، لكنه سرعان ما تماسك، وثبت في المعركة وحده، في الوقت الذي فرت فيه قبيلته، وهو قد حاول أن يثبت بني قومه ليحاربوا بجانبه؛ فعقر جواد ابن دريد كي يثبتوا ويقاتلوا، لكنهم لم يسمعوا له، وهربوا وتركوه وحده. ثم ارتفع صوته لائما قبيلته، داعيا عليها بالهلاك، ثم وصفها وصفا قبيحا لينفر منها ومن جرمها، فشبهها بوجوه كلاب وقد انتفش شعرها حتى ظهر أصله، وقد تجمعت للوثب.

 

وتعبر الأبيات عن إدراك فني رفيع، فالقصيدة نفثة شعورية صادقة وصارخة في وجه القبيلة التي فرت، واستطاع التشبيه أن يجسد هذه النفثة الشعورية فقوله (الخيلَ كأنَّها جَداوِلُ زرعٍ أُرسِلَتْ فأسْبَطرَّتِ) تشبيه يقوم على إبراز صورة جيش الخصم؛ فخيولهم في تتابعها وامتدادها وكثرتها تشبه الأنهار التي تروي الزرع ولا تسير في طريق محدد، بل تتمايل هنا وهناك لتصل إلى كل الأماكن. فالتشبيه هنا يدل على كثرة الجيش، وامتداده، وتتابعه، مما جعله أن يعلن في صراحة أن نفسه قد جاشت لأول وهلة، حتى حدثته نفسه بالهرب، لكنه أمرها بالثبات، واختار الشاعر لذلك كلمة "استقرت"دلالة على ثبات النفس وتماسكهاأمام شعور قد يذهب به بعيدا عن الثبات والاستقرار، ثم يأتي التشبيه الآخر"ظَلِلْتُ كأنَّي للرماحِ دريّئَةٌ" وهو تشبيه يقوم على إبراز جانب الإنصاف؛ لأنه صور الأعداء وهم يصوبون رماحهم في صدره كأنه أصبح حلقة يتعلم عليهاا الرماة الرمي، دلالة على حسن استعداد الخصم للقتال، وتماسك قواه في مواجهة قبيلة الشاعر، ثم نصل إلى مفارقة شديدة الأهمية في إبراز هذا الجانب، فهو يذب عن أبناء قبيلته وقد فرت، ولم تصبر على الثبات. ويؤكد هذا المعنى باستخدام دلالات بعض الألفاظ فقوله" ابْذَعَرَّتِ " يوحي بهروب القبيلة وعدم استطاعتها على الثبات، كما يوحي بحزن الشاعر تجاه موقف قبيلته. أما البيت الأخير فهو بمثابة الصرخة الكبرى التي أطلقها رافضا من خلالها تصرف القبيلة عن طريق أسلوب الشرط المتبوع بأداة التوكيد واستخدام أداة الاستدراك (لكن) التي أفادت كثيرا في التحول إلى الثناء على القبيلة المعادية وأن رماحهم قد منعته عن الكلام.

 

إن الشاعر يرفض الإذعان لسلطة القبيلة، على عكس دُرَيد بن الصِّمَّةِ الذي أعلن رضوخه واستسلامه المطلق لقبيلته، إن هي جارت يجور، وإن هي عدلت يعدل، فهو لا يخالف رأيها مهما كانت الظروف.

 

وقد يضطر الشاعر إلى إعلان حبه وإعجابه الشديدين بقبيلة أخرى لمجرد وقوفها معه موقفا نبيلا، كالذي حدث مع قريط بن أنيف؛ فالشاعر نظر إلى قومه فوجدهم ضعافا، لا يلبون نداء المستغيث بهم، ولا يستطيعون حماية أحد أفرادها من ظلم قد يقع به، فلامهم لوما لا يخلو من التهكم والسخرية، وأراد أن يستبدل بقومه قوما آخرين، يتسابقون في نصرة من يلجأ إليهم، مستعينا بهم، فقال قريط بن أنيف متهكما بقومه، مادحا بني مازن الذين نصروه(البسيط):

لَو كُنْتُ مِنْ مَازِنٍ لَمْ تَسْتَبِحْ إِبلي 
بَنُو اللّقِيطَةِ مِنْ ذُهْلِ بنِ شَيبَانَا 
إِذَنْ لَقَامَ بِنَصْرِي مَعْشَرٌ خُشُنٌ 
عِنْدَ الكَرِيهَةِ إِنْ ذُو لوثَةٍ لَانَا 
قَومٌ إِذَا الشَّرُّّ أَبْدَى نَاجِذَيه لَهُمْ 
طَارُوا إِلَيهِ زُرَافَاتٍ وَوُحْدَانَا 
لَكِنّ قَومِي وَإِنْ كَانُوا ذَوِي عَدَدٍ 
لَيسُوا مِنَ الشَّرِّّ في شَيءٍ وَإنْ هَانَا 
يَجْزُونَ مِنْ ظُلْمِ أَهْلِ الظُّلْمِ مَغْفِرَةً 
وَمِنْ إِسَاءَةِ أَهْلِ السُّوءِ إِحْسَانَا 
كَأَنَّّ رَبَّّكَ لَمْ يخْلُقْ لِخِشْيَتِهِ 
سِوَاهُمْ مِنْ جَمِيعِ النَّاسِ إِنْسَانَا 
فَلَيتَ لِي بِهِمْ قَوماً إذَا رَكِبُوا 
شَنّوا الإغَارَةَ فُرْسَانا وَرُكْبَانَا 
لا يَسْأَلُونَ أَخَاهُمْ حِينَ يَنْدُبُهُمْ 
في النَّائبَاتِ عَلَى مَا قَالَ بُرْهَانَا 
لَكِنْ يَطِيرُونَ أَشْتَاتا إِذَا فَزِعُوا 
وَيَنْفِرُونَ إِلَى الغَارَاتِ وُحْدَانَا[3] 

 

فالشاعر في هذا الموقف في خصومة مع قومه؛ لأن قومه -كما قال  لم ينصروه، بل خذلوه، وأنجده بنو مازن، وذلك عندما أغار على بعض إبله بنو شيبان، وأخذوا ثلاثين بعيرا، فهو في حيرة شديدة: إما الوفاء لقومه، والإخلاص لهم، والانصياع لأوامرهم، كما كان يفعل دُرَيد بن الصِّمَّةِ؛ وإما أن يهجرهم، ولا يبالي مغبة ذلك، وأيا كانت النتائج فالمهم إبله والحصول عليها، فهو لاشك واقع تحت مطرقة العادات، وهذا ما جعله يختار الاختيار الأصعب، وهو الانحياز لقبيلة غير قبيلته، يحتمي بها؛ لأنه نشد فيها بغيته، ووجد ضالته، فراح يمدحهم،ويشيد بنجدتهم، ونصرتهم للصريخ،بل أعلن عن شدة إعجابه بهم، وببسالتهم، وأنهم قوم لا يسألون المستغيث بهم برهانا على ما يدعي. وفي الوقت نفسة راح يتهكم بقومه، ويلوم عشيرته، ويعلن في صراحة تامة نقمته على قومه، وازدراءه من كثرة عددهم، بسبب ضعفهم، وجبنهم[4].

 

وإذا حاولنا توكيد هذه العلاقة المضطربة بين الشاعر وقبيلته فإننا لا نكون منصفين، وإنما هو صوت من أصوات الشعراء الجاهليين تجلى في بعض القصائد، وفي مجال الدراسات الأدبية يجدر بنا أن نتناول كل الأصوات التي تعبر عن مضامين فكرية، وآراء مغايرة لما عليه العرف العام في هذا العصر أو ذاك. وفي سبيل توضيح علاقة الشاعر بقبيلته على أساس أنها انحراف مسار عن نظام متصل، لا بد من الوقوف أمام قصيدة الحارث بن وَعْلَة الشيباني الذي وقع في خصومة أشد من الشاعر قريط بن أنيف؛ لأنه في هذه الخصومة يعرض فكرته بكل حزن، وغضاضة نفس، وذلك لأن قومه قتلوا أخاه، والخصومة هنا أشد من تخاذل القبيلة السابقة مع شاعرها؛ لأنها تجاوزت أهم خصوصيتها، وهي الحفاظ على الأفراد، وحمايتهم، والذود عنهم. وموقف الشاعر هنا موقف أشد صعوبة من سابقه، فيقول[5](الكامل):

قَومِي هُمُ قَتَلُوا أُمَيمَ أَخِي 
فَإِذَا رَمَيتُ يُصِيبُني سَهْمي 
فَلئنْ عَفَوتُ لأعْفُوَنْ جَلَلا 
ولئنْ سَطوتُ لأوهِنَنَّ عَظْمِي 
لا تَأْمَنَن قَومَاً ظلمْتهم 
وبدأتهم بالشتم والرغمِ 
أَنْ يَأْبِرُوا نَخْلاً لِغَيرِهِمِ 
وَالشَّيءُ تَحْقِرُهُ وَقَدْ يَنْمِى[6] 
وَزَعَمْتُمْ أنْ لا حُلومَ لَنَا 
"إنّ العَصَا قُرِعَتْ لِذِي الحِلْمِ" 
وطئتنا وَطْأً عَلَى حَنَقٍٍ 
وَطْأَ المُقَيِِّدِ نَابتَ الهَرْمِ[7] 
وتركتنا لحماً علَى وضمٍ 
لو كنتَ تَسْتبقِي مِن اللحم 

 

يتحدث الشاعر إلى محبوبته أميمة واصفا حالته شديدة الحزن، نتيجة اعتداء قومه على أخيه وقتلهم له، مما أوقعه في حيرة من أمره شديدة، أيقاتل قومه، ويرميهم بالسهام؟! فإذا فعل ذلك فسيصيبه سهمه في مقتل؛ لأنه لم ينس أنه منهم، فهم قومه وعزوته، وإليهم ينتسب، ولئن عفا عنهم فسيقع في مأزق أشد صعوبة، وهو استهانة أمره بين القبائل الأخرى، وضياع هيبته، ويكون بذلك عُرْضةً للقبائل الأخرى. إذن فما موقف الشاعر إزاء قومه الذين قتلوا أخاه؟ إن الشاعر يعلن موقفه في صراحة وشجاعة مجردا من نفسه ذاتا ينهاها عن معاشرة قوم أعلن الانسلاخ عنهم وبدأهم بالسب والشتم، بل يعلن أنه لايأمنهم بعد أن أساء معاملتهم.

 

وجملة القول في ذلك، أن الشعر الجاهلي في علاقة الشاعر بقبيلته لم يكن مطردا، بل تنوعت الأصوات المنادية بهجر القبيلة، وإعلان العصيان عليها. وشعر المنصفات وقف إزاء القبيلة موقفا وسطا؛ فلم يذم القبيلة، ولم يمدحها مدحا مطلقا، واتخذ من العدل والإنصاف معيارا للحكم والقياس بين الشعراء. فلننظر إلى قول عبد الشارق بن عبد العزى[8](الوافر):

شَدَدْنا شَدَّةً فقَتَلْتُ مِنْهُمْ 
ثَلاثَةَ فِتْيَةٍ وقَتَلْتُ قَينا 
وشَدُّوا شَدَّةً أُخْرَى فَجَرُّوا 
بأَرْجُلِ مِثْلِهِمْ ورَمَواْ جَوَينا 
فآبُوا بالرِّمَاحِ مُكَسَّراتٍ 
وأُبْنَا بالسُّيوفِ قَدِ انْحَنَينا 
وباتُوا بالصَّعِيدِ لهُمْ أُحَاحٌ 
وَلَو خَفَّتْ لَنَا الكَلْمَى سَرَينا[9] 

 

فالشاعر لم يعظم من شأن قبيلته، إلا بمقدار ما عظم من شأن القبيلة الأخرى، وساوى بين القبيلتين في كل شيء، ولم تمل كفة فريق على حساب الآخر، ومثل هذه النظرة المنصفة كانت المنطلق الذي انطلق منه الشعراء المنصفون، وذلك بأن نظروا بعين الإنصاف إلى الفريقين، فلهم مثل ما عليهم، فالمساواة بين القبيلتين في الضرب والطعن، وتكافؤ الفريقين في عدد القتلى، والجرحى، كان موقفا جليا في شعرهم، ويؤكد هذا المعنى شاعر آخر من شعراء المنصفات هو المُفَضّل النُّكْرِيّ الذي يقول[10]:(الوافر)

بكَلِ قَرارةٍ وبِكُلِّ رِيعٍٍ 
بنَانُ فتىً وجُمجُمةٌ فَليقُ[11] 
وكمْ مِنْ سَيدٍ منَا وَمِنْهُمْ 
بذِي الطَرْفاءِ مَنطِقُهُ شَهيقُ[12]
بكُلِّ مَجالةٍ غادَرْتُ حِزقاً 
مِنْ الفِتيانِ مَبسِمُهُ رَقيقُ[13] 


ويمكن أن ننظر في شعر المنصفات نظرة واعية ترينا إلى أي مدى استطاع الشاعر المنصف أن يكون عادلا في توزيع أفكاره وآرائه بالتساوي بين قبيلته والقبيلة الأخرى، على نحو ما يتجلى ذلك عند الشاعر أُمَيَّة بن أبي الصَّلْت[14](الوافر):

كَأَنَّ أَكُفَّهُم عَذَبٌ مُلقَّىً 
وَحُمّاضٌ بأَيدي مُعلِنينا[15] 
فَجاؤُوا عَارِضاً بَرِداً وَحيناً 
كَمِثلِ السَيلِ يَمنَعُ وَارِدينا 
وَشَيبُ الرأَسِ أَهوَنُ مِن لِقاهُم 
إِذا هَزّوا القَنا مُتقابِلينا 
كأَنّ رِماحَهُم سَيلٌ مُطِلٌّ 
وأَمساكٌ بَأَيدي مُورِدينا[16] 
فَلَمّا لَم تَدع قَوساً وَنبلاً 
مَشَينا النِصفَ ثُم مَشَوا إِلينا 
فَذادُونا بِبيضٍ مُرهَفاتٍ 
وَذُدناهُم بِها حَتّى اِستَقَين 

 

ومن ناحية أخرى، فإن التوجه إلى شعر المنصفات في العصر الجاهلي لم يكن توجها عاما بل كان توجها فرديا، فالشاعر كان أحيانا يضطر إليه اضطرارا عندما يقع تحت ظرف معين، بدليل أن الشاعر عبد الشارق بن عبد العُزّى والمُفَضّل النُّكْرِيّ وهما صاحبا منصفتين كبيرتين لم أجد لهما شعرا غير هاتين المنصفتين، أما خِدَاشُ بن زُهَير والعَبَّاس بن مِرْدَاس فلهما شعر في غير الإنصاف كثير، كما أن لدُرَيد بن الصِّمَّة ديوان شعر كبير وله من المنصفات عدد أبيات قليلة جدا إذا ما قورن بشعره إجمالا. ولكن لكثرة من تناول هذا الشعر في العصر الجاهلي فقد غدا ظاهرة يجدر الوقوف أمامها، وبيان ما فيها من سمات وخصائص مغايرة أحيانا لنمطية إيقاع الشعر العربي من حيث لقاء العدو وتصوير المعركة، إذ إن الغالب في هذا التصوير أن يكون مبالغا فيه أحيانا. يبقى أن ندلل على ما قلناه بشأن التوجه الفردي في شعر المنصفات، يقول دُرَيدُ بنُ الصِّمَّة ستة أبيات وردت بديوانه (الكامل):

ما إن رأيتُ ولا سَمِعتُ بمثله 
حامِي الظّعينة فارساً لم يُقتل 
أردَى فوارسَ لم يكونوا نُهْزةّ 
ثم استمرّ كأنه لم يَفْعل 
مُتهلِّلاً تَبدو أَسِرَّة وجهه 
مثل الْحسام جَلَتْه كفُّ الصَيقل 
يُزْجِي ظَعينَته ويَسْحب رُمْحه 
مُتوجهاً يمنَاه نحو المَنزل 
وتَرى الفوارسَ من مَهابة رُمحه 
مثلَ البُغاث خَشِين وَقْع الأجْدل 
يا ليتَ شعْري مَن أبوه وأمّه 
يا صاح مَن يَكُ مثلَه لا يجهل[17] 

 

والأبيات كلها مدح في خصمه، وإعجاب بشجاعته، ولها قصة طريفة[18] وردت في ديوان دريد. إذن فالقصة والأبيات ذات موقف معين، ألزمت دريدا بالإنصاف، وذكر مناقب عدوه من إظهار شجاعته، وشدة بأسه. لكن السؤال هنا هل شعر دريد كله فيه إنصاف كما هو موجود في الأبيات السابقة؟ لا نستطيع أن نجزم بأن شعره عار من الإنصاف، فقوله في قصيدة رثى بها أخاه(الطويل):

فَمَا رِمْتُ حَتّى خَرّقتني رِمَاحُهُمْ 
وَغُودِرْتُ أكْبُو في القَنَا المُتَقَصِّدِ[19] 

 

ينم عن شاعر منصف لم يترك لخصمه ميزة إلا ذكرها، وألقى عليها الضوء، كاشفا عن ميزاته. وله في نفس القصيدة التي رثى بها أخاه معنى يغاير الإنصاف وهو قوله[20](الطويل):

وَمَا أَنَا إِلا مِنْ غَزِيّةَ إنْ غَوَتْ 
غويتُ وإنْ ترْشُدْ غَزِيةُ أرشدِ 

 

والمعنى أنه تابع لقبيلته في حالتي الهداية والضلال فإن بغتْ بغى معها، وإن اهتدتْ اهتدى معها أيضا، فأمره راجع إلى قبيلته في العدل والظلم، في الحق والباطل. ومثل هذا المعنى كثير في القصيدة الجاهلية ولدى معظم شعرائها.

 

إذن، لم يكن الدافع إلى الإنصاف دافعا جماعيا نابعا من توجه جماعي؛ بل اتسم الإنصاف في الجاهلية بالتوجه الفردي، وبناء على الموقف الذي يوضع فيه الشاعر. والأمثلة على ذلك كثيرة لا تحتاج إلى بيان، حتى مع عنترة بن شداد الذي عرف عنه الفتك وشدة البطش بأعدائه؛ فعنترة له أبيات تعد نموذجا للإنصاف، فقد نسب إلى خصمه صفات وخصالا تماثل ما نسبه إلى قبيلته من عبس، ولم يترك شيمة من شيم الرجال الصناديد إلا ونسبها لخصمه، فقال[21](الطويل):

فلم أرَ حيّاً صَابَرُوا مِثْلَ صَبْرِنَا 
وَلا كَافَحُوا مِثلَ الذينَ نُكَافِحُ 
إِذا شِئتُ لاقاني كَميٌّ مُدَجَّجٌ 
عَلى أَعوَجِيّ بِالطِعانِ مُسامِحُ 
وأقبل صفّانا وفي عارضيهما 
جنيّ تُرى فيه البروق اللوامحُ 
إِذا أَقْبَلُوا في السَّابِغاتِ حَسِبتَهُم 
سُيولاً إذَا جَاشَتْ بِهِنَّ الأبَاطحُ 
كأنَّ القَنَا الخطِّيَّ فِينَا وفيهمُ 
شَوَاطنُ بئرٍ هَيَّجَتْهَا المَوَاتِحُ 
وثَمَّ فَرَقْنَا بالرّمَاحِ ولمْ يَكُنْ 
هُنَالِكَ في جَمْعِ الفَرِيقَينِ رَامِحُ 
وَدُرْنَا كَمَا دَارَتْ عَلَى قُطْبِهَا الرَّحَى 
وَدَارَتْ عَلَى هَام الرِّجَالِ الصَّفَائحُ 

 

ثانيا: عصر صدر الإسلام

ينطلق الشعراء المنصفون في عصر صدر الإسلام والعصور التي تلته من مفهوم الإسلام لإنصاف الخصم؛ فضلا عن إرثه السابق في العصر الجاهلي، فقد كان الإسلام مصدرا مهما لهؤلاء الشعراء. وموضوع حقوق الخصم أثناء الخصومة تلخصه الآية القرآنية الكريمة ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ للهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَومٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [22] وهذه الآية الكريمة توضح أن منهج القرآن الكريم هو منهج العدل والإنصاف حتى مع أعدائه من الذين كفروا بنعمة الله، ويدعو إلى الإنصاف والعدل لأن هذا المنهج هو أقرب للتقوى، وأكثر خشية الله.


والمتأمل لأسلوب القرآن الكريم مع أعدائه غير المسلمين يتضح له في جلاء أن القرآن الكريم احترم خصومه، ولم يبخس حقوقهم، وأظهر كل ميزة كانت لهم، ولم يصغر من فضيلة فيهم، "فما من عدو فردا أو جماعة تحدث عنه القرآن، وله ميزة أو موقف حسن إلا أبرزه القرآن واضحا، كما تحدث عن ملكة سبأ والملأ من قومها، وبعد أن أكد ضلالهم الديني في عبادتهم الشمس، إذا هو يبرز مزايا هذه الملكة في سياستها والتزامها الشورى في ذلك الماضي السحيق، ثم سداد رأيها وحسن استنتاجها من أحداث التاريخ، وكذلك حسن موقف الملأ من قومها واستطاعتهم الجمع بين الحرص على مصلحة شعبهم والطاعة لولية أمرهم"[23] والأمثلة على إنصاف الخصم في أثناء الخصومة في القرآن الكريم كثيرة كما وضحها في جلاء صاحب كتاب "إنصاف الخصم في القرآن".


وكانت حياته-صلى الله عليه وسلم-مثالا للإنصاف في كل جوانب الحياة، وليست في الحروب فقط،، بل شمل إنصافه مع الله ثم مع زوجاته وأصحابه وأهل بيته، ومع المسلمين جميعا وغير المسلمين أيضا، فقد لقي رسولَ الله-صلى الله عليه وسلم-نفرٌ من المسلمين يهنئونه بما فتح الله عليه في بدر فقال لهم سلمة بن سلامة: ما الذي تهنئوننا به ؟ فوالله إن لقينا إلا عجائز صلعا كالبدن المعقلة، فنحرناها، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: أي ابن أخي. أولئك الملأ. قال ابن هشام الملأ الأشراف والرؤساء[24]. فلم تمنع الخصومةُ رسولَ-الله صلى الله عليه وسلم-من الاعتراف بحقهم في السيادة والشرف.


وأما عن الشعر المنصف في عصر صدر الإسلام فقد سكتت كتب الأدب القديم عن معظم هذا الشعر، وانفردت به كتب التاريخ، والمغازي، والسير، والفتوح، حيث تكشف حروب المسلمين مع خصومهم عن صفة جديرة بالاحترام والتقدير، وهذه الصفة هي إنصاف الخصوم وإظهار كل ميزة كانوا يمتازون بها، ولم تبخل قرائحهم بطمس معالم هذه الصفة النبيلة، استنادا إلى فهمهم لكتاب الله العظيم، وسنة نبيهم الكريم، وتتجلى هذه الصفة في شعر الحروب التي خاضها المسلمون ضد الكفار، أو الحروب التي خاضها المسلمون ضد الفرس والروم في شعر الفتوح الإسلامية، ولا أود أن أسترسل في أسباب هذه الحروب ودوافعها، وإنما يهمنا ملامح الإنصاف في شعر المسلمين، وغير المسلمين من شعراء هذه الحقبة الزمنية. وأثر ذلك على سلوكهم. ففي غزوة بدر يقول حسَّانُ بن ثابت-رضي الله عنه-(الوافر):

غداةَ كأنَّ جَمْعَهُمُ حِرَاءٌ 
بَدَتْ أَرْكَانُهُ جُنحَ الغُرُوبِ 
فلاقَينَاهمُ مِنَّا بجَمْعٍ 
كأُسْدِ الغَابِ مُرْدَانٍ وَشِيبِ 
فَغَادَرْنَا أَبَا جَهْلٍ صَرِيعا 
وَعُتْبَةَ قَدْ تَرَكْنَا بالجبوب 
وشيبةَ قدْ تركنا في رجالٍ 
ذَوِي حسبٍ إذَا نُسبوا حَسِيبِ[25] 

 

وفي هذا الشعر نجد حسانا يصف أعداء المسلمين بأن أعدادهم كانت كبيرة، وكانوا مُعَلَّمِين غير متخفيين، وهذا ديدنهم جميعا في القتال، فلم يسلبهم حقهم من إظهار الشجاعة وحسن التخطيط للقتال، كما مدح أصلهم وشرف نسبهم، وسيادتهم على قرنائهم، وأنهم كانوا أندادا في القتال.


وفي غزوة أحد يتجلى لنا موقف عبد الله بن الزِّبَعْرَى، وقد كان من أشد الشعراء عداوة للمسلمين، وكان يناقض حسان، ويرد على المسلمين فخرهم، ويشمت بقتلاهم، ويبكي المشركين، ومع ذلك فقد أنصف المسلمين عندما قال(الرمل):

 

كَمْ قَتَلْنَا مِنْ كَرِيمٍ سَيِّدٍ 
مَاجِدِ الجَدَّينِ مِِقْدَامٍ بَطَلْ 
صَادِقِ النَّجْدَةِ قَرْمٍ بَارِعٍ 
غَيرِ مُلْتَاثٍ لَدَى وَقْعِ الأسَلْ[26] 
فَقَتَلْنَا الضِّعْفَ مِنْ أشْرَافِهِمْ 
وَعَدَلْنَا مَيلَ بَدْرٍ فَاعْتَدَلْ[27] 



فأجابه حسان بن ثابت الأنصاري رضي الله عنه، إنصافا بإنصاف فقال[28](الرمل):

ذَهَبَتْ يِابنِ الزِّبَعْرَي وَقْعَةٌٌ 
كانَ مِنَّا الفَضْلُ فِيهَا لَو عَدَلْ 
وَلَقَدْ نِلْتُمْ وَنِلْنَا مِنْكُم 
وَكَذاكَ الحَرْبُ أَحْيَاناً دُوَلْ 

 

وفي إجابة حسان-اقتداء بالمنهج القرآني في إنصاف الخصم حيث يحرص على تحري الصدق في القول عندما يقول له إنكم نلتم منا، ونحن نلنا منكم أيضا، وأن الأيام دول بين الناس، وكذلك الحرب سجال، يوم لك ويوم عليك. ولم يقل حسان إننا ننتصر عليكم دائما، وأنتم قوم ليس لكم في الحرب. وإن دل هذا على شيء فإنما يدل على إدراك الشاعر ووعيه بمفهوم الإنصاف.


وثمة موقف آخر يجسده شاعر من شعراء الكفار هو حِماس بن قيس الكناني، وهو أحد بني بكر بن كنانة، حيث كان يعد سلاحا ويصلحه قبل قدوم سيدنا رسول الله صلى الله عله وسلم  مكة يوم الفتح فقالت له امرأته: لماذا تعد هذه ؟ فقال: لمحمد وأصحابه، وإني لأرجو أن أُخْدمك بعضهم: ثم أنشأ يقول(الرجز):

إِنْ يُقْبِلُوا اليَومَ فَمَا بِي عِلَّهْ 
هَذَا سِلاحٌ كَامِلٌ وَأَلَّهْ 

وَذُو غرارَين سَرِيعُ السَّلهْ[29]

 

ولقيهم خالد بن الوليد وقتل من المشركين أناسا، ثم انهزموا؛ فخرج حِماس بن قيس منهزما حتى دخل بيته، ثم قال لامرأته أغلقي عليّ بابي قالت: فأين ما كنت تقول؟ فقال(الرجز):

إنَّكِ لَو شَاهَدْتِ يَومَ الخَنْدَمَهْ 
إذْ فَرَّ صَفْوانُ وَفَرَّ عِكْرِمَهْ[30] 
وَأَبُو يَزِيدَ قَائمٌ كَالمُوتمهْ 
وَلَحِقَتْنَا بِالسّيوفِ المُسْلِمَهْ[31] 
يَفْلِقْنَ كُلَّ سَاعِدٍ وَجُمْجُمَهْ 
ضَرْباً فَلا يُسْمعُ إلا غَمْغَمَهْ 
لَهُم نَهِيتٌ خَلْفَنَا وَهَمْهَمَهْ 
لَمْ تَنْطَقِي في اللومِ أَدْنَى كَلِمَهْ[32] 

 

والشاعر في هذه الأبيات يقر بهزيمته، ويتعرض للوم زوجته على ما بدر منها، وفي الأبيات يذكر أسماء المنهزمين وهم: صفوان بن أمية، وعكرمة بن أبي جهل، وسهيل بن عمرو. وتتجلى ملامح الإنصاف في الآتي:

 إقرار الشاعر بفرارهم منهزمين أمام جيش المسلمين.

 تشبيه الفارين المنهزمين بالنساء اللائي مات عنهن أزواجهن وخلفن أبناء يتامى. على ما في ذلك من عار.

 تصوير جيد لسلاح المنتصر من سيوف ورماح وغيرهما، وأن هذه السيوف حادة قوية تقطع الرقاب، وتمزق الأبدان.

 تصوير حال المحاربين من المسلمين بأن لهم جيشا قويا، وقد تمرسوا على القتال، فهم من النظام والترتيب ما يجعلك تشعر بشدة بأسهم.

• تظهر في الأبيات صورة سمعية، نابعة من استخدام ألفاظ ذات دلالات سمعية صريحة يستمدها الشاعر من اللغة مثل (يسمع - غمغمة - نهيت - همهمة - تنطقي) وذلك لينتقل إلى المتلقي عن طريق السمع.

 

وفي وقعة الجمل يقول عبد الله بن عمرو بن العاص[33](الطويل):

فَلَو شَهدتْ جُمْلٌ مُقامي ومَشْهدي 
بصفِّينَ يَوماً شَابَ مِنْهَا الذَّوَائبُ 
عَشِيّةً جَا أَهْلُ العِراقِ كَأنَّهُم 
سَحابُ رَبِيعٍ زَعْزَعَتْها الجَنائبُ[34] 
وَجِئْنَاهُم نَرْدِي كَأنّ صُفُوفَنَا 
مِنَ البَحْرِ مَدٌّ مَوجُهُ مُتَرَاكِبُ 
إذا قلتُ قَدْ وَلَّوا سِرَِاعاً بَدَتْ لَنَا 
كَتَائبُ مِنهم وَأرجَحَنّتْ كَتائبُ[35] 
فَدَارَتْ رَحَانَا واستدارتْ رَحًاهُم 
سراة النّهارِ ما تَوالى المناكبُ 
وقالوا لنا إنا نَرى أنْ تبايعوا 
علياً فقُلنا بل نَرى أن نُضارب 


والشاعر في هذه الأبيات يشهد شهادة منصفة؛ فهو يرى أنه كان في معركة تشيب من هولها الرؤوس، وتقشعر لشدتها الأبدان، وذلك عندما أقبلت جيوش علي بن أبي طالب من العراق كأنهم سحاب ربيع حركتها الرياح، منذرة بهطول السيول، وهو هنا يرمي إلى كثرة عدد الجيش، وشدة هوله، وبأسه، وقوته، واستعداده للقتال. ولنحاول التدقيق في هذا التشبيه الذي شبه به أعداءه، نلاحظ أنه تشبيه قائم على الإنصاف، فهو يرى أن أعداءه في إقبالهم على القتال كأنهم يحملون معهم بشائر الخير من العراق إلى أرض المعركة.


ولم يهمل الشاعر نصيب جيشه أيضا من القوة وشدة البأس، فهم أيضا أقبلوا على القتال مستعدين للقتال، وقد رتبوا صفوفهم، ونظموها بحيث تقبل على الأعداء في تتابع واستمرار كأنهم استمدوا من موج البحر قوتهم وتحمسهم، فكلا الفريقين كان متعطشا للقتال، وقد استعد جيدا، ولا ينقص أيا من الفريقين إلا النصر. ثم يعود لوصف جيش أعدائه، وكأنه كان يجدل أبياته، بيتا له، وآخر لأعدائه، فكلما نظر إلى جيوشهم وجدها لا تنتهي، فإذا انتهى من كتيبة برزت له أخرى، في نفس قوة الأولى وأشد، حتى التحم الجيشان، وكل فريق منهما ثابت على مبدئه، لا يتزعزع، ولا يتقهقر.


وفي شعر الفتوح الإسلامية تتجلى نماذج من شعر الإنصاف، فقد" سقطت إلى أشعارهم خيوط كثيرة من مثالية الإسلام وروحانيته[36]" وانطلق الشعر على ألسنة الفاتحين مع أول ضربة سيف، وقد أحاط بالمعارك والأحداث إحاطة، بحيث يمكن أن يعد وثيقة تاريخية لها خطرها، وهو من حيث تصويره لحياة المجاهدين ومشاعرهم، وتصويره لمشاعر المقاومين أيضا يمكن أن يعد وثيقة وجدانية رائعة لهذا الحدث الفذ في تاريخ الإسلام والمسلمين[37].


ففي يوم أُلَّيسٍ[38] يصور الأسْوَدُ بنُ قُطْبَةَ التميمي هول المعركة، وبسالة المقاومين من الفرس، وقد كانت هذه المعركة شديدة طاحنة، أبلى المسلمون فيها بلاء حسنا، حتى صلى خالد بن الوليد صلاة الخوف، فكان النصر للمسلمين بعد عناء وصبر شديدين، وذكر المؤرخون أن خالدا لما فتحها صلى صلاة الفتح ثماني ركعات لا يسلم فيهن، وقال قولته المشهورة: لقد قاتلت يوم مؤتة فانقطع في يدي تسعة أسياف، وما لقيت كقوم لقيتهم من أهل فارس، وما لقيت من أهل فارس قوما كأهل أليس[39](الوافر):

لَقينا يَومَ أُلَّيسٍ وَأَمغى 
وَيَومَ المَقْرِ آسادَ النَهار 
فَلَم أَرَ مِثلَها فَضِلاتِ حَربٍ 
أَشُدّ عَلى الجَحاجِحَةِ الكِبارِ[40]

 

ويصور عاصم بن عمرو-أخو القعقاع بن عمرو-ثبات المقاومين من الفرس يوم المقر[41]، ويسمي الفرس بني الأحرار، وأنهم فرسان صابرون، ثابتون في القتال، لا يفرون ولا يجبنون(الوافر):

أَلَم تَرَنا غَداةَ المَقْرِ فئنا 
بِأَنهارٍ وَساكِنَها جِهارا 
قَتَلناهُمُ بِها ثُمَّ اِنكَفَأنا 
إِلى يَمِّ الفُراتِ بِما اِستَجارا 
لَقينا مِن بَني الأَحرارِ فيها 
فَوارِسَ ما يُريدونَ الفِرارا[42] 
نكرُّ الخيل حابسةً عليهم 
ترى فينا من الطعن ازورارا 
وما زلنا بهم حتى أتينا 
على أخراهُمُُ زمنا مُعارا 

 

ويقول كَعْبُ الأشْقَرِيّ[43]واصفا معركة مع أعدائه، واصفا إياهم أوصافا لا تخلو من الإنصاف، مظهرا قوتهم وشدة بأسهم في القتال، ومصوراً إيمان الجندي المسلم، وما يتحلي به من الصبر والثبات على الجهاد[44](البسيط)

والتركُ تَعْلَمُ إذْ لاقَى جُمُوعَهُمُ 
أنْ قد لقوه شهابا يَفْرِجُ الظُّلمَا[45] 
بفتيةٍ كأُسُودِ الغَابِ لمْ يجِدُوا 
غيرَ التَّأسِّي وغيرَ الصَّبْرِ مُعْتَصَمَا 
ترى شَرائجَ تَغشى القَومَ من علقٍ 
وَمَا أرَى نَبوةً منهمْ ولا كَزَمَا[46] 
وتحتَهُمْ قرّحٌ يركبْنَ ما ركِبُوا 
منَ الكَرِيهةِ حتَّى يَنْتعلنَ دَمَا[47] 
في حازَّة المَوتِ حتَّى جَنَّ لَيلُهُمُ 
كِلا الفَرِيقين مَا وَلَّى وَلا انْهَزَمَا[48] 


وفي القادسية التي انتصر فيها المسلمون انتصارا كبيرا، لقي المسلمون خلالها أهوالا وشدائد عظيمة، ولم تكن القادسية معركة واحدة، بل كانت عدة معارك متصلة، انتصر الفرس في واحدة منها، ففي قس الناطف حدثت واقعة الجسر، تلك الهزيمة الوحيدة التي لحقت بالمسلمين في جميع فتوحاتهم، إذ أخذتهم السيوف والغرق والفرار من كل جانب، وقد ترامت أنباء الهزيمة في بلاد العرب، ورن صداها في كل قلب[49]، يقول حسان بن ثابت لما بلغته الكارثة بالمدينة (الطويل):

لَقَد عَظُمَت فينا الرَزِيَّةُ إِنَّنا 
جِلادٌ عَلى رَيبِ الحَوادِثِ وَالدَهرِ 
عَلى الجِسرِ يَومَ الجِسرِ لَهفي عَلَيهِم 
فَيا لَهفَ نَفسي لِلمُصابِ عَلى الجِسرِ؟[50] 

 

وفي هذه المعركة يصف أبو مِحْجَن الثَّقَفِيّ[51] القتال وشدته، ويرثي نفرا من رجال المسلمين الذين استشهدوا تحت أرجل الفيلة، فيقول[52] (الطويل):

وما رِمتُ حتى خرَّقوا برِماحِهم 
ثيابي وجادت بالدّماءِ الأباجلُ[53]
وحتى رأيتُ مُهرَتي مُزوَئِرّةً 
لدى الفيلِ يَدمَى نَحرُها والشواكلُ[54] 
وما رُحتُ حتَّى كُنتُ آخرَ رائحٍ 
وَصُرِّعَ حولي الصالحون الأماثِلُ 


ولأبي مِحْجَن الثَّقَفِيّ أيضا أبيات يصف فيها عدة السلاح في المعركة، وشدة بأس المقاتلين والمقاومين من الفرس، وفيها أيضا يقر الشاعر بشدة بأس أعدائه، وقوتهم، وعدم فرارهم من المعركة، وأن كلا الفريقين متشبث بموضعه لا يكاد يفارقه مهما كانت الأسباب، فهما معا ثابتان في الميدان ولم يتوخيا الهرب. فيقول(المنسرح):

لما رأينا خيلاً مُحَجَّلَةً 
وَقَومَ بَغْيٍ في جَحْفَلٍ لجبِ 
طِرْنَا إليهم بِكُلِّ سَلهبةٍ 
وَكُلِّ صَافي الأديمِ كالذَّهَب 
لمَّا الْتقينا مَاتَ الكَلامُ وَدَا 
رَ المَوتُ دَورَ الرَّحَى عَلَى القُطُبِ 
فَكُلُّنَا يَسْتَكِيصُ صَاحِبَهُ 
عَنْ نَفْسِهِ وَالنُّفُوسُ في كُرَبِِِ[55] 
إنْ حَمَلُوا لم نَرِمْ مَوَاضِعَنَا 
وَإِنْ حَمَلْنَا جَثَوا عَلَى الرُّكَبِ[56] 


وقال بِشْرُ بن ربيعة الجَثْعَمِيّ[57] مصورا ما لاقوه من شدة في قتالهم مع الأعداء في معركة القادسية، وكان قد أرسل بهذه الأبيات إلى عمر بن الخطاب فقال (الطويل):

تَذَكَّرْ هَدَاكَ اللهُ وقْعَ سُيُوفِنَا 
ببابِ قديس والمكرُّ ضريرُ 
عشيةَ ودَّ القومُ لو أنّ بعضهمْ 
يُعارُ جناحَي طائرٍ فيطيرُ 
إذَا ما فَرَغْنَا مِنْ قِرَاعِ كتيبةٍ 
دَلفْنَا لأخْرَى كالجبالِ تسيرُ 
ترَى القومَ فيها واجمين كأنهمْ 
جمالٌ بأحمالِ لهنَّ زفيرُ 

 

وكان أبو العيال الهُذَلِيّ[58] حُصِرَ ببلاد الروم في إحدى الغزوات؛ فأصيب فيها جماعة من المسلمين، وكانت شوكة الروم شديدة قوية، قُتل فيها نفرٌ من المسلمين، ثم فتح الله عليهم. قُتل في هذه الغزوة عبد العزيز بن زرارة الكلابي، وعبد بن زهرة الهُذَلِيّ وخلق كثير من المسلمين، وقد أرسلها الشاعر إلى معاوية بن أبي سفيان في صورة رسالة منظومة، ولما وصلت القصيدة إلى معاوية قرأها على الناس، فبكى الناس وبكى معاوية بكاءً شديداً جزعاً لما كتب به الشاعر. يقول فيها(الكامل):

مِنْ ابِي العِيَالِ أَخِي هُذَيل فَاعْلَمُوا 
قَولِي وَلا تَتَجَمْجَمُوا مَا أُرْسِلُ[59] 
أَبْلِغْ مُعَاوِيَةَ بنَ صَخْرٍ آيةً 
يَهْوِي إِلَيهِ بِهَا البَرِيدُ المعْجلُ 
أَنَّا لَقينَا بَعْدَكُمُ بِدِيَارِنَا 
مِنْ جَاْنِبِ الأمْراجِ يَوماً يُسْألُ[60] 
أمْراً تَضِيقُ بهِ الصُّدُورُ وَدُونَهُ 
مُهَجُ النُّفُوسِ وَلَيسَ عَنْهُ مَعْدِلُ 
في كُلِّ مُعْتَرَكٍ تَرَى مِنَّا فَتىً 
يَهْوِي كَعَزْلاءِ المَزَادةِ يَزْغَلُِ[61] 
أوسَيِّدٌ كَهْلٌ تَمُورُ دِمَاؤهُ 
أو جَاْنِحٌ في صَدْرِ رُمْحٍ يَسْعُلُ[62] 
وَتَرَى النِّبَالَ تَعِيرُ في أقْطَارِنَا 
شُمُسَا كَأنَّ نِصَالَهُنَّ السُّنْبُلُ[63] 


وتتجلى في القصيدة ملامح فنية ظاهرة، فالقصيدة كرسالة أرسلها الشاعر للمسئولين من المسلمين وتتجلى فيها ملامح الرسالة: المرسل(أبو العيال الهذلي) المرسل إليه(أولو الأمر من القادة)-مضمون الرسالة(تبليغ القائد العام للجيش الإسلامي بما دار في معركة عانى فيها المسلمون معاناة شديدة) ثم الخاتمة.


ونلاحظ في القصيدة جنوح الشاعر إلى وصف المعركة وما يدور فيها وصفا دقيقا، فقد أحدث الأعداء شرخا عميقا في نفوس الناس(أمْراً تَضِيقُ بهِ الصُّدُورُ) فضيق الصدور أمر يصور الحزن ويجسمه على سبيل الكناية، والفتى الذي يهوي والدماء تسيل منه، والسيد الكهل الذي تمور دماؤه، والرماح التي تتطاير في كل مكان ذات حد فاصل قاطع، كأن نصالهن السنبل، كل هذه الصور مجتمعة تجعلك كأنك واقف وسط ميدان المعركة ترى وترصد جميع الحركات والسكنات وتتفاعل مع الشاعر تفاعلا صادقا.


كما نلاحظ قلة الأساليب الإنشائية مقارنة بالأساليب الخبرية لأن الخبر أبلغ من الإنشاء في هذا الوصف؛ فالخبر أعطى الحدث درامية فعالة وتجسيدا للحدث بشكل لافت.


والقعقاع بن عمرو الفارس الذي يشيد ببلائه في المعركة في شعره، لا يجد غضاضة في الشهادة بقدرة أعدائه، وبلائهم في الدفاع عن أرضهم، فيصور شجاعتهم وحمايتهم لبلادهم فيقول(الطويل):

ولم أرَ قوماً مثل قوم رأيتهم 
على وَلَجَاتِ البر أحمى وأنجبا 
وأقتل للرُّوَّاس في كل مجمعٍ 
إذا صَعْصَعَ الدهرُِ الجموعَ وكبكبا 
فنحن حبسنا بالزمام بعدما 
أقاموا لنا في عرصة الدار تُِرْتُبَا[64]
قتلناهم ما بين قلع مطلق 
إلى القيعة الغبراء يوما مطنبا[65]

 

ولم يمنع الإنصافُ الشاعرَ أن يرثي بعض جسده، ففي المعارك الشديدة لابد من قتلى وجرحى، وأشلاء، من،الفريقين، فهذا عبد الله بن سَبْرة الحَرَشِي[66]، قطعت يده في بعض غزواته الروم، فرثاها، ومن خلال هذا الرثاء كان ضروريا أن يتناول الطرف المعادي بما فيه من صفات وملامح القوة التي جعلته يقدر على هذا البطل ويقطع يده، ولكن عزاء الشاعر أنه أطاح برأس عدوه، فكانت يده مقابل رأس عدوه، تلك إذن قسمة منصفة! فقال(البسيط):

فإنْ يكُنْ اطْرَبُونُ الرُّومِ قَطّعَهَا 
فقَدْ تَرَكْتُ بِِهَا أوصَالَهُ قِطَعَا[67] 
وإن يكن اطْرَبُونُ الرُّومِ قَطّعَهَا 
فإن فيها بحمْدِ اللهِ مُنْتفعا 
بَنَانَتَينِ وجُذْمُورا أقيمُ بها 
صَدرَ القناة إذا ما آنَسُوا فَزَعَا[68] 


فإذا كان الشاعر قد انتصر على عدوه، وجز رأسه، وقطعه إربا، ومزق أحشاءه، فإنه لم يبخسه حقه من إظهار شجاعته، وثباته، وقوته، وحسن بلائه في القتال، وأن العدو لم يكن صيدا سهلا يمكن الانتصار عليه بيسر، ولم يكن هذا الاعتراف بقوة الخصم إلا ضربا من ضروب الإنصاف النابع من نفسية عربية ذاقت مرارة الحرب وقسوتها، وشهدت لخصمها بحقه عليها، ثم إن هذه النفسية العربية زادها إيمانها بالله تعالى قوة وثباتا واعترافا بالحق حتى لو للخصم. وربما قال قائل إن الشاعر يهول من خصمه حتى يُعرف بقوته، والحقيقة أن الشاعر العربي ربيب أخلاق حسنة في الجاهلية أقرها الإسلام وزادها تألقا وشرفا، لأنه جعل من قتاله الأعداء والاعتراف بفضيلتهم خلقا من الأخلاق الفاضلة التي يحمد عليها. ثم ليس كل من أظهر فضيلة عدوه كان بالضرورة منتصرا عليه، فربما قاتل الرجل العدو وقتله العدو. وهذا الأعْوَر بن قُطْبَة بارزَ شَهْرَ بَرَازَ سِجسْتَان فقتل كل منهما صاحبه، فقال أخوه في ذلك(الرجز):

لم أرَ يوما كَانَ أحْلَى وَأَمَرْ

مِنْ يَومِ أَغْوَاثَ إذِ افْتَرَّ الثَّغرْ

مِنْ غَيرِ ضَحكٍ كَانَ أَسْوا وَأَبَرْ[69]

 

وقد كان الإنصاف لدى صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم-مثلا وقدوة، فهذا سعد بن أبي وقاص يقول في القادسية بعد أن مَنَّ الله عليه بالنصر، يقول(الوافر):

فقد لَقِيَتْ خُيولُهُمُ خيولا 
وقَدْ وقَعَ الفَوَارسُ في الضراب 
وقد دلفتْ بعْرصتهم فيولٌ 
كأنَّ زُهَاءَهَا إبلٌ جرابُ[70] 
فلولا جمعُ قعقعاع بن عمرو 
وحمّالٍ لَلَجّوا في الكِذَابِ 
هُمُ منَعُوا جُمُوعَك بطعنٍ 
وَضَرْبٍ مِثْل تشقيقِ الإهابِ 
ولولا ذاك ألفيتم رِعَاعا 
تُشَلُّ جموعُكم مثل الذباب[71] 


ثالثا: العصر الأموي

إذا كان الإنصاف لدى شعراء عصر صدر الإسلام انطلق من مفهومهم للدعوة الإسلامية التي آمنوا بها فإن شعراء بني أمية انطلقوا من نفس المفهوم، مع إيمانهم التام بالمفهوم الإسلامي للإنصاف. ومع أننا نعلم أن العصر الأموي عصرٌ تميز بكثرة الأحزاب السياسية المتشعبة. فثم الحزب الشيعي والحزب الأموي وحزب الخوارج، ولكل حزب شعراؤه الذين ينادون بأفكاره، ويتبنون آراءه، فإن الفرزدق وهو مرواني التحزب لم يستطع أن يخفي ميله وحبه لآل البيت وأنه عندما سمع الخليفة ينتقص من علي زين العابدين فهب للدفاع عن حبه في قصيدته المشهورة (البسيط):

هَذا الَّذي تَعرِفُ البَطحاءُ وَطأَتَهُ 
وَالبَيتُ يَعرِفُهُ وَالحِلُّ وَالحَرَمُ[72] 

 

فقال له عبد الملك بن مروان: أورافضي أنت يا فرزدق؟ فقال: إن كان حب أهل البيت رفضا فنعم[73].

 

وفي هذا الإطار نشير أيضا إلى العلاقة المتوترة بين جرير والفرزدق في شعر النقائض، وما هو معروف بينهما من صراع وتنافس شديدين، ولكن عندما مات الفرزدق رثاه جرير بقصيدة أظهرت إنصافه له بعد صراع طويل ومرير. فقال جرير[74](الطويل):

لَعَمري لَقَد أَشجى تَميماً وَهَدَّها 
عَلى نَكَباتِ الدَهرِ مَوتُ الفَرَزدَقِ 
عَشِيَّةَ راحوا لِلفِراقِ بِنَعشِهِ 
إِلى جَدَثٍ في هُوَّةِ الأَرضِ مُعمَقِ 
لَقَد غادَرُوا في اللَّحدِ مَن كانَ يَنتَمِي 
إِلى كُلِّ نَجمٍ في السَماءِ مُحَلِّقِ 

 

وثمة أبيات أخرى رثى بها جرير خصمه وصديقه الفرزدق، فقال[75](الطويل):

فُجِعنا بِحَمّالِ الدَياتِ اِبنِ غالِبٍ 
وَحامي تَميمٍ عِرضَها وَالمُراجِمِ 
بَكَيناكِ حِدثانَ الفِراقِ وَإِنَّما 
بَكَيناكَ إِذ نابَت أُمورُ العَظائِمِ 
فَلا حَمَلَت بَعدَ اِبنِ لَيلى مَهيرَةٌ 
وَلا شُدَّ أَنساعُ المَطِيِّ الرَواسِمِ 

 

أشار دارسو الأدب الاسلامي والأموي[76] إلى العلاقة الحميمية بين الكُمَيت شاعر الهاشميين، والطِّرماح بن حكيم شاعر الخوارج ، على الرغم من اختلاف انتمائهما المذهبي، والقبلي أيضا، إذ كان الكميت مضريا، والطرماح يمنيا من طيء، وأرجعوا سبب هذه العلاقة الحميمية إلى العقيدة التي وحدت بين قلبيهما، إلى جانب ما يعطف القلوب والنفوس من أسباب أخرى للصداقة والمحبة. فقدالتقى الطرماح -في الكوفة -بالكميت، وعقد معه صداقة وثيقة، فالشاعران متباينان في المذهب والنسب، ومع هذا تقوم بينهما علاقة وطيدة، وأواصر وشيجة، "ولم ير الناس أعجب حالا من الكميت والطرماح وكان الكميت عدنانيا عصبيا وكان الطرماح قحطانيا عصبيا وكان الكميت شيعيا من الغالية وكان الطرماح خارجيا من الصفرية وكان الكميت يتعصب لأهل الكوفة وكان الطرماح لأهل الشام وبينهما مع ذلك من الخاصة والمخالطة ما لم يكن بين نفسين قط ثم لم يجر بينهما صرم ولا جفوة ولا إعراض ولا شيء مما تدعو هذه الخصال إليه ولم ير الناس مثلهما"[77]، ومن هنا فإن الكُمَيت كان رافضياً غالياً، والطِّرِّمَاح كان خارجياً حرورياً، وكان بينهما أحسن وألطف ما يكون بين صديقين شقيقين[78].

 

ربما كانت قصائد الفرزدق وجرير السابقة من الشهرة لدى دارسي الأدب القديم والحديث معا، وكذلك إشارات القدماء إلى العلاقات الحميمة بين الشعراء مختلفي الانتماءات السياسية، ولذا أشرنا إليها بإيجاز، أما منصفة العُدَيلِ بن الفَرْخِِ العِجْلِيّ فقد ظلت حبيسة متون كتب الأدب القديم حتى أزاح عنها صاحب كتاب المنصفات النقاب وأخرجها من سترها ونوه إلى أنها إحدى المنصفات نقلا عن كلام أبي الرياش في حماسة التبريزي.

 

والقصيدة ثمانية وعشرون بيتا[79]، بدأها العُدَيلِ بالغزل،كعادة الشعراء القدامى، فحبيبته مترفة، ثرية، جميلة، ذات سوار ذهبي، وقلادة ثمينة، وشعرها أسود فاحم، جعد. وأسنانها بيضاء ناصعة، منغرسة في لثة سمراء جميلة، تسر الناظرين، إذا بدت لهم متعمدة ذلك. وقد كان فمها طيب الرائحة، عذب المقبل، كأن ثناياها ارتوت خمرا معتقة بقيت طويلا في مكان مرتفع، فوق جبل مرتفع فرد حتى لا يحجبه عن الهواء الطيب حاجب، فزادتها برودة وحسنا وجمالا(الطويل).

 

ألا يا اسلمي ذاتَ الدَّماليجِ والعِقْدِ 
وذاتَ الثَّنايا الغرِّ والفاحمِ الجعْدِ[80] 
وذاتَ اللّثاثِ الحمِّ والعَارِضِ الذي 
بهِ أبرقتْ عَمْداً بأبيضَ كالشُّهْدِ[81] 
كَأنَّ ثَنَايَاهَا اغْتَبَقْنَ مُدَامَةً 
ثَوَتْ حِجَجاً في رَأسِ ذِي قُنَّةٍ فَرْدِ[82] 


ثم يتألم الشاعر لفراقها وهجرها الذي وقع عليه كالنازلة، عندما هجرته غداة يوم أسود، نعقت فيه الغربان كثيرا، ويقول:وأنا أتشاءم من نعيق الغربان، ومنذ وقت غير قصير مرت بي الطير، فعلمت من مرورها أن حادثا جللا سيقع لا محالة. وها هي قد شطت ونأت بعيدا، وحالت جبال وأنهار بيني وبينها، وأصبح مجرد رؤاها حلم يناغي الفؤاد. وأن الظروف التي كانت سببا في بعدها وهجرها ربما كانت هي نفسها الظروف التي ربما تجمعه بها مرة ثانية، فهو يأمل في ذلك ويرغب، ثم يؤكد صعوبة ذلك بأن الدار لا يمكن أن تجمع ضدين معا، وضرب لذلك مثلا بأن السيفين لا يجتمعان في غمد واحد.

جَرَى بِفِرَاقِ العَامِرِيّةِ غُدْوَةً 
شَوَاحجُ سُودٌ لا تُعِيدُ ولَا تُبْدِي[83] 
إِذَاْ مَاْ نَغقْنَ قُلْتُ هَذَا فِرَاقُهَا 
وَإِنْ هُنَّ لَمْ يَنْغَقْنَ سَكَّنَّ مِنْ وَجْدِي[84] 
لَعَلَّ الذِي قَاْدَ النَّوَى أَنْ يَرُدَّهَا 
إِلَينَا وَقَدْ يُدْنَي البَعِيدُ مِنَ البُعْدِ 
وَعَلَّ النَّوَى في الدَّارِ تَجْمَعُ بَينَنَا 
وَهَلْ يُجْمَعُ السَّيفَانِ وَيحَكِ في غِمْدِ 
وكيفَ أُرجِّيها وقدْ حَالَ دونَها 
نميرٌ وأجبالٌ تعرَّضنَ منْ نجْدِ 
لَعَمْرِي لَقَدْ مَرَّتْ ليَ الطَّيرُ آنفاً 
بما لمْ يكنْ إذْ مرَّتِ الطَّيرُ منْ بدِّ 

 

مهد الشاعر لحديثه عن الحرب بينه وبين بني عمومته بتشاؤمه من الطير التي مرت، وعلمه المسبق بنذير حادث جلل سيحدث في القريب، وقد حدث فعلا أنه تحارب مع بني عمومته،وظل يساقيهم كأس الموت، وهم ذوو رحمه وأقاربه، بل قال عنهم(إخوتي)؛ لأنهم من أب واحد، وجدهم واحد أيضا، وإن أصعب شيء أن يقاتل الرجل أهله، وقد عبر الشاعر عن ذلك بقوله (أساقي الهم) لما يدخله المحاربون من أعدائه، ويدخله هو إليهم من الهم والحزن جراء الحرب التي بينهما، والحفاظ إنما يكون من الغضب للحسب. والجد من الاجتهاد في الحرب. وأصبح كل فريق من المتحاربين (ينادي يا نزار) شعارا لهم في حربهم واستنصارا به، ووصف المحاربين من الفريقين بأنهم سادة، من أصل طيب، يلبسون الدروع المضاعفة حماية لهم، وهذه الدروع من أجود أنواع الدروع؛ لأنها منسوبة إلى داوود والسغد.

ظَلِلْتُ أُساقي الهَمَّ إخوتيَ الأُلى 
أبُوهُمْ أبِي عِنْدَ الحِفَاظِ أو الجِدِّ[85] 
بنو عَمِّنَا لَيسُوا بِدعوى أبوهم 
أبونا إذَا صُلنا تَناهُوا إلى رَد 
كِلانَا يُنادِي يَا نِزَارُ وبينَنا 
قناً منْ قنا الخطِّيّ أو منْ قنا الهنْدِ 
قُرُومٌ تَسَامَى مِنْ نِزَارٍ عَلَيهِمِ 
مُضَاعَفَةٌ مِنْ نَسْجِ دَاوودَ والسُّغْدِ[86] 



[1] انظر: الشعر وأيام العرب في العصر الجاهلي. د. عفيف عبد الرحمن. دار الأندلس. بيروت. لبنان. ط1 1984م. ص236.

[2] الأصمعيات . ص121.

[3]الحماسية الأولى من حماسة أبي تمام. انظر شرح ديوان الحماسة. للمرزوقي. أحمد أمين وعبد السلام هارون. ص22.

[4] يرى المرزوقي في شرحه أن الشاعر يهدف إلى تهييج قومه فقط، وليس ذمهم؛ لأن أنصار المعاني لا يروق لهم أن يذم الشاعر قومه، وكيف ذلك وهو منهم؟ ونرى أن مائدة الأدب تتسع لتقبل الرأي والرأي الآخر. إذ إن اعتمادنا يكون على مباشرة النص الأدبي، وتحليله، واستبطانه، وتجاوز الأحكام المسبقة، والتعميمية. انظر شرح ديوان الحماسة. للمرزوقي. أحمد أمين وعبد السلام هارون. ص23 وما بعدها.

[5] انظر الأبيات في كتاب: المصون في الأدب. لأبي أحمد العسكري. تحقيق: عبد السلام محمد هارون. التراث العربي، سلسلة تصدرها وزارة الإعلام في الكويت. 1984م. ص4. وانظر أيضا: عيون الأخبار. لابن قتيبة. 2/188.

[6] يأبروا نخلا لغيرهم: أي يحالفوا أعداءهم ليستعينوا بهم عليك. وأصل التأبير والأبر في النخل وهو التلقيح والإصلاح. انظر: كتاب الألفاظ. أقدم معجم في المعاني. ابن السكيت يعقوب بن إسحاق. تحقيق: د.فخر الدين قباوة. مكتبة لبنان. الطبعة الأولى. 1998م.ص7.

[7]الهرم: نبت من الحَمْض مثل الجَهَّلة ممتلئ ماء فأي شيء يمسه فنخضده، وخص النابت منه لأنه أرق وأضعف. (سمط اللآلي المحتوي على اللآلي في شرح أمالي القالي للبكري.المجلد الثاني. ت: عبد العزيز الميمني. 1/585)

[8]الأصمعيات. ص204.

[9]الأحاح: العطش، والمشرف على الهلاك يعطش. وقيل: الأحاح شدة الوجد من الغيظ حتى يسمع له من الصدر صوت.(اللسان. مادة: أحح)

[10]انظر الأصمعيات. ص199.

[11]القرارة: المطمئن من الأرض. والريع: المكان المرتفع. والفليق: المفلوقة.

[12] ذو الطرفاء: موضع.

[13] الخرق: الكريم المتخرق في الكرم، ومن الفتيان: الظريف في سماحة ونجدة.

[14]ديوان.أمية بن أبي الصلت . ص144.

[15]حماض: نبت شديد الحموضة.

[16]الأمساك: جمع مَسَك وهو الأسورة والخلاخيل.

[17]ديوان دريد بن الصمة. تحقيق: د. عمر عبد الرسول. دار المعارف. القاهرة. سنننة 1985م. ص151

[18]السابق، نفس الصفحة.

[19]ديوان دريد بن الصمة. 57.

[20]السابق. نفس الصفحة.

[21]ديوان عنترة. ص22.

[22]المائدة. الآية رقم 8 .

[23]إنصاف الخصم في القرآن، وأثره الإعلامي. د. عبد الحكيم حفني. الهيئة المصرية العامة للكتاب. 1992م. ص9.

[24]السيرة النبوية لابن هشام. 644.

[25]البيت لحسان بن ثابت.السيرة النبوية لابن هشام. 1/640.

[26] النجدة: القوة والشجاعة. القرم الفحل الكريم. البارع : المبرز على غيره. الملتاث: الضعيف. الأسل: الرماح.

[27] السيرة النبوية . لابن هشام 2/ 136.

[28] السابق. ص 137.

[29] الألة: الحربة لها سنان طويل. والغرار: الحد.

[30] الخندمة: جبل دخل منه النبي صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة.

[31] الموتمة: المرأة مات زوجها، وترك لها أيتاما.

[32] النهيت: الزئير. انظر القصة والأبيات في: العقد الفريد. 1/131. وفي اللسان مادة خندم. والسيرة النبوية لابن هشام.4/407.