صدر مؤخراً للكاتب الساخر أحمد حسّن الزعبي كتابه "نزف منفرد" والذي سأتناول في هذا المقال الوقوف على بعض أشكال الإبداع الساخر وخصائصه الفنية المتمثلة في هذا العمل ومجمل التجربة "الزعبية" عموماً مع فن الكتابة الساخرة في الإردن منذ ثورات الربيع العربي حتى الآن. لقد جاء  الكتاب, كما صرّح مؤلِفه  في المقدمة, حصيلةً لثمار عشر سنوات من "الدمع" والعمل الدؤوب على أوتار أحرفه وسلم جروحه. فكما يبدو ظاهراً أن جميع المقالات جاءت بالصورة النهائية على أشكال من النزف الفردي للمؤلِف على وطنه, داخل تسعة أبواب مشرعةً على مصراعيها, لنزف أشبه ما يكون بجرحٍ عميقٍ يصل إلى درجة السيلان الكلي لقطرات الدم من جسمه المتهالك. باختصار, الكتاب هو بمثابة عزفٍ منفردٍ لعازف يَحسن فن اللحن على ربابة وطنه الموجوع والمكبل بالآلام بشهيق من النكهة الساخرة للتجربة الفردية للكاتب وللذاكرة الجمعية أحياناً. فقد تمثلت هذه التجربة  في سنوات من الغربة, أو ذكرياتٍ من الطفولة, أوبنزف حزين للمدن التي جاءت محاذيتاً للنزف على مقدرات الوطن بإيقاعات فيروزيّة تتباين في درجة الشدة والوصف الدقيق للتجربة الشخصية. وعلى ضوء ذلك, يمكن القول  أنّ الزعبي يمثل صوتا لشعب أُخرس صوته وكبلتْ ضمائر أبنائه في مواجهة الفاسدين. وكما سيوضح النقاش  أن الكاتب قد وقف على بعض خصائص الأدب الساخر عموماً, وعلى البعض ممن اختص به عن غيره ليعكس ظاهرياً أيقونة لبروز ظاهرة الأدب الساخر في الإردن وازدهاره  المتنامي بعد ثورات الربيع العربي.


 إنّ ظهورهذا اللون من أدبيات الكتابة الساخرة جاء ممتزجاً بنكهة  أدبية ساخرة, "زعبيةً" ,إنّ صح التعبير, داخل طيّات فنون الأدب الساخر في الأردن. فتشكل هذه الخصائص الفنية, بصفة عامة, ما تتميز بها على الأرجح, كل قطعة فنية ساخرة تشع بها فكاهات السخرية والضحك اللامحدود. أما أدب أحمد حسّن الزعبي الساخر  فهو عادةً ما يتناول موضوعات ذات هموم شخصية (وأحياناً جمعية)  تعكس في جوهرها  ظواهر تفشّي الفساد, والواسطة والمحسوبية, وبيع مقدرات الوطن على حساب أبناء جلدته. ويمكن القول أنّ  فن الكتابة الساخرة عنده أخذ شكلاً من أشكال  "الثورة الفكرية" تجاه قرارات الحكومة الأحادية الجانب, على رأي الكاتب, نحو مضامين الإصلاح السياسي وخطط سير الإصلاحات الإقتصادية والأخطاء غير المتعذرة لكبار المسؤولين في إدارة مؤسسات الدولة. يهدف هذا المقال لتناول بعض السمات الفنية للكتابة الساخرة بشكل عام, وشهيق النزف المنفرد لفن الكتابة الساخرة عند أحمد حسّن الزعبي في مؤلفه الأخير ومجمل التجربة "الزعبية" خصوصاً في هذا النمط الأدبي:


أولاً:الإستعارات والتشبيهات غير التقليدية: يكثر عند الكتّاب الساخرين هذا اللون المتمثل في رسم الصور لإستعارات غير حقيقة، شأنها إثارة الضحك في نفوس القراء برسم مقارانات و تشبيهات غير مألوفة. الزعبي كان قد وصف مهنته بحال سائق الونش الذي يعيش على مآزق الأخرين, وذلك لقرب التشابه بين المهنتين في مقالٍ من مقالاته على موقع سواليف وجريدة الرأي أيضاً (للإستزادة, إنظر مقال "شكرخاص لكل الفاسدين" بتاريخ 22 نوفيمبر لعام 2011). فهو ككاتب ساخر يأتي بصورٍ من وحي المعاناة التي تجهض احدوداب ظهور شعبه وتعكس مجملاً نقمتهم على الحكومة وأصحاب رؤوس الأموال الطائلة. الأمثلة عند الزعبي كثيرة على هذا النوع من  الإستعارات الغير تقليدية, ولكني أخص بالذكر, مقال "عمان الشام" الذي جاء  ليعكس التشبيه البليّغ وغير تقليدي لتلفزيون (التوشيبا) القديم بقربه إلى الثدييات منه إلى الكهربائيات, وذلك لشكله المتمثل كما يصفه الكاتب كالتالي: " ...هذه العملية كانت تتطلب منا وقتا طويلاً لبدء عملية البث.. كان تلفزيون (التوشيبا) أقرب إلى الثدييات منه إلى الكهربائيات.. فله مثلا أربعة أرجل, وله قرنان (يشكلهما الأنتين), يرافقه محول كهربائي ثقيل في حله وترحاله يشبه "ضرع" الماعز". (نزف منفرد, ص 23).


ثانياً: الدقة في التفاصيل والإطناب: ربما هذه الخاصية الفنية هي أهم ما يميز القصص القصيرة عموماً وليس الأدب الساخر؛ بتركيزها على أدق تفاصيل شخوصها, والأماكن والأحداث فيها. بصفة عامة, يمتاز هذا الأدب بوصفه الدقيق جداً للتفاصيل التي تملل القارىء أحياناً وتزيد من إستيائه. فعلى سبيل المثال, لا الحصر, إبتدأ الكاتب كتابه بمقال  عنوانه "مرسيدس" ليرسم صورة دقيقة جداً لسفر الحجيج ولوعة الأهل وإشتياقهم لرؤية زوار بيت الله الحرام. هذه الخاصية, جاءت لتعكس أيضا صور النزف المنفرد على الحنين للحياة البدائية في منزل من حجر وطين وأشكال من انماط الحياة البسيطة في القرىء الصغيرة التي عادةً ما يظهر الكاتب إشتياقه ولوعتة إليها. هذه الصور وغيرها جاءت لتصف الصفة الأبرز في مقالات "سراج الأوّلين", "ربيع أحمر", "حجر وطين",... الخ من كتابه الصادر مؤخراً.انّ هذه الخاصية في الدقة المتناهية في الوصف إتضحت أكثر في مقال "تفاصيل صغيرة" من الكتاب الأخير لوصف ليلة خميس من نهاية الإسبوع داخل طيّات المجتمع الأردني. ولكن المشكلة تكمن في  أن بعض هذه الخيوط من الإطناب قد تتشابك أحياناً على القارئ نتيجة الوصف المفرط والمبالغ فيه احياناً في تمثيل  الوصف الدقيق للأشياء وتفاصيل الموضوع بجميع حذافيره. 


ثالثاً: استخدام الكاتب لبعض الشخوص التي تثير أسمائهم وسماتهم الشخصية السخرية في أعين قراءه: تكتنف هذه الخاصية إبراز شخصيات من عامة الشعب تتسم  ببساطة فكرها المتجذر بالسذاجة وقلة الحيلة ورجعية التفكيربالنظر إلى صفات الإنسان المعاصر. وهنا أود الإشارة لشخصيات على  شاكلة: فالح الأطرم, وكرمة العلي, أبو يحيى, وجوز فزة, وغيرهم. يأتي هذا النقاش من باب إهداء الكاتب لكتابه "نزف منفرد"  لكرمة العلي فضلا عن الاستخدام المتكرر واللامحدود لهذه الشخوص في عدد غير قليل من مقالاته.  


رابعاً: تثقيف المواطن "الممعوط" (على رأي الكاتب) عن الكيفية والطرائق المتعددة التي سُلبت فيها مقدرات دولته وعن القرارات الجاثمة على صدوره  إنسجاماً مع مساعي الحكومة في الإصلاح الإقتصادي ورفاهية العيش. لقد رأى الكاتب, كأي كاتب ساخر آخر, أنه يقع على عاتقه مهمة تثقيف العامة من شعبه بأسباب محنتهم وظروفهم الإقتصادية الصعبة وخاصة بعد إفرازات  ثورات الربيع العربي وإرهاصاتها على الشعوب العربية, وعلى المواطن الإردني خصوصاً. يأتي هذا النقاش ليعكس مدى موضوعية الكاتب في إبراز المناخ السياسي في الأردن بعد ثورات الربيع العربي.  أما هذا الكتاب الأخير فيكاد أنّ يخلو من الإنتقادات الجريئة للكاتب في وصف حال الأمور وما آلت اليه الآن في وطنه. لذا يصعب على القارىء الربط المباشر بين كلمات المقال والشخوص الأخرى من وحي الواقع الملموس للمجتمع الأردني. فربما تكون هذه السمة الأبرز لمقالاته الأخرى على موقع سواليف (وأخصُ ما مُنع من نشرها على جريدة الرأي والتي شرع الكاتب بنشرها على موقعه سواليف) ولكنها في المجمل ليست متضمنة  في  طيّات صفحات هذا الكتاب بسبب غرابة  هذا النزف ودلالاته المتضمنة في عنوانه.    


خامساً: القوالب النمطية: يجتاح هذا الأدب عموما الخاصية الأبرز وهي صنع القوالب النمطية للأشخاص والتعليق الساخرعليها. ولكن الشخصيات النمطية عند أحمد حسن الزعبي لم تقف عند هذا الحد من التعبير الرمزي والبطولي دائماً. حيث شرع الكاتب في رسم  صوراً متعددةً لنزف الحادي والعشرين من آذار(الذي يصادف من كل عام عيد الأم) بطرائق فنية جميلة بعيداً عن فوهة السخرية. فقد تمثل هذا النزف للكاتب, على غير وجهته الإعتيادية, بالبكاء المتقطع والمنغمس بالصورة الزاهية لعبق رائحة الأم وياسمينها داخل غرف البيت والحديقة الصغيرة. فبينما يستمتع القارىء بهذه الصور, يكاد صوت الكاتب يحاذي صوت الشاعر محمود درويش وهو يردد هذه الأبيات من قصيدة "إلى أمي"  حيث يقول الأخير:


خذيني أمي إذا عدت يوما وشاحا لهدبك


وغطي عظامي بعشب تعمّد من طهر كعبك


وشّدي وثاقي بخصلة شعر, بخيط يلوّح في ذيل ثوبك.


فكل ما تحمله هذه الأبيات من معانٍ خفية وإستعارات جميلة جاءت لتلون قطرات الدم النازفة من فؤاد الكاتب, بعيدا عن فوهة السخرية. وبذلك يكون قد رسم صوراً نمطية وطوباوية لمرايا النساء البعيدات.


سادساً: اللغة العامية والتراكيب الدّارجة(الكليشيهات): يجتاح هذا الأدب, عموماً, كثرة التراكيب العامية المنتقاة من وحي بيئة الكاتب. إذ أنّ إستخدام اللغة العامية, بعيداً عما ينتجه الكلام من صنعة وتكلّف في اللغة الفصحى جاء ليجعل هذا الأدب أكثر متعةً وإمتاعاً للقارىء بحيث يكون له من الجرس ما يجلوا به الآذان من سماع السخرية. في الحقيقة, الأمثلة عند الزعبي كثيرة في هذا الشأن حيث لا يكاد يخلو كل مقال منها. حيث يضفي إستخدام مثل هذه اللغة المبسطة طرافة للعنى وإستقامة للفظ بما يتناسب  والجانب الجمالي للفن الساخر. يكاد المنظور اللغوي, في هذا الشأن, لفن الكتابة الساخرة ينسجم, على نطاق واسع, مع ما دعا إليه مخائيل نعيمة من بساطة التركيب وسهولته في تبسيط الرموز التي لا تخرج على قواعد اللغة الفصحى ومدلولاتها.


 وبما أن مؤلِف الكتاب الأخير يعكس سلسلةً من التجارب الشخصية والأوجاع المبطنة والدفينة لكاتب إكتوى بنيّران الغربة, لذا يمكن القول إن هذا الكتاب برئٌ من الصنعة والتكلف  بحكمه تمثيلاً عفوياً وإنسياباً تلقائياً لمشاعر الكاتب وشوقه المتأجج على وطنه وذكريات طفولته البريئة وعمره الفائت. في ضوء هذا الأفكار, يمكن القول إن الأدب الساخر, عند الزعبي كما هو عند غيره, يعكس ظاهرةً إجتماعيةً، حيث يعبر الكاتب عن ظروف بيئته وهمومها, مستمداً من أحداث الواقع وشخوصه البنية الأساسية لمعظم القطع الفنية الساخرة. وبهذا يكون الزعبي قد أضفى على أدبه الساخر "الصدق الفني" لما تمثله هذه التجربة من حسن التجاوب بين الأديب وبين قضايا عصره. وعلاوة على ذلك, تحتل قضية الجمهور المتلقي للنص الساخر الركن الأساسي لهذه التجربة من خلال رؤية الأدب الساخر من منظور إجتماعي.  


وختاما, فقد شكّل المُؤلَف الأخيرعزفاَ منفرداَ  لكاتبٍ على أوجاع وطنه,فيما شكلت تجربة الكاتب الشخصية تَحوّل هذا النزف المنفرد لعزف حزين و شرخِ عمودي عميق من الجراح تنزف منه قطرات الدم حزناً وهياماً على وطنه. الجدير بالذكر,إن تناغم ألحان هذا الكتاب بجميع فصوله التسعة ما جاءت الا لتضع أمام أعيننا مُكاشفةً  من نوع عاطفي حزين الى درجةٍ  تغرورق معه العيون بالدموع وتتجلى فيه عبق الذكريات القديمة بإسلوب يُمتع القارىء ويحثه على مواصلة القراءة. حيث تجلت فيها قطرات دم الكاتب وهو يخط  بنزفه المنفرد عزفاً جماعياً لضمائر القلوب التي تتقطع حزنا على الوطن. مما لا شك فيه أنّ في شخصيّة الزعبي, كما يوضح الحديث السابق, روحاً تأمليةً ساخرةً ممتلكةً لقواها وإتساع بصرها, لكنها ظهرت بدرجاتٍ متفاوتة في مؤلفاته الثلاث ومقالاتهِ شبهِ اليوميةِ على موقع سواليف, حيث إنها تختلف في شدتها وقوة سخريتها مع ما توازيه من الجمال والروعة في دقة الوصف وإمّتاع القارئ. ولكنها – أخصُ بالذكر مقالاته على موقع سواليف- لا تسلمُ من النقص والتباين في الرأي ما دام المعيار التأثّري الذاتي هو مرجعها