التشابه والاختلاف -نحو منهاجية شمولية-
تقــديـــم
هذه الدراسة طبعت لأول مرة سنة 1996م من منشورات المركز الثقافي العربي بالدار البيضاء عدد صفحات الكتاب 224، استهله محمد مفتاح بمقولة لأبي حيان التوحيدي "أعرف حقائق الأمور بالتشابه، فإن الحق واحد ولا تستفزنك الأسماء وإن اختلفت" ثم بمقولة غريغوري باستون "التشابه يسبق الاختلاف".
وبالنسبة لمحتويات الكتاب فتشمل:
تمهيدا تناول فيه انتظام الكون من خلال تحليل بعض المفاهيم وتوظيفها في التحليل الثقافي ثم أتبع ذلك خمسة فصول وهي: التدريج، والانتظام، والتوازي، والتحقيب، والتشابه، وتحت هذه الفصول تندرج مجموعة من العناوين الرئيسية والعناوين الفرعية، وقد صرح محمد مفتاح أن مشروعه هذا قد عرضه في محافل علمية مشرقية ومغربية في شكل دروس ومداخلات ومحاضرات فنال ما تسنى له من النقاش الجاد والمسؤول.
انتظام الكون:
تعتمد المنهاجية الشمولية على رؤيا للعالم أشمل، والرؤيا للعالم هذه تؤكد على أن الكون انتظام، وهي قديمة (تصورات الهنود واليونان)، وجديدة في آن (تيارات الفكر المعاصر) فالقدماء سعوا لتحليل الكون إلى مكوناته لإدراكه ومكانته وأدواره. أما الاتجاه المعاصر فسعوا إلى الكشف عن البنية العميقة المشتركة (بنية البنية الرابطة) بين العناصر.
والاكتفاء بمفهومين يتفرعان إلى مفاهيم أخرى كالدينامية (بما تحتويه من تفاعل واحد وفوضوي، والمفهوم الثاني هو الانتظام يما يقتضيه من هيمنة وتراتب واختلاف وتحكم ذاتي.
إن النظرية التي تتبنى هذه الرؤيا الشمولية هي "النظرة العامة للأنساق" حاولت أن تصوغ مبادئ عامة تجلت في ثلاثة مفاهيم أساسية: التفاعل، والغائية، والانتظام. وقوانين مستمدة من الفيزياء والبيولوجيا والاجتماع والاقتصاد ما يسهل الربط بين الظواهر والمعارف والتوصل إلى تأويلات راجحة.
1-تحليل بعض المفاهيم:
يحدد مفتاح مفهوم (طبيعة العلاقة) ودرجتها التي تتحكم فيها طبيعة الترتيب فهو لا يكون على نمط واحد ووحيد، وإنما هناك أنواع منه، بعضها يمكن أن ندعوه بالترتيب القوي والآخر الترتيب الضعيف، وكل منها تتحكم فيه خلفيات فلسفية ومعرفية وعملية، ولعل أشهر أنواعه هو الترتيب الخطي، والترتيب الشجري، والتفاعل الدينامي والتجاوري.
أما مفهوم (طبيعة الاشتراك) فيتطلب وجود علاقة مشتركة بين العناصر والمجموعات مع اختلاف في درجات الاشتراك، غير أن أهم مقترح زعزع المنطق الأرسطي، هو ما يدعى بالمنطق المتداخل، فهذا المنطق ينطلق من مبدأ عام، هو (كل شيء قابل للتدريج)، وهذا التدريج يؤدي إلى الجمع بين الشيء ونقيضه.
أما فيما يتعلق (بالنظام العميق ومبادئه) فإن ما يظهر من عدم النظام والفوضى وراءه نظام عميق فلا مفر من وجود جوامع عميقة، ومن هنا يقترح مفتاح مجموعة من المفاهيم مستقاة من أعمال الأنثربولوجيين كالجامع الصوري والجماع الشبهي والانتظام والاتصال والانفصال.

2-توظيف المفاهيم في التحليل الثقافي: 
في أطار تطرق محمد مفتاح "لنسقية الثقافة" يشير إلى إمكانية توظيف كثير من هذه المفاهيم، فقد رأى أحد البيولوجيين أن الباحث الثقافي يستطيع أن يفتش عن البنيات المتناظرة والمتشابهة كما يبحث عالم الحيوان عن التناظرات.
أما مبادئ التنسيق فيعددها في:
-مبدأ التشابه: محاولة إيجاد علاقة بين أصناف العلوم، ووجه الشبه بدون أدوات تشبيه ظاهرة أو خفية.
-مبدأ التدرج: وقد طبقه مفتاح على ظواهر أدبية ويعني بها ظاهرة التناص أو تداخل النصوص وقد حصر عناصرها في ثمانية درجات.
-مبدأ الانسجام: تصور فلاسفة القرن 4هـ الكون بمثابة روح تفيض على كل أجزائه التي هي عديدة منها الطبيعي ومنها الثقافي.
-مبدأ الاتصال: يتعرض لهذا المبدأ من خلال ظاهرة التحقيب في الثقافة المغربية باعتبار هذه الظاهرة شاملة لكل الكون.
إن أهم منطلق ترتكز عليه هذه المناهجية الشمولية، هو أنه لابد من وجود منطلق تسري روحه في كل المكونات والعناصر المنتمية إليه بناء على مبدأ (لا شيء يأتي من لا شيء). ويؤدي هذا المبدأ إلى نتائج كثيرة بعضها علمي وبعضها علمي.
الفصـل الأول: التـدريــج:
يشير محمد مفتاح إلى أن خصائص الخطاب تعترضه عدة إشكالات، منها إشكال التفرقة بين الخطاب والنص والمتن، ومنها إشكال التمييز بين أجناس الخطاب وأنواعه واصنافه، ومنها إشكال الخصائص المحاثية والخصائص المشيدة، ومنها إشكال استجابة القارئ للبنيات النصية وكذا اختلاف القراءات والتأويلات، وكل هذا شغل بال المهتمين بنظرية الأدب ونظريات القراءة.
وسيقتصر المؤلف عل الوقوف عند إشكال مداره، دفع الأغلوطة الأنطلوجية والأغلوطة التشييدية المتطرفة، والخطوات في طريق حله هو تفاعل النص والقارئ، وإلقاء الضوء على بعض خصائص الخطاب متبعا الخطوات التالية: تحديدات واستراتيجيات وتنويعات وماهيات ورهانات، فبالنسبة للتحديدات يتوقف مفتاح عند التعريف اللغوي والخطاب لينتقل إلى المعنى الاصطلاحي حيث يخلص إلى أن الخطاب يشمل النص عند الأصوليين، فالخطاب أعم من النصن أما اقتراحه لتعريف النص والخطاب فيعتبر النص عبارة عن وحدات لغوية طبيعية منضدة متسقة، وأن الخطاب عبارة عن وحدات لغوية طبيعية منضدة متسقة منسجمة.
وبخصوص الاستراتيجيات، فعلى أساس التعريفين السابقين أي الاكتفاء بتحليل بنية الخطاب او الجمع بين تحليل البنية والوظيفة، أنجزت مقاربات عديدة، منها الاستراتيجية الفرنسية والاستراتيجية الإنجليزية الألمانية، فالأولى تشمل تحليل الخطاب بالمنهاجية الكريماهية ومن خصائصها: السردية والدينامية والانغلاقية أو الدورية وانسجام الخطاب. كما تشمل منهاجية تحليل الخطاب السياسي ثم تفاعل المنهاجيتين. أما الاستراتيجية الثانية (الإنجليزية الألمانية) فسعت إلى وصف ترابط الخطاب مهما كان جنسه واسترساله وعلائقه الدلالية ونمو موضوعاته وخاصائه، ويمثل "سيغفريد شميت" أحد رواد هذه المدرسة الذي اعتمد على نظريات رياضية وفلسفية واجتماعية ولسانية وجمالية، دون أن ننسى أعمال كل من "ياوس" وإيزر" حيث دعي نموذجهما ب"النموذج النسقي" الذي ينطلق من افتراضين حول التماسك:
أ-التماسك يعبر عنه خلال تنظيم طبقي للغة.
ب-التماسك النصي جزء من المكون النصي للنسق الدلالي.
كما اعتمدت هذه المدرسة على نموذج الذكاء الاصطناعي، على أن أهم ما ركز عليه هذا الاتجاه في التحليل هو الاستدلال والاستنباط.
وفي هذا الصدد يقترح مفتاح استراتيجية تسعى لدفع أغلوطين: أغلوطة أنطولوجية تجعل اللغة نفسها تحتوي بالضرورة على خصائص معينة، وأغلوطة تشييدية متطرفة.
-بعض خصائص الخطاب:
1-تداخل الخطاب:
حيث يقترح مفتاح التعريف التالي:"وجود علاقي خارجي بين أنواع من الخطاب وداخلي بين مستويات اللغة، وتتراوح درجة العلاقة من (1) إلى عدد ما. والوجود العلاقي قد يكون إيجابا وقد يكون سلبا".
2-التنسيق:
ويقدم تعريف شميت للنسق:"نسمي شيئا ما نسقا حينما نريد أن نعبر عن أن الشيء يدرك باعتباره مكونا من مجموعة من العناصر أو مجموعة من الأجزاء يترابط بعضها بعض حسب مبدأ مميز"
3-الإضمار:
إن اللغة الطبيعية تضمر أكثر مما تعبر وتلبس أكثر مما توضح وتقتطع أكثر مما تستوفي، وجاء ذلك من خلال تلك البياضات وفراغات النص.
4-الدينامية:
إذا كان النسق منغلقا من حيث عدد عناصره المحدودة، فإنه دينامي من حيث الانطلاق من بنية ثابتة لتحقيق بنيات صغرى، وهي من بنات البنية الوالدة، وهو دينامي أيضا من حيث إنه يمكن بناء بنية مجردة من عنصر واحد أو عنصرين أساسيين.
5-خصيصة الخصائص: تعدد القيم:
حيث اختلاف قراءات الفرد الواحد، أو قراءة مجموعة أفراد عن مجموعة أفراد آخرين، ولكنهم مهما اختلفوا فإن ما يجمعهم هو المواضعة الجمالية.
6-الوظيفية:
إن من يتتبع تأريخ الأدب العالمي والعربي يجد وظائف متعددة أسندت للخطاب الأدبي عبر العصور المختلفة حسب تعالقات الخطاب الأدبي بأنواع الأنساق الأخرى.
ويختتم محمد مفتاح هذا الفصل برهانات حيث يشير إلى أن عملية القراءة والتأويل ليست واحدة موحدة، فقد تثوي وراء كل قراءة وكل تأويل استراتيجية معينة وغايات مقصودة وقد حاولت الاستراتيجية المقترحة أن تستثمر بعض مفاهيم القراءة الطبيعية والقراءة الاصطناعية فركزت على نسقية الخطاب بما يعنيه من انغلاق وانفتاح، كما اعتمدت على مفاهيم بيولوجية وفيزيائية وجمالية.
الفصل الثاني: الانتظام
يدرس محمد مفتاح في هذا الفصل كتاب "البصائر" لأبي حيان التوحيدي، منطلقا باعتبار هذا الكتاب يندرج في الكتب المنتخبات والكتب التي تتعدد مواضيعها، وفي هذا الإطار يكمن أن تتسم هذه الكتب بثلاث أطروحات، وناقش مفتاح في ذلك مجموعة من الباحثين فيما تعلق بكتاب البصائر، وهذه الأطروحات هي:
أ-التشتت والاضطراب المطلقان (رأي إبراهيم كيلاني)
ب-التشتت والاضطراب النسبيان (رأي د.وداد قاضي)
ج-نحو إثبات البنية والوظيفة (رأي محمد أركون)
ويشير محمد مفتاح أن تلك الآراء التي وصفت كتب الآداب عامة وكتب أبي حيان خاصة بالتشتت والاضطراب، كانت محكومة بخلفيات منهاجية ذات أبعاد ووظائف. وسيحاول مفتاح في هذا الصدد جمع آراء المؤلف نفسه حتى يتبين تأرجحه بين الرغبة في الوحدة وبين قيود الجنس الأدبي، ثم سيحاول إثبات وحدة "البصائر" السطحية والعميقة.
1-الرغبة في الوحدة وقيود الجنس الأدبي:
لقد حقق التوحيدي مرارا كثيرة الوحدة بين أجزاء كتاب "البصائر" من خلال عدة مظاهر، أولها الإحالات وهي من أهم التقنيات التي وظفها المؤلف لينبه القارئ إلى ترابط كتابه وتشارح فقراته، ثنيها إقامة كتابه على مفهومين متقابلين هما الجد/الهزل، وليس هناك وحدة تجريدية وجامعة أكثر من هذه الثنائية وتبين أن المؤلف عقد كتابه على الجد (البصائر)، والهزل (النوادر). ثالثها دراية المؤلف بشروط التأليف وبقواعده ومراميه، وهي: الجمع والتحليل والتصنيف وتوفي غايات، وتبليغ رسائل، أما رابعها فتتمثل في مراعاة شروط الجنس الذي يؤلف فيه، والتوحيدي يؤلف كتابا في الأدب والأدب، في عهد التوحيدي، هو جماع الثقافات الإنسانية المعروفة في عصره. خامسها ما عبر عنه بالخلل الذي عم الوقت وخصوصا الخلل الفكري، وسادسها أن ضروب الخلاف تسببت في إهلاكه وتشوبه سمعته بعد مماته، وقد كان الرجل يتوقع ما يستعرض له من نكبات وإهانات بسبب مواقفه الفكرية.
إن أبا حيان كانت له غاية موجهة تتلخص في تكوين الإنسان الكامل السعيد، ومن ثمة، فإن كل فقر كتاب "البصائر" كانت تتجه نحو هذه الغاية المنشودة مهما اختلفت أجناسها الأدبية، وبالتالي فإن محمد مفتاح يسقط تهم التشتت والاضطراب في كتاب "البصائر" وتبرز وحدة الكتاب، ويظهر ذلك جليا في:"
2-كتاب "البصائر" حكاية لمثال:
يقول التوحيدي:"اعرف حقائق الأمور بالتشابه، فإن الحق واحد ولا تستفزنك الأسماء وإن اختلفت" فهذه القولة تلخص الفلسفات التي كانت تهيمن على فكر أبي حيان وجيلهن وهي الفلسفة الأفلاطونية التي كانت تربط بين أشياء أو كيانات لا رابطة ظاهرة بينها، ويشير مفتاح إلى تجليات هذه الفلسفات وتصورها للكون في شخصية أبي حيان التوحيدي والواردة في كتاب "البصائر" ويذكر منها: 
أ-تراتبية العالم وتطابقها (عالم علوي/العالم المتوسط: الإنسان/العالم الدنوي)
ب-تراتبية العلوم وأهدافها (القصوف/العلوم الشرعية/العلوم اللغوية/العلوم الدخيلة)
ج-تراتبية الكائنات ومراميها (الإنسان/الحيوان/النبات/الجماد)
د-تراتبية الإنسان ومغازيها (خاصة الخاصة/الخاصة/العامة)
هـ-التراتبية والحق في الوجود (فلكل أمة فضائل ورذائل، ولكل قوم مساوئ ومحاسن).
3-كتاب "البصائر" حكاية لواقع:
يفترض مفتاح أن كتاب "البصائر" مسرح لواقع إنساني عميق ولواقع نصي سطحي.
فبالنسبة للواقع العميق، يقترح مفاهيم جديدة لمقاربة الكتاب والمتمثلة في الأوليات الأنثربولوجية والأولويات الثقافية، والأولويات التعبيرية.
أما بالنسبة للواقع السطحي للكتاب فقد تم الاعتماد على آليتين اثنتين هما الانضباط الذاتي (ويعني بها أن النص يحتوي على آليات تضمن استقراره وثباته وانتظام فقراته) والآلية الثانية هي التفاعل (التي تربط بين فقرات النص، وهو نتيجة الاشتراك والاختلاف بين الفقر).
ويلخص مفتاح إلى أن هذه الآليات والأوليات برهنت على انتظام كتاب "البصائر" خطيا كما برهنت آليات أخرى على انتظامه موضوعيا. وقد اعتبر هذا الكتاب أثرا أدبيا متفاعلا مع آثار أخرى للمؤلف نفسه، كما أن مؤلفاته (التوحيدي) جميعها متفاعلة مع ثقافة معاصريه في سياق اجتماعي وسياسي وثقافي يجمع بين الأرض والسماء، وعلى أساس هذا الجمع افترض أن كتاب "البصائر" حكاية لكون مثالي، وحكاية لكون واقعي.
إن كتاب "البصائر" يمتلك بنية عميقة ذات نظام وانتظام، وحتى غن ما يظهر في بنيته السطحية من (عماء) ومن (لا نظام) هو تشكلات لرؤيا فلسفية كونية، وأما حدود وآفاق هذه الرؤيا فتتجلى في القضايا التالية:
-التراتبية والاستقلالية
-التوصيل والتبيين
-التعميم والتخصيص
وهذه الرؤيا جديرة بأن تبعث وتنشر بين الناس في هذا الزمن الذي هيمن فيه التعصب والأنانية والفقر الفكري، على أنها رؤيا تأريخية.
الفصـــل الثــانــي: التــوازي:
استهل محمد مفتاح هذا الفصل بقصيدة "النبي المجهول" للشابين وتم التركيز هنا على ثلاث خصائص تفترض أن شعر الشابي يحققها بامتياز.
1-الخصيصة الأولى: وهي التوازي:
وقد تناولها البلاغيون والنقاد العرب القدامى وخصها كبار المنظرين للشعرية المعاصرة بالعناية، غير أنه لم يقتنع بما كتب فيها إلى الآن، ولذلك جعل منها قولة نوعها إلى نوعين: أحدهما دعاه ب"طبيعة التوازي"، وهي تواز تام، وشبه تواز، وتواز تناظري، ويتنوع التوازي التام إلى تواز مقطعين وتواز عمودين وتواز مزدوج، وتواز أحادي، ويتنوع شبه التوازي إلى تواز شطري، وكلمي، وصوتين وإيقاعي. وأما توازي التناظر فهو تواز خطي وكتابي.
وثانيهما سماه ب(نوع العلاقة)، وهي المطابقة، والمماثلة، والمشابهة، والمكافأة، والمواصلة. وقد اعتمد في هذا التخصيص والتدريج على المنطلق النظري ل"نحو الحالات". بعد تبيئته في الثقافة الإسلامية وتكييفه مع الخصائص العربية.
ويضيف مفتاح:"ولم يقتصر تشريحنا على طبيعة التوازي وإنما تعداها غلى تفكيكه لتبيان درجاته وعلائقه. وتحقيقا لهذه المهمة انطلقنا من مقترحات (نحو الحالات) لنترجمها إلى بعض مفاهيم علم الكلام الإسلامي حتى يتسنى لنا اختزال المقولات النحوية التقليدية المتعددة إلى أشكال حالية فإلى علائق حالية قليلة مما يسهل عملية إثبات التوازي بين تعبيرات النص السطحية المختلفة. وقد أبانت هذه المقاربة عن شمولية التوازي بين البنيات التعبيرية المتوالية في النص جميعه ولكن درجاته تختلف تبعا لضرورة آليات نمو النص وتناسله المحكومة بسيرورة الجذب والأبعاد والاشتباه والاختلاف. ليخلص في الأخير باعتبار شعر الشابي هو شعر تواز بامتياز.
2-الخصيصة الثانية: هي التماسك:
ويتنوع إلى تنضيد، وتنسيق، وتشاكل، وترادف شامل. وهدف هذه المفاهيم هو النظر في ضوئها على مستويات الخطاب المختلفة من حروف وأدوات ومعجم وتركيب ومعنى، فيقصد بالتنضيد ربط كلمة إلى كلمة وجملة إلى جملة وجملة إلى كلمة، وما يقوم بالربط هو حروف المعاني وبعض الأدوات. أما التنسيق فتتم دراسته من خلال المحيلات (الإشارة، الضمير، وآل) ومن جهات الأفعال، ومن خلال المعجم. وأما التشاكل فيقوم على تحديد المفاهيم كتضام لمقولات أو خصائص لإثبات الاختلاف والتماثل بين الثقافات، وللبحث عن البنيات المعرفية الكامنة خلف الأنساق المعجمية لمجتمع ما، ولإثبات انسجام رسالة النص.
وقد تبين أن "التنضيد" و"التنسيق" لا يتناولان تحليل المفردة إلى مقومات للكشف عن بعض الثوابت كما يفعل ذلك التحليل التشاكلي. وقد حاول الباحث أن يجذره فاقترح مفهوم "الترادف" اللغوي الذي هو نتيجة للكليات التجربانية التي ليست خاصة بزمان ولا بمكان. وقد علل بهذه الثوابت سر تقبل الناس أشعار الرومانسيين، ومنهم الشابي الذي تفاعل مع هذا المذهب الأدبي.
3-الخصيصة الثالثة: هي التفاعل:
وقد فعل بها ما فعل سابقا، فتحدث عن تفاعل الإنسان مع المحيط، وتفاعل الشابي مع الثقافات الأخرى، وتفاعل الشابي مع محيطه ومع نفسه. وقد انعكس تفاعله مع المذاهب الأدبية الأجنبية في مستويين: أحدهما المستوى النقدي، حيث نظر الشابي للخيال، وثانيهما المستوى الإبداعي، فقد جعل من شعره وسيلة للتعبير عن رؤاه ومواقفه وأحلامه وأفراحه وضجره، وعن آمال شعبه في التخلص من العبودية.
الفصـل الرابع: التحقيب:
يحاول مفتاح تحقيب الأدب المغربي، منطلقا بتحديد السمات المشتركة بين الأدب العربي والأدب المغربي، وإن هناك خصائص تميز الأدب المغربي من سواه. وإذا كان إثبات السمات المشتركة ليس فيه عناء، إذ يتجلى في اللغة وفي التركيب وفي الصور وفي الأغراض فإن ما يكون فيه عناء هو إثبات الخصوصية العميقة، وأما الخصوصية الظاهرة فهي بنية للعيان في الموشحات وفي الأزجال وفي الملحون، وبهذا المنظور، فإن الأدب المغربي منشطر إلى نوعين: نوع مقلد للمشرق، ونوع مغربي خاص.
وأطروحة محمد مفتاح تحاول أن تتجاوز هذا الانشطار الظاهر إلى البحث عن النواة الموجهة للثقافة المغربية بما فيها من علوم شرعية وعقلية وأدبية، والأدبية بما فيها منش عر فصيح بمختلف أغراضه وعامي بتنوع تجلياته، والنواة هي: الدعوة إلى الاتحاد والجهاد. وهذه الدعوة هي ما وجه الثقافة المغربية، ومنها الأدب، اتجاها معينا نحو روح معين، ولتحقيق هذا الافتراض والبرهنة عليه سيصوغ منهاجية ملائمة، وللتشييد النظري والتصوري، ومكونات المنهاجية هي:
-اعتبار الأدب نسقا فرعيا من نسق مجتمعي عام واعتماد المقايسة لإثبات العلاقة بين الأنساق.
-تبني منهاجية نسبية معتدلة.
وحسب ذلك، يقترح محمد مفتاح تحقيب يعتمد على مفهوم الأمد البعيد تكون نقطة بدايته ونهايته حادثا أعظم متكررا يتسبب غفي خلخلة اجتماعية وسياسية وثقافية.
والأحداث العظمى المترددة هي:
*فتح العرب الأندلس وسقوطها 92هـ، ويسمي هذه المرحلة بحقبة الاتحاد للجهاد لتحقيق هيمنة الإسلام في الغرب الإسلامي.
*من سقوط الأندلس إلى الانتصار في وقعة وادي المخازن 986هـ، ويسمي هذه المرحلة الاتحاد للجهاد تحصينا للذات ودفاعا عن الوطن.
*من وقعة وادي المخازن إلى فرض الحماية 1330هـ، ويسميها بحقبة الاتحاد للجهاد بحثا لهيمنة الإسلام ولمجده.
*من فرض الحماية إلى وقتنا هذا، ويقترح لها اسم حقبة الاتحاد للجهاد الأصغر والأكبر، استكمالا لتحرير الوطن وبناء للدولة العصرية.
ولذلك حرص على أن يكون الثابت الجامع بين الحقب جميعها هو مفهوم الاتحاد للجهاد)، ولكن هذا المفهوم خضع لمد وجزر نجلى في: الهيمنة، والتحصين، والبعث، والبناء. 
يشير مفتاح إلى نوع المنهاجية التي تبناها لتوصله إلى الغاية المنشودة، والمنهاجية هي نظرية الأنساق العامة بمكوناتها الأساسية كما هي في علم الاجتماع، فخاصة التفاعل خولت لنا الربط بين النسق العام والأنساق الفرعية، وبين الأنساق الفرعية نفسها، مما خول عقد الصلة بين النسق السياسي والنسق الاجتماعي والنسق الأدبي، وهي صلات وثيقة في المجتمعات الإنسانية وخصوصا في المجتمعات البطيئة التطور.
وأما خاصة الانفتاح فقد سمحت بالحديث عن نسق أدبي متشعب مستمر قد أصاب بعض مكوناته جمود أحيانا وأضيفت إليه مكونات أخرى تارة، فلم يمت ليخلفه نسق جديد ذو مكونات جديدة.
الفصل الخامس: التشابه:
إن الترجمة تعني النقل من لغة منطلق (أو مصدر) إلى لغة مستهدفة (أو هدف) لإشباع حاجات معينة وبشروط خاصة، على أن نظريات الترجمة المعاصرة تأثرت بالنظريات التي تتعلق بفلسفة اللغة وباللسانيات وبالدليليات وبالسيميائيات وبالتاريخ المقارنة.
هكذا يستند المدافعون عن إمكان الترجمة الحرفية إلى المقولات التقليدية المتوارثة منذ عهد أرسطو، ويعتمد آخرون لرفضها باعتبار أن لكل لغة نسقها الخاص، وحاول آخرون صياغة ضوابط للترجمة معتمدين على السيميوطيقا والسيميائيات، أو على نظرية استجابة القارئ مع النص، وهذا يجعل محمد مفتاح إلى اعتماد بعض المفاهيم وتوظيفها في هذا الباب، وخصوصا مفهوم الأيقون، حيث يرتبط هذا الأخير بما يحاكيه وهي علاقة متدرجة، وقد تكون علاقة مطابقة أو علاقة مماثلة أو مشابهة أو سببية، وأن وظائف الأيقون في القديم كانت هي الكشف والإيضاح لما استتر. ولذلك ارتبط بالمقدسات وكان أيقون مطابقة. ولكن الأيقون بمجرد ما فارق هذا الأصل المقدس، اعتراه التدرج فأصبح استعارة أو كناية. على أن مهما اختلفت درجاته، فإن له وظائف معينة قد تختلف لا بسبب التدرج ولكن باختلاف الأزمنة والأمكنة وهيأة "المؤيقنين".
وأدى امتزاج الأيقون بالحروف اللغوية لتكوين بنية واحدة لأداء رسالة معينة، وهذا التلاحم هو ما تفطن إليه أصحاب الشعر المجسم.
يؤكد مفتاح ان أية ترجمة تسعى إلى المحافظة على وظائف هذا الشعر وأبعاده تواجهها صعوبات عديدة، وإن أي إخلال بوظيفة من تلك الوظائف أو ببعد من تلك الأبعاد قد يؤدي إلى خسارة كبرى في تبليغ ما أسند إليه مما لا يجعل الرسالة تحقق الأهداف المسندة إليها ويضيف: بأن الدرجتين الوسطيين، درجة المماثلة والمشابهة، هما مناط كل ترجمة تجمع بين الأمانة وإعادة الإبداع بين المعاني الواردة في البنية السطحية النصية وبين أبعادها الرمزية الضاربة في أعماق النفوس البشرية، بين المحافظة على تداخل الأنساق وبين الرسالة المركبة، بين التعقيد الظاهر والتعقيد الخفين بين الأبعاد الروحية والأبعاد المادية.

خــــلاصـــة
قدم محمد مفتاح مجموعة من المفاهيم في إطار العمل بالمنهاجية الشمولية، هذه المنهاجية التي تحاول أن تنظر إلى الإنسان من حيث هو روح وعقل ومن حيث إنه يعيش في محيط يتأثر ويؤثر فيه. وبالرجوع إلى هذه المنهاجية عالج تداخل النصوص وأثبت الانتظام والتوازي والتناظر، ليخلص إلى أن كتاب "البصائر" وديوان الشابي والثقافة المغربية أنساق دينامية ممتدة في أمد بعيد، وكل نسق ذي أمد بعيد يحتوي على حقب. معتمدا كذلك على إدماج مفاهيم ذات مرجعيات متباينة وعلى مجالات مختلفة: الأدب والمنطق والبيولوجيا والرياضيات والذكاء الاصطناعي...إلخ، وفي نسج علائق متينة ومحكمة بين عناصر النسق، وبين النسق الفرعي والنسق العام.
وبالتالي يعتبر كتابه "التشابه والاختلاف" حلقة هامة ضمن مشروع فكري مترابط ومتكامل يساهم في إرساء ممارسة نقدية ومعرفية مشيدة على أسئلة ابستمولوجية، وفي الكشف عن الثوابت والنظريات الإنسانية الكونية، وفي البحث عن اقتراح تصور شامل لدراسة مختلف الظواهر النصية ولتحليل الخطاب الأدبي. ويندرج هذا الجهد لضحد أطروحة التشتت واللانظام. وفي هذا الصدد يؤكد مفتاح أن على الباحث العربي المعاصر إعادة قراءة كل تراثه متقيدا بتجارب الأمم الراقية في تعاملها مع تراثها حتى يعيش في وئام مع كينونته ووجوده وصيرورته.