شهادة جرير والغريب وغيرهما في شعرعمر


عود إالى شهادة جرير
والغريب وغيرهما في شعرعمر
أخبرني عمي قال حدثنا الكراني قال حدثنا العمري عن لقيط قال: أنشد جريرٌ قول عمر بن أبي ربيعة:
الصوت
سائلا الربع بالبلي وقولا ... هجت شوقاً لي الغداة طويلا
أين حيٌ حلوك إذ أنت محفو ... فٌ بهم آهلٌ أراك جميلا؟
قال ساروا فأمعنوا واستقلوا ... وبزعمي لو استطعت سبيلا
سئمونا وما سئمنا مقاماً ... وأحبوا دماثة وسهولا

(1/30)


فقال جرير: إن هذا الذي كنا ندور عليه فأخطأناه وأصابه هذا القرشي. وفي هذه الأبيات رملان: أحدهما لابن سريج بالسبابة في مجرى الوسطى، والآخر لإسحاق مطلقٌ في مجرى البنصر جميعاً من روايته. وذكر عمرو: أن فيها رملاً ثالثاً بالوسطى، لابن جامع. وقال الهشامي: فيها ثلاثة أرمال لابن سريج، وابن جامع، وإبراهيم. ولأبي العبيس بن حمدون فيها ثاني ثقيلٍ. وفيها هزجٌ لإبراهيم الموصلي من جامع أغانيه.
أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال: وجدت كتاباً بخط محمد بن الحسن ذكر فيه أن فليح بن إسماعيل حدثه عن معاذٍ صاحب الهروي أن النصيب قال: عمر بن أبي ربيعة أوصفنا لربات الحجال.
أخبرني الطوسي: قال حدثنا الزبير قال حدثتني ظمياء مولاة فاطمة بنت عمر بن مصعب قالت: سمعت جدك يقول - وقد أنشد قول عمر بن أبي ربيعة:
صوت
يا ليتني قد أجزت الحبل نحوكم ... حبل المعرف أو جاوزت ذا عشر
إن الثواء بأرضٍ لا أراك بها ... فاستيقنيه ثواءٌ حق ذي كدر
وما مللت ولكن زاد حبكم ... وما ذكرتك إلا ظلت كالسدر
ولا جذلت بشيءٍ كان بعدكم ... ولا منحت سواك الحب من بشر
الغناء في هذه الأربعة الأبيات لسلام بن الغساني رملٌ بالسبابة في مجرى الوسطى عن إسحاق. وفيه لابن جامع وقفا النجار لحنان من كتاب إبراهيم ولم يجنسهما. وتمام الأبيات:
أذري الدموع كذى سقم يخامره ... وما يخامرني سقمٌ سوى الذكر
كم قد ذكرتك لو أجدى تذكركم ... يا أشبه الناس كل الناس بالقمر
- قالت: فقال جدك: إن لشعر عمر بن أبي ربيعة لموقعاً في القلب، ومخالطةً للنفس ليسا لغيره، ولو كان شعرٌ يسحر لكان شعره سحراً.
أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثني عمامة بن عمر قال: رأيت عامر بن صالح بن عبد الله بن عروة بن الزبير يسأل المسور بن عبد الملك عن شعر عمر بن أبي ربيعة، فجعل يذكر له شيئاً لا يعرفه، فيسأله أن يكتبه إياه ففعل، فرأيته يكتب ويده ترعد من الفرح.
المفاضلة بين شعره و شعر الحارث
بن خالد
أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثني عبد الملك بن عبد العزيز بن الماجشون عن عمه يوسف قال: ذكر شعر الحارث بن خالد وشعر عمر بن أبي ربيعة عند ابن أبي عتيق في مجلس رجل من ولد خالد بن العاصي بن هشام، فقال: صاحبنا - يعني الحارث بن خالد - أشعرهما. فقال له ابن أبي عتيق: بعض قولك يا ابن أخي، لشعر عمر بن أبي ربيعة نوطةٌ في القلب، وعلوقٌ بالنفس، ودركٌ للحاجة ليست لشعرٍ، وما عصي الله جل وعز بشعر أكثر مما عصي بشعر ابن أبي ربيعة، فخذ عني ما أصف لك: أشعر قريش من دق معناه، ولطف مدخله، وسهل مخرجه، ومتن حشوه، وتعطفت حواشيه، وأنارت معانيه، وأعرب عن حاجته. فقال المفضل للحارث: أليس صاحبنا الذي يقول:
إني وما نحروا غداة منى ... عند الجمار يؤدها العقل
لو بدلت أعلى مساكنها ... سفلاً واصبح سفلها يعلو
فيكاد يعرفها الخبير بها ... فيرده الإقواء والمحل
لعرفت مغناها بما احتملت ... مني الضلوع لأهلها قبل
فقال له ابن أبي عتيق: يابن أخي، استر على نفسك، واكتم على صاحبك، ولا تشاهد المحافل بمثل هذا، أما تطير الحارث عليها حين قلب ربعها فجعل عاليه سافله! ما بقي إلا أن يسأل الله تبارك وتعالى لها حجارةً من سجيلٍ. ابن أبي ربيعة كان أحسن صحبةً للربع من صاحبك، وأجمل مخاطبةً حيث يقول:
سائلاً الربع بالبلي وقولاً ... هجت شوقاً لي الغداة طويلا
وذكر الأبيات الماضية. قال: فانصرف الرجل خجلاً مذعنا.
شيء من أخبار الحارث الملقب بالقباع
أخبرني علي بن صالح قال حدثني أبو هفان عن إسحاق عن رجاله المسمين، وأخبرني به الحرمي عن الزبير عن عمه عن جده، قالوا: كان الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة أخو عمر بن أبي ربيعة رجلاً صالحاً ديناً من سروات قريش، وإنما لقب القباع لأن عبد الله بن الزبير كان ولاه البصرة، فرأى مكيالاً لهم فقال: إن مكيالكم هذا لقباعٌ - قال: وهو الشيء الذي له قعر - فلقب بالقباع.

(1/31)


وأخبرني محمد بن خلف بن المرزبان وأحمد بن عبد العزيز الجوهري وحبيب بن نصر المهلبي قالوا حدثنا عمر بن شبة قال حدثني عبد الله بن محمد الطائي قال حدثنا خالد بن سعيد قال: استعمل ابن الزبير الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة على البصرة، فأتوه بمكيال لهم، فقال لهم: إن مكيالكم هذا لقباعٌ، فغلب عليه. وقال أبو الأسود الدؤلي - وقد عتب عليه - يهجوه ويخاطب ابن الزبير:
أمير المؤمنين جزيت خيراً ... أرحنا من قباع بني المغيرة
بلوناه ولمناه فأعيا ... علينا ما يمر لنا مريرة
على أن الفتى نكحٌ أكولٌ ... وولاجٌ مذاهبه كثيرة
شعر عمر في تشوقه إلى مكة
بعد أن خرج منها إلى اليمن
قالوا: وكان الحارث ينهى أخاه عن قول الشعر فيأبى أن يقبل منه، فأعطاه ألف دينار على ألا يقول شعراً، فأخذ المال وخرج إلى أخواله بلحجٍ وأبين مخافة أن يهجيه مقامه بمكة على قول الشعر، فطرب يوماً فقال:
صوت
هيهات من أمة الوهاب منزلنا ... إذا حللنا بسيف البحر من عدن
واحتل أهلك أجياداً وليس لنا ... إلا التذكر أو حظ من الحزن
لو أنها أبصرت بالجزع عبرته ... من أن يغرد قمريٌ على فنن
إذاً رأت غير ما ظنت بصاحبها ... وأيقنت أن لحجاً ليس من وطني
ما أنس لا أنس يوم الخيف موقفها ... وموقفي وكلانا ثم ذو شجن
وقولها للثريا وهي باكيةٌ ... والدمع منها على الخدين ذو سنن
بالله قولي له في غير معتبةٍ ... ماذا أردت بطول المكث في اليمن
إن كنت حاولت دنيا أو ظفرت بها ... فما أخذت بترك الحج من ثمن
قال: فسارت القصيدة حتى سمعها أخوه الحارث، فقال: هذا والله شعر عمر، قد فتك وغدر. قال: وقال ابن جريج: ما ظننت أن الله عز وجل ينفع أحداً بشعر عمر بن أبي ربيعة حتى سمعت وأنا باليمن منشداً ينشد قوله:
بالله قولي له في غير معتبة ... ماذا أردت بطول المكث في اليمن
إن كنت حاولت دنيا أو ظفرت بها ... فما أخذت بترك الحج من ثمن
فحركني ذلك على الرجوع إلى مكة، فخرجت مع الحاج وحججت.
غنى في أبيات عمر هذه ابن سريج، ولحنه رملٌ بالبنصر في مجراها عن إسحاق. وفيها للغريض ثقيلٌ أول بالوسطى عن عمرو.


عود إلى شهادة جرير في شعر عمر
أخبرني محمد بن خلف قال حدثنا الحسين بن إسماعيل عن ابن عائشة عن أبيه قال: كان جريرٌ إذا أنشد شعر عمر بن أبي ربيعة قال: شعرٌ تهاميٌّ إذا أنجد وجد البرد، حتى أنشد قوله:
رأت رجلاً أما إذا الشمس عارضت ... فيضحى وأما بالعشي فيخصر
... الأبيات. فقال: مازال هذا يهذي حتى قال الشعر.
حنين عمر إلى ذكر الغزل
بعد أن كبرت سنه
أخبرني حبيب بن نصر المهلبي قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني عمي عن عثمان بن إبراهيم الخاطبي، وأخبرني به محمد بن خلف بن المرزبان قال حدثني إسحاق بن إبراهيم عن محمد بن أبان قال أخبرني العتبي عن أبي زيد الزبيري عن عثمان بن إبراهيم الخاطبي قال: أتيت عمر بن أبي ربيعة بعد أن نسك بسنين وهو في مجلس قومه من بني مخزوم، فانتظرت حتى تفرق القوم، ثم دنوت منه ومعي صاحبٌ لي ظريفٌ وكان قد قال لي: تعال حتى نهيجه على ذكر الغزل، فننظر هل بقي في نفسه منه شيءٌ. فقال له صاحبي: يا أبا الخطاب، أكرمك الله! لقد أحسن العذري وأجاد فيما قال. فنظر عمر إليه ثم قال له: وماذا قال؟ قال: حيث يقول:
لو جد بالسيف رأسي في مودتها ... لمر يهوي سريعاً نحوها راسي

 


قال: فارتاح عمر إلى قوله وقال: هاه! لقد أجاد وأحسن! فقلت: ولله در جنادة العذري! فقال عمر حيث يقول ماذا ويحك؟ فقلت: حيث يقول:
سرت لعينك سلمى بعد مغفاها ... فبت مستنبهاً من بعد مسراها
وقلت أهلاً وسهلاً من هداك لنا ... إن كنت تمثالها أو كنت إياها
من حبها أتمنى أن يلاقيني ... من نحو بلدتها ناعٍ فينعاها
كيما أقول فراق لا لقاء له ... وتضمر النفس يأساً ثم تسلاها
ولو تموت لراعتني وقلت ألا ... يا بؤس للموت ليت الموت أبقاها
قال: فصحك عمر ثم قال: وأبيك لقد أحسن وأجاد وما أبقى! ولقد هيجتما علي ساكناً، وذكرتماني ما كان عني غائباً، ولأحدثنكما حديثاً حلواً: