د/ عبير عبد الصادق محمد بدوي

أستاذ الأدب المشارك بكلية تربية الزلفي

لامية الشنفرى .. ت

لامية الشنفرى

تحليل وتذوق


مقدمة

تتخذ هذه الدراسة من "لامية العرب" للشنفرى نموذجا للكشف عن الظواهر اللغوية والاجتماعية والنفسية والفنية في شعر الصعاليك، هذه الظواهر التي تنتظم شعر صعاليك العرب الجاهليين أمثال عروة بن الورد والسليك بن السلكة، ولكن الباحث اختار "لامية العرب" لأنها قصيدة طويلة نقلت كاملة، خلاف شعر الصعاليك -ومنهم الشنفرى- الذي نقل مقطوعات متناثرة، بالإضافة لما تحتله من مكانة بارزة جعلتها من "أقوى القصائد الجاهلية، بل إنها تزاحم المعلقات وإن لم تكن منها، وهي من حيث الشهرة وعناية العلماء بها ترتفع إلى منزلة لامية كعب بن زهير (بانت سعاد) التي أنشدها في مدح النبي صلى الله عليه وسلم، دون أن تُعتمد في شهرتها مرتكزا دينيا كقصيدة كعب، بل بلغت ما بلغته بفضل ما فيها من جودة شعرية ووفرة المادة اللغوية التي أغرت العلماء بشرحها"[1]. كما أن لامية العرب جمعت ما يحويه شعر الصعاليك من مظاهر شعرية، لذا فهي غنية بما تحتاجه الدراسة من مواد.


ولا يُعرف سبب تسميتها بـ "لامية العرب"، فهناك قصائد لامية نسبت لشعراء جاهليين عديدين مثل عنترة وزهير وكعب، ولكن ربما أطلق على لامية الشنفرى هذا الاسم لأنها عبّرت أشد تعبير عن حياة العرب الجاهلية بما فيها من ظروف وأخلاق وطباع.


وقد لقيت "لامية العرب" اهتماما بالغا من طرف الشارحين والمحققين، "وتعتبر من أشهر قصائد الشنفرى، بل هي من أشهر ما أبدع الشعراء العرب قديما وحديثا، وشهرتها الأدبية واللغوية بلغت الآفاق، كما لقيت اهتماما بالغا من طرف المستشرقين، فأكبوا عليها يدرسونها ويترجمونها إلى لغات أوروبية مختلفة؛ لأنهم وجدوا فيها صورة متقنة لحياة الأعراب في الجزيرة العربية، فكان اهتمامهم بها لغرض اجتماعي، كما كان اهتمام العرب بها لغرض لغوي، بالإضافة لما تحويه من فنية الصور وجمالية الوصف ودقة التعبير وصدق العواطف وغيرها من جماليات الإبداع الأدبي"[2].


توثيق اللامية ونسبتها للشنفرى

تعرضت اللامية - مثلها مثل أشعار الجاهليين - للتشكيك "فذهب معظم الرواة إلى أنها للشنفرى، وقال ابن دريد إنها لخلف الأحمر"[3]، ومعلوم أن خلف الأحمر ممن اتُّهموا بنحل الشعر، فلعل ابن دريد يقصد أنه نحلها للشنفرى، وشكك بعض المستشرقين مثل "كرنكو" في اللامية بحجة أنها تفتقر لذكر أسماء المواضع والأعلام كما هي عادة الشعراء الجاهليين، بيد أن تحليلنا للقصيدة يثبت أن شعر الصعاليك ذو طبيعة خاصة تختلف عن غيره من الأشعار كما سيأتي آنفا، فلا يتعلق بمثل هذا الرأي في الشك في كون القصيدة جاهلية. "ورجح يوسف خليف كفة الشك في صحة نسبتها للشنفرى، واعتمد في ذلك على ثلاثة أشياء: الأول أن ابن دريد نسبها لخلف الأحمر ومعلوم أن ابن دريد قريب عهد بخلف! والثاني إغفال أبي الفرج الأصفهاني ذكر اللامية إغفالا تاما رغم كثرة روايته لشعر الشنفرى، وأن لسان العرب حاد عن الاستشهاد بها رغم كثرة إيراد شعر الصعاليك. والثالث أن اللامية طويلة طولا غير مألوف في شعر الصعاليك الذي كان مقطعات متناثرة، إلى جانب قلة الاضطراب في رواية ألفاظها وفي ترتيب أبياتها، وهي ظاهرة غير مألوفة في شعر الصعاليك"[4].


ويبدو الضعف شديدا في آراء يوسف خليف، إذ إنه لم يستقص الأمور جيدا في آرائه، فقد ذكر أن "لسان العرب" لم يورد شيئا من اللامية في استشهاداته، رغم وجودها فيه، فقد وردت ثلاثة أبيات من القصيدة هي:

ولا جُبَّأٍ أكْهَى مُرِبٍّ بعِرْسِهِ 
يُطَالِعُها في شَأْنِهِ كَيْفَ يَفْعَلُ 
أَو الخَشرَمُ المَبعوثُ حَثحَثَ دَبرَهُ 
مَحابيضُ أَرداهُنَّ سامٍ مُعَسَّلُ 
وأصْبَحَ عَنّي بالغُمَيْصَاءِ جَالساً 
فَرِيقَانِ: مَسْئُولٌ وَآخَرُ يَسْألُ 

 

كما أن إغفال الأصفهاني لا يعني أن الأصفهاني أورد كل ما وجد من الأشعار العربية القديمة، فقد فاتته أشعار كثيرة بالتأكيد، وإن كان ابن دريد نسبها لخلف الأحمر فقد نسبه معظم الرواة إلى الشنفرى، فلماذا لم يأخذ برأي الأغلب؟! أما طول القصيدة وقلة الاضطراب في روايتها فنراه ميزة اجتمعت في القصيدة أدى لتميزها ولا يعني بالضرورة نحلها، إذ إن كثيرا من الشعر المنحول مضطرب في روايته!


وقد أورد الدكتور إميل بديع يعقوب في تحقيقه لديوان الشنفرى عدة أسباب تصرخ بنسبة اللامية للشنفرى صراخا يخرس من شكك فيها، منها:

1- كثرة العلماء القدامى والمحدثين الذين نسبوها إليه.

2- تصوير اللامية للبيئة العربية الصحراوية القاحلة.

3- كون اللامية جاهلية العواطف والقالب.

4- ورود اسم "الشنفرى" في القصيدة:

فإنْ تَبْتَئِسْ بالشَّنْفَرَى أمُّ قَسْطَلٍ 
لَمَا اغْتَبَطَتْ بالشَّنْفَرَى قَبْلُ أطْوَلُ 

 


5- في بعض أبياتها جواز نعهده في الشعر الجاهلي من إبدال "مفاعلن" الأولى أو الثالثة من البحر الطويل بـ "فاعيلن"، وهو جواز لا نجده في الشعر الإسلامي لتحولهم عن طريقة الجاهليين في الإنشاد.


6- عدم التصريع في البيت الأول منها، ولعل عادة التصريع لم تكن متبعة في زمن الشنفرى، فتكون القصيدة من أقدم الشعر الجاهلي.


7- ما فيها من صدق العاطفة ودقة التصوير وروعته يبعدها عن النحل.


ويقول المستشرق جورج يعقوب:

"إن موطن هذه القصيدة هو تلك المرابع في جنوب مكة بين الجبال التي تقع في شمال اليمن حيث مضارب الأزد قبيلة شاعرنا، إنني لا أفهم كيف يستطيع المرء أن ينكر هذه القصيدة التي تتنفس بعبير الصحراء، وترسم جاهلية العرب بكل نقاء، وتصور حياة رجل حمل أحقادا أورثته إياها مظالم الناس، وعقوق الأخوة، وجور العدالة، ويعزوها إلى رجل من بين أولئك اللغويين الذين يقتلون وقتهم جدلا في إعراب جملة صغيرة"[5].


ومهما يكن من شيء فإن ما يعنينا في دراستنا ما تحويه القصيدة من صور فنية وإبداعية استطاع بها الشاعر أن يعبر عن فكرته ورؤيته للحياة، ومن ثم نكشف الأسباب الكامنة خلف وصول هذه القصيدة لما وصلت إليه من مكانة جعلتها تزاحم أقوى القصائد الجاهلية.


من هم الصعاليك؟

إن شخصية ناظم القصيدة تلعب دورا مهما فيما تتصف به من خصائص؛ لذا نلقي الضوء على طبيعة الصعاليك وبيئتهم في نظرة سريعة؛ لنستبين بها طبيعة المؤثرات البيئية والنفسية التي أفرزت لنا الخصائص الشعرية في هذه القصيدة الرائعة، فضلا عن شاعر مثل الشنفرى.


الصعاليك قوم من العرب طردتهم قبائلهم فلم تفتح لهم ذراعيها، إما بسبب أعمالهم التي لا تتوافق مع أعراف القبائلالتي ينتمون إليها مثل حاجز الأزدي وقيس الحدادية، أو من أبناءالحبشيات السود ممن نبذهم آباؤهم ولم يلحقوهم بأنسابهم مثل السليك بن السلكة وتأبط شراً والشنفرى‏.


وجدير بالذكر في هذه الدراسة أن نلقي الضوء على مفهوم الصعلكة وتعريف واسع للصعاليك ونشأتهم كإضاءة للدراسة التي نحن بصددها.


فالصعلكة -لغةً- مأخوذة من قولهم: "تصعلكت الإبل" إذاخرجت أوبارها وانجردت. ومن هذا الأصل اللغوي أصبح الصعلوك هو الفقير الذي تجرد منالمال، وانسلخ من جلده الآدمي ودخل في جلد الوحوش الضارية!


وقد حدد الدكتور شوقي ضيف معنى "الصعلوك" لغة بأنه"الفقير الذي لا يملك من المال ما يعينه على أعباء الحياة"، مؤكداً أن هذهاللفظة تجاوزت دلالاتها اللغوية وأخذت معاني أخرى كقطّاع الطرق الذينيقومون بعملياتالسلب والنهب.


وقسّم الصعاليك إلى ثلاثة أقسام:

1- فئة الخلعاء الشذاذ وهم الذين خلعتهم قبائلهم بسبب أعمالهم التي لا تتوافق مع أعراف القبائل التي ينتمون إليها مثل حاجز الأزدي وقيس الحدادية.


2- فئة أبناءالحبشيات السود ممن نبذهم آباؤهم ولم يلحقوهم بأنسابهم مثل السليك بن السلكة وتأبط شراً والشنفرى.


3- فئة ليست من الخلعاء ولا أبناء الإماء الحبشيات، بل هي مجموعة احترفتالصعلكة احترافا وحولتها إلى ما يفوق الفروسية من خلال الأعمال الإيجابية التيكانوا يقومون بها، وقد يكونون أفرادا مثل عروة بن الورد سيد الصعاليك، وقد يكونون قبائل مثل قبيلتي هذيل وفهم[6].


ونجد في أشعار هؤلاء الصعاليك ترديد صيحات الفقر والجوع والحرمان، كما كانوا ناقمين وثائرين على الأغنياء والأشحاء، وامتازوا بالشجاعة والصبر وقوة البأس والمضاء وسرعة العدو، وقد ضرب بهم المثل في شدة العدو حتى قيل: "أعدى من السليك" و "أعدى من الشنفرى".


وكانت غاراتهمتتركز في المناطق الخصبة، وترصد قوافل التجارة وقوافل الحجاج القاصدة مكة المكرمة، وكثيرا ما تغنّوا بكرمهم وبرّهم بأقاربهم؛ لأن ما يحصلون عليه كان يوزع على الأهل والأقارب المحتاجين، كما اتسمت لغتهم الشعرية بالترفع والسمو والشعور بالكرامة في الحياة[7].


وكانوا يفخرون بأنهم لا يتعرضون في غاراتهم وغزواتهم للأسياد الشرفاء، وإنماللأغنياء الأشحاء، وهذا المبدأ تمثله سيد الصعاليك عروة بن الورد.


كما عرف عن هؤلاء الصعاليك اعتزازهم بأنفسهم، وهذا الاعتزاز نابع من مدى قناعتهم بالفعل الذي يقومون به، يقول الشنفرى:

وفي الأرض منأى للكريم عن الأذى 
وفيها لمن خاف القلى متعزل‏ 

 

 

ومن أشهر الصعاليك عروة بن الورد، والسليك بن السلكة، وتأبط شراً، والشنفرى، والحارث بن ظالم المري، وقيس بن الحدادية، وحاجز بن عوف الأزدي، وأبو منازل السعدي، والخطيم بن نويرة وقد عاش في صدر الإسلام وربما أدرك أوائل العصر الأموي، والقتال الكلابي فضالة بن شريك الأسدي، وصخر الغي من هذيل توفي في صدر الإسلام، والأعلم الهذلي وهو أخو الشاعر الصعلوك صخر الغي وقد عاش حتى عصر صدر الإسلام، وحماد الراوية.


وإذا كان الأصل اللغوي لهذه الكلمة يقع في دائرة الفقر، فإن الصعلكة في الاستعمال الأدبي لا تعني الضعفبالضرورة، إذ إن الصعاليك تمردوا على سلطة القبيلة وثاروا على الظلم والقمع والقهر والاستلاب الذي تمارسه القبيلة على طائفة من أفرادها، ومما لا شك فيه أن هناك عوامل أدت إلى بروز ظاهرة الصعلكة في الصحراء العربية إبَّان العصر الجاهلي.


"فالعامل البيئي الذي أدى إلى بروز هذه الظاهرة يتمثل في قسوة الصحراء وشُحِّهابالغذاء إلى درجة الجوع الذي يهدد الإنسان بالموت، وإذا جاع الإنسان إلى هذهالدرجة فليس من المستغرب أن يتصعلك ويثور ويقتل.


والعامل السياسي يتمثل فيوحدة القبيلة القائمة على العصبية ورابطة الدم، فللفرد على القبيلة أن تحميه وتهرع لنجدته حين يتعرض لاعتداء، ولها عليه في المقابل أن يصون شرفها ويلتزم بقوانينها وقيمها وأن لا يجر عليها جرائم منكرة. وفشل الفرد في الوفاء بهذه الالتزامات قد يؤدي إلى خلعه والتبرؤ منه، ومن هنا نجد طائفة من الصعاليك تُسمى "الخلعاء والشذاذ".


ومن الناحية الاجتماعية، نجد أن التركيبة القبلية تتشكل من ثلاث طبقات هي طبقة الأحرار الصرحاء من أبناء العمومة، وطبقة المستجيرين الذين دخلوا في القبيلة من قبائل أخرى، ثم طبقة العبيد من أبناء الإماء الحبشيات. والحقيقة أن مجموعة كبيرة من الصعاليك هم من أبناء هذه الطبقة المستلبة التي ثار الأقوياء من أفرادها لكرامتهم الشخصية مثل الشنفرى وتأبط شرًا وعمرو بن برَّاقة والسليك بن السلكة وعامر بنالأخنس وغيرهم. وكان يُطلق عليهم أغربة العرب أو الغِرْبان تشبيهًا لهم بالغراب لسواد بشرتهم.


أما العامل الاقتصادي، فيعزى إلى أن حياة القبيلة في العصرالجاهلي كانت تقوم على النظام الإقطاعي الذي يستأثر فيه السادة بالثروة، في حين كانيعيش معظم أفراد الطبقات الأخرى مستخدَمين أو شبه مستخدمين. فظهر من بين الأحرار أنفسهم نفر رفضوا أن يستغل الإنسان أخاه الإنسان، وخرجوا على قبائلهم باختيارهم لينتصروا للضعفاء والمقهورين من الأقوياء المستغلين، ومن أشهر هؤلاء عُروة بن الورد الملقب بأبي الصعاليك أو عروة الصعاليك".


 

شعر الصعاليك

"شعر الصعاليك مصطلحٌ يصف ظاهرة فكرية نفسية اجتماعية أدبية لطائفة من شعراء العصر الجاهلي، عكس سلوكهم وشعرهم نمطا فكريا واجتماعيا مغايرا لما كان سائدًا في ذلك العصر، ويمثل الصعاليك من الناحية الفنيةخروجا جذريا عن نمطية البنية الثلاثية للقصيدة العربية، فشعرهم معظمه مقطوعات قصيرة وليس قصائد كاملة. كما أنهم، في قصائدهم القليلة، قد استغنوا في الغالب عن الغزل الحسي وعن وصف الناقة. ويحل الحوار مع الزوجة حول حياة المغامرة محل النسيب التقليدي في بعض قصائدهم. وتمثل نظرتهم المتسامية إلى المرأة موقفا يتخطى حسية العصر الجاهلي الذي يقف عند جمال الجسد ولا يتعداه إلى رؤية جمال المرأة في حنانهاونفسيتها وخُلقها.


وعلى الرغم من أن مقاصد شعر الصعاليك كلها في تصوير حياتهم وما يعتورها من الإغارة والثورة على الأغنياء وإباحة السرقة والنهب ومناصرةالفقراء، فإنه اهتم بقضايا فئة معينة من ذلك العصر، يرصد واقعها ويعبِّر عنهمومها ويتبنى مشكلاتها وينقل ثورتها النفسية العارمة بسب ما انتابها من ظلم اجتماعي".


الشنفرى ولاميته

 

هو ثابت بن أوس بن الحجر الأزدي، توفي عام 70 قبل الهجرة (525م)، وهوصعلوك جاهلي مشهور من قبيلة الأزد اليمنية، ويعني اسمه (غليظ الشفاه)، ويدل على أن دماء حبشية كانت تجري فيه. نشأ في قبيلة "فهم" بعد أن تحولت إليها أمه بعد أن قتلت الأزد والده، ويرجح أنه خص بغزواته بني سلامان الأزديين ثأراً لوالده وانتقاما منهم، وكان الشنفرى سريع العدو لا تدركه الخيل حتى قيل: "أعدى من الشنفرى"، وكان يغير على أعدائه من بني سلامان برفقة صعلوك فتّاك هو تأبط شراً وهو الذي علمه الصعلكة، وقد عاش الشنفرى في البراري والجبال وحيداً حتى ظفر به أعداؤه فقتلوه قبل 70 عاما من الهجرة النبوية[8].


ولا ريب أن العوامل البيئية والاجتماعية قد أثرت على الشنفرى وبدا ذلك واضحا في شعره فضلا عن لاميته، تلك القصيدة التي تبدو فيها ملامح الصعلكة من ثورة على الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية التي كانت في بيئته آنذاك، والغربة التي يشعر بها كل صعلوك عاش في بيئته، كما نجد فيها مفاخرته بنفسه وبأخلاقه وشجاعته.


"ومن خلال الروايات عن شخصية الشنفرى وظروفه نرى فيه شخصية فذة في عدة نواح، في قوة الإرادة إلى درجة غير مألوفة، ومن أمثلة ذلك تصميمه على قتل مائة رجل من بني سلامان وإنفاذ عزمه، وفي قوة تركبيه الجسمي ومن أمثلة ذلك أنه كان يسبق الخيل في عدوه، وفي قوة عقليته وعمق تفكيره ومن أمثلة ذلك أنه كما كانوا يصفونه كان يضرب به المثل في الحذق والدهاء، وقد شاءت الظروف لهذه المواهب أن تعيش في أسوأ ظروف اجتماعية، أبرزها أنه مجرد أسير ذليل لا يملك حتى حريته، بل ازدادت الظروف قسوة عليه حين تعرض لحوادث اضطهاد وإذلال من بني سلامان حين تطلعت نفسه إلى الارتباط بإحدى فتياتهم، فاتجه إلى الصعلكة حتى كان من أبرز الصعاليك وأشهرهم على الإطلاق، صابا سخطه ونقمته على كل الناس ممثلين في بني سلامان. وخلال وحدته وتشرده في الصعلكة قال هذه اللامية، وهي ثمانية وستون بيتا، فجاءت القصيدة مطابقة كل المطابقة لشخصيته بما فيها من مقومات، وعقليته بما فيها من عمق ونضوج، وظروفه بما فيها من قسوة وجفاف، حتى كانت القصيدة مرآة صقيلة نرى فيها الشنفرى وحياته بوضوح"[9].


المنهج الشعري لدى الصعاليك من خلال دراسة اللامية

 

"حين ننظر في شعر الصعاليك نجد في نفوسنا إحساسا بأن موضوع القطعة الشعرية فيه ليس غرضا مقصودا لذاته، وحين نحاول البحث عن الغرض المقصود نجد أنه دائما ينتهي إلى شيء واحد هو شخصية الصعلوك نفسها وحياته، فقد يتحدث الصعلوك مثلا عن الفقر، وقد يتحدث عن السلاح، وقد يتحدث عن الوحوش، وقد يتحدث عن الناس، ولكننا نحس أنه لا يتحدث عن شيء من ذلك لذاته، فلا يتحدث عن الفقر من حيث آثاره وملابساته لذاتها، وإنما يتحدث عنه من زاويته هو، وعن موقفه منه وتأثره به، فيتحدث عن البيئة مثلا فيصف ليلة شديدة البرد أو يوما شديد الحر أو وحوشا ترود من حوله أو أعداء يرصدونه متربصين به، ولكنه لا يتحدث عن شيء ذلك حديث الوصف فحسب، وإنما يتحدث عن مثل هذه الأشياء من زاويته هو، ومن حيث ارتباطه بها في مزاولة الصعلكة وتأثره بها"[10].


ففي حديثه عن الوحوش يقول الشنفرى:

وَلِي دُونَكُمْ أَهْلُون : سِيدٌ عَمَلَّسٌ 
وَأَرْقَطُ زُهْلُولٌ وَعَرْفَاءُ جَيْأَلُ 
هُمُ الأَهْلُ لا مُسْتَودَعُ السِّرِّ ذَائِعٌ 
لَدَيْهِمْ وَلاَ الجَانِي بِمَا جَرَّ يُخْذَلُ 

 

فهو ينسب الذئب والنمر والضبع لنفسه، إذ اتخذهم أصدقاء بدلا من أهله الذين نبذوه، يأتمنهم على سره، ويراهم مساندين له إذ لا يؤخذ الجاني منهم بشيء حسب شريعة الغاب!


فهو لا يتبع أسلوب شعراء الجاهلية المعتاد في الوصف كغرض شعري مقصود لذاته، وإنما من زاوية ارتباط الشيء المتناول بشخصه هو في مزاولته الصعلكة.


"وكذلك نراه يرسم لوحة فنية لإحدى ليالي الشتاء في الصحراء، نرى السماء في هذه اللوحة يتساقط منها المطر، ونرى الأرض قد ابتلت رمالها فأصبحت مرحلة، ونرى فيما بين السماء والأرض بردا قارسا بالغ القسوة، ونرى في هذه اللوحة صعلوكا حائرا بين مطر السماء ووحل الأرض وبرد ما بينهما، وحاصرته هذه العوامل، فاستبد به الجوع حتى بلغ أقصاه، واستبد به الخوف حتى بلغ أقصاه، حتى ظل جسمه كله يرتعد وحتى دفعه هذا البرد إلى تحطيم قوسه التي يزود بها عن حياته الوحوش والمخاطر فيوقدها هي ونصالها ليستدفئ بهن ويدفع عن جسمه هذا البرد الشنيع"[11].


وَلَيْلَةِ نَحْسٍ يَصْطَلي القَوْسَ رَبُّها 
وَأقْطُعَهُ اللَّاتي بِهَا يَتَنَبَّلُ 
دَعَسْتُ على غَطْشٍ وَبَغْشٍ وَصُحْبَتي 
سُعَارٌ وإرْزِيزٌ وَوَجْرٌ وَأفَكَلُ 
فأيَّمْتُ نِسْوَانَاً وأيْتَمْتُ إلْدَةً 
وَعُدْتُ كما أبْدَأْتُ واللَّيْلُ ألْيَلُ 

"هذه لوحة بديعة يمكن أن تستوعب قصيدة كاملة في غرض مقصود لذاته، ولكننا نجد الشنفرى لا يسوق هذا الوصف كموضوع أو غرض مقصود، وإنما يسوقه عرضا في خلال حديثه عن المتاعب والمخاطر الجسيمة التي يتغلب عليها بقوة عزمه وإرادته فيجتازها حتى يبلغ هدفه من غاراته على أعدائه، فليس هذا الوصف هو المقصود، وإنما المقصود أنه لا يرده عن عزمه شيء"[12].


ونجد الشنفرى يلجأ لذكر محاسنه يتغنى بها في القصيدة، وذلك لما يشعر به الصعلوك من نبذ وازدراء من الناس، فيلجأ لحيل الدفاع النفسي، فيسرد محاسنه بشكل متواصل في القصيدة محاولا دفع أي شبهة تثار حول أخلاقه إن كان يُظَنّ أنها السبب في نبذه:

 

وَإنْ مُدَّتِ الأيْدِي إلى الزَّادِ لَمْ أكُنْ 
بَأَعْجَلِهِمْ إذْ أَجْشَعُ القَوْمِ أَعْجَلُ 
وَمَا ذَاكَ إلّا بَسْطَةٌ عَنْ تَفَضُّلٍ 
عَلَيْهِمْ وَكَانَ الأَفْضَلَ المُتَفَضِّلُ 
وَأغْدو خَمِيصَ البَطْن لا يَسْتَفِزُّني 
إلى الزَادِ حِرْصٌ أو فُؤادٌ مُوَكَّلُ 


كما نلحظ تضخم الأنا لدى الشاعر، إذ نجده يستخدم ضمير المتكلم بصورة لافتة، وما ذلك إلا توكيد لما يسرده من محاسن له.


ويتحدث الشنفرى عن عفته في تناول الطعام مع القوم وعدم حرصه على الزاد، وهنا مفارقة مضحكة، إذ إن الذي تقوم حياته على السلب والنهب يستبعد عنه العفة كما يقول هو:

 

طَرِيدُ جِنَايَاتٍ تَيَاسَرْنَ لَحْمَهُ 
عَقِيرَتُهُ لأِيِّها حُمَّ أَوَّلُ 
تَنَامُ إذا مَا نَامَ يَقْظَى عُيُونُها 
حِثَاثَاً إلى مَكْرُوهِهِ تَتَغَلْغَلُ 
فأيَّمْتُ نِسْوَانَاً وأيْتَمْتُ إلْدَةً 
وَعُدْتُ كما أبْدَأْتُ واللَّيْلُ ألْيَلُ 

 

إذ يؤكد أنه مطارد من أقوام كثيرين كلهم يطلب قتله ويتقامرون على لحمه إن ظفروا به، ويتّم أولادا ورمل نساء، ومثل هذا يستبعد عنه العفة والجشع عن الزاد! وهو ما يدل على ما تعانيه نفسه من مشاعر متناقضة وجدل ما بين نظرته لنفسه ونظرة الناس إليه.


ونجد أن رؤيته للناس قاتمة يشوبها الاستعلاء، إذ إنه استغنى عنهم بحيوانات الصحاري كالنمر والضبع واتخذهم أهلا له:

 

وَلِي دُونَكُمْ أَهْلُون : سِيدٌ عَمَلَّسٌ 
وَأَرْقَطُ زُهْلُولٌ وَعَرْفَاءُ جَيْأَلُ 
هُمُ الأَهْلُ لا مُسْتَودَعُ السِّرِّ ذَائِعٌ 
لَدَيْهِمْ وَلاَ الجَانِي بِمَا جَرَّ يُخْذَلُ 

 

بل اتخذ أدوات الصيد والقتال كالسيف والقوس التي يحملها أصحابا يرى فيهم الفائدة عن غيرهم من البشر الذين يسيئون إليه:

 

وَإنّي كَفَانِي فَقْدَ مَنْ لَيْسَ جَازِيَاً 
بِحُسْنَى ولا في قُرْبِهِ مُتَعَلَّلُ 
ثَلاَثَةُ أصْحَابٍ: فُؤَادٌ مُشَيَّعٌ 
وأبْيَضُ إصْلِيتٌ وَصَفْرَاءُ عَيْطَلُ 
هَتُوفٌ مِنَ المُلْسَ المُتُونِ تَزِينُها 
رَصَائِعُ قد نِيطَتْ إليها وَمِحْمَلُ 
إذا زَلَّ عنها السَّهْمُ حَنَّتْ كأنَّها 
مُرَزَّأةٌ عَجْلَى تُرنُّ وَتُعْوِلُ 

 

وإذا جئنا للوصف فإن "فمن يقرأ وصف الذئب والقطا في لامية الشنفرى يجد أنه إبداع حقيقي، بل إبداع من نوع خاص سلك فيه الشاعر مسلكا متميزا عن سابقيه ينم عن خبرة بحيوانات الصحراء وطيورها وعن تفاعل الشاعر معها"[13].


"فقد جاءت صورة الذئب والقطا في معرض تفاعل الشنفرى وحيوانات البيئة الصحراوية وطيورها وتمثيله للصراع القائم في الصحراء عن طريق جعلهما شريكين له في صراعه وكذلك إبراز شجاعته وقدرته الفائقة على التحدي والتغلب على الصعاب بإظهار نفسه أسرع من الذئب مرة وأسرع من القطا مرة ثانية"[14].


فنلمس في علاقته بالذئب مسألة التكامل بين الطرفين المتحابين، فهما في الهمّ سواء، كما يستخدم في وصفه عدة أسماء له فهو سيد عملس وأزل، كاهتمام العرب بإطلاق أكثر من مسمى على الحيوانات التي لها مكانة مميزة عندهم:

 

وأَغْدُو على القُوتِ الزَهِيدِ كما غَدَا 
أَزَلُّ تَهَادَاهُ التنَائِفَ أطْحَلُ 
غَدَا طَاوِياً يُعَارِضُ الرِّيحَ هَافِياً 
يَخُوتُ بأَذْنَابِ الشِّعَابِ ويُعْسِلُ 
فَلَما لَوَاهُ القُوتُ مِنْ حَيْثُ أَمَّهُ 
دَعَا فَأجَابَتْهُ نَظَائِرُ نُحَّلُ 
مُهَلَّلَةٌ شِيبُ الوُجُوهِ كأنَّها 
قِدَاحٌ بأيدي ياسِرٍ تَتَقَلْقَلُ 
أوِ الخَشْرَمُ المَبْعُوثُ حَثْحَثَ دَبْرَهُ 
مَحَابِيضُ أرْدَاهُنَّ سَامٍ مُعَسِّلُ 
مُهَرَّتَةٌ فُوهٌ كَأَنَّ شُدُوقَها 
شُقُوقُ العِصِيِّ كَالِحَاتٌ وَبُسَّلُ 
فَضَجَّ وَضَجَّتْ بالبَرَاحِ كأنَّها 
وإيّاهُ نُوحٌ فَوْقَ عَلْيَاءَ ثُكَّلُ 
وأغْضَى وأغْضَتْ وَاتَّسَى واتَّسَتْ به 
مَرَامِيلُ عَزَّاها وعَزَّتْهُ مُرْمِلُ 
شَكَا وَشَكَتْ ثُمَّ ارْعَوَى بَعْدُ وَارْعَوَتْ 
وَلَلْصَبْرُ إنْ لَمْ يَنْفَعِ الشَّكْوُ أجْمَلُ 
وَفَاءَ وَفَاءَتْ بَادِراتٍ وَكُلُّها 
على نَكَظٍ مِمَّا يُكَاتِمُ مُجْمِلُ 

 

فهو يخرج لطلب القوت مثل الذئب الذي دعا أصحابه ليشاركوه البحث عنه، "وواضح أن الشاعر أسقط على الذئب كل ما يجيش في نفسه، إذ كان بلوغ القوت هو أمنيته التي تهيئ له الحياة الكريمة والاستقرار في ظل عشيرة وأهل ينعم في الحياة معهم، وهو غير قادر على تحقيق ذلك بدون الذئب السريع الذي يوصله إلى الزاد عبر المفاوز المقفرة والمسافات الطويلة، لذا صور الذئب بهذه الصورة ليحقق لنفسه الغاية المنشودة"[15].


"فاستطاع الشاعر أن يصنع علاقة معاناة وتشرد وخوف وضياع بينه وبين الذئب، إذ إنه بوجود الأهل والقوت يتحقق الرخاء والاستقرار والأمن، وغيابهما يدخله في دائرة البؤس والشقاء ورفض الواقع المعيش، والبحث عن واقع بديل من وجهة نظر الشاعر هو أفضل مما هو كائن، وهذا ما أشقى الشاعر وأضناه، إذ إنه حاول الخروج من دائرة الأهل والعشيرة واللجوء إلى عالم آخر يتكامل معه" وهو عالم الحيوان:

 

وَلِي دُونَكُمْ أَهْلُون : سِيدٌ عَمَلَّسٌ 
وَأَرْقَطُ زُهْلُولٌ وَعَرْفَاءُ جَيْأَلُ 
هُمُ الأَهْلُ لا مُسْتَودَعُ السِّرِّ ذَائِعٌ 
لَدَيْهِمْ وَلاَ الجَانِي بِمَا جَرَّ يُخْذَلُ 

 

وهذا يذكرنا بقول الشاعر:

 

عوى الذئب فاستأنست بالذئب إذ عوى 
وصوت إنسان فكدت أطير 

 

ونجد صورة القطا تدلنا على مثل هذا التكامل، إذ نجد الشاعر يسقط مشاعره وأحاسيسه وحالته النفسية على هذا الطائر:

 

وَتَشْرَبُ أسْآرِي القَطَا الكُدْرُ بَعْدَما 
سَرَتْ قَرَبَاً أحْنَاؤها تَتَصَلْصَلُ 
هَمَمْتُ وَهَمَّتْ وَابْتَدَرْنَا وأسْدَلَتْ 
وشَمَّرَ مِنِّي فَارِطٌ مُتَمَهِّلُ 
فَوَلَّيْتُ عَنْها وَهْيَ تَكْبُو لِعُقْرِهِ 
يُبَاشِرُهُ منها ذُقُونٌ وَحَوْصَلُ 
كأنَّ وَغَاها حَجْرَتَيْهِ وَحَوْلَهُ 
أضَامِيمُ مِنْ سَفْرِ القَبَائِلِ نُزَّلُ 
تَوَافَيْنَ مِنْ شَتَّى إِلَيْهِ فَضَمَّهَا 
كما ضَمَّ أذْوَادَ الأصَارِيمِ مَنْهَلُ 
فَغَبَّ غِشَاشَاً ثُمَّ مَرَّتْ كأنّها 
مَعَ الصُّبْحِ رَكْبٌ مِنْ أُحَاظَةَ مُجْفِلُ 

 

فهو عندما يطلب الماء يتتبع القطا حيث تذهب إليه فيسبقها لسرعة عدوه المشهورة عند الصعاليك، فترد القطا بعده وتشرب سؤره، فجموع القطا تشعر بما يشعر به من العطش، فيتسابقان إلى الماء.


فالشاعر عند حديثه عن "الذئب وعشيرته وكذلك حديثه عن أسراب القطا يحكي لنا مشاعره وأحاسيسه، فعندما يشبه نفسه بالذئب فهذا يعني أنه يتحدث عن نفسه، إذ جعل حديثه عن الذئاب مجالا للإفصاح عن تجربته الشعورية، وبانتقاله إلى الحديث عن القطا يظهر لنا قدرته الفائقة على العدو، وهو بذلك يريد أن يبرر سمة الصراع من أجل الماء وهي هاجس البدوي في الصحراء، وهي أيضا نزعة وجدانية لدى الشاعر تأتت غليه حين هجر قومه فوجد لدى الحيوانات البديل والمستراح.


التعبيرات الفنية

إذا تتبعنا التعبيرات الفنية التي استخدمها الشنفرى ليبث ما يدور بداخله من آلام وشعور بالغربة، فسنجد ارتفاعا في النضج الفني لديه، وإن ابتعد عن الاستقصاء في وصف مال يدور بداخله، إذ يكتفي بالإشارات السريعة التي تجعلنا نعمل الذهن في استخلاص فنيتها، فقد بدأ قصيدة بالنداء صارخا في قومه الذين شعر منهم بالنبذ ولم يجد منهم ما تصبوا إليه نفسه:

 

أَقِيمُوا بَنِي أُمِّي صُدُورَ مَطِيِّكُمْ 
فَإنِّي إلى قَوْمٍ سِوَاكُمْ لَأَمْيَلُ 
فَقَدْ حُمَّتِ الحَاجَاتُ وَاللَّيْلُ مُقْمِرٌ 
وَشُدَّتْ لِطِيّاتٍ مَطَايَا وَأرْحُلُ 

 

واختار هذه الصلة "صلة الأمومة"؛ لأنها أقرب الصلات إلى العاطفة والمودة التي يفتقدها الصعلوك طريد الصحاري، "وذلك ليرميهم بالفضيح ويسجل عليهم بالقبيح؛ لأن الأم شأنها الحنوّ والشفقة، وأولادها من شأنهم المحبة والتراحم، وقد خرجوا معه من حيز التصافي إلى حيز التنافي"[16].


ويتناص هذا البيت مع بيت عروة بن الورد يستنفر قومه للإغارة على القوافل:

أقيموا بني لبنى صدور ركابكم 
فكل منايا النفس خير من الهزل[17] 


بيد أن الغرض يختلف، فعروة يستنفر قومه ليتبعوه ويلتزموه في طريق الإغارة، وهو ما يقصده بإقامة الصدور، أما الشنفرى فغرضه من إقامة الصدور تنبيه قومه ليقوموا من أخلاقهم معه إذ اضطرته معاملتهم إلى هجرهم، أو يقصد استعدادهم لرحيله عنهم أو أنه لا مقام لهم بعد رحيله.


ونلحظ في اللامية البعد عن المقدمة الطللية أو الغزلية التي يتميز بها الشعر الجاهلي، ويرى الدكتور يوسف خليف أن السبب في ذلك جنوح الصعاليك إلى الوحدة الموضوعية في شعرهم ومقطعاتهم، إذ المقدمات الطللية تخل بهذه الوحدة الموضوعية[18]، ولكني أرى السبب هو الشعور النابع عنه الاستهلال، ذلك أن الشعور الذي ينتاب الشعراء الجاهليين - غير الصعاليك - هو الحنين للماضي أو للمحبوبة أو للديار.. أما الأزمة النفسية التي يعيشها الصعلوك فهي الشعور بالنبذ الاجتماعي والفقر، لذا فهو يبدأ قصائده بالحديث عن هذا كما يبدو من مقدمة "اللامية" محل الدراسة.


ونظرا لنزوع الصعلوك للبعد عن المجتمع وعزوفه عنه إلى حياة الإغارة والنهب جعلته يتحلل من الولاء للقبيلة فلا نجد اعتزازه بهم مثلما هو الحال في الشعر الجاهلي "لأن ما بينه وبين عشيرته انقطع، فلم تعد له قبيلة، وإنما أصبح شعره صورة صادقة من حياته هو"[19].

لَعَمْرُكَ مَا بِالأَرْضِ ضِيقٌ على امْرِئٍ 
سَرَى رَاغِبَاً أَوْ رَاهِبَاً وَهْوَ يَعْقِلُ 


والأرض واسعة سواء لصاحب الحاجات والآمال أم للخائف، بشرط أن يكون عاقلا متزنا بصيرا بالأمور، فطلب الآمال والتهرب مما يخاف منه يتطلب الحكمة والتعقل، خاصا لمن كان طريدا!

 

هُمُ الأَهْلُ لا مُسْتَودَعُ السِّرِّ ذَائِعٌ 
لَدَيْهِمْ وَلاَ الجَانِي بِمَا جَرَّ يُخْذَلُ 


أشار إلى الحيوانات بالضمير "هم" ووصفهم بالأهل تأكيدا على أفضليتهم عن أهله الذين خذلوه، وعلل الوصف بأنهم لا يذيعون سره أو جرائمه بل ويناصرونه وإن كان مخطئا، عكس ما يفعله الناس!! وكأن الجريمة أصبحت في نظر الشنفرى هي الصواب الذي ينبغي لأهل الجاني الوقوف معه فيها وحمايته. إن هذا البيت يظهر مدى بغض الشنفرى لأهله لعدم تأييده في باطله، ويبين إصراره على المواصلة في طريق الجريمة.


ومن التعبيرات الفنية الظاهرة في لامية الشنفرى "المفارقات"، وهي وسائل فنية يحاول بها إظهار محاسنه وتميزه عن غيره..

 

وَكُلٌّ أَبِيٌّ بَاسِلٌ غَيْرَ أنَّنِي 
إذا عَرَضَتْ أُولَى الطَرَائِدِ أبْسَلُ 
وَإنْ مُدَّتِ الأيْدِي إلى الزَّادِ لَمْ أكُنْ 
بَأَعْجَلِهِمْ إذْ أَجْشَعُ القَوْمِ أَعْجَلُ 


فهو سريع في ملاحقة الفريسة.. بطيء في مد الأيدي إليها!


والشعور بالغربة يدفعه لسرد محاسنه ليثبت استغناءه عن الناس:

 

ولا جُبَّأٍ أكْهَى مُرِبٍّ بعِرْسِهِ 
يُطَالِعُها في شَأْنِهِ كَيْفَ يَفْعَلُ 
وَلاَ خَرِقٍ هَيْقٍ كَأَنَّ فؤادَهُ 
يَظَلُّ به المُكَّاءُ يَعْلُو وَيَسْفُلُ 

 

وهو في الصحاري ليس بأحمق تخادعه الصحراء فلا يهتدي لطريقه..

وَلَسْتُ بِمِحْيَارِ الظَّلاَمِ إذا انْتَحَتْ 
هُدَى الهَوْجَلِ العِسّيفِ يَهْمَاءُ هؤجَلُ 

 

ونلاحظ في أبيات القصيدة ما يمكن تسميته بـ "بعثرة الأبيات"، إذ نجد عدم تنظيم وتناسق في سرد ما يتحدث عنه الشاعر، فهو يصف عفته وترفعه عن إظهار الشره في الأكل:

وَإنْ مُدَّتِ الأيْدِي إلى الزَّادِ لَمْ أكُنْ 
بَأَعْجَلِهِمْ إذْ أَجْشَعُ القَوْمِ أَعْجَلُ 

 

وبعده بخمسة أبيات يقول:

وَأغْدو خَمِيصَ البَطْن لا يَسْتَفِزُّنيِ 
إلى الزَادِ حِرْصٌ أو فُؤادٌ مُوَكَّلُ 

 

وكان الأجدى أن تتلوا الأبيات بعضها لتصبح متناسقة، غير أن الطبيعة الفطرية لشعر الصعاليك وبعدهم عن الكتابة التي هي مما يساعد على إعادة النظر والتنظيم أدى إلى هذه الظاهرة!

 

والشاعر يلجأ للوصف السريع لما يستغني له عن أهله:

 

ثَلاَثَةُ أصْحَابٍ : فُؤَادٌ مُشَيَّعٌ 
وأبْيَضُ إصْلِيتٌ وَصَفْرَاءُ عَيْطَلُ 
هَتُوفٌ مِنَ المُلْسِ المُتُونِ تَزِينُها 
رَصَائِعُ قد نِيطَتْ إليها وَمِحْمَلُ 
إذا زَلَّ عنها السَّهْمُ حَنَّتْ كأنَّها 
مُرَزَّأةٌ عَجْلَى تُرنُّ وَتُعْوِلُ 

 

فهو يسترسل في وصف قوسه وإظهار محاسنها الضئيلة التي لا تستحق الذكر، فهي ذات صوت حين يطلق بها السهم، وملساء لا خشونة فيها تؤذي اليدين، ومرصعة بما يزين به، وقد ذكر القوس والسيف بأوصافهما دون تصريح بالأسماء، إذ يحرص على إظهار المحاسن! إذ يبدو في وصفه حيل الدفاع النفسي تجاه بني قومه الذين استعاض عنهم بهذه الأشياء، فعمل على تقديم الوصف، وأنها تفيده أكثر منهم إذ حين تمر عليه ليلة برد شديد يصطلي بها:

وَلَيْلَةِ نَحْسٍ يَصْطَلي القَوْسَ رَبُّها 
وَأقْطُعَهُ اللَّاتي بِهَا يَتَنَبَّلُ 

 

ولعله يقارن بين حنين الأم (القوس) لولدها (السهم) حين خرج من حضنها وهجرها فتصرخ وتولول عكس قومه الذين لم يأسفوا عليه حين هجرهم!


ويهول في وصف قوة عدْوه فهو حين يعدو تتطاير الحجارة الصغيرة من حول قدميه، فيضرب بعضها بحجارة أخرى، فيتطاير شرر نار وتتكسَّر.

إذا الأمْعَزُ الصَّوّانُ لاقَى مَنَاسِمِي 
تَطَايَرَ منه قَادِحٌ وَمُفَلَّلُ 


وتبدو حياة الصعلكة حين يتغلب على الجوع ويتناساه ويماطله حتى ييأس منه!

أُديمُ الجُوعِ حتّى أُمِيتَهُ 
وأضْرِبُ عَنْهُ الذِّكْرَ صَفْحاً فأُذْهَلُ 


ويفضل أن يستفَّ تراب الأرض على أن يمدّ أحد إليه يده بفضل أو لقمة يمنّ بها عليه:

وَأَسْتَفُّ تُرْبَ الأرْضِ كَيْلا يُرَى لَهُ 
عَلَيَّ مِنَ الطَّوْلِ امْرُؤٌ مُتَطَوِّلُ 


ورغم سوق الشنفرى لمحاسنه فإنه يقع في التناقض، ولا عجب فالكذب لا يفلح وحتما ينكشف صاحبه، فهو إذ يؤكد أنه لولا تجنُّبه الذم وسوء السيرة لحصل على ما يريده من مأكل ومشرب بطرق غير كريمة:

ولولا اجْتِنَابُ الذَأْمِ لم يُلْفَ مَشْرَبٌ 
يُعَاشُ به إلاّ لَدَيَّ وَمَأْكَلُ 


"وإذا كان الجوع أقسى ما يصبه الفقر من سياط على جسد الفقير فإن هناك سياطا أخرى لا تقل قسوة عن سياط الجوع ولكنها سياط نفسية عصبية يصبها الفقر على نفس الفقير"[20].


بيد أنه في أبيات أخرى يتفاخر بإغارته على الناس وسلبهم، فيبطش بهم فيرمل نساءهم وييتم أطفالهم!

 

وَلَيْلَةِ نَحْسٍ يَصْطَلي القَوْسَ رَبُّها 
وَأقْطُعَهُ اللَّاتي بِهَا يَتَنَبَّلُ 
دَعَسْتُ على غَطْشٍ وَبَغْشٍ وَصُحْبَتي 
سُعَارٌ وإرْزِيزٌ وَوَجْرٌ وَأفَكَلُ 
فأيَّمْتُ نِسْوَانَاً وأيْتَمْتُ إلْدَةً 
وَعُدْتُ كما أبْدَأْتُ واللَّيْلُ ألْيَلُ 

ويسرد محاسنه فهو حليم لا يستخفه الجهلاء، متعفِّف عن سؤال الناس، بعيد عن النميمة وإثارة الفتن بين الناس، صبور، شجاع، حازم، لا الفقر يجعلني أبتئس مظهراً ضعفي، ولا الغنى يجعلني أفرح وأختال.


ونجد في وصف البرد والجوع تلاعبا في الألفاظ من جناس وتقارب في الحروف بتنسيق يعطي سيمفونية تطرب لها الآذان:

 

دَعَسْتُ على غَطْشٍ وَبَغْشٍ وَصُحْبَتي 
سُعَارٌ وإرْزِيزٌ وَوَجْرٌ وَأفَكَلُ 
فأيَّمْتُ نِسْوَانَاً وأيْتَمْتُ إلْدَةً 
وَعُدْتُ كما أبْدَأْتُ واللَّيْلُ ألْيَلُ 

فهو يغير بشدة على قوم ليلا، في ظلام ومطر مع أصحابه الذين سعّر الجوع أجوافهم في برد ورعدة وارتعاش، فرمل ويتم وعاد كما بدأ دون أن يخسر أو يصاب والليل ما زال شديد الظلمة، ما يدل على سرته الشديدة في الإغارة والعودة وتنفيذ المهمة على أكمل وجه دون خسائر!


ثم يستدرك الشاعر كيف نظرة القوم الذين أغار عليهم ودهشتهم وعدم شعورهم بما حدث نتيجة السرعة في تنفيذ العملية:

وأصْبَحَ عَنّي بالغُمَيْصَاءِ جَالساً 
فَرِيقَانِ: مَسْئُولٌ وَآخَرُ يَسْألُ 
فَقَالُوا: لَقَدْ هَرَّتْ بِلَيْلٍ كِلَابُنَا 
فَقُلْنَا: أذِئْبٌ عَسَّ أمْ عَسَّ فُرْعُلُ 
فَلَمْ يَكُ إلاَّ نَبْأةٌ ثُمَّ هَوَّمَتْ 
فَقُلْنَا: قَطَاةٌ رِيعَ أمْ رِيعَ أجْدَلُ 
فَإِنْ يَكُ مِنْ جِنٍّ لأبْرَحُ طارِقاً 
وإنْ يَكُ إنْسَاً ما كَها الإنسُ تَفْعَلُ 

فيسترسل في ذكر حديث القوم في الصباح وتعجبهم من نباح كلابهم ليلا لمدة قصيرة ثم هدأت! وهذا لسرعة عدو الشنفرى لدرجة أن الكلاب لم تلحظه مدة طويلة حتى توقع القوم أن تكون نبحت لرؤية شيء سريع لن يكون إلا صقر أو قطاة، فقد تعوَّدوا أن يقوم بالغارة جماعة من الرجال لا فرد واحد، وأن يشعروا بها فيدافعوا عن أنفسهم وحريمهم، أمَّا أن تكون بهذه الصورة الخاطفة فهذا الأمر غير مألوف، ولعل الذين قاموا بها من الجنّ لا من الإنس!


وبعد ذكره لتحمله الشديد ليوم شديد البرودة، يذكر مدى تحمله للحر الشديد، فربّ يوم شديد الحرارة تضطرب فيه الأفاعي رغم اعتيادها شدة الحرّ، واجهت لفح حره دون أي ستر على وجهي، وعليّ ثوب ممزّق لا يردّ من الحر شيئاً قليلاً:

 

وَيومٍ مِنَ الشِّعْرَى يَذُوبُ لُعَابُهُ 
أفاعِيهِ في رَمْضائِهِ تَتَمَلْمَلُ 
نَصَبْتُ له وَجْهي ولا كِنَّ دُونَهُ 
ولا سِتْرَ إلاَّ الأتْحَمِيُّ المُرَعْبَل 

 

ثم يأتي في وصف جسده النحيل لا أجد سببا في هذه الوصف الوضيع إلا الندب والحزن الذي لا يتفق مع الوصف المتعالي الذي قابلناه من قبل، فوصفه نفسه بالشجاعة والعدو السريع وقوة البطش في الإغارة والقتل لا يتفق مع جسد نحيل ضعيف هزيل جائع!! وما ذلك إلا لتنكشف حقيقة الشنفرى وهي أن وصفه المتعالي كان حيلة دفاعية تلقاء نبذ قومه له وعلاقته السيئة بالناس!

 

وآلَفُ وَجْهَ الأرْضِ عِنْدَ افْتَراشِها 
بأَهْدَأَ تُنْبِيهِ سَنَاسِنُ قُحَّلُ 
وَأعْدِلُ مَنْحُوضاً كأنَّ فُصُوصَهُ 
كعَابٌ دَحَاهَا لاعِبٌ فَهْيَ مُثَّلُ 

 

ويطوي أمعاءه على الجوع فتصبح لخلوّها من الطعام يابسة ينطوي بعضها على بعض كأنها حبال أُتقن فتلها..

 

وَأَطْوِي على الخَمْصِ الحَوَايا كَما انْطَوَتْ 
خُيُوطَةُ مارِيٍّ تُغَارُ وتُفْتَلُ 

إن الشنفرى الصعلوك لم يتعال على قومه الذين فارقهم ونبذوه فقط! بل يتعالى على الطبيعة نفسها وما فيها، بل تعالى على الإنس والجن والطير والحيوان والليل والنهار والبرد والحر!! فهو يستطيع التصرف في الليلة الباردة الشديدة بمنتهى القوة دون التأثر بالظروف، وفي اليوم الصائف الشديد الحرارة ينصب وجهه لذلك اليوم متحديا إياه دون ستر رغم أن ملابسه ممزقة لا تقيه منه، وطيور القطا المعروفة بالسرعة والخفة يسبقها الشنفرى إلى الماء حتى أنها تدرك سؤره المتساقط خارج المنبع:

وَتَشْرَبُ أسْآرِي القَطَا الكُدْرُ بَعْدَما 
سَرَتْ قَرَبَاً أحْنَاؤها تَتَصَلْصَل 

 

 

والتعسف في وصف بعده عن النظافة لا أجد له تفسيرا سوى ندب الحال، فإن الإنسان مهما حاول إظهار التعالي والصبر والتجلد لا يلبث أن يبدو في كلامه ما يدل على إحساسه بالدونية والقهر:

 

وَضَافٍ إذا طَارَتْ له الرِّيحُ طَيَّرَتْ 
لبائِدَ عن أعْطَافِهِ ما تُرَجَّلُ 
بَعِيدٌ بِمَسِّ الدُّهْنِ والفَلْيِ عَهْدُهُ 
له عَبَسٌ عافٍ مِنَ الغِسْل مُحْوِلُ 

 

فهو يصف شعره بأنه منذ زمن بعيد لم يعرف الدهن والفَلْي وهو إخراج الحشرات من الشَّعر، حتى جفت عليه الأوضار كما يجف الروث المتعلق بأذناب الدواب عليها! فلماذا يذكر هذه الأوصاف؟ ليس للفخر بالطبع ولا لإثبات تعاليه على شيء من الطبيعة ولا استغنائه عن شيء، إنما لم يحتمل كتمان ما يشعر به الصعلوك من القهر فطاشت المعاني المكبوتة كلمات يلوكها في قصيدته، ما يدل على مدى المشاعر المتناقضة بداخله والاضطراب النفسي الذي يعيشه!

 

ثم لم يلبث أن عاد لذكر قوته وصيره وتعاليه:

 

وَخَرْقٍ كظَهْرِ التُّرْسِ قَفْرٍ قَطَعْتُهُ 
بِعَامِلَتَيْنِ ظَهْرُهُ لَيْسَ يُعْمَلُ 
فألْحَقْتُ أُوْلاَهُ بأُخْرَاهُ مُوفِيَاً 
عَلَى قُنَّةٍ أُقْعِي مِرَارَاً وَأمْثُلُ 

 

فمن شدة سرعته على أرض خالية مقفرة ألحق أولها بآخرها!

 

تَرُودُ الأرَاوِي الصُّحْمُ حَوْلي كأنّها 
عَذَارَى عَلَيْهِنَّ المُلاَءُ المُذَيَّلُ 
ويَرْكُدْنَ بالآصَالِ حَوْلِي كأنّني 
مِنَ العُصْمِ أدْفى يَنْتَحي الكِيحَ أعْقَلُ 

 

ليختتم القصيدة بذكر أنسه بالوعول في الصحراء مؤكدا على استغنائه بهم عن قومه!


"ولقد مثل شعر الصعاليك في العصر الجاهلي نتوءا ثقافيا آخر في جسد الأعراف الثقافية، من حيث عدم خضوعه المطلق للتقاليد الفنية المتعارف عليها، مثل البنية الهيكلية للقصيدة في مطلعها وترتيب أغراضها، فقد فرض شعر الصعاليك أعرافا خاصة وتقاليد مغايرة تماما، ربما أهمها رفض فكرة الأطلال وإلغاؤها من القصيدة بوصف أن الطل دلاليا ورمزيا محور الانتماء والالتصاق بالأرض/الوطن"[21]. فالصعلوك فاقد الانتماء للوطن، ملتصق أشد الالتصاق بأقرانه من المنبوذين، وحيوانات الصحارى، فقد استعاض عن أهله ووطنه بأي مكان يمكن أن يحويه:

 

وفي الأَرْضِ مَنْأَى لِلْكَرِيمِ عَنِ الأَذَى 
وَفِيهَا لِمَنْ خَافَ القِلَى مُتَعَزَّلُ 
لَعَمْرُكَ مَا بِالأَرْضِ ضِيقٌ على امْرِئ 
سَرَى رَاغِبَاً أَوْ رَاهِبَاً وَهْوَ يَعْقِلُ 

 

وأي حيوان يلاقيه يشاركه البيئة:

 

وَلِي دُونَكُمْ أَهْلُون: سِيدٌ عَمَلَّسٌ 
وَأَرْقَطُ زُهْلُولٌ وَعَرْفَاءُ جَيْأَلُ 
هُمُ الأَهْلُ لا مُسْتَودَعُ السِّرِّ ذَائِعٌ 
لَدَيْهِمْ وَلاَ الجَانِي بِمَا جَرَّ يُخْذَلُ 

 

ونجد افتقاد الحب والعاطفة في شعرهم، إذ المجتمع في نظرهم مفرغ منها.

 

"صحيح أن شعرهم حافل بالوصف، ولكنه وصف حوشي -إن جاز التعبير- لمظاهر الطبيعة من حولهم"[22] فهو لا يستقصي في الوصف، إذ إن حديثه عن النمر والضبع والقطا وغيرها ليس الغرض منه الوصف وإنما التكامل معه في ظروفه وحياته، فكما هو طريد جنايات جائع عطشان هب أيضا تمر بما يمر به، فهو يرى نفسه في ظواهر الطبيعة وحيواناتها.


وإذا تعرض لليل فكلام سريع لا وصف فيه ولا استقصاء:

فقد حمت الحاجات والليل مقمر

 

مع أن الليل من أشد الأوقات التي يجتمع الهم على الإنسان فيها فجدير بأن ينظر لنفسه من خلاله إذ يعاني النبذ والوحدة! عكس ما نجد في الشعر الجاهلي:

 

وَلَيلٍ كَمَوجِ البَحرِ أَرخى سُدولَهُ 
عَلَيَّ بِأَنواعِ الهُمومِ لِيَبتَلي 
فَقُلتُ لَهُ لَمّا تَمَطّى بِصُلبِهِ 
وَأَردَفَ أَعجازاً وَناءَ بِكَلكَلِ 
أَلا أَيُّها اللَيلُ الطَويلُ أَلا اِنجَلي 
بِصُبحٍ وَما الإِصباحُ مِنكَ بِأَمثَلِ 
فَيا لَكَ مِن لَيلٍ كَأَنَّ نُجومَهُ 
بِكُلِّ مُغارِ الفَتلِ شُدَّت بِيَذبُلِ 
كَأَنَّ الثُرَيّا عُلِّقَت في مَصامِها 
بِأَمراسِ كِتّانٍ إِلى صُمِّ جَندَلِ 

 

والتشبيهات بعيدة كتشبيه اضطراب الذئاب بسهام الميسر!

مُهَلَّلَةٌ شِيبُ الوُجُوهِ كأنَّها 
قِدَاحٌ بأيدي ياسِرٍ تَتَقَلْقَلُ 

 

 

وهي تشبيهاته نابعة من بيئته، فهو يشبه الذئاب بالقداح، والقطا بالقبائل المسافرة، ومرة يشبهها بالإبل، إذ يبحث عن النماذج التي يراها حوله فيشبهها بعضها!

 

كأنَّ وَغَاها حَجْرَتَيْهِ وَحَوْلَهُ 
أضَامِيمُ مِنْ سَفْرِ القَبَائِلِ نُزَّلُ 
تَوَافَيْنَ مِنْ شَتَّى إِلَيْهِ فَضَمَّهَا 
كما ضَمَّ أذْوَادَ الأصَارِيمِ مَنْهَلُ 
فَغَبَّ غِشَاشَاً ثُمَّ مَرَّتْ كأنّها 
مَعَ الصُّبْحِ رَكْبٌ مِنْ أُحَاظَةَ مُجْفِلُ 

واللغة قاسية تنم عن بيئة عربية قحة صحراوية جافة لا تجد فيها بغيتك من ألفاظ تعينك على الاستمتاع بالقصيدة، فلا بد من مجاورة المعجم لقارئها، إذ يلجأ إلى ذكر صفات الشيء بدلا من مسماه فالذئب أرقط، والضبع عرفاء، والسيف أبْيَضُ إصْلِيتٌ، والقوس َصَفْـرَاءُ عَيْطَـلُ، الخَشْرَمُ المَبْعُـوثُ، مَحَابِيضُ.. وهو ما يدل على طبيعة البيئة الوحشية التي يعيشها الصعاليك.


المراجع

1- ديوان الشنفرى، جمع وتحقيق: الدكتور إميل بديع يعقوب، ص 19.

2- اللغة الشعرية عند الشنفرى دراسة وصفية تحليلية، البشير مناعي.

3- سلسلة تاريخ الأدب العربي، العصر الجاهلي، شوقي ضيف، ص 375.

4- المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام.

5- شعر الصعاليك منهجه وخصائصه، عبد الحليم حنفي.

6- الذئب والقطـا في لامية العرب للشنفرى دراسة تحليلية، د.عبد الجليل حسن صرصور.

7- نهاية الأرب في شرح لامية العرب، عطاء الله بن أحمد الأزهري.

8- محاضرات في الثقافة العربية قبل الإسلام، د.ثناء أنس الوجود.

9- الشعراء الصعاليك في العصر الجاهلي، يوسف خليف، طـ دار المعارف.

 


[1] ديوان الشنفرى، جمع وتحقيق: الدكتور إميل بديع يعقوب، ص 19.

[2] اللغة الشعرية عند الشنفرى دراسة وصفية تحليلية، البشير مناعي.

[3] ديوان الشنفرى، جمع وتحقيق: الدكتور إميل بديع يعقوب، ص 15، 16.

[4] ديوان الشنفرى، جمع وتحقيق: الدكتور إميل بديع يعقوب، ص 16، 17.

[5] ديوان الشنفرى، جمع وتحقيق: الدكتور إميل بديع يعقوب، ص 18.

[6] سلسلة تاريخ الأدب العربي، العصر الجاهلي، شوقي ضيف، ص 375.

[7] السابق نفسه.

[8] ديوان الشنفرى جمع وتحقيق: إميل بديع يعقوب، دار الكتاب العربي.

[9] شعر الصعاليك منهجه وخصائصه، عبد الحليم حنفي.

[10] السابق نفسه.

[11] السابق نفسه بتصرف بسيط.

[12] السابق نفسه.

[13] الذئب والقطا في لامية العرب للشنفرى دراسة تحليلية، د.عبد الجليل حسن صرصور.

[14] السابق نفسه.

[15] السابق نفسه.

[16] نهاية الإرب في شرح لامية العرب، عطاء الله بن أحمد الأزهري.

[17] ديوان عروة بن الورد أمير الصعاليك، دراسة وشرح وتحقيق أسماء أبو بكر محمد، ص89، طـ دار الكتب العلمية.

[18] الشعراء الصعاليك في العصر الجاهلي. يوسف خليف ص268، طـ دار المعارف.

[19] الشعراء الصعاليك في العصر الجاهلي. يوسف خليف ص276، 277، طـ دار المعارف.

[20] الشعراء الصعاليك في العصر الجاهلي. يوسف خليف ص31، طـ دار المعارف.

[21] محاضرات في الثقافة العربية قبل الإسلام، د.ثناء أنس الوجود.

[22] السابق نفسه.



رابط الموضوع: http://www.alukah.net/Literature_Language/0/46218/#ixzz2UEFmZMzd

غاية الموقع.

فواصل بسملة 2012 بسملة متحركة 2012 ,بداية مواضيع متحركة 2012




أحبِّي اللغة يا ابنتي ؛

لأنَّ من يحب يعرف طبع من أحب ,

فإذا أحببتِ اللغة باحت لكِ بأسرارها



الساعات المكتبية



الساعات المكتبية الفصل الدراسي الأول للعام الجامعي 1436/1435هـ

الأحد : الأولي والثانية.الخميس : الأولي والثانية.

http://www.timeanddate.com/worldclock/fullscreen.html?n=214


مفهوم الإرشاد الأكاديمي

 

 

 

 

مفهوم الارشاد الأكاديمي


يمثل الإرشاد الأكاديمي ركنًا أساسيًا ومحوريًا في النظام التعليمي، حيث يعد استجابة موضوعية لمواجهة متغيرات اجتماعية واقتصادية وإنسانية في صلب النظام وفلسفته التربوية، علاوة على كونه يستجيب لحاجات الدارس ليتواصل مع التعليم الجامعي الذي يمثل نمًاء وطنياً ضرورياً لتحقيق متطلبات الذات الإنسانية في الإبداع والتميز.

ويتمثل الإرشاد الأكاديمي في محوري العملية الإرشادية: المؤسسة التعليمية والطالب، ويعزز هذا الدور المرشد الأكاديمي المختص الذي يعمل من خلال وحدة الإرشاد الأكاديمي طيلة السنة الأكاديمية. وتتكامل عملية الإرشاد الأكاديمي بوعي وتفهم جميع أطراف العملية الإرشادية؛ بهدف توجيه الطالب إلى انسب الطرق لاختيار أفضل السبل بهدف تحقيق النجاح المنشود والتكيف مع البيئة الجامعية.

ويتحقق هذا الهدف عن طريق تزويد الطلبة بالمهارات الأكاديمية المتنوعة التي ترفع من تحصيلهم الدراسي ومناقشة طموحاتهم العلمية، كما يتضمن أيضاً توعية الطلبة بلوائح وقوانين الجامعة، كل ذلك من خلال خدمات إرشادية متنوعة كالإرشاد الأكاديمي الفردي والبرامج الإرشادية والاستشارات المختلفة.

كما يساعد الإرشاد الأكاديمي الطلاب علي بلورة أهدافهم واتخاذ القرارات المناسبة المتعلقة بمستقبلهم الأكاديمي والمهني عن طريق الاستفادة القصوى من جميع الإمكانيات والبدائل المتاحة.

ويعمل الإرشاد الأكاديمي باستمرار على تبسيط وتسهيل الإجراءات الإدارية بهدف تقديم أفضل الخدمات وأجودها للطالب في زمن قياسي وفق معايير الجودة الشاملة التي تسعى إليها الكلية في ظل ازدياد وسائل الاستثمار في المشاريع التعليمية والفكرية والبحث العلمي.

أرقام الاتصال

http://faculty.mu.edu.sa/public/uploads/image/20120926/20120926004426_93373.jpg

تليفون العمل :3821

الإيميل:drabirbadwy@yahoo.com

 

يوتيوب للجامعة

 

ويكيبيديا:كيويكس


http://wen.ikipedia.org/wiki/ar:

Wikipedia-logo-v2-en.svg

موقع الجامعة علي تويتر

نظام جسور

الدليل التعريفي للطالبة

مهرجان القراءة

مهرجان القراءة للجميع
إيماناً من الكلية بأهمية القراءة والمطالعة التي تمثل سلاح الأمة المعطل لما لها من بالغ الأثر في الارتقاء بفكر الأمة بادرت أمانة النشاط الطلابي بمبادرة جديدة لنشر الوعي الثقافي والفعاليات الثقافية فضمنت خطة النشاط لهذا الفصل مشروع القراءة للجميع ساعية لترغيب الطالبات وحثهن على القراءة بأسلوب شيق ومحبب وتنمية عادة القراءة لتكون عادة مكتسبة في مختلف العلوم النافعة وانطلقت ف...عاليات مشروع القراءة للجميع يوم السبت 17/4/1433هـ.

وتميز قسم اللغة العربية بمشاركته في تفعيل مشروع القراءة فوجه الدعوة لجميع وحدات و أقسام الكلية طالبات و أعضاء لحضور البرنامج القراءة للجميع يوم الأربعاء 21/4/1433هـ فساهمت طالبات قسم اللغة العربية في تنظيمه والإعداد له وأشرفت عليه منسقة القسم د. عبيرعبد الصادق بدوي  وبمتابعة من رئيس قسم اللغة العربية د. فهد الملحم.

فبدأ البرنامج بتلاوة من القرآن الكريم ثم قدمت كل من الطالبتين نسيبة السليمان ومها العازمي عرضين عن القراءة تناولا أهمية القراءة وفائدتها و أهمية القراءة للأطفال. وشاركت طالبات القسم بإعداد مطويات و مجسمات وأعمال متنوعة تعبر عن القراءة و أهميتها. كما تم وضع ركن لعرض بعض الكتب والملخصات لبعض منها. وشهد نشاط قسم اللغة العربية حضورا واسعا من منسوبات الكلية.

ولم تكتف الكلية بتنفيذ المشروع لطالباتها فخلال زيارة للمدرسة الابتدائية الخامسة يوم الإثنين 19/4/1433هـ نفذت طالبات الكلية مسابقات ثقافية كانت جوائزها مجموعة من القصص المناسبة.

وفي استطلاع لآراء الطالبات عبرن عن شكرهن على اختيار مثل هذه البرامج وقدمن اقتراحاتهن بأن تقام مسابقات متنوعة كمسابقة استيعاب المقروء , وقراءة في كتاب, وإقامة ورش عمل للقراءة بأنواعها.
See More

كلية بلا مخالفات

ضمن خطة الكلية التوعوية أقامت كليةُ التربيةِ بالزلفي ممثلة بوحدة التوجيه والإرشاد حملةً توعويةً تحت شعار ( كلية بلا مخالفات ) ولمدة أسبوع كامل ، استهدفت الحملةُ توعيةَ الطالبات بأهمية المحافظة على الكلية , وصيانة مرافقها , وممتلكاتها ؛ لأنَّها تُمَثِّل مرفقاً هاماً , وصرحاً شامخاً للعلم والتعلم ، كما استهدفت الحملةُ نَقْدَ بعضِ السلوكيات الخاطئة التي قد تصدر من بعض الطالبات أثناء المحاضرات وأثناء الفسح ، ونشر ثقافة المحافظة على منظر الكلية الجميل الذي خرجت به بعد أعمال الترميمات وإعادة التأهيل , وبيان ماوفرته الجامعة - مشكورةً - في سبيل إظهارها بالمنظر الذي يليق بالطالبة الجامعية , وتوفير البيئة الجامعية من تجهيزات ومقرات ومعامل وقاعات , وقد استمرت الحملةُ لمدةِ أسبوعٍ كاملٍ شاركتْ فيه كل أقسام الكلية ووحداتها الإدارية والأكاديمية ومن المبني الإضافي شارك قسمي اللغة العربية واللغة الإنجليزية ، واشتملت على محاضراتة   ومطويات ونصائح إرشادية .




ذكرالله

كلمة الله لتزين الموضوع متحركة

تسبيح

كن مع الله

دعاء

 

قناتي على اليوتيوب

C:fakepathصورة اليوتيوب.jpg

استفسار

صدقة

عطاء الله

يا رب

 

يارب

سنتنا

أختى حافظى على صلاة الفجر

سيد الإستغفار

تحية

صورة دعاء شكر متحركة

عفو الله

صورة ايها الراجى عفو ربه

القرآن الكريم

صور احاديث اسلامية عن فضل قراءة القران

الكتابة فن

شكر

 

يا من تصفحت موقعي

حكمة اليوم والغد

من القرآن الكريم

العلم نور

روعة الكون

د/ عبير عبد الصادق ترحب بكم

كلام الورد

د / عبير عبد الصادق

لغة القرآن

الله نور

ذكر الله

حب الله

كلمتان

فيس بوك

الأدب

سن القلم

 

  تحت سن القلم يصنع مستقبل الأمم

رجاء

الإسلام

دعاء

شاعرك المفضل

تذكر

إذا بلغت القمة فوجه نظرك إلى السفح لترى من عاونك فى الصعود إليها

وانظر إلى السماء ليثبت الله أقدامك عليها.


ادع لوالديك

الزلفي بعد الأمطار

كلمات لها معني

كلمة التوحيد

دعاء

<iframe width="420" height="315" src="http://www.youtube.com/embed/Tv0y63FinJw" frameborder="0" allowfullscreen></iframe>

من الحكم

دعاء

وسام

أسماء الله الحسني

حكمة

تدبر

كن مع الله

منظر طبيعي

<iframe width="560" height="315" src="http://www.youtube.com/embed/RE5UxAvL1dI" frameborder="0" allowfullscreen></iframe>

حديث

اجمل اسلاميه 2012اجمل اسلاميه 2013

بك أستجير

خطوط وعبارات اسلامية جميلة 2012

الرصيد

متحركة

عمل ابن آدم

متحركة

سبحان الله

من الطبيعة 1

من الطبيعة 2

صور طبيعيه متحركه روعه

من الطبيعة3

صور طبيعيه متحركه روعه

من الطبيعة 4

طبيعيه متحركه 2010 احدث طبيعيه

من الطبيعة 5

طبيعيه متحركه 2010 احدث طبيعيه

من الطبيعة 6

طبيعيه متحركه 2010 احدث طبيعيه

من الطبيعة 7

طبيعيه متحركه 2010 احدث طبيعيه

من الطبيعة 8

طبيعيه متحركه 2010 احدث طبيعيه

من الطبيعة10

العفو عند المقدرة

ربيع القلب

نونية بن زيدون


الصبر