د/ عبير عبد الصادق محمد بدوي

أستاذ الأدب المشارك بكلية تربية الزلفي

محاضرات النقد الأ


النقـــد الأدبي الحديــث

قضايـاه ومذاهبـه

محاضرات د/ عبير عبد الصادق محمد بدوي

أستاذ الأدب والنقد المشارك

بجامعة المجمعة


2) شوقـــى : ( 1285 ـ 1351 هـ ، 1869 ـ 1932م ) :

   من زعماء المجددين ، تلقى قوالب شعره عن البارودى ، ولكنه صب فيها مشاعره من خلال مشاعر أمته والأمم العربية . وقد توافرت عوامل كثيرة أدت إلى تكوين شاعريته وشخصيته الأدبية ، وعبقريته الفذة ، من أهمها :

    أ  )  جنسه ـ فهو عربى كردى شركسى يونانى .

          واجتماع هذه العناصر الجنسية فيه ميزته عن غيره من شعراء عصره .

    ب )  موهبته الشعرية ، وشدة ذكائه ، واتقاد ذهنه ، فقد كان ينظم الشعر فى كل مكان .

    ج )   عكوفه على قراءة النماذج العباسية الحية مثل أبى نواس والبحترى وأبى تمام والمتنبى والشريف الرضى ، وأبى فراس وأمثالهم .

    د )   ثقافته الواسعة فقد حذق العربية والفرنسية وتيارهما يجرى واضحاً فى شعره ، وإن كان قد تلقى التركيه فى بيته ، إلا أن أثرها لم يكن واسعا فى فنه سوى بعض أبيات ترجمها منها وأثبتها فى ديوانه .

    هـ)    نفيه إلى بـلاد الأندلس وإبعاده عن وطنه كان لـه أكبر الأثر فى قوة شاعريته ، وفى تجديد معانيه وأخيلته وصوره وأغراضه الشعرية ، بالإضافة إلى جرأته وصراحته فى الرأى .

     و )   الأحداث الكبرى التى أحاطت بشوقى ، فجرت فى نفسه الثورة عليها وظهر هذا واضحاً فى شعره مثل سيطرة الاستعمار على الوطن العربى ، وحادثة دنشواى ، ونفى سعد زغلول ، ومصطفى كامل ، وثورة عرابى ، والأحزاب الكثيرة المتضاربة .

    ى )  نشأته المرفهة . ففى مهد من مهاد الترف والثراء ولد شوقى سنة 1869م لأب وأم تنحدر إليهما عناصر مختلفة ، فقد كان أبوه يجرى فيه الدم العربى والكردى والشركسى ، وكانت أمه يجرى فيها الدم التركى واليونانى وكان مولده بالقاهرة ، وعاش فيها ، ونشأ فى بيئة أرستقراطية مترفة ، وأخذ يختلف منذ سنته الرابعة إلى الكتاب ، ثم انتقل إلى المدارس الابتدائية والثانوية ، فكان ذلك فرصة لـه ليختلط بأبناء الشعب وحياتهم الديمقراطية ، ولكنه سرعان ما كان يعود إلى بيئته وما بها من نعيم الحياة ، وقد كفلته جدته لأمه ، ونشأ معها فى ترف ونعيم فى قصر الخديوى ، حيث كانت من وصائف القصر .

               ولما أتم تعليمه الثانوى فى سنة 1885م ألحقه أبوه بمدرسة الحقوق ليدرس فيها القانون ، وأنشىء بها قسم للترجمة فالتحق به . وفى هذه المدرسة تعرف إلى أستاذه فى العربية الشيخ محمد البسيونى ، وكان قد أخذ يتفجر ينبوع الشعر على لسانه ، فأعجب به أستاذه . وتخرج شوقى فى قسم الترجمة 1887م ، فعينه توفيق بالقصر ، ثم أرسله فى بعثه إلى فرنسا ليدرس الحقوق ، فانتظم فى مدرسة بمبونبلييه لمدة عامين ، ثم انتقل إلى باريس ، وظل بها عامين آخرين ، حصل فيهما على إجازته النهائية وكان طوال إقامته فى باريس يشاهد مسارحها ويتصل بحياتها الأدبية ، وأقبل على قراءة فيكتور هيجو ودى موسيه ولافونتين ولامرتين ، وترجم للأخير قصيدة البحيرة شعراً . وعاد إلى مصر ، فعمل فى القلم الافرنجى فى قصر الخديوى ، وسرعان ما أصبح شاعر عباس وبعد إعلان الحرب العالمية الأولى ، نظم شوقى قصيدة تحدث فيها عن الحماية التى أعلنتها إنجلترا على مصر وقال فيها : " إن الرواية لم تتم فصولا " فنفاه الانجليز إلى أسبانيا ، وظل بها طوال الحرب هو وأسرته ، وهناك أخذ ينظم قصائده فى أمجاد العرب ودولتهم الزاهرة التى اندثرت فى الأندلس ، ويضمنها حنيناً شديداً إلى وطنه . ثم عاد إلى وطنه ، فوجد أرضه تنعم بالحرية فأخلص لفنه ولشعبه وأخذ يغنيه أغانى وطنية رائعة ولم يغن مواطنيه وحدهم ، بل أخذ يغنى الشعوب العربية أهواءها وعواطفهم السياسية والقومية . يقول :

 

وَنَحنُ في الشَرقِ وَالفُصحى بَنو رَحِمٍ

وَنَحنُ في الجُرحِ وَالآلامِ إِخوانُ

 

     وفى سنة 1927م أقيم لـه حفل تكريم عظيم اشتركت فيه الحكومة المصرية والبلاد العربية ، إذ قدمتْ منها وفود مختلفة تمجد شاعر مصر وتشيد بعبقريته ونبوغه ، وقد وضع الشعراء فى هذا الحفل على مفرقه تاج إمارة الشعر لا فى مصر وحدها بل فى سائر الأقطار العربية ، وأعلن حافظ هذا التتويج أو هذه البيعة قائلاً :

أَميرَ القَوافي قَد أَتَيتُ مُبايِعاً

وَهَذي وُفودُ الشَرقِ قَد بايَعَت مَعي

 

     وطمحت نفس شوقى إلى أن تحقق أملاً منشودا كان يراود دعاة التجديد منذ أوائل هذا القرن وهو ادخال الشعر التمثيلى إلى دوائر الشعر العربى ، ومن مسرحياته الشعرية : كليوباترا ، ومجنون ليلى ، وقمبيز ، وعنترة ، وعلى بك الكبير وغيرها . ويعد بهذا رائد هذا الفن فهو الذى هذبه وصقله وعمقه حتى صار ينسب إليه ، وتتلمذ عليه من نظم بعده فيها مثل عزيز أباظة ، وعلى أحمد باكثير وصلاح عبدالصبور وغيرهم .

     ورأى أن يصوغ بعض الأزجال للغناء ، فنظم منها طائفة بديعة من
مثل زجله :

النيل نجاشى
عجبْ للونه

حليوه أسمر
دَهَبْ ومَرْمرَ

 

     ومن الممكن أن نقسم شعر شوقى إلى قسمين واضحين : قسم قبل منفاه وقسم بعده ـ وهو فى القسم الأول يعيش فى القصر ويسوق شعره فى قيود هذه المعيشة ، فهو شاعر الخديو عباس الثانى ، وشعره يكاد يكون مقصوراً على ما يتصل به من قريب أو بعيد ، فهو يمدحه فى جميع المناسبات ، وهو يشيد لـه بالترك والخلافة العثمانية وهو فى ذلك يسير سيرة الشعراء
القدماء ، وإن كان يتأثر بالثقافة الأوربية ، وقد حدث فى هذه الحقبة من حياته تطور فى فنه ، كالذى يحدث عند شعراء العصر العباسى فهو يُعْنَى أحياناً بالأوزان القصيرة وبوصف الخمر والرقص على نحو ما جاء فى قصيدته :

حَفَّ كَأسَها الحَبَبُ 

فَهيَ فِضَّةٌ ذَهَبُ

 

     وحدث تطور آخر إذ تأثر بشعراء الغرب فى شعرهم التاريخى وما كانوا يقولونه من أطلال اليونان والرومان ، فنظم قصيدته " كبار الحوادث فى وادى النيل " ، ونظم قصيدة النيل ومنها :

مِن أَيِّ عَهدٍ في القُرى تَتَدَفَّقُ

وَبِأَيِّ كَفٍّ في المَدائِنِ تُغدِقُ

 

     وبعد نفيه إلى أسبانيا نظم قصائد يقارن فيها بين فردوسه المفقود وفردوس العرب الضائع فىالأندلس وقد صاغ سينيته على نسق قصيدة البحترى فى إيوان كسرى كما صاغ نونيته على نسق قصيدة لابن زيدون ومعنى ذلك أنه كان لا يزال فى الأندلس شاعراً تقليدياً من بعض جوانبه ، إذ يعنى ببعض القصائد القديمة الرائعة ،