د/ عبير عبد الصادق محمد بدوي

أستاذ الأدب المشارك بكلية تربية الزلفي

همس الدلالة

همس الدلالة في الشعر الحر


د.جــــمــال حــضــري

هذه الدراسة الأسلوبية هي نوع من التكريم وحالة من الاعتراف، تكريم لشاعر تظلنا ذكراه كل عام فنحيا توهج الكلمة ونتنسم صدق الالتزام، واعتراف بأن الشعر المكافح لا يضمر ولاتنتهي عطاءاته، في " هجم التتار" القصيدة المدروسة تتواشج ظلال المتعة مع وخز الضمير الحي، قد تصمت المعاني الصاخبة ولكن التوقيعات الحارة تفي بكل ضرورات الموقف، قد تشف الكلمات حتى لتبدو بلا مدلولات ولا أعماق ولكن لحن الإيقاع العميق ودفق الأصوات المنظومة تحلق بالتلقي لتجعله متعبدا متبتلا يطلب المزيد
في " هجم التتار" سوف نستغني عن مدارج التركيب والدلالة لنستقطر المضمون من جرس الإيقاع وبنية الصوت، وسوف نلمس أن الشعر الحي يعطي والشعر "الحر" يأخذ بالعزمات منذ العتبات وحين يشتد صوت المعركة –كما هي الآن – تضمحل التهويمات ليصبح كل جزء في القصيد هادرا وناطقا ومبلغا، إنها شعرية شاملة سابغة
ومنظور الانزياح الأسلوبي الذي تناولت به " هجم التتار" في قدرته الربط بين هذا العدول القصدي في البناء الإيقاعي والتأليف الصوتي والدلالات التي يراد لها العدول المنبه عن السائد في شتى نواحي حياة المواطن العربي، حيث كل ظاهرة انزياح أسلوبي هي بالضرورة متوازية مع ظاهرة انزياح نفسي واجتماعي في واقعنا ( كما يرى سبتزر Spitzer)، وقد عكست القصيدة بالضبط هذه الوشائج دون أن يفقد المتلقي نشوة التوحد مع النغم الشعري
:عناصر الموضوع
:البناء العروضي
:الوزن والبحر I-
:ثانياً- التفعيلات
ثالثاً- المقاطع :من حيث الكمية

من حيث الطول والقصر
من حيث الانفتاح والانغلاق
من حيث توالي المقاطع
رابعاً- القافية والروي
الانزياح العروضي و الدلالة
أ-التفعيلة
ب-المقطع
البناء الصوتيII-
الصوت و الدلالة
أ-الصوت باعتباره رويا: -قيمة ذاتية
-قيمة سياقية
ب-الصوت باعتباره مهيمنا: -قيمة ذاتية
-قيمة سياقية
البناء المصرفي III-

أولاً- الانزياح من حيث التكرار
أ-الأسماء
ب-الأفعال
ثانياً- تكرار البنية الصرفية و دلالته

  البناء العروضي I-
أولاً- الوزن والبحر
للبحر الكامل1 ستة أجزاء سباعية: متفاعلن وله ثلاثة أعاريض وتسعة أضرب و لا يوجد بحر غيره له :مثل هذا العدد والاستعمالات وهي
متفاعلن متفاعلن متفاعلن متفاعلن متفاعلن متفاعلن
متفاعلن متفاعلن متفاعلن متفاعلن متفاعلن فعلاتن
متفاعلن متفاعلن متفاعلن متفاعلن متفاعلن فعلن
ثانياً- متفاعلن متفاعلن فعلن متفاعلن متفاعلن فعلن
متفاعلن متفاعلن فعلن متفاعلن متفاعلن فعلن
 ثالثاً- متفاعلن متفاعلن متفاعلن متفاعلاتن
متفاعلن متفاعلن متفاعلن متفاعلان
متفاعلن متفاعلن متفاعلن متفاعلن
متفاعلن متفاعلن متفاعلن فعلاتن
يسمح الدرس العروضي بأن يتعرض عدد التفعيلات إلى التجزيء فقط فينقص جزء من كل شطر وذلك في أربعة استعمالات من أصل تسعة وبذلك فإن عدد أجزاء البيت هي إما ستة أجزاء أو أربعة
وإذا تمت المقارنة بين بيت الشعر العمودي وسطر الشعر الحر، يتضح من خلال النموذج المدروس " هجم التتار" أن الشاعر لم يحتفظ بالعدد الكامل للأجزاء في أي سطر منها وأقصى حد استعمله هو 5 أجزاء مرة واحدة في س18، بينما التزم بشكل لافت للنظر بالاستعمال التجزيئي، أي بعدد أربعة أجزاء في السطر في 22 سطرا من القصيدة، ومع ذلك عمد إلى التشطير وهو انزياح عن الاستعمال العروضي في 5 أسطر حين استعمل نصف عدد الأجزاء (3 أجزاء) في الأسطر 2، 6، 27، 38، 43 كما عمد إلى استعمال الإنهاك وهو انزياح آخر في 18سطرا التزم فيها جزأين فقط في كل واحد منها و هو انزياح ثالث عن عروض الخليل ولكنه استعمل جزءا واحدا في السطر أيضا و ذلك في ثلاثة أسطر هي: 1، 7، 47
هذا ما يبرز ميل الشاعر إلى التوازن في استعمال عدد الأجزاء، إذ استعمل المجزوء (4أجزاء) في 44.89% من أسطر القصيدة بينما مختلف الانزياحات التي تم إيرادها تمثل مجتمعة نسبة 55.10% منها. وحتى ضمن هذه النسبة فإن استعماله للمشطور في 5أسطر و المنهوك في 18سطرا يرفع ميله إلى المحافظة والانزياح المبني على سابقة إلى 23 سطرا من أصل 27 سطرا تمثل مجمل انزياحه، فيما يخص عدد الأجزاء مما يعني أن الانزياح عنده يكاد يكون محافظا بنسبة 85.18% و لا يمثل الانزياح الكامل إلا 14.81% و ذلك في أربعة أسطر من أصل 27 سطرا

:ثانياً- التفعيلات
القوانين العروضية تعطي لمقياس هذا البحر "متفاعلن" مجالا واسعا للتصرف و هو ما يبرزه الشكل التالي :الذي يوضح مختلف التغييرات التي تصيب بنية المقياس
شكل البنيات العروضية الفرعية ومجموع هذه التغييرات يعطي 16 بنية جديدة تمثل انزياحات عن البنية الأصلية "متفاعلن" وهي

 

 

 

ومجموع هذه التغييرات يعطي 16 بنية جديدة تمثل انزياحات عن البنية الأصلية "متفاعلن" وهي انزياحات مسموح بها.

النموذج المدروس " هجم التتار " يبرز في أسطره السبعة والأربعين: مائة وسبعة وأربعين (147)جزءا منها واحد وأربعون (41) بقيت على أصل البنية أي "متفاعلن" بينما انزاح الشاعر إلى بنى فرعية في مائة وستة (106) أجزاء أي ما نسبته 72.10% من الأجزاء، أما من حيث نوع هذه البنيات فيتضح أن الشاعر قد استعمل ست بنيات (06)فرعية من أصل ستة عشر بنية (16) وهي:

-         مفتعلن: مرة واحدة في س17

-         متفاعلاتن: مرة واحدة في س22                

-         متفاعلان: في 26 سطرا

-         مفاعلان: مرتين في س26، س47                

-         مستفعلن: في 60 سطرا

-         مستفعلان: في 16 سطرا

ويتضح ميل صلاح عبد الصبور إلى المحافظة على ما درج عليه الاستعمال الجاري لدى الشعراء العرب حيث تمثل بنيتا متفاعلن ومستفعلن مقياسين يعبر كل واحد منهما عن بحر المتكامل بل إن د. إبراهيم أنيس يرى أن مستفعلن ترد أحيانا بشكل أوسع من بنية متفاعلن2، وهو ما تؤكده نسبة ستين (60) استعمالا لبنية مستفعلن وواحد وأربعين (41) لبنية متفاعلن وهذا طبعا فيما يخص الحشو.

 أما ما يخص الأضرب أي الأجزاء التي تنتهي بها الأسطر فالدرس العروضي يعطي ستة أضرب هي: متفاعلن، فعلاتن، فعْلن، فعِلن، متفاعلاتن، متفاعلان، يستعمل الشاعر ثلاثة منها هي:

متفاعلان في 25 سطرا

     متفاعلن: في سطرين

     متفاعلاتن: في سطر واحد

فالشاعر التزم في أضربه البنيات المقررة في 28 سطرا من أصل 49 أي ما نسبته 57.14% بينما انزاح فيما نسبته 42.85% من الأسطر حين استعمل البنيات التالية:

-         مستفعلان: في 17 سطرا

-          مستفعلن في سطرين

-          مفاعلان: في سطرين

فعلى مستوى الضرب أنهى الشاعر أسطره منزاحا عن البنيات المقررة في 21 منها.

3-المقاطع 3: يكون الانزياح فيها بالنظر إلى أربعة اعتبارات هي:

-كمية المقاطع في كل سطر

-نوعية المقاطع من حيث الطول والقصر

-نوعية المقاطع من حيث الانفتاح والانغلاق

-توالي المقاطع

أ-من حيث الكمية:

 إن المطرد في شعر العرب هو أن يزيد عدد المقاطع المتوسطة على المقاطع القصيرة،وفي الشطر الواحد يتراوح عدد المقاطع المتوسطة بين عشرة وخمسة مقاطع، أما المقاطع القصيرة فلا تتجاوز تسعة إلا نادرا ولا تقل عن مقطعين إلا في بحر المتدارك حيث يمكن أن تكون كل المقاطع متوسطة.

وكميا يمكن تحديد متوسط السطر بـ:تسعة عشر مقطعا حدا أقصى وسبعة مقاطع حدا أدنى والبيت إذا بـ: ثمانية وثلاثين مقطعا حدا أقصى وأربعة عشر مقطعا حدا أدنى، بناء على ذلك يمكن ملاحظة الانزياح الحاصل لدى صلاح عبد الصبور في كمية المقاطع التي يستخدمها بالنسبة إلى هذه الكميات.

مجموع المقاطع التي يتكون منها النموذج المدروس هو 653 مقطعا موزعة على 49 سطرا بمعدل 13 مقطعا لكل سطر وهو عدد يقع بالضبط متوازنا بين الحد الأدنى وهو سبعة مقاطع لشطر البيت في الشعر العربي و 19 حدا أقصى له.

ولكن استقراء الأسطر يبين أنه نزل تحت الحد الأدنى في سطرين س1 و س47 بخمسة مقاطع للأول وأربعة للثاني، و تجاوز الحد الأقصى في س3 و س18 بعشرين مقطعا للأول و واحد و عشرين للثاني.

فيكون الشاعر قد انزاح في أربعة أسطر فقط من 49 عن كمية المقاطع مقارنة بشطر البيت في الشعر العربي بينما وقعت الأسطر 45 الباقية ضمن الحدين المطردين بما نسبته 91.83%.

فإذا جمعت الأسطر التي يتقارب عدد مقاطعها مع الحد الأدنى أي ذات 8 و 9 و 10 مقاطع وجد 18 سطرا، و إذا جمعت تلك التي  يتقارب عدد مقاطعها مع الحد الأقصى أي ذات 17 و 18 مقطعا وجد 19 سطرا وهو أمر يعكس التوازن المشار إليه سابقا في استخدام كمية المقاطع مع ميل واضح إلى المحافظة على هذه الكمية كما اطردت في شطر البيت الشعري العمودي.

ب- من حيث الطول و القصر: سبقت الإشارة إلى أن المطرد في شعر العرب إن المقاطع المتوسطة تزيد عن المقاطع القصيرة فتتراوح الأولى بين عشرة وخمسة مقاطع والثانية بين تسعة مقاطع ومقطعين.

ينحصر شطر بيت الشعر بين 7 و 19 مقطعا و إذا كان الشطر يتضمن 7 مقاطع فإن نسبة المقاطع القصيرة إلى المقاطع المتوسطة هي 28.57% للأول و 71.42  %للثاني و إذا كان الشطر يتضمن 19 مقطعا فإن نسبة المقاطع القصيرة %47.36 و المقاطع المتوسطة %52.63 مما يعني أنه كلما زاد عدد المقاطع و اقترب من الحد الأقصى يحدث توازن أكبر بين عدد  المقاطع القصيرة  و المقاطع المتوسطة.

عدد مقاطع "هجم التتار" 653 مقطعا 278 منها قصيرة بنسبة %42.57 و المتوسطة 329 بنسبة %50.38 مع اعتبار نسبة المقاطع الطويلة التي ينتهي بها 46 سطرا و هو أحد الانزياحات فيما يخص استعمال المقاطع ونسبتها %7.04.

ويلاحظ بجلاء أن الشاعر التزم في نوع المقاطع بما اطرد في شعر العرب من غلبة المقاطع المتوسطة ولكنه بنسبة أقل فيما يخص المقاطع القصيرة و بنسبة أكبر هي
57.42% إذا أضيفت المقاطع الطويلة إلى المتوسطة مما يمكن اعتباره انزياحا مقطعيا يسمح بإيجاد بديل إيقاعي للإيقاع الوزني العروضي.

وباستقراء الأسطر 49 يلاحظ أن الشاعر التزم بما شاع في شعر العرب حين استعمل عددا أكبر من المقاطع المتوسطة بالنسبة إلى المقاطع القصيرة و ذلك في 22 سطرا و لكنه انزاح في 27 سطرا الباقية كما يلي:

- غلبت المقاطع المتوسطة و لكن خارج الحدين في سطرين بنسبة 4.08 %
 

- غلبت المقاطع القصيرة خارج الحدين في 3 أسطر بنسبة 6.12 %
 

- غلبت المقاطع القصيرة ولكن داخل الحدين في 12 سطرا بنسبة 24.48%
 

- وازن بين النوعين في 10 أسطر بنسبة 20.40%.

و مجموع هذه الانزياحات هو 55.08 %من أسطر القصيدة.

ج-من حيث الانفتاح و الانغلاق:من مرتكزات الإيقاع انتظام المقاطع المفتوحة والمغلقة أفقيا أو عموديا على مستوى القصيدة، فباعتبار الإيقاع عودة ظاهرة صوتية ما على مسافات زمنية محددة4، فإن هذا التعاود مجال واسع للانزياحات والتصرفات التي يجريها الشاعر على الأجزاء بنية و عددا وموالاة و نهايات .

        أما استعمال المقاطع المفتوحة أو المنغلقة، فإن الشاعر استعمل المقطع المفتوح أكثر من استعماله المقطع المنغلق، فمن مجموع 653 مقطعا هي مقاطع القصيدة فإن 374 مقطعا منها مفتوحة بنسبة %57.27 بينما استعمل 279 مقطعا مغلقا بنسبة %42.73.

وعلى مستوى كل سطر ترتفع نسبة المقطع المفتوح مقارنة بالمغلق، فمن مجموع 49 سطرا يغلب المقطع المفتوح على 33 سطرا بنسبة 67.34 %منها، بينما يغلب المقطع المنغلق على 15 سطرا بنسبة 3.061 %من الأسطر، ووازن الشاعر في استعماله نوعي المقطع في حالة واحدة هي السطر40 بنسبة %2.04.

د-من حيث توالي المقاطع: ملاحظة يمكن تسجيلها هنا وهي استخدام المقطع الساكن وقد أحصي ضمن المقاطع الطويلة وهو انزياح آخر إذ لم يستخدم هذا المقطع في أشعار العرب إلا نادرا ثم شاع في العصور المتأخرة 5.

إن القاعدة أن يراع في توالي المقاطع أمران:

-                                 أولهما ألا يتوالى أكثر من مقطعين قصيرين في الشطر الواحد

-                                 وثانيهما ألا تتوالى أربعة مقاطع متوسطة في الشطر الواحد و التزاما بهما جوزت الزحافات و العلل6.

التزام صلاح عبد الصبور يكاد يكون كاملا في الموالاة بين المقاطع المتوسطة والمقاطع القصيرة فبالنسبة للثانية لم يوال بين أكثر من مقطعين في كامل أسطر القصيدة ولكنه انزاح عما درج عليه شعراء العرب في بحر الكامل حين يخففون من توالى مقطعين قصيرين بجعلهما مقطعا متوسطا، وكذلك بالنسبة للمقاطع المتوسطة، إذ لم يتجاوز الشاعر القاعدة بعدم موالاته بين أكثر من ثلاثة مقاطع متوسطة إلا في سطر واحد هو س16 حين والى بين 6 مقاطع متوسطة وهو انزياح لا يمثل مظهرا حاسما بقدر ما يبرز ميلا جليا إلى احترام قاعدة الموالاة كما اطردت في شعر العرب.
4- القافية والروي 7:
من أبرز مظاهر الانزياح في الشعر الحر كسره لنظام القافية الرتيب ولكن الشاعر المعاصر- سعيا منه إلى إيجاد إيقاع بديل 8 – أوجد نسقا جديدا من النهايات يعكس في آن واحد حريته المطلقة في الانزياح عن النظام التقليدي و يزود أسطره بالتنغيم الذي يعطيها دفقتها الموسيقية، و لذلك يظهر - بدل التزام قافية واحدة – تنويع يتراوح بين الانسجام والمفارقة9 وذلك مكمن الإيقاع ومنبعه لدى الشاعر.
القافية: استعمل الشاعر في بحر الكامل 6 أضرب غلب عليها ضربان هما "متفاعلان" في 25 سطرا و"مستفْعِلان" في 17 سطرا بما مجموعه 42 سطرا وكان الضرب هو "مفاعلان" في سطرين مما يعني أن قافية واحدة بنيتها "لان" أو "فعْل" ينتهي بها 44 سطرا بما نسبته 89.79% من الأسطر والنسبة الباقية تشغلها ثلاث بنيات تنتهي بها 5 أسطر. ويتجلى التزام الشاعر بصفة شبه كاملة برتابة تقفوية تعكس – هذه المرة – انزياحا عن شعر التفعيلة الذي يميل عموما إلى كسر الوزن و القافية.
الروي: أنهى الشاعر أسطره بعشرة حروف مختلفة هي روي القوافي الأربعة المحددة سابقا، ولكن من أحرف الروي العشرة هذه فإن حرفا واحدا هو الراء الساكنة ينتهي به 20 سطرا بنسبة 40.81% و ينهي حرف الدال الساكن تسعة أسطر أخرى بنسبة 18.36% فالحرفان مجتمعين ينهيان 29 سطرا بينما تتوزع الأسطر الـ 20 الباقية 8 حروف أخرى، هذا التوزيع يبين بوضوح أن حرف الروي نحا إلى الرتابة والتكرار أكثر منه إلى التنويع والتغير مما يؤكد الاستنتاج السابق في أن الانزياح يتم غالبا ضمن الجوازات مع الإشارة إلى سكون الروي باعتباره انزياحا بارزا ندر استعماله في شعر العرب.

الانزياح العروضي و الدلالة10:

 اتخذ البناء العروضي صورا عديدة للانزياح، انزياح في تكرار التفعيلة وبنيتها، وفي تكرار كمية المقاطع ونوعها والموالاة بينها، ونتجت عن هذه الانزياحات حركات إيقاعية متداخلة تخللتها مواضع لافتة للانتباه، مواضع التردد الأقصى، ومواضع التقاطع الأقصى والأدنى، ومواضع التباعد الأقصى، ولكل هذه الصور الانزياحية آثارها الدلالية، باعتبارها نسقا خاصا للإيقاع يسهم مع البناء  الصوتي والصرفي والتركيبي في تشكيل الإيقاع العام للقصيدة.

أ-التفعيلة:

حد التردد الأقصى للتفعيلة الأصلية هو ثلاث تفعيلات في السطر، و ذلك في:

س3/ رجعت كتائبنا ممزقة.. و قد حمي النّهار

س11/ و هناك مركبة محطمة تدور على الطريق

س30/ و أنا اعتنقت هزيمتي  ورميت رجلي  في الرمال11

و أقصى تردد للتفعيلة الفرعية هو أربع تفعيلات في السطر الواحد في:

س4/ الراية السوداء و الجرحى.. و قافلة موات

س5/ و الطبلة الجوفاء و الخطو الذليل بلا التفات

س16/ و الجند أيديهم مدلاة إلى قرب القدم

س18/ و الأمهات هربن من خلف الربوة الدكناء من هول الحريق

س21/ أو كفهم تمتد إلى اللحم في نهم كريه

س26/ و الظلمة البلهاء و الجرحى و رائحة الصديد

س41/ هذا بسمعي صاحب من أهل شارعنا العتيد12

و تتباعد التفعيلتان إلى أقصى حد في (س4، س5، س16، س21، س26، س41)، حين تبلغ التفعيلة الفرعية حدها الأعلى الأقصى و التفعيلة الأصلية حدها الأدنى الأقصى، فينعدم وجودها، كما يتحقق أقصى
 

  تلاق لهما حين تتكافآن في:

س20/ أو نظرة التتر المحملقة الكريهة في الوجوه

س39/ و لان أياما أثيرات لن تعود

س44/ و أنا و كل رفاقنا يا أم حين ذوى النهار

س48/ سنجوس بين بيوتنا الدكناء إن طلع النهار13

فتكون تفعيلتان لكل صنف في السطر الواحد.

يتقاطع التردد الأقصى للتفعيلة الأصلية مع وصف حركة تصور الثبات و الاستمرار، بينما يتقاطع تردد التفعيلة الفرعية مع ما هو طارئ، متجسد و قاطع للمألوف، و حين يتكافأ تواجد التفعيلتين تتكافأ حركتان، حركة الثبات وحركة التغير والطروء: النظرة الكريهة والوجوه المتحفزة، الماضي الأثير والتولي المؤسف، وواقع الهزيمة وتحفز الانتقام، البيوت الدكناء في تصوير الحاضر و "إن طلع النهار" في تصوير الغد، فالتناغم متبادل بين تجاذب التفعيلتين وتجاورهما وتناغم الحركتين وتلازمهما.

ب-المقطع:

*الطول و القصر:

يبلغ المقطع القصير حده الأقصى في (س3) بـ 12 مقطعا، ويبلغ المقطع المتوسط حده الأقصى في (س18) بـ 13 مقطعا، ويتباعد المقطعان في أقصى حد في (س16) حين يكون المقطع المتوسط في عدد 12 و القصير في 3، وأقصى حد لتلاقيهما يتموضع في (س6) بت سبعة مقاطع لكل نوع.

حين يبلغ المقطع القصير أقصى تردد له في (س3)، يكون ذلك متقاطعا مع الدلالة التي تتكثف فيها الحركة من خلال "حمي" و "رجعت" مع تصاعد نبرة الانتماء الساخر من خلال "كتائبنا" التي يناظرها مظهر الهزيمة القصوى من خلال "ممزقة"، هذه الحركية الكثيفة للمقطع القصير ناظرتها دلالة مركزة على فعلي الحركة المنصوص عليهما.

عندما تخف حركة الأفعال ويتجه السطر الشعري إلى الوصف تتوالى المقاطع المتوسطة بما يلائم المشهد من استرسال وامتداد في تفاصيله كما هو حاصل في (س18) حيث يبلغ المقطع المتوسط حده الأقصى، حيث تقل حركة الأفعال ويمتد الوصف دون وقفات.

وهي الملاحظة ذاتها في (س16) حيث يبلغ التباعد حده الأقصى فيكون عدد المقاطع المتوسطة 12 مقطعا وعدد المقاطع القصيرة 3، فالسطر وصف لمشهد واحد هو تدلي الأيدي إلى الأقدام، فالدلالة الوصفية المتجهة إلى لحظة سكونية استغنت عن حركية المقاطع القصيرة لأنها أحوج إلى تسجيل صورة منها إلى تسجيل عرض حركات.

أما حين يتحقق الحد الأقصى من التلاقي في (س6): فإن الدلالة تتكافأ بين الحركة والوصف، الفعل والسكون، التغير والاستمرار، حركة الكف التي تدق، ورتابة المشهد المتعاود المتكرر، فالحركة المتعاودة أشبه ما تكون بمشهد ثابت ولكنه رغم ذلك فعل وحركة، فازدواج الدلالة متقاطع مع الازدواج المقطعي المتكافئ.

*الانفتاح و الانغلاق:

في السطر (س44) يبلغ المقطع المفتوح حده الأقصى بـ 15 مقطعا:

س44/ و أنا و كل رفاقنا يا أم حين ذوى النهار14

بينما يبلغ المقطع المغلق مداه في (س18) بـ 11 مقطعا:

س18/ و الأمهات هربن من خلف الربوة الدكناء من هول الحريق15

أما أقصى حد للتباعد ففي (س44) السابق- بـ 15 مقطعا مفتوحا و4 مقاطع مغلقة، في حين يكون أقصى حد للتلاقي في (س40) بـ 4 مقاطع لكل نوع:

س40/ أماه إنا لن نبيد16

في السطر الذي يغلب عليه الانفتاح، تتجه الدلالة إلى تسجيل حالة النهوض من الكبوة والانتصار على الداخل المهزوم، و تكون نبرة الانتقام متجهة إلى الخارج بعدما كانت مكبوتة في الداخل: "أنا"، "رفاقنا"، "يا"، "حين"، "ذوى"، فالامتداد بيّن و التعبير عن العزيمة قوي، وحين يكون السطر منغلقا مقطعيا تكون الدلالة متجهة إلى وصف حال الانكسار والهزيمة والتراجع والهروب، فـ "هربن" و "خلف الربوة" و"الدكناء" و "هول" متقاطعة دلالة ومقطعا لأن الهروب حركة للاختفاء والانغلاق، والسطر (س44) هو ذاته سطر الانفتاح الأقصى وكذلك التباعد الأقصى أي تحقق الانفتاح الكامل أمام انحسار الانغلاق، فالأمل في التحرر والانعتاق ورد الهزيمة في حده الأقصى ولكن السطر الذي يتضمن التلاقي الأقصى (س40) يسجل شعور الأمل الغامر بالتغيير والنهوض مقابل الحركة المضادة وهي حركة الإبادة و الإفناء، والشعور الآمل اندفاع من الداخل والعمق نحو الخارج للتمكن وإبراز الوجود والذات، فتقابل الحركتين عكسه تقابل الانفتاح والانغلاق.

II-البناء الصوتي:

1-الصوت و الدلالة:

لا قيمة للصوت إذا تم عزله عن سياقاته الوارد فيها "وإحصاء الأصوات لا يكفي بل لابد من تجاوز ذلك إلى تلمس وظائفها الأسلوبية وتحديد معانيها وإيحاءاتها وإسهامها في المعنى العام الذي هي إحدى مكوناته الأساسية دون عزلها عن السياق الواردة فيه "17، وهذا جزء من قضية كبيرة شغلت القدماء والمحدثين وهي علاقة الصوت بالمعنى فقد أثارها الخليل بن أحمد وابن جني من بعده في كتابه الخصائص يقول فيما يخص علاقة الصوت بالمعنى :"فأما باب مقابلة الألفاظ بما يشاكل أصواتها من الأحداث فباب عظيم واسع ونهج متقلب عند عارفيه مأموم وذلك أنهم كثيرا ما يجعلون أصوات الحروف على سمت الأحداث المعبر بها عنها ،فيعدلونها بها ويحتذونها عليها وذلك أكثر ما نقدره وأضعاف ما نستشعره " 18.

ومن علاقة الصوت بالمعنى يتطرق ابن جني إلى على علاقة الصوت بالمعنى في اللفظة الواحدة: "ومن ذلك قولهم خضم وقضم، فالخضم لأكل الرطب كالبطيخ والقثاء وما كان نحوهما من المأكول الرطب والقضم للصلب اليابس نحو قضمت الدابة شعيرها ونحو ذلك "19، فالأصوات القوية تنسجم مع الأصوات القوية والأصوات اللينة مع الأصوات اللينة و "إ ثبات القيمة التعبيرية للصوت البسيط وهو حرف واحد في كلمة كإثبات هذه القيمة نفسها للصوت المركب وهو ثنائي لا أكثر أو ثنائي ألحق به حرف أو أكثر أو ثلاثي مجرد و مزيد أو رباعي منحوت أو خماسي أو سداسي على طريقة العرب مشتق أو مقيس"20، وقد استشهد علماء العربية لهذه الأحوال بالأمثلة الدالة على القيمة التعبيرية للحرف الواحد وهو صوت بسيط يقع في أول الكلمة تارة أو في وسطها تارة أخرى وفي آخرها أحيانا "يقول ابن جني:إن تقديم ما يضاهي أول الحدث وتأخير ما يضاهي آخره وتوسط ما يضاهي أوسطه سوقا للحروف على سمت المعنى المقصود والغرض المطلوب"21 ،ومن المحدثين من يذهب إلى تأكيد هذه العلاقة فـهمبلت Huimbolt يقول :"اتخذت اللغة للتعبير عن الأشياء طريق الأصوات التي توحي إلى الآذان بنفسها أو بمقارنتها بغيرها أثرا مماثلا لذلك الذي توحيه تلك الأشياء إلى العقول"22.

 إن الصوت حينما يتردد في نص أدبي إن لم يكن مبالغا فيه يكون مرتبطا في الغالب بعاطفة الأديب من قوتها وضعفها 23، ومن المحدثين أيضا " كرامون " Cramont  إذ يؤكد القيمة التعبيرية الذاتية للصوت :"تحدد القيمة التعبيرية للأصوات باعتبارات خارجة عن الأشعار التي تستعمل فيها تلك الأصوات، فقيمتها التعبيرية ترجع إلى طبيعة تلك الأصوات ذاتها وأن الأشعار لا تأتي فيما بعد إلا شبيهة بأمثلة مخصصة للبرهنة على النظرية" 24.

وبالمقابل يقف " ديلبويل " Delumbwel ضد هذا الاتجاه فيرى :"أن المصوتية لا تؤثر على حساسيتنا إلا بواسطة دلالة الكلمات وأما المصوتية في حد ذاتها فليست شيئا"25، بينما ينتصب اتجاه آخر وسطا فيرى: - أن طبيعة تلفظ بعض الأصوات مرتبطة بالأشكال

              - أن دلالة بعض الأصوات تعتمد على شكلها في البصر

ورغم ذلك تبقى الشروط اللازمة للربط بين الصوت والدلالة غير واضحة ،غير أن هناك شرطا ضروريا ولكنه غير كاف وهو:تراكم أصوات معينة أكثر من غيرها في البيت أو المقطوعة أو القصيدة مع مراعاة مؤشرات لتأويل الرمزية الصوتية: التراكم الصوتي + مؤشرات مواكبة (صرفية ومعنوية وتداولية)26، ومن أعلامه ريتشاردز Ritchards.W الذي يربط دلالة الصوت بسياقه سواء ما سبقه أو ما لحقه، يقول "يكتسب الصوت شخصيته عن طريق التوفيق بينه وبين ما سبقه، فاضطراب الذهن السابق لحدوث الكلمة: يجعل الذهن يختار من بين الشخصيات الممكنة للكلمة تلك الشخصية بالذات التي تلائم ما هو حادث فيه في ذلك الوقت، فنلاحظ مقاطع أو حروفا متحركة تتسم بطبيعتها بالحزن أو الفرح إذ تختلف الطريقة التي يؤثر بها الصوت في نفوسنا تبعا للانفعال الذي يكون موجودا فعلا في ذلك الوقت ،بل إنها تختلف أيضا تبعا للمدلول" 27.

و" هجم التتار" تبرز نوعين من الأصوات هما:

-صوت الروي وهو مكون أساسي من مكونات القافية.

-والصوت الأكثر معاودة على مستوى المقاطع أو مستوى النص.

ومن حيث الدلالة يبرز منظوران:

-الدلالة الذاتية أو القيمة التعبيرية للصوت .

-الدلالة السياقية.

والبحث يتناول الصوت من الزوايا الأربعة :
-من حيث هو جزء من القافية 

-من حيث هو صوت مهيمن مقطعيا

- من حيث هو صوت له دلالة ذاتية

-من حيث هو صوت ضمن سياق

فينقسم العنوان إلى العناصر التالية : أ-الصوت باعتباره رويا :
-قيمة ذاتية

-قيمة سياقية

ب-الصوت باعتباره مهيمنا :-قيمة ذاتية

 -قيمة سياقية

أ-الصوت باعتباره رويا28:

في هذه القصيدة يهيمن الراء رويا فيرد 20 مرة بنسبة 40.81% من الأسطر، و يليه الدال رويا لتسعة قوافي بنسبة 18.36% فيهيمن الحرفان معا على 59.17% من الأسطر.

*الدلالة الذاتية: الراء: تدل على الملكة وعلى شيوع الوصف.

             الدال: تدل على التصلب وعلى التغيير الموزع.

*الدلالة السياقية:

المقطع الأول: يرد الراء في الألفاظ التالية: التتار، الدمار، النهار، انبهار، تدار، الغبار، انكسار.

المحور الدلالي للمقطع هو مشهد الهزيمة و أثر الخراب الذي حل بالمدينة وأهلها، وكيف أن الدمار أصاب كل موجود فكان شاملا وعميقا، ومن هذا المنظور، يعكس حرف الراء وقع الهزيمة وصوت الخراب والدمار يعوي في أزقة المدينة، أما الدلالة الذاتية للراء فتلتقي مع دلالة السياق، فلفظ التتار يتسق فيها الراء مع كلية اللفظ، فإذا كان اللفظ يوحي بالهلاك والدمار نظرا للخلفية التاريخية للقوم المشار إليهم، فإن الراء تدل بالاستقراء على شيوع الوصف وتمكنه، والتتار في تدميرهم لم يتركوا شيئا في مساراتهم الهمجية، فدلالة الدمار شاملة إذا ذكر هذا الاسم، كما يلتقي اللفظ مع سياقه، ففعل هجم يدل على الشمول والعموم والشيوع، هجوم على كل شيء.

 ولفظ الدمار أيضا يوحي بشمول الخراب وتملكه المدينة وشيوعه فيها، فدلالة الحرف واللفظ متسقتان، كما يتعضد هذا التأويل، بفعل (رموا) الدال على شمول الهجوم وعمقه، فأصابها و استأصلها، لأن الإشارة إلى عراقة المدينة يدل على أن الخراب قضى على كل امتداداتها حتى الحضارية منها.

 وفي لفظ (النهار) يتسق الراء مع دلالة اللفظ، لان النهار يدل على اكتمال الشروق، وبلوغ الشمس وسط السماء، فيشيع النور ويفشو الدفء، والسياق يدل على تمام الهزيمة من خلال الفلول الممزقة وهي حقيقة تامة وكاملة تمام النهار واكتماله.

            ودلالة الحرف واللفظ والسياق، أوضح ما تكون في لفظ (انبهار) فالحالة تتملك الجميع و هم يسمعون لحن الهزيمة و الإشعار بالخيبة، والراء أنسب ما يدعم هذا اللحن المأساوي الحزين، والصوت إذا أعلنه البوق فالمراد هو إبلاغ الجميع و إخبارهم بالفجيعة، فالتلاحم تام بين الدلالات.

         وفي لفظ (تدار) تلتقي الدلالة مع دلالة (النهار) في عموم الحر وشدته وتمكنه، وكذا في (الغبار) وهو أنسب ما يكون لمشهد الفلول المنهزمة يسد غبار أقدامها الآفاق وهو ما يوحي بهول الهزيمة لأن جيشا ضخما تعرض للاندحار.

      وفي الانكسار الذي يتكرر في 3 أسطر متتالية تلتئم دلالة الحرف الذاتية واللفظ والسياقات الثلاثة، فالانكسار تام وأكيد، انكسار الخيل وهي القوة والعزيمة وانكسار الأنف وهو انكسار العزة والكرامة وانكسار العين وهي جرح العواطف والمشاعر، فالانكسار كان شاملا وتاما تعاضد في رسمه إيقاع الراء ودلالته ولفظ الانكسار فهو انفعال للهزيمة وتجاوب معها ومع السياقات التي دلت على أن الهزيمة كانت على الأرض والعرض أيضا.

المقطع الثاني: ورد الراء رويا في الألفاظ التالية: التتار، الانتصار، وسبق تناول لفظ التتار، ولكنه في هذا المقطع متظافر مع لفظ الانتصار، وشعور التتار بالانتصار يدل على أن الدمار كان شاملا، فالتتار لا ينتشون بنصر إلا إذا وقفوا فيه على خرائب بعد عمران وعلى الموت بعد الحياة، وعلى النار تلتهم كل موجود ومشهود، فكما أن التتار لفظ يوحي بشمول الهمجية فالانتصار في هذا السياق يوحي بشمول الدمار وتملكه كل ما صادفه من مظاهر الحياة وهي دلالة اشترك في رسمها الروي مع اللفظ مع السياق.

المقطع الثالث: يرد الراء في الألفاظ التالية: النهار، التتار، الصغار، وسبق تناول النهار والتتار ولكن لا يحتفظ في هذا المقطع إلا بدلالة الحرف الذاتية ودلالة اللفظ لأن السياق يشهد انزياحا دلاليا، فالنهار الذي سبق أن ذكر شمول ضوئه و حرارته يسبق بفعل (ذوى) فينحسر مدلوله ليعبر عن التقلص والانكماش تبعا لوقع الهزيمة، وكذلك لفظ التتار الذين سفكوا الدماء ونهبوا الأرزاق وهتكوا الأعراض، يسبق هذا اللفظ بلفظ ينزاح بدلالته إلى عكس ما كانت تشير إليه، فلفظ (دم) مضافة إلى التتار تجعل من هؤلاء هذه المرة محلا للانتقام و القصاص بعد أن كانوا مصدر النقمة و الشرور.

 وهي الملاحظة ذاتها التي تبرز في آخر المقطع حينما يسبق لفظ التتار بلفظ (نشيد) و(هدم) فالاتجاه دلاليا هو اتجاه نحو العمران والبناء بعد التهديم والتدمير، والنهار بعد أن كان مسبوقا بـ (ذوى) يسبق هذه المرة بـ (سنجوس) و(طلع) دلالة على أن المعركة لم تنته، وأن الانتقام من الغزاة سيبدأ مع طلوع النهار، فالنهار ذاته الذي شهد مرارة الهزيمة سيشهد نشوة الانتقام، ولذلك ورد بين السياقين سياق ثالث يكون فيه الراء رويا ولكن هذه المرة في لفظ يوحي بالأمل في مسح العار والهزيمة وهو (الصغار): بما يوحيه من عموم الأمل وتمكنه لأنه سينمو مع نمو الصغار، وأن المعركة لم تنته طالما توجد أجيال ستعيد الكرة وتنتقم للشرف المغدور به.

يرد الدال رويا في المقطع الثالث ضمن الألفاظ التالية: البعيد، الحديد، الصديد، السعيد، والدلالة السياقية للدال في هذا المقطع تتظافر فيها دلالات الحرف واللفظ والمقطع، فالمقطع تدور دلالته حول آثار الهزيمة ومشاهدها والتركيز يشتد على منظر الأسرى، والأسر يلقي بدلالة المذلة والحرمان من الحرية، يعكسها منظر الحديد يكبل الأيدي و يلف الأسوار و يعتنقه جند التتار سلاحا، فالدال من هذا المنظور يلتقي دلاليا مع السياق، فدلالة الصلابة و تحول الحال كامنتان في المقطع، فالأسْر تَحَوُل من فسحة الحرية إلى قيد الضيق، و الصديد تحول من العافية إلى الهلاك البطيء و أما الحديد فدلالته على الصلابة و الشدة واضحة، والانزياح الوحيد يحدث في لفظ (السعيد) التي تدل استقراءً على تحول الحال من الشقاوة إلى السعادة و لكن السياق ينزاح بها عن هذه الدلالة من خلال لفظ (نهاية) فيصبح الحال متغيرا إلى عكس دلالة لفظ السعيد أي حلول الشقاء والأهوال.

المقطع الرابع: يرد الروي في الألفاظ التالية: تعود، نبيد، العتيد، قعيد، الوعيد، و دلالة المقطع يتقاسمها اتجاهان، اتجاه وصف مشهد الهزيمة على النفوس خصوصا و اتجاه إلى بعث الأمل والتمسك به، وألفاظ الروي يتقاسمها الاتجاهان، ففي لفظ (تعود) الدال توحي مع لفظها بإمكانية تحول الحال وتغيره، ولكن هذه الدلالة تم الانزياح عنها أولا بأداة النفي (لن) فهي لن تعود أي لن يكون هناك تحول و تغيير، ولكن هذه الدلالة المنزاحة تتعرض لانزياح ثان من خلال الاستفهام، و هو استفهام يدل على إمكانية التحول، ويعضد هذا الاحتمال ورود لفظ (نبيد) الدال هذه المرة على تحول الحال من الحياة إلى الاندثار ولكنها حال لن تكون لأن اللفظ مسبق بـ لن فهي انزياحات متتالية تتجه بالدلالة من اتجاه إلى ما يعاكسه.

والألفاظ الباقية تصب في دلالة السياق حول وجود الأمل الأكيد "فالعتيد" و "قعيد" و "وعيد" تدل في سياقها على تمكن هذا الأمل، فالدلالة الذاتية "للعتيد" هي الصلابة و السياق يؤكد عليها فالشارع عتيد صلب لن يبيد و لن تتحول عراقته، و"القعيد" تمكن من القعود و إمعان في وصف الهزال، و لكنه هزال لا يدل على الموت بل يتم الانزياح بدلالته إلى عكسها فمن الجسد المهزول القعيد يهمهم فم بالوعيد، بالتحول من حال الهزيمة إلى النصر، ومن القعود إلى النهوض.

 ب-الصوت باعتباره مهيمنا في حشو السطور :

يتكون هذا النموذج من 4 مقاطع متفاوتة الطول، تهيمن على كل مقطع منها أشباه الصوائت (م، ن، ر، ل)، و في هذه القصيدة يهيمن كل من النون و الميم على مقطعين من المقاطع.

المقطع الأول: يهيمن عليه صوت النون بنسبة 37.11% من مجموع الأصوات.

*و القيمة الذاتية للون هي: الدلالة على البطون في الشيء أو على تمكن المعنى تمكنا تظهر أعراضه.

* الدلالة السياقية: ورد صوت النون في هذا المقطع ضمن الألفاظ التالية: مدينتنا، كتائبنا، النهار، جندي، لحن، ينسل، انبهار، كأن، النار، مختنق، هناك، تنظر، انكسار، الأنف، العين، الأذن، الجند، قمصانهم، محنية، نثار.

الدلالة الكلية للمقطع هي تمكن الدمار من المدينة العريقة، دمار انعكست مظاهره على شوارعها المظلمة الحزينة كما على سحنات الجنود المهزومين و الحشود البائسة المطعونة، فهي هزيمة مادية ونفسية مما يسمها بطابع التمكن و التمام، و هي دلالة يسهم فيها حضور النون بصورة بارزة عبر إشعاعها دلاليا وإيقاعيا على الألفاظ الحاضنة لها و السياقات الواردة فيها، ففي لفظ "مدينتنا" تمام عمران و تمدن، وحضور ضمير المتكلمين يوحي بتمكن العلاقة بين المدينة وساكنيها، يشفع لهذا المعنى حضور لفظ "العريقة" بما تضفيه من العمق في التاريخ و التمكن في القلوب أيضا، وهي الدلالة التي تعطي الدمار وزنه الكامل و أثره الكارثي، على القيمة المادية و التاريخية للمدينة وكذلك على قيمتها العاطفية و العلائقية.

و لكن حضور نون المتكلمين في "كتائبنا" لا يوحي بالدلالة ذاتها، فالنون غير أصلية، و العلاقة النفسية من هذه الكتائب ضعيفة و مختلة و كأن هذه الكتائب منفصلة عن أهل المدينة، لأنها شكلية لا تصلح إلا للزينة و المباهج، فكان وقع النون هو إحداث انزياح في الدلالة بالنسبة لدلالة النون التي هي التمكن الذي تظهر عوارضه.

ولكن تطابق الدلالتين الذاتية للنون و دلالة الألفاظ في سياقها العام تعود في باقي الألفاظ، فيتم ارتسام المشهد الحزين برهبته كلها و بتمكن الخراب كله. فالهزيمة تامة يشهد عليها ضوء "النهار" و"اللحن" تعزفه يدا "الجندي" و البوق "الناسل" في "انبهار" و على مستوى الأنفس المقهورة في "انكسار" " الأنف" و "العين" و"الأذن" و الأيدي المسدلة إلى أقدام "الجند" و الدماء "المنثورة" على القمصان "المحنية"، فالتساند الدلالي تام في هذا المقطع الكئيب.

المقطع الثاني: يزيح الميم صوت النون ليهيمن على الأسطر الستة (6) لهذا المقطع بنسبة 31.42%، فيرد ضمن الألفاظ التالية: الأمهات، المحملقة، كفهم، تمتد، اللحم، نهم، الدمار، هجم.

*القيمة الذاتية للميم هي: الإنجماع

*الدلالة السياقية: يستمر رسم مشهد الدمار، الدمار في النفوس و رسم الصورة البغيضة للتتار، والمشهد إذا يتم بهذه المفارقة، نفوس مهزومة و أكف باطشة ونظرات معلقة، والدلالتان كلتاهما مجتمعتان في مظهرين معبرين، الأول تمثله الأمهات الهاربات، وهن يجمعن صور الحنان و الوداعة كلها، والثاني يمثله جند التتار و هم يجمعون الحقد كله و البطش كله، و في دلالة المظهرين يؤدي صوت الميم إيقاعه الحزين في لفظ "الأمهات" و وقعه المخيف في الألفاظ: "المحملقة"، "تمتد"، "اللحم"، "نهم"، و ليتم مشهد الخراب الكامل و الشامل يأتي لفظ الدمار مقترنا بـ"زحف" و لفظ "هجم" مقترنا بـ"التتار" ليعكس التئام الهول بالمدينة العريقة و ساكنيها وانجماعه عليهم.

المقطع الثالث: تستمر هيمنة الميم فيه بنسبة 38.46% من الأصوات، و يرد في الألفاظ التالية: معزل، المدجج، الظلمة، مزاح، مخمورين، يتلمظون، هزيمتي، رميت، الرمال، أمي، أماسينا، المنعمة، ملء، كالنسيم، غمائم، الكلم، القديم.

إن الزمن زمن الهزيمة والمكان موقع الأسر، وكلاهما منجمعان على الأسرى، و كل مظاهر الأسر تؤكد مشهد الهوان و الإذلال، فالأسلاك تحيط بالأجساد كما يحيط الذل بالأرواح، فالعزل تام، و الحديد "المدجج" يحرسهم من كل جانب، وسور الأسلاك يدعمه الظلام الشامل، وسور الإذلال يمده قبح الجند المخمور، و تمام الهزيمة باعتقادها و الغوص في رمالها، و تمام الكآبة ذكر الأم وقد هبت نسائم ذكراها و ذكرى "كلمها" "القديم"، فحضور الميم دلالة و إيقاعا بارز في هذا المقطع و الدلالة الذاتية لصوت الميم تشع على الألفاظ و على المقطع كله كما يوحي بذلك سياقات الأسطر.

المقطع الرابع: تعود هيمنة النون في هذا المقطع بنسبة 37.11% من الأصوات، و يرد في الأصوات التالية: أنت، بين، من، الهاربين، الجفون، لأن، قريتنا، لن، أنا، نبيد، شارعنا، رفاقنا، حين، النهار، أقسمنا، سنهتف، سنجوس، بيوتنا، الدكناء، نشيد. يشهد هذا المقطع انزياحا دلاليا تاما بالنسبة إلى دلالة المقطع الأول حين كان النون مهيمنا أيضا على باقي الأصوات، إذ كان يعضد بدلالته الذاتية دلالة المقطع في اتجاه بيان شمولية الهزيمة و تمكنها من الأعماق.

أما في هذا المقطع فالدلالة العامة تتجه إلى الانزياح بين تمكن المعنى دون تمظهر أعراضه: فمظاهر الحطام البادية في فلول الهاربين ومشاهد الجوع و العراء و بقايا الحطام و المدامع الجارية هي في انفصال كامل و شرخ تام عن تململ مكين تخفيه أنات الجراح و آلام المهزومين، إرادة تنمو بين الأنقاض و الشروخ ترفض الإبادة و الفناء و يجيء النون في دلالته الباطنية يرسخ هذا في "لن نبيد" و "شارعنا العتيد" و "أقسمنا سنهتف" و"سنجوس بين بيوتنا الدكناء" و النهار الذي كان مسرحا فاضحا لوقائع الهزيمة هاهو ذا يشهد مطلعه تشييد ما هدم التتار.

III-البناء الصرفي:

تشكل البنية الصرفية مضمارا مهما للانزياح إن على مستوى البنية الإفرادية أو من خلال التكرار لصيغ معينة، و تهدف معاينة هذا المستوى إلى اختبار الانزياح البنائي و الانزياح التكراري وعلاقتهما بالدلالة و كذلك معاينة تفاعل هذا المستوى مع سابقيه في بلورة الإيقاع البديل للوزن التقليدي، فالصيغة مناط وظائف متعددة و متداخلة حسب سياقات استعمالها، فتكرارها يسهم في الأنساق الدلالية و الانزياح في بنيتها أيضا وللعمليتين كلتيهما مردودهما الدلالي المتفاعل مع الدلالة الوظيفية الصرفية، و لا يمكن الوصول إلى الدلالة الانزياحية السياقية دون الرجوع إلى الدلالة الصرفية 29.

يحصل الانزياح في هذا المستوى من خلال شكلين هما:

- الانزياح باعتباره تكرارا لبنيات صرفية معينة اسمية وفعلية

- الانزياح في مستوى البنيات الصرفية ذاتها

1-الانزياح من حيث التكرار:

أ-الأسماء: تهيمن على النماذج المدروسة البنيات التالية: فعلٌ، الأفعال، فعيل، فعل، فاعل، فعلُ، فعول، فعال، فعل، فعلاء، مفعولة، فعال، فال.

فَعْلٌ: ترد هذه الصيغة في "هجم التتار" 26 مرة، بنية مصدر: خطو و بنية اسم: أرض و بنية جمع لا مفرد له: خيل و ظرفا للمكان: خلف.

فَعِيل:ْ ترد 20 مرة بنية مفعول مؤنث: مدينة و بنية صفة مؤنثة: عريقة و بنية اسم: الطريق و بنية صفة للخبر: الشفيف و بنية اسم فاعل: قعيد و بنية اسم ظرف زمان: بعيد و بنية مصدر: الوعيد.

فُعْلٌ: وردت 10 مرات بنية اسم: قرص، أذن بنية اسم جمع: جند وظرف مكان: قرب و بنية مصدر: رعب.

ب-الأفعال: تهيمن بنيات الأفعال التالية: فعل، فال، تفعل، يفيل، يفعل، كما تبرز ظاهرة التضعيف بروزا يؤهلها للتمعن و التحليل.

فَعَلَ: وردت 11 مرة في البنيات الدلالية التالية: هجم (2)، رجعت، هربن، زحف، رميت، ذكرت، بكيت (2)، طلع، هدم.

تفْعَل: وردت مرتين: تدمع ، يلسع

بنية التضعيف: وردت البنية المضعفة في البنيات التالية: تدق، تمتد، يتلمظون، تولت

2-تكرار البنية الصرفية ودلالته : تؤخذ البنية المهيمنة نموذجا لدراسة علاقة البنية الصرفية من حيث تكرارها بالدلالة:

أ-الأسماء:

"هجم التتار": بتتبع إيقاع البنيات الصرفية للقصيدة يمكن ملاحظة التدفق الصوتي لبنيتين صرفيتين الأولى منهما فيها قطع للنَفَس و الثانية فيها امتداد ، ويبدأ هذا الإيقاع المزدوج للبنيتين من العنوان :

هجم التتار

1      2

الطبْلة (الفعْلة)    الجوفاء (الفعلَاء)

الخطْو (الفعْل)    الذليل (الفعيِل)

الخشب

انبهار

 

قرب

مدلاة

 

جند

التتار

لحن

انبهار

 

القدم

مدلاة

 

السفر

السعيد

السغب

انبهار

 

خلف

دكناء

 

رجل

الرمال

الأرض

حارقة

 

هول

الحريق

 

العين

يا أمي

قرص

تدار

 

هول

الشعوب

 

الكلم

القديم

الأفق

الغبار

 

نظرة

الكريهة

 

سفح

ذاك

الخيل

انكسار

 

التتر

الكريهة

 

الرعب

الجفون

الأنف

انكسار

 

اللحم

كريه

 

الثوب

الشفيق

العين

انكسار

 

نهم

كريه

 

الصم

السعلاة

الأذن

الغبار

 

الحرس

الحديد

 

أهل

شارعنا

الجند

أيدي

 

الظلمة

البلهاء

 

حقد

أقسمنا

 

 

 

 

 

 

بين

بيوتنا

هذه المزاوجات الإيقاعية يمكن تأويلها في ضوء السياق الدلالي للقصيدة حيث تتقابل حركتان: حركة إماتة، وحركة بعث، أو إرادة حياة تواجه إرادة الدمار، ولكن الحركتين أو الإرادتين لا تستقران في جانب واحد من جانبي الزوج فتارة تكون صورة إرادة الحياة هي الأولى و تارة تكون هي الثانية.

 ففي زوج: الأنف / الانكسار: تكون إرادة الحياة والصمود تحت وطأة الظلم والدمار، فالبنية الصوتية مختصرة محدودة أمام  بنية الدمار التي فرضت حال الانكسار الممتدة العاتية.

و لكن في زوج : حقد / أقسمنا ،تتغير المعادلة لنرى إرادة الحياة تحتل المساحة الصوتية كاملة ، فالشعور الدفين وجد الفضاء في صورة قسم تقوله الجموع التي كانت مقموعة فإذا صوتها ممتد.

ب-الأفعال:

بنية َفعَلَ

هجم التتار : وردت بنية فعل في السياقات التالية: هجم التتار و رموا مدينتنا العريقة بالدمار .

رجعت كتائبنا ممزقة </