عبدالعزيز بن ناصر العيسى

مصور وكالة الجامعة و عمادة التعليم الإلكتروني

الصيام























































المقدمة :


المبحث الأول : الصيام لغة واصلاحا


المطلب الأول :تعريف الصيام لغة



الصيام في اللغة: أصله الإمساك، تقول: صام عن الكلام إذا
أمسك عنه، وصام عن السير إذا وقف، وصام عن الأكل والشرب إذا أمسك عنهما. فأصل
الصيام في لغة العرب الإمساك، ومنه قوله تعالى:
فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ
إِنسِيًّا [مريم:26] أي: إمساكاً عن
الكلام، ويقولون: صامت الخيل. إذا أمسكت عن الصهيل، ومنه قول الشاعر: خيل صيام
وخيل غير صائمة تحت العجاج وأخرى تعلك اللُجم فقوله: (خيل صيام): أي: ممسكة عن
الصهيل.



المطلب الثاني :تعريف الصيام شرعاً



أما في الشريعة: فالمراد بالصيام: إمساك مخصوص من شخص
مخصوص بنية مخصوصة. فقولهم رحمة الله عليهم: الصيام إمساك مخصوص: وذلك لأن الإمساك
يطلق ويقيد، فتقول: أمسك. بالمعنى المطلق، فيشمل كل إمساك، سواءً كان عن أكل أو
شرب أو كلام أو سير، فلما قلت: إمساك مخصوص، فهمنا أنه يتقيد بشيء معين، وهو
الإمساك عن شهوة البطن والفرج، فالصائم يمتنع عن الأكل وعن الشرب وما في حكمهما،
وكذلك يمتنع عن شهوة الفرج، والأصل في ذلك قوله تعالى في الحديث القدسي: (يدع
طعامه وشرابه وشهوته من أجلي) . فأصل الصيام الإمساك عن هذه الأشياء، ولذلك قالوا:
إمساك مخصوص. ولم يقولوا: إمساك عن المفطرات لأنه قد يكون فيه إجمال، ومن هنا
قالوا: إمساك مخصوص حتى يفهم من دلالة الخصوصية ما يقصده الشرع بهذا الإمساك
المعين. من شخص مخصوص: وهو المكلف، والصبي يروض على الصيام كما في حديث أنس رضي
الله عنه حينما كانوا يلهونهم باللعب إلى منتصف النهار. ولا يجب الصوم على الصغير؛
لأنه غير مكلف، وإنما يجب على المكلف، وسيأتي إن شاء الله بيان ذلك. وقولهم: بنية
مخصوصة، النية ترد بمعنيين: المعنى الأول: نية التعبد والتقرب لله عز وجل بإخلاص
العمل، وهذا هو الذي يسميه العلماء: الإخلاص، والمقصود بذلك خلوص النية، بمعنى:
ألا يقصد غير الله عز وجل. والعلماء رحمة الله عليهم لما قالوا: بنية مخصوصة. لم
يريدوا قضية الإخلاص؛ لأن التعبد والتقرب معلوم بداهة، فإنه لما قيل: تعريف الصيام
في الشرع فهمنا شرعاً أن المراد بذلك التعبد، ولذلك لا يقصدون هذا المعنى الخاص.
وإنما يقصدون بقولهم: بنية مخصوصة. أن تبين هل تنوي الفريضة، أو تنوي النافلة،
وإذا كانت نيتك بهذا الصيام الفريضة، فما هي هذه الفريضة؟ أهي صيام رمضان أو كفارة
قتل أو كفارة ظهار أو كفارة جماع أو صيام نذر واجب. ثم إذا كانت النية نافلة، فما
هي هذه النافلة؟ أهي عاشوراء أو عرفة أو الإثنين والخميس وهكذا. فمرادهم بقولهم:
بنية مخصوصة. أي: تعيين المراد من هذا الصوم في الشرع؛ لأنك لما قلت: تعريف الصيام
شرعاً، فالمراد بذلك: في حدود الشريعة؛ فإن الشريعة تقصد من هذا الصوم إما شيئاً
مطلقاً أو تقصد به شيئاً مقيداً، فالمطلق كالتقرب إلى الله عز وجل بصيام النافلة
المطلقة كصيام يوم وإفطار يوم، والنافلة المقيدة كعاشوراء والإثنين والخميس
والثلاثة الأيام البيض من كل شهر. والفريضة إما أن تكون فريضة محددة كصيام رمضان،
وإما فريضة يلزم الإنسان نفسه بها كالنذر، وإما أن تكون داخلة عليه بسبب الإخلال
كصيام الكفارات والنذور ونحوها. يقول العلماء: الصيام: إمساك مخصوص. فلما قالوا:
إمساك مخصوص على هذا الوجه المخصوص الذي هو النية المخصوصة بالفريضة والنافلة،
فخرج الإمساك عن الطعام لمعنى الصحة، كأن يصوم الإنسان ويمتنع عن الأكل والشرب
لتقوية بدنه، أو تخفيف وزنه، أو نحو ذلك من النوايا الدنيوية، فإن هذا ليس بصيام
شرعي، فمن قصد من صيامه أن تقوى نفسه أو يستجم بدنه فإنه غير متقرب لله عز وجل.
لكن لو نوى أن يصوم يوماً ويفطر يوماً، ثم كانت نية الدنيا وهي صلاح بدنه وذهاب
الأمراض عن جسده تبعاً فإن هذا لا يضر؛ لأن نية الدنيا إذا وقعت تبعاً لم تضر، كما
لو قصد الإنسان عبادة كطلب العلم، وقصد منها أن يطلب العلم ثم بعد طلبه للعلم قصد
أن تكون هناك حوافز مادية أو تكون هناك رواتب، فهذه لا تؤثر إذا كانت تبعاً؛ لأن
الله سبحانه وتعالى يقول: وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ
أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ
[الأنفال:7] فقال العلماء: إذا دخلت النية تبعاً فإنها لا تؤثر. فالمقصود: أن
حقيقة الصيام في الشرع هي مخصوصة بهذا الوجه.






المبحث الثاني : أركان الصيام وشروطه



المطلب الأول : أركان الصيام :



للصيام ركن واحد عند الحنفية، والحنابلة،
وهو الإمساك عن المفطرات الآتي بيانها، أما المالكية والشافعية، فانظر مذهبيهما
تحت الخط (المالكية: اختلفوا، فقال بعضهم: إن للصيام ركنين: أحدهما: الإمساك،
ثانيهما: النية، فمفهوم الصيام لا يتحقق إلا بهما، ورجح بعضهم أن النية شرط لا
ركن، فمفهوم الصيام يتحقق بالإمساك فقط.



الشافعية قالوا: أركان الصيام ثلاثة:
الإمساك عن المفطرات، والنية، والصائم، فمفهوم الصيام عندهم لا يتحقق إلا بهذه الثلاثة،
وقد عرفت أن الحنابلة، والحنفية يقولون: إن النية والصائم شرطان خارجان عن مفهوم
الصيام، ولكن لا بد منهما).



المطلب الثاني : شروط الصيام



تنقسم شروط الصيام الى: شروط وجوب، وشروط
صحة، وشروط أداء، على تفصيل في المذاهب مذكور تحت الخط (الشافعية قالوا: تنقسم
شروط الصيام إلى قسمين: شروط وجوب، وشروط صحة، أما شروط وجوبه فأربعة: أحدها
البلوغ، فلا يجب الصيام على الصبي، ولكن يؤمر به لسبع سنين إن أطاقه، ويضرب على
تركه لعشر سنين، ووافقهم على هذه الحنفية؛ أما المالكية فقد قالوا: لا يجب على
الولي أمر الصبي بالصيام، ولا يندب، ولو كان الصبي مراهقاً؛ الحنابلة قالوا:
المعول في ذلك على القدرة والإطاقة، فإذا كان الصبي مراهقاً يطيق الصيام، فيجب على
الولي أن يأمره به، ويضربه إذا امتنع؛ ثاينها: الإسلام، فلا يجب على الكافر وجوب
مطالبة، وإن كان يعاقب عليه في الآخرة؛ أما المرتد فإنه يجب عليه وجوب مطالبة
فيطلب منه بعد عوده إلى الإسلام، ثالثها: العقل، فلا يجب على المجنون إلا أن كان
زوال عقله بتعديه، فإنه يلزمه قضاءه بعد الإفاقة، ومثله السكران إن كان متعدياً
بسكره، فيلزمه قضاؤه، وإن كان غير متعد كما إذا شرب من إناء يظن أن فيه ماء، فإذا
به خمر سكر متعدياً بسبب الإغماء أم لا، رابعها: الإطاقة حساً وشرعاً، فلا يجب على
من لم يطقه لكبر أو مرض لا يرجى برؤه لعجزه حساً، ولا على نحو حائض لعجزها شرعاً،
وأما شروط صحته، فأربعة أيضاً: الأول: الإسلام حال الصيام، فلا يصح من كافر أصلي،
ولا مرتد، الثاني: التمييز، فلا يصح من غير مميز، فإن كان مجنوناً لا يصح صومه،
وإن جن لحظة من نهار، وإن كان سكران أو مغمى عليه لا يصح صومهما إذا كان عدم
التمييز مستغرقاً لجميع النهار، أما إذا كان في بعض النهار فقط فيصح، ويكفي وجود
التمييز ولو حكماً، فلو نوى الصوم قبل الفجر ونام إلى الغروب صح صومه، لأنه مميز
حكماً، الثالث: خلو الصائم من الحيض والنفاس والولادة وقت الصوم وإن لم تر الوالدة
دماً، الرابع: أن يكون الوقت قابلاً للصوم. فلا يصح صوم يومي العيد وأيام التشريق،
فإنها أوقات غير قابلة للصوم، ومنها يوم الشك إلا إذا كان هناك سبب يقتضيه، كأن
صامه قضاء عما في ذمته، أو نذر صوم يوم الاثنين القابل، فصادف يوم الشك، فله صومه،
أو كان من عادته صوم الخميس وصادف ذلك يوم الشك فله صومه أيضاً، أما إن قصد صومه،
لأنه يوم الشك فلا يصح صومه، كما سيأتي في مبحث "صيام يوم الشك"، وكذلك
لو صام النصف الثاني من شعبان أو بعضه، فإنه لا يصح، ويحرم، إلا إن كان هناك سبب
يقتضي الصوم من نحو الأسباب التي بينا في يوم الشك، أو كان قد وصله ببعض النصف
الأول، ولو بيوم واحد.



هذه هي الشروط عند الشافعية، وليست منها
النية، لأنها ركن، كما تقدم، ويجب تجديدها لكل يوم صامه؛ ولا بد من تبييتها، أي
وقوعها ليلاً قبل الفجر، ولو من المغرب؛ ولو وقع بعدها ليلاً ما ينافي الصوم، لأن
الصوم يقع بالنهار لا بالليل؛ وإن كان الصوم فرضاً، كرمضان والكفارة والنذر فلا بد
من إيقاع النية ليلاً مع التعيين بأن يقول بقلبه: نويت صوم غد من رمضان، أو نذراً
علي، أو نحو ذلك، ويسن أن ينظق بلسانه بالنية، لأنه عون للقلب، كأن يقول: نويت صوم
غد عن أداء فرض رمضان الحاضر للّه تعالى؛ وأما إن كان الصوم نفلاً فإن النية تكفي
فيه ولو كانت نهاراً، بشرط أن تكون قبل الزوال، وبشرط أن لا يسبقها ما ينافي الصوم
على الراجح، ولا يقوم مقام النية التسحر في جميع أنواع الصوم، إلا إذا خطر له
الصوم عند التسحر ونواه، كأن يتسخر بنية الصوم، وكذلك إذا امتنع من الأكل عند طلوع
الفجر خوف الإفطار. فيقوم هذا مقام النية.



الحنفية قالوا: شروط الصيام ثلاثة أنواع:
شروط وجوب، وشرطو وجوب الأداء، وشروط صحة الأداء. فأما شروط الوجوب، فهي ثلاثة:
أحدها: الإسلام فلا يجب على الكافر لأنه غير مخاطب بفروع الشريعة كما تقدم، وكذا
لا يصح منه لأن النية شرط لصحته كما سيأتي؛ وقد تقدم أن النية لا تصح إلا من مسلم؛
فالإسلام شرط للوجوب وللصحة ثانيها العقل فلا يجب على المجنون حال جنونه ولو جن
نصف الشهر. ثم أفاق. وجب عليه صيام ما بقي. وقضاء ما فات، أما إذا أفاق بعد فراغ
الشهر، فلا يجب عليه قضاؤه، ومثل المجنون المغمى عليه. والنائم إذا أصيب بمرض
النوم قبل حلول الشهر، ثم ظل نائماً حتى فرغ الشهر، ثالثها: البلوغ، فلا يجب
الصيان على صبيّ، ولو مميزاً، ويؤمر به عند بلوغ سبع سنين، ويضرب على تركه عند
بلوغ سنه عشر سنين إن أطاقه، وأما شروط وجوب الأداء فاثنان: أحدهما: الصحة، فلا
يجب الأداء على المريض، وإن كان مخاطباً بالقضاء بعد شفائه من مرضه؛ ثانيهما:
الإقامة، فلا يجب الأداء على مسافر، وإن وجب عليه قضاءه، وأما شروط صحة الأداء.
فاثنان أيضاً: أحدهما: الطهارة من الحيض والنفاس؛ فلا يصح للحائض والنفساء أداء
الصيام وإن كان يجب عليهما؛ ثانيهما: النية؛ فلا يصح أداء الصوم إلا بالنية
تمييزاً للعبادات عن العادات. والقدر الكافي من النية أن يعلم بقلبه أنه يصوم كذا؛
ويسن له أن يتلفظ بها؛ ووقتها كل يوم بعد غروب الشمس إلى ما قبل نصف النهار.
والنهار الشرعي: من انتشار الضوء في الأفق الشرقي عند طلوع الفجر إلى غروب الشمس؛
فيقسم هذا الزمن نصفين. وتكون النية في النصف الأول بحيث يكون الباقي من النهار إلى
غروب الشمس أكثر مما مضى، فلو لم يبيت النية بعد غروب الشمس حتى أصبح بدون نية
ممسكاً، فله أن ينوي إلى ما قبل نصف النهار. كما سبق؛ ولا بد من النية لكل يوم من
رمضان، والتسحر نية، إلا أن ينوي معه عدم الصيام ولو نوى الصيام في أول الليل، ثم
رجع عن نيته قبل طلوع الفجر صح رجوعه في كل أنواع الصيام، ويجوز صيام رمضان،
والنذر المعين، والنفل بنية مطلق الصوم، أو بنية النفل من الليل إلى ما قبل نصف
النهار، ولكن الأفضل تبييت النية وتعيينها: ونوى صوماً واجباً، فإنه يقع عن ذلك
الواجب، لأنه مرخص له بالفطر حال السفر؛ أما القضاء والكفارة والنذر المطلق، فلا
بد من تبييت النية فيها وتعيينها، أما صيام الأيام المنهي عنها، كالعيدين، وأيام
التشريق، فإنه يصح، ولكن مع التحريم، فلو نذر صيامها صح نذره، ووجب عليه قضاؤها في
غيرها من الأيام، ولو قضاه فيها صح مع الإثم.



المالكية قالوا: للصوم شروط وجوب فقط، وشروط
صحة فقط، وشروط وجوب وصحة معاً، أما شروط الوجوب فهي اثنان: البلوغ، والقدرة على
الصوم، فلا يجب على صبي، ولو كان مراهقاً، ولا يجب على الولي أمره به ولا يندب،
ولا على العاجز عنه، وأما شروط صحته فثلاثة: الإسلام، فلا يصح من للكافر، وإن كان واجباً
عليه، ويعاقب على تركه زيادة على عقاب الكفر، والزمان القابل للصوم، فلا يصح في
يوم العيد. والنية على الراجح. وسيأتي تفصيل أحكامها، وشروط وجوبه وصحته معاً
ثلاثة: العقل، فلا يجب على المجنون والمغمى عليه: ولا يصح منهما، وأما وجوب
القضاء، ففيه تفصيل حاصله: أنه إذا أغمي على الشخص يوماً كاملاً من طلوع الفجر إلى
غروب الشمس أو أغمي عليه معظم اليوم، سواء كان مفيقاً وقت النية أو لا في
الصورتين، أو أغمي عليه نصف اليوم أو أقله، ولم يكن مفيقاً وقت النية في الحالتين
فعليه القضاء بعد الإفاقة في كل هذه الصور، أما إذا أغمى عليه اليوم أو أقله، وكان
مفيقاً وقت النية في الصورتين: فلا يجب على التقصاء متى نوى قبل حصول الإغماء،
والجنون كالإغماء في هذا التفصيل، ويجب عليه القضاء على التفصيل السابق إذا جن أو
أغمي عليه، ولو استمر ذلك مدة طويلة، والسكران كالمغمى عليه في تفصيل القضاء سواء
كان السكر بحلال أو حرام، وأما النائم فلا يجب عليه قضاء ما فاته وهو نائم متى بيت
النية في أول الشهر. الشرط الثاني: النقاء من دم الحيض والنفاس. فلا يجب الصوم على
حائض ولا نفساء ولا يصح منهما. ومتى طهرت إحداهما قبل الفجر، ولو بلحظة، وجب عليها
تبييت النية، ويجب على الحائض والنفساء قضاء ما فاتهما من صوم رمضان بعد زوال
المانع. الشرط الثالث: دخول شهررمضان فلا يجب صوم رمضان قبل ثبوت الشهر، ولا يصح،
أما النية فهي شرط لصحة الصوم الراجح، كما تقدم، وهي قصد الصوم، وأما نية التقرب
إلى اللّه تعالى فهي مندوبة، فلا يصح صوم فرضاً كان أو نفلاً؛ بدون النية. ويجب في
النية تعيين المنوي بكونه نفلاً أو قضاءً أو نذراً مثلاً؛ فإن جزم بالصوم وشك بعد
ذلك هل نوى التطوع أو النذر أو القضاء انعقد تطوعاً، وإن شك هل نوى النذرأو
القضاء، فلا يجزئ عن واحد منهما وانعقد نفلاً، فيجب عليه إتمامه، ووقت النية من
غروب الشمس إلى طلوع الفجر، فلو نوى الصوم في آخر جزء من الليل بحيث يطلع الفجر
عقب النية صحت، والأولى أن تكون متقدمة على الجزء الأخير من الليل؛ لأنه أحوط، ولا
يضر ما يحدث بعد النية من أكل أو شرب؛ أو جماع أو نوم، بخلاف الإغماء، والجنون إذا
حصل أحدهما بعدها؛ فتبطل؛ ويجب تجديدها، وإن بقي وقتها بعد الإفاقة، ولا تصح النية
نهاراً في أي صوم، ولو كان تطوعاً، وتكفي النية الواحدة في كل صوم يجب تتابعه،
كصيام رمضان، وصيام كفارته، وكفارة القتل أو الظهار ما دام لم ينقطع تتابعه، فإن
انقطع التتابع بمرض أو سفر أو نحوهما، فلا بد من تبييت النية كل ليلة ولو استمر
صائماً على المعتمد، فإذا انقطع السفر والمرض كفت نية للباقي من الشهر، وأما الصوم
الذي لا يجب فيه التتابع، كقضاء رمضان وكفارة اليمين، فلا بد فيه من النية كل
ليلة، ولا يكفيهنية واحدة في أوله، والنية الحكمية كافية، فلو تسحر، ولم يخطر
بباله الصوم، وكان بحيث لو سئل لماذا تتسحر؟ أجاب بقوله: إنما تسحرت لأصوم، كفاه
ذلك.



الحنابلة قالوا: شروط الصوم ثلاثة أقسام:
شروط وجوب فقط، وشروط صحة فقط، وشروط وجوب وصحة معاً، فأما شروط الوجوب فقط، فهي
ثلاثة: الإسلام، والبلوغ، والقدرة على الصوم، فلا يجب على صبي، ولو كان مراهقاً،
ويجب على وليه أمره به إذا أطاقه، ويجب أن يضربه إذا امتنع، ولا يجب على العاجز
عنه لكبر أو مرض لا يرجى برؤه، وأما المريض الذي يرجى برؤه فيجب عليه الصيام إذا
برأ، وقضاء ما فاته من رمضان، وأما شروط الصحة فقط فهي ثلاثة: أولها: النية؛
ووقتها الليل من غروب الشمس إلى طلوع الفجر إن كان الصوم فرضاً أما إذا كان الصوم
نفلاً فتصح نيته نهاراً، ولو بعد الزوال إذا لم يأت بمناف للصوم من أكل أو شرب
مثلاً من أول النهار، ويجب تعيين المنوي من كونه رمضان أو غيره؛ ولا تجب نية الفرضية،
وتجب النية لكل يوم؛ سواء رمضان وغيره، ثانيها: انقطاع دم الحيض؛ ثالثها: انقطاع
دم النفاس؛ فلا يصح صوم الحائض والنفساء، وإن وجب عليهما القضاء؛ وأما شروط الوجوب
والصحة معاً، فهي ثلاثة: الإسلام؛ فلا يجب الصوم على كافر، ولو كان مرتداً؛ ولا
يصح منه. والعقل، فلا يجب الصوم على مجنون، ولا يصح منه، والتمييز فلا يصح من غير
مميز كصبي لم يبلغ سبع سنين، لكن لو جن في أثناء يوم من رمضان أو كان مجنوناً
وأفاق أثناء يوم رمضان وجب عليه قضاء ذلك اليوم، وأما إذا جنَّ يوماً كاملاً أو
أكثر، فلا يجب عليه قضاؤه بخلاف المغمى عليه، فيجب عليه القضاء، لو طال زمن
الإغماء، والسكران والنائم، كالمغمى عليه، لا فرق بين أن يكون السكران معتدياً
بسكره أو لا).





المبحث الثالث : أقسام الصيام



اتفق المالكية، والشافعية، والحنابلة على أن الصيام
ينقسم إلى أربعة أقسام: أحدها صيام مفروض، وهو صيام شهر رمضان أداءً وقضاءً، وصيام
الكفارات، والصيام المنذور، ثانيها: الصيام المسنون، ثالثها: الصيام، المحرم،
رابعها: الصيام المكروه وسيأتي بيان كل قسم من هذه الأقسام عند الثلاثة، أما
الحنفية فقالوا: إن أقسام الصيام كثيرة، فانظرها تحت الخط (الحنفية: قد اختلفت
آراؤهم في الصيام المنذور، سواء كان معيناً. وهو نذر صوم يوم بعينه. كيوم الخميس
مثلاً. أو غير معين. كنذر صيام يوم أو شهر بدون تعيين فمنهم من قال: إن قضاء هذا
النذر واجب لا فرض. وقد عرفت مما تقدم أن الواجب عندهم بمعنى السنة المؤكدة، فلا
يعاقب تاركه بالنار. وإن كان يحرم من شفاعة النبي المختار. وحجة هذا القائل أن
الوفاء بالنذر ثبت بقوله تعالى: {وليوفوا نذورهم} وهذه الآية ليست قطعية الدلالية.
لأن من نذر معصية فإنه لا يلزمه الوفاء بها. ومتى خصصت الآية ينذر المعصية. فإنها
لا تكون قطعية الدلالة. على فرضية الوفاء بالنذر وأيضاً فقد فرق الحنفية بين قضاء
الصلاة المنذورة وقضاء الصلاة المفروضة، فقالوا: لو نذر شخص أن يصلي للّه ركعتين
مثلاً، فإنه لا يصح له أن يصليهما بعد صلاة العصر، بخلاف ما لو فاتته صلاة الصبح
مثلاً، فإن له أن يصليهما بعد صلاة العصر، فدل ذلك على أن النذر واجب لا فرض
لاختلافه عن الفرض في الأداء، ومنهم من قال: إن الوفاء بالنذر فرض، فمن نذر أن
يصوم يوماً معيناً أو أكثر، أو نذر أن يصوم يوماً بغير تعيين، فإنه يفترض عليه
الوفاء بهذا النذر، ولم تثبت الفرضية بآية {وليوفوا نذورهم} وإنما ثبتت بالإجماع،
وهذا الرأي هو الراجح عند الحنفية، وبه قال غيرهم من الأئمة، فعلى الرأي الأول
تنقسم الصيامات عندهم إلى ثمانية أقسام: أحدها: الصيامة المفروض فرضاً معيناً،
كصوم رمضان أداءً في وقته، ثانيها: الصيام المفروض فرضاً غير معين، كصوم رمضان
قضاءً في غير وقته؛ فمن فاته صيام شهر رمضان أو بعضه، فإنه لا يلزمه أن يقضيه في
وقت خاص، ومثله صوم الكفارات، فإنه فرض غير معين، ثالثها: صيام واجب معين، كالنذر
المعين، رابعها: صيام واجب غير معين، كالنذر المطلق، خامسها: صيام النفل، سادسها
الصيام المسنون سابعها: الصيام المستحب، ثامنها: المكروه تنزيهاً أو تحريماً،
فالأقسام عنده ثمانية، أما على الرأي الثاني فإنها تنقسم إلى سبعة أقسام: الأول:
فرض معين، وهو ماله وقت خاص كصوم رمضان أداء، والنذر المعين، الثاني: فرض غير
معين، وهو ما ليس له وقت خاص؛ كصوم رمضان قضاءً، والنذر غير المعين؛ الثالث:
الواجب؛ وهو صوم التطوع بعد الشروع فيه، فمن أراد أن يتطوع بصوم يوم الخميس مثلاً.
ثم شرع فيه فإنه يجب عليه أن يتمه، بحيث لو أفطر يأثم إثماً صغيراً، كما تقدم،
وكذلك يجب عليه قضاؤه إذا أفطره. ومثله صوم الاعتكاف غير المنذور، فإنه واجب كذلك،
الرابع: الصيام المحرم، الخامس: الصيام المسنون، السادس، صيام النفل: السابع:
الصيام المكروه، وسيأتي بيان كل قسم منها).



القسم الأول: الصيام المفروض * قد عرفت أن الصيام
المفروض هو صيام شهر رمضان أداءً وقضاءً، وصيام الكفارات، والصيام المنذور. وعرفت
أن هذا القدر متفق عليه عند الأئمة، وإن كان بعض الحنفية يخالف في الصيام المنذور،
ويقول: إنه واجب لا فرض، وإليك بيان الصيامات المذكورة على هذا الترتيب:











المطلب الأول : الصوم المحرم صيام يوم العيد،
وصيام المرأة بغير إذن زوجها



حرَّم الشارع الصوم في أحوال: منها الصيام يوم العيدين:
عيد الفطر، وعيد الأضحى؛ وثلاثة أيام بعد عيد الأضحى، عند ثلاثة من الأئمة، إلا أن
الحنفية قالوا: إن ذلك مكروه تحريماً، وقال المالكية، يحرم صوم يومين بعد عيد
الأضحى لا ثلاثة أيام، وقد ذكرنا تفصيل كل مذهب في ذلك تحت الخط (المالكية قالوا:
يحرم صيام يوم عبد الفطر، وعيد الأضحى، ويومين بعد عيد الأضحى، إلا في الحج للتمتع
والقارن؛ فيجوز لهما صومهما؛ وأما صيام اليوم الرابع من عيد الأضحى فمكروه.



الشافعية قالوا: يحرم ولا ينعقد صيام يوم عيد الفطر وعيد
الأضحى، وثلاثة أيام بعد عيد أضحى مطلقاً، ولو في الحج.



الحنابلة قالوا: يحرم صيام يوم عيد الفطر، وعيد الأضحى،
وثلاثة أيام بعد عيد الأضحى، إلا في الحج للمتمتع والقارن.



الحنفية قالوا: صيام يومي العيد، وأيام التشريق الثلاثة
مكروه تحريماً إلا في الحج)؛ ومنها صيام المرأة نفلاً بغير إذن زوجها، أو بغير أن
تعلم بكونه راضياً عن ذلك وإن لم يأذنها صراحة، إلا إذا لم يكن محتاجاً لها، كأن
كان غائباً، أو محرماً، أو معتكفاً. وهذا هو رأي الشافعية، والمالكية؛ أما
الحنفية، والحنابلة، فانظر رأيهما تحت الخط (الحنفية قالوا: صيام المرأة بدون إذن
زوجها مكروه.



الحنابلة قالوا: متى كان زوجها حاضراً؛ فلا يجوز صومها
بدون إذنه، ولو كان به مانع من الوطء، كإحرام، أو اعتكاف، أو مرض).



المطلب الثاني :الصوم المندوب - تاسوعاء -
عاشوراء - الأيام البيض - وغير ذلك



الصوم المندوب، منه صوم شهر المحرم، وأفضله يوم التاسع
والعاشر منه، والحنفية يقولون: إن صومهما سنة لا مندوب؛ وقد عرفت أن الشافعية،
والحنابلة يوافقون على هذه التسمية؛ إذا لا فرق عندهم بين السنة والمندوب، أما
المالكية فلا يوافقون؛ للفرق عندهم بين المندوب والسنة كما هو عند الحنفية، ومنه
صيام ثلاثة أيام من كل شهر. ويندب أن تكون هي الأيام البيض، أعني الثالث عشر،
والرابع عشر، والخامس عشر من الشهر العربي، وخالف المالكية، فانظر مذهبهم تحت الخط
(المالكية قالوا: يكره قصد الأيام البيض بالصوم).



صوم يوم عرفة * يندب صوم اليوم التاسع من ذي الحجة،
ويقال له: يوم عرفة. وإنما يندب صومه لغير القائم بأداء الحج، أما إذا ان حاجاً
ففي صومه هذا اليوم تفصيل في المذاهب، مذكور تحت الخط (الحنابلة قالوا: يندب أن
يصوم الحاج يوم عرة إذا وقف بها ليلاً ولم يقف بها نهاراً، أما إذا وقف بها نهاراً
فيكره له صومه.



الحنفية قالوا: يكره صوم يوم عرفة للحاج إن أضعفه، وكذا
صوم يوم التروية؛ وهو ثامن ذي الحجة.



المالكية قالوا: يكره للحاج أن يصوم يوم عرفة، كما يكره
له أيضاً أن يصوم يوم التروية وهو يوم الثامن من ذي الحجة.



الشافعية قالوا: الحاج إن كان مقيماً بمكة ثم ذهب إلى
عرفة نهاراً فصومه يوم عرفة خلاف الأولى، وإن ذهب إلى عرفة ليلاً، فيجوز له الصوم،
أما إن كان الحاج مسافراً فيسن له الفطر مطلقاً).



صوم يوم الخميس والإثنين * يندب صوم الاثنين والخميس من
كل أسبوع، وأن في صومها مَصلحة للأبدان لا تخفى.



صوم ست من شوال * يندب صوم ستة من شوال مطلقاً بدون شروط
عند الأئمة الثلاثة، وخالف المالكية، والأفضل أن يصومها متتابعة بدون فاصل، عند
الشافعية، والحنابلة؛ أما المالكية؛ والحنفية فانظر مذهبيهما تحت الخط (المالكية
قالوا: يكره صوم ستة أيام من شوال بشروط:



1 - أن يكون الصائم ممن يقتدي به، أو يخاف عليه أن يعتقد
وجوبها.



2 - أن يصومها متصلة بيوم الفطر.



3 - أن يصومها متتابعة.



4 - أن يظهر صومها؛ فإن انتقى شرط من هذه الشروط، فلا
يكره صومها، إلا إذا اعتقد أن وصلها بيوم العيد سنة، فيكره صومها، ولو لم يظهرها،
أو صامها متفرقة.



الحنفية قالوا: تستحب أن تكون متفرقة في كل أسبوع
يومان).



صوم يوم وإفطار يوم * يندب للقادر أن يصوم يوماً ويفطر
يوماً، وقد ورد أن ذلك أفضل أنواع الصيام المندوب.



صوم رجب وشعبان وبقية الأشهر الحرم * يندب صوم شهر رجب
وشعبان، باتفاق ثلاثة من الأئمة، وخالف الحنابلة، فانظر مذهبهم تحت الخط (الحنابلة
قالوا: إفراد رجب بالصوم مكروه، إلا إذا أفطر في أثنائه، فلا يكره)، أما الأشهر
الحرم وهي أربع: ثلاثة متوالية، وهي ذو القعدة وذو الحجة؛ والمحرَّم، وواحد منفرد،
وهو رجب، فإن صيامها مندوب عند ثلاثة من الأئمة، وخالف الحنفية، فانظر مذهبهم تحت
الخط (الحنفية قالوا: المندوب في الأشهر الحرم أن يصوم ثلاثة أيام من كل منها،
وهي: الخميس، والجمعة، والسبت).



المطلب الثالث : الصوم المكروه صوم يوم الجمعة وحده والنيروز، والمهرجان، وصوم
يوم أو يومين قبل رمضان.



من الصوم المكروه صوم يوم النيروز، ويوم المهرجان
منفردين بدون أن يصوم قبلهما أو بعدهما ما لم يوافق ذلك عادة له فإنه لا يكره عند
ثلاثة، وقال الشافعية: لا يكره صومها مطلقاً، ومن المكروه صيام يوم الجمعة
منفرداً، وكذا صيام يوم السبت منفرداً، وقال المالكية: لا يكره إفراد يوم الجمعة
أو غيره بالصوم، ومن المكروه أن يصوم قبل شهر رمضان بيوم أو يومين لا أكثر، عند
الحنفية، والحنابلة، أما المالكية فقالوا: لا يكره صوم يوم أو يومين قبل رمضان؛
والشافعية قالوا يحرم صوم أو يومين قبل رمضان، وكذا صوم النصف الثاني من شعبان إذا
لم يصله بما قبله، ولم يوجد سبب يقتضي صومه من نذر أو عادة؛ ومن المكروه صوم يوم
الشبك، وقد تقدم بيانه في المذاهب؛ وهناك مكروهات أخرى مفصلة في المذاهب: فانظرها
تحت الخط (الحنفية قالوا: الصوم المكروه ينقسم إلى قسمين: مكروه تحريماً، وهو صوم
أيام الأعياد؛ والتشريق، فإذا صامها انعقد صومه مع الإثم، وإن شرع في صومها ثم
أفسدها لا يلزمه القضاء، ومكروه تنزيهاً، وهو صيام يوم عاشوراء منفرداً عن التاسع،
أو عن الحادي عشر، ومن المكروه تنزيها إفراد يوم النيروز والمهرجان بالصوم إذا لم
يوافق عادة له، كما ذكر في أعلى الصحيفة، ومنه صيام أيام الدهر، لأنه يضعف البدن
عادة، ومنه صوم الوصال؛ وهو مواصلة الإمساك ليلاً ونهاراً؛ ومنه صوم الصمت، وهو أن
يصوم ولا يتكلم، ومنه صوم المرأة تطوعاً بغير إذن زوجها، إلا أن يكون مريضاً أو
صائماً أو محرماً بحج أو عمرة، ومنه صوم المسافر إذا أجهده الصوم.



المالكية قالوا: يكره صوم رابع النحر، ويستثنى من ذلك
للقارن ونحوه، كالمتمتع، ومن لزمه هدي ينقص في حج أو عمرة فإنه يصومه ولا كراهة،
وإذا صام الرابع تطوعاً فيعقد، وإذا أفطر فيه عامداً، ولم يقصد بالفطر التخلص من
النهي وجب عليه قضاؤه، وإذا نذر صومه لزمه نظراً لكونه عبادة في ذاته؛ ويكره سرد
الصوم وتتابعة لمن يضعفه ذلك عن عمل أفضل من السوم، ويكره أيضاً صوم يوم المولد
النبوي، لأنه شبيه بالأعياد، ويكره صوم التطوع لمن عليه صوم واجب كالقضاء، وصوم
الضيف بدون إذن رب المنزل، أما صوم المرأة تطوعاً بدون إذن زوجها فهو حرام، كما
تقدم، وكذا يحرم الوصال في الصوم، وهو وصل الليل بالنهار في الصوم وعدم الفطر،
وأما صوم المسافر فهو أفضل من الفطر، إلا أن يشق عليه الصوم، فالأفضل الفطر.



الشافعية قالوا: يكره صوم المريض والمسافر والحامل
والمرضع والشيخ الكبير إذا خافوا مشقة شديدة، وقد يكون محرماً في حالة ما إذا
خافوا على أنفسهم الهلاك أو تلف عضو بترك الغذاء، ويكره أيضاً إفراد يوم الجمعة،
أو يوم سبت أو أحد بالصوم إذا لم يوجد لهم سبب من نذر ونحوه، أما إذا صام لسبب،
فلا يكره، كما إذا وافق عادة له، أو وافق يوماً في صومه، وكذا يكره صوم الدهر،
ويكره التطوع بصيام يوم، وعليه قضاء فرض، لأن أداء الفرض أهم من التطوع.



الحنابلة قالوا: يكره أيضاً صيام الوصال، وهو أن لا يفطر
بين اليومين، وتزول الكراهة بأكل تمرة ونحوها، ويكره إفراد رجب بالصوم).



المبحث الرابع : مسائل مختلفة حول الصيام



المطلب الأول :اإذا شرع في صيامه النفل ثم
أفسده



إتمام صوم التطوع بعد الشروع فيه وقضاؤه إذا أفسده مسنون
عند الشافعية، والحنابلة، وخالفهم المالكية، والحنفية، فانظر مذهبيهما تحت الخط
(الحنفية قالوا: إذا شرع في صيام نفل ثم أفسده، فإنه يجب عليه قضاؤه، والواجب
عندهم بمعنى السنة المؤكدة، فإفساد صوم النفل عندهم مكروه تحريماً، وعدم قضائه
مكروه تحريماً، كما تقدم في أقسام "الصوم".



المالكية قالوا: إتمام النفل من الصوم بعد الشروع فيه
فرض، وكذلك قضاؤه إذا تعمد إفساده؛ ويستثنى من ذلك من صام تطوعاً، ثم أمره أحد
والديه، أو شيخه بالفطر شفقة عليه من إدامة الصوم، فإنه يجوز له الفطر، ولا قضاء
عليه)، ومثل ذلك صوم الأيام التي نذر اعتكافها، كأن يقول: للّه عليَّ أن أعتكف
عشرة أيام، فإنه يسن له أن يصوم هذه الأيام العشرة، ولا يفترض صيامها عند
الشافعية؛ والحنابلة، وخالفهم المالكية، والحنفية، فانظر مذهبيهما تحت الخط
(الحنفية قالوا: يشترط الصوم في صحة الاعتكاف المنذور، كما تقدم.



المالكية قالوا: الاعتكاف المنذور يفترض فيه الصوم،
بمعنى أن نذر الاعتكاف أياماً لا يستلزم نذر الصوم لهذه الأيام، فيصح أن يؤدي
الاعتكاف المنذور في صوم تطوع، ولا يصح أن يؤدي في حال الفطر، لأن الاعتكاف من
شروط صحته الصوم عندهم).



المطلب الثاني :قضاء رمضان



من وجب عليه قضاء رمضان لفطرة فيه عمداً أو لسبب من
الأسباب السابقة فإنه يقضى بدل الأيام التي أفطرها في زمن يباح الصوم فيه تطوعاً،
فلا يجزئ القضاء فيما نهى عن صومه، كأيام العيد، ولا فيما تعين لصوم مفروض كرمضان
الحاضر، وأيام النذر المعين، كأن ينذر صوم عشرة أيام من أول ذي القعدة، فلا يجزئ
قضاء رمضان فيها لتعينها بالنذر، عند المالكية، والشافعية، أما الحنابلة، والحنفية
فانظر مذهبيهما تحت الخط (الحنفية قالوا: إذا قضى ما فاته من رمضان في الأيام التي
نذر صومها صح صيامه عن رمضان، وعليه قضاء النذر في أيام أخر، وذلك لأن النذر لا
يتعين بالزمان والمكان والدرهم، فيجزئه صيام رجب عن صيام شعبان في النذر، وكذلك
يجزئه التصدق بدرهم بدل آخر في مكان غير المكان الذي عينه في نذره.



الحنابلة قالوا: إن ظاهر عبارة الإقناع أنه إذا قضى أيام
رمضان في أيام النذر المعين أجزأه)، كما لا يجزئ القضاء في رمضان الحاضر، لأنه
متعين للأداء، فلا يقبل صوماً آخر سواه، فلو نوى أن يصوم رمضان الحاضر أو أياماً
منه قضاء عن رمضان سابق، فلا يصح الصوم عن واحد منهما، لا عن الحاضر، لأنه لم
ينوه، ولا عن الفائت، لأن الوقت لا يقبل سوى الحاضر، باتفاق ثلاثة، وخالف الحنفية
فانظر مذهبيهم تحت الخط (الحنفية قالوا: من نوى قضاء صيام الفائت في رمضان الحاضر
صح الصيام ووقع عن رمضان الحاضر دون الفائت، لأن الزمن متعين لأداء الحاضر، فلا
يقبل غيره، ولا يلزم فيه تعيين النية؛ كما تقدم في "شرائط الصيام")؛
ويجزئ القضاء في يوم الشك لصحة صومه تطوعاً، ويكون القضاء بالعدد لا بالهلال، فمن
أفطر رمضان كله؛ وكان ثلاثين يوماً، ثم ابتدأ قضاءه من أول المحرم مثلاً، فكان
تسعة وعشرين يوماً، وجب عليه أن يصوم يوماً آخر بعد المحرم ليكون القضاء ثلاثين
يوماً كرممضان الذي أفطره، ويستحب لمن عليه قضاء أن يبادر به ليتعجل براءة ذمته،
وأن يتابعه إذا شرع فيه؛ فإذا أخر القضاء أو فرقه صح ذلك، وخالف المندوب، إلا أنه
يجب عليه القضاء فوراً إذا بقي على رمضان الثاني بقدر ما عليه من أيام رمضان
الأول؛ فيتعين القضاء فوراً في هذه الحالة خلافاً للشافعية، والحنفية؛ فانظر
مذهبيهما تحت الخط (الشافعية قالوا: يجب القضاء فوراً أيضاً إذا كان فطره في رمضان
عمداً بدون عذر شرعي.



الحنفية قالوا: يجب قضاء رمضان وجوباً موسعاً بلا تقييد
بوقت؛ فلا يأثم بتأخره إلى أن يدخل رمضان الثاني)، ومن أخر القضاء حتى دخل رمضان
الثاني وجبت عليه الفدية (الشافعية قالوا: تتكرر الفدية بتكرر الأعوام) زيادة عن
القضاء، وهي إطعام مسكين عن كل يوم من أيام القضاء ومقدارها هو ما تعطى لمسكين
واحد في الكفارة، كما تقدم في "مبحث الكفارات"، باتفاق ثلاثة؛ وخالف
الحنفية، فقالوا: لا فدية على من أخر قضاء رمضان حتى دخل رمضان الثاني، سواء كان
التأخير بعذر أو بغير عذر؛ وإنما تجب الفدية إذا كان متمكناً من القضاء قبل دخول
رمضان الثاني، وإلا فلا فدية عليه، ولا تتكرر الفدية بتكرر الأعوام بدون قضاء،
باتفاق ثلاثة. وقال الشافعية: بل تتكرر الفدية بتكرر الأعوام.



المطلب الثالث : الكفارة الواجبة على من أفطر
رمضان، وحكم من عجز عنها



تقدم أن الصيام ينقسم إلى مفروض وغيره، وأن المفروض
ينقسم إلى أقسام. صوم رمضان وصوم الكفارات، والصيام المنذور؛ أما صوم رمضان فقد
تقدم الكلام فيه، وأما الكفارات، فأنواع: منها كفارة اليمين، وكفارة الظهار،
وكفارة القتل، ولهذه الأنواع الثلاثة مباحث خاصة بها في قسم المعاملات. "وقد
ذكرنا كفارة اليمين في الجزء الثاني وكفارة الظهارة في الجزء الرابع، ومن أنواع
الكفارات كفارة الصيام، وهي المراد بيانها هنا: فكفارة الصيام هي التي تجب على ما
أفطر في أداء رمضان على التفصيل السابق في المذاهب. وهي إعتاق رقبة مؤمنة، باتفاق
ثلاثة، وقال الحنفية، لا يشترط أن تكون الرقبة مؤمنة في الصيام، ويشترط أن تكون
سليمة من العيوب المضرة، كالعمى والبكم والجنون، فإن لم يجدها فصيام شهرين
متتابعين، فإن صام في أول الشهر العربي أكمله وما بعده باعتبار الأهلة، وإن ابتدأ
في أثناء الشهر العربي صام باقيه. وصام الشهر الذي بعده كاملاً باعتبار الهلال،
وأكمل الأول ثلاثين يوماً من الثالث، ولا يحسب يوم القضاء من الكفارة، ولا بد من
تتابع هذين الشهرين بحيث لو أفسد يوماً في أثنائها ولو بعذر شرعي، كسفر، صار ما
صامه نفلاً، ووجب عليه استئنافها لانقطاع التتابع الواجب فيها، باتفاق ثلاثة، وقال
الحنابلة: الفطر لعذر شرعي كالفطر للسفر لا يقطع التتابع، فإن لم يستطع الصوم
لمشقة شديدة ونحوها، فإطعام ستين مسكيناً، فهي واجبة على الترتيب المذكور باتفاق
ثلاثة. وخالف المالكية، فانظر مذهبهم تحت الخط (المالكية قالوا: كفارة رمضان على
التخيير بين الإعتاق والإطعام، وصوم الشهرين المتتابعين، وأفضلها الإطعام، فالعتق،
فالصيام، وهذا التخيير بالنسبة للحر الرشيد، أما العبد فلا يصح العتق منه، لأنه لا
ولاء له، فكيفر بالإطعام إن أذن له سيده فيه، وله أن يكفر بالصوم، فإن لم يأن له
سيده في الإطعام تعين عليه التكفير بالصيام، وأما السفيه فيأمره وليه بالتكفير
بالصوم، فإن امتنع أو عجز عنه كفر عنه وليه بأقل الأمرين قيمة من الإطعام، أو
العتق)، وقد استدل الثلاثة بخبر الصحيحية عن أبي هريرة رضي اللّه عنه، جاء رجل إلى
النبي صلى اللّه عليه وسلم فقال: "هلكت، قال: وما أهلكك، ! قال: واقعت امرأتي
في رمضان، قال: هل تجد ما تعتق رقبة؟ قال: لا، قال: فهل تستطيع أن تصوم شهرين
متتابعين؟ قال: لا، قال: فهل تجد ما تطعم ستين مسكيناً؟ قال: لا، ثم جلس السائل،
فأتي النبي صلى اللّه عليه وسلم بعرق فيه تمر "العرق: مكتل في خوص النخل،
وكان فيه مقداره الكفارة" فقال تصدق بهذا، فقال: على أفقر منا يا رسول اللّه،
فو اللّه ما بين لابتيها أهل بيت أحوج إليه منا، فضحك صلى اللّه عليه وسلم حتى بدت
أنيابه، ثم قال: اذهب، فأطعمه أهلك" وما جاء في هذا الحديث من إجراء صرف
الكفارة لأهل المكفر، وفيهم من تجب عليه نفقته فهو خصوصية لذلك الرجل، لأن المفروض
في الكفارة إنما هو إطعام ستين مسكيناً لغير أهله، بحيث يغطي كل واحد منهم مقداراً
مخصوصاً، على تفصيل في المذاهب، مذكور تحت الخط (المالكية قالوا: يجب تمليك كلواحد
مداً بمد النبي صلى اللّه عليه وسلم، وهو ملء اليدين المتوسطتين لا مقبوضتين ولا
مبسوطتين، ويكون ذلك المد من غالب طعام أهل بلد المكفر من قمح أو غيره، ولا يجزئ
بدله الغداء ولا العشاء على المعتمد، وقدر المد بالكيل بثلث قدح مصري، وبالوزن
برطل وثلث، كل رطل مائة وثمانية وعشرون درهماً مكياً، وكل درهم يزن خمسين حبة،
وخمس حبة من متوسط الشعير، والذي يعطى إنما هو الفقراء أو المساكين، ولا يجزئ
إعطاؤها لمن تلزمه نفقتهم، كأبيه وأمه وزوجته وأولاده الصغار، أما أقاربه الذين لا
تلزمه نفقتهم فلا مانع من إعطائهم منها إذا كانوا فقراء، كإخوته وأجداده.



الحنفية قالوا: يكفي في إطعام الستين مسكيناً أن يشبعهم
في غذاءين أو عشاءين، أو فطور وسحور، أو يدفع لكل فقير نصف صاع من القمح أو قيمته،
أو صاعاً من الشعير، أو التمر أو الزبيب، والصاع قد حان وثلث بالكيل المصري. ويجب
أن لا يكون في المساكين من تلزمه نفقته. كأصوله وفروعه وزوجته.



الشافعية قالوا: يعطي لكل واحد من الستين مسكيناً مداً
من الطعام الذي يصح إخراجه في زكاة الفطر، كالقمح والشعير، ويشترط أن يكون من غالب
قوت بلده، ولا يجزئ نحو الدقيق والسويق، لأنه لا يجزئ في الفطرة. والمد: نصف قدح
مصري. وهو ثمن الكيلة المصرية. ويجب تمليكهم ذلك. ولا يكفي أن يجعل هذا القدر
طعاماً يطعمهم به، فلا غداهم وعشاهم به لم يكف ولم يدزئ. ويجب أن لا يكون في
المساكين من تلزمه نفقته إن كان الجاني في الصوم هو المكفر عن نفسه؛ أما إن كفر
عنه غيره فيصح أن يعتبر عيال ذلك الجاني في الصوم من ضمن المساكين.




الحنابلة قالوا: يعطي كل مسكين مداً من قمح، والمد: هو
رطل وثلث بالعراقي، والرطل العراقي مائة وثمانية، وعشرون درهماً، أو نصف صاع من
تمر أو شعير أو زبيب أو أقط، وهو اللبن المجمد، ولا يجزئ إخراجها من غير هذه
الأصناف مع القدرة؛ والصاع أربعة أمداد، ومقدار الصاع بالكيل المصري قد حان، ويجوز
إخراجها من دقيق القمح والشعير أو سويقهما، وهو ما يحمص ثم يطحن، إذا كان بقدر حبة
في الوزن لا في الكيل، ولو لم يكن منخولاص، كما يجزئ إخراج الحب بلا تنقية، ولا
يجزئ في الكفارة إطعام الفقراء خبزاً، أو إعطاؤهم حباً معيباً، كالقمح المسوس
والمبلول والقديم الذي تغير طعمه، ويجب أن لا يكون في الفقراء الذين يطعمهم في
الكفارة من هو أصل أو فرع له، كأمه وولده، ولو لم يجب عليه نفقتهما، ولا من تلزمه
نفقته، كزوجته وأخته التي لا يعود لها غيره، سواء كان هو المكفر عن نفسه، أو كفر
عنه غيره).



وتتعدد الكفارة بتعدد الأيام التي حصل فيها ما يقتضي
الكفارة، عند الشافعية، والمالكية؛ أما الحنفية، والحنابلة، فانظر مذهبيهما تحت
الخط (الحنفية قالوا: لا تتعدد الكفارة بتعدد ما يقتضيها مطلقاً، سواء كان التعدد
في يوم واحد، أو في أيام متعددة، وسواء كان في رمضان واحد، أو في متعدد من سنين
مختلفة، إلا أنه لو فعل ما يوجب الكفارة ثم كفر عنه ثم فعل ما يوجبها ثانياً، فإن
كان هذا التكرار في يوم واحد كفت كفارة واحدة، وإن كان التكرار في أيام مختلفة عما
بعد الأول الذي كفر عنه بكفارة جديدة، وظاهر الرواية يقتضي التفصيل، وهو إن وجبت
بسبب الجماع تتعدد، وإلا فلا تتعدد.



الحنابلة قالوا: إذا تعدد المقتضى الكفارة في يوم واحد،
فإن كفر عن الأول لزمته كفارة ثانية للموجب الذي وقع بعده، وإن لم يكفر عن السابق
كفته كفارة واحد عن الجميع)، أما إذا تعدد المتقضى في اليوم الواحد فلا تتعدد، ولو
حصل الموجب الثاني بعد أداء الكفارة عن الأول، فلو وطئ في اليوم الواحد عدة مرات
فعليه كفارة واحدة، ولو كفر بالعتق أو الإطعام عقب الوطء الأول، فلا يلزمه شيء لما
بعده، وإن كان آثماً لعدم الإمساك الواجب، فإن عجز عن جميع أنواع الكفارات استقرت
في ذمته إلى الميسرة، باتفاق ثلاثة، وخالف الحنابلة، فانظر مذهبهم تحت الخط
(الحنابلة قالوا: إذا عجز في وقت وجوبها عن جميع أنواعها سقطت عنه ولو أيسر بعد
ذلك)



المطلب الرابع :حكم من فسد صومه في أداء رمضان
*



من فسد صومه في أداء رمضان وجب عليه الإمساك بقية اليوم
تعظيماً لحرمة الشهر، فإذا داعب شخص زوجه أو عانقها أو قبلها أو نحو ذلك فأمنى،
فسد صومه، وفي هذه الحالة يجب عليه الإمساك بقية اليوم، ولا يجوز له الفطر، أما من
فسد صومه في غير أداء رمضان، كالصيام المنذور، سواء أكان معيناً أم لا، وكصوم
الكفارات، وقضاء رمضان، وصوم التطوع، فإنه لا يجب عليه الإمساك بقية اليوم، باتفاق
ثلاثة من الأئمة، وخالف المالكية، فانظر مذهبهم تحت الخط (المالكية قالوا: يجب
إمساك المفطر في النذر المعين أيضاً، سواء أفطر عمداً أو لا، لتعيين وقته للصوم
بسبب النذر، كما أن شهر رمضان متعين للصوم في ذاته، أما النذر غير المعين وباقي
الصوم الواجب، فإن كان التتابع واجباً فيه كصوم كفارة رمضان، وصوم شهر نذر أن
يصومه متتابعاً فلا يجب عليه الإمساك إذا أفطر فيه عمداً لبطلانه بالفطر، ووجوب
استئنافه من أوله، وإن أفطر فيه سهواً أو غلبة. فإن كان في غير اليوم الأول منه
وجب عليه الإمساك. وإن كان في اليوم الأول ندب الإمساك، ولا يجب، وإن كان التتابع
غير واجب فيه. كقضاء رمضان وكفارة اليمين جاز الإمساك وعدمه، سواء أفطر عمداً أو
لا، لأن الوقت غير متعين للصوم. وإن كان الصوم، نفلاً، فإن أفطر فيه نسياناً وجب
الإمساك، لأنه لا يجب عليه قضاؤه بالفطر نسياناً، وإن أفطر فيه عمداً، فلا يجب
الإمساك لوجوب القضاء عليه بالفطر عمداً، كما تقدم).



المطلب الخامس : ما يفسد الصيام



تنقسم مفسدات الصيام إلى قسمين: قسم يوجب القضاء
والكفارة، وقسم يوجب القضاء دون الكفارة، وإليك بيان كل قسم:



ما يوجب القضاء والكفارة * في مفسدات الصيام التي توجب
القضاء والكفارة اختلاف المذاهب، فانظره تحت الخط (الحنفية قالوا: يوجب القضاء
والكفارة أمران: الأول أن يتناول غذاء، أو ما في معناه بدون عذر شرعي، كالأكل
والشرب ونحوهما، ويميل إليه الطبع، وتنقضي به شهوة البطن، الثاني: أن يقضي شهوة
الفرج كاملة، وإنما تجب الكفارة في هذين القسمين، بشروط:



أولاً: أن يكون الصائم المكلف مبيتاً للنية في أداء
رمضان، فلو لم يبيت النية لا تجب عليه الكفارة، كما تقدم وكذا إذا بيت النية في
قضاء ما فاته من رمضان، أو في صوم آخر غير رمضان ثم أفطر، فإنه لا كفارة عليه.



ثانياً: أن لا يطرأ عليه ما يبيح الفطر من سفر أو مرض،
فإنه يجوز له أن يفطر بعد حصول المرض. أما لو أفطر قبل السفر فلا تسقط عنه
الكفارة.



ثالثاً: أن يكون طائعاً مختاراً، لا مكرهاً.



رابعاً: أن يكون متعمداً. فلو أفطر ناسياً أو مخطئاً
تسقط عنه الكفارة كما تقدم. ومما يوجب الجماع في القبل أو الدبر عمداً. وهو يوجب
الكفارة على الفاعل والمفعول به. بالشروط المتقدمة. ويزاد عليها. أن يكون المفعول
به آدمياً حياً يشتهي. وتجب الكفارة بمجرد لقاء الختانين. وإن لم ينزل، وإذا مكنت
المرأة صغيراً أو مجنوناً من نفسها فعليها الكفارة بالاتفاق. أما إذا تلذذت امرأة
بامرأة مثلها بالمساحقة المعروفة وأنزلت. فإن عليها القضاء دون الكفارة وأما وطء
البهيمة والميت والصغيرة التي لا تشتهي فإنه لا يوجب الكفارة ويوجب القضاء
بالإنزال. كما تقدم ومن القسم الأول شرب الدخان المعروف وتناول الأفيون، الحشيش
ونحو ذلك. فإن الشهوة فيه ظاهرة. ومنه ابتلاع ريق زوجته للتلذذ به. ومنه ابتلاع
حبة حنطة أو سمسمة من خارج فمه، لأنه يتلذذ بها. إلا إذا مضغها فتلاشت ولم يصل
منها شيء إلى جوفه، ومنه أكل الطين الأرمني كما تقدم. وكذا قليل الملح ومنه أن
يأكل عمداً بعد أن يغتاب آخر ظناً منه أنه أفطر بالغيبة، لأن الغيبة لا تفطر، فهذه
الشبهة لا قيمة لها؛ وكذلك إذا أفطر بعد الحجامة، أو المس، أو القبلة بشهوة من غير
إنزال، لأن هذه الأشياء لا تفطر، فإذا تعمد الفطر بعدها لزمته الكفارة، ومنه غير
ذلك مما يأتي بيانه بيما يوجب القضاء فقط.



الشافعية قالوا: ما يوجب القضاء والكفارة ينحصر في شيء
واحد وهو الجماع، بشروط. الأول: أن يكون ناوياً للصوم، فلو ترك النية ليلاً لم يصح
صومه، ولكن يجب عليه الإمساك، فإذا أتى امرأته في هذه الحالة نهاراً لم تجب عليه
الكفارة، لأنه ليس بصائم حقيقة؛ الثاني: أن يكون عامداً، فلو أتاها ناسياً لم يبطل
صومه؛ وليس عليه قضاء ولا كفارة؛ الثالث: أن يكون مختاراً، فلو أكره على الوقاع لم
يبطل صومه؛ الرابع: أن يكون عالماً بالتحريم، وليس له عذر مقبول شرعاً في جهله،
فلو صام وهو قريب العهد بالإسلام، أو نشأ بعيداً عن العلماء، وجامع في هذه الحالة
لم يبطل صومه أيضاً؛ والخامس: أن يقع منه الجماع في صيام رمضان أداء بخصوصه، ولو
فعل ذلك في صوم النفل، أو النذر، أو في صوم القضاء، أو الكفارة، فإن اكفارة لا تجب
عليه ولو كان عامداً؛ السادس: أن يكون الجماع مستقلاً وحده في إفساد الصوم، فلو
أكل في حال تلبسه بالفعل، فإنه لا كفارة عليه، وعليه القضاء فقط؛ السابع: أن يكون
آثماً بهذا الجماع، بأن كان مكلفاً عاقلاً، أما إذا كان صبياً، وفعل ذلك وهو صائم؛
فإنه لا كفارة عليه، ومن ذلك ما لو كان مسافراً ثم نوى الصيام، وأصبح صائماً: ثم
أفطر في أثناء اليوم بالجماع: فإنه لا كفارة عليه بسبب رخصة السفر، الثامن: أن
يكون معتقداً صحة صومه: فلو أكل ناسياً فظن أن هذا مفطر، ثم جامع بعد ذلك عمداً.
فلا كفارة عليه. وإن بطل صومه ووجب عليه القضاء، التاسع: أن لا يصيبه جنون بعد
الجماع وقبل الغربو. فإذا أصابه ذلك الجنون فإنه لا كفارة عليه. العاشر: أن لا
يقدم على هذا الفعل بنفسه. فلو فرض وكان نائماً وعلته امرأته. فأتاها وهو على هذه
الحالة. فإنه لا كفارة عليه. إلا أن أغراها على عمل ذلك، الحادي عشر: أن لا يكون
مخطئاً. فلو جامع ظاناً بقاء الليل أو دخول المغرب. ثم تبين أنه جامع نهاراً. فلا
كفارة عليه وإن وجب عليه القضاء والإمساك، الثاني عشر: أن يكون الجماع بإدخال
الحشفة أو قدرها من مقطوعها ونحوه، فلو لم يدخلها أو أدخل بعضها فقط لم يبطل صومه.
وإذا أنزل في هذه الحالة فعليه القضاء فقط. ولكن يجب عليه الإمساك فإن لم يسمك
بقية اليوم فقد أثم، الثالث عشر: أن يكون الجماع في فرج، دبراً كان، أو قبلاً، ولو
لم ينزل، فلو وطئ في غير ما ذكر، فلا كفارة عليه، الرابع عشر: أن يكون فاعلاً لا
مفعولاً، فلو أتى أنثى أو غيرها، فالكفارة على الفاعل دون المفعول مطلقاً. هذا،
وإذا طلع الفجر وهو يأتي زوجه، فإن نزع حالاً صح صومه، وإن استمر ولو قليلاً بعد
ذلك فعليه القضاء والكفارة إن علم بالفجر وقت طلوعه، أما إن لم يعلم فعليه القضاء
دون الكفارة.



الحنابلة قالوا: يوجب القضاء والكفارة شيئان: أحدهما:
الوطء في نهار رمضان في قبل أو دبر، سواء كان المفعول به حياً أو ميتة، عاقلاً أو
غيره، ولو بهيمة، وسواء كان الفاعل متعمداً أو ناسياً عالماً أو جاهلاً، مختاراً
أو مكرهاً أو مخطئاً، كمن وطئ وهو يعتقد أن الفجر لم يدخل وقته، ثم تبين أنه وطئ
بعد الفجر، ودليلهم على ذلك أن النبي صلى اللّه عليه وسلم أمر المجامع في نهار
رمضان بالقضاء والكفارة، ولم يطلب منه بيان حاله وقت الجماع، والكفارة واجبة في
ذلك، سواء كان الفاعل صائماً حقيقة أو ممسكاً إمساكاً واجباً، وذلك كمن لم يبيت
النية، فإنه لا يصح صومه مع وجوب الإمساك عليه، فإذا جامع في هذه الحالة لزمته
الكفارة مع القضاء الذي تعلق بذمته.



هذا، والنزع جماع: فمن طلع عليه الفجر وهو يجامع فنزع
وجب عليه القضاء والكفارة؛ أما الموطوء، فإن كان مطاوعاً عالماً بالحكم غير ناس
للصوم فعليه القضاء والكفارة أيضاً: ثانيهما: إذا باشرت امرأة أخرى وأنزلت إحداهما
وجبت عليها الكفارة، ويقال لذلك: المساحقة.



هذا، وإذا جامع وهو في حال صحته ثم عرض له مرض، لم تسقط
الكفارة عنه بذلك، ومثل ذلك إذا جامع وهو طليق، ثم حبس، أو جامع وهو مقيم، ثم
سافر، أو جومعت المرأة وهي غير حائض، ثم حاضت، فإن الكفارة لا تسقط بشيء من ذلك.



المالكية قالوا: موجبات القضاء والكفارة هي كل ما يفسد
الصوم بشرائط خاصة، وإليك بيان مفسدات الصوم الموجبة للقضاء والكفارة.



أولاً: الجماع الذي يوجب الغسل، ويفسد به صوم البالغ،
سواء كان قاعلاً أو مفعولاً، وإذا جامع بالغ صغيرة لا تطيقه، فإن صومه لا يفسد إلا
بالإنزال، وإذا خرج المني من غير جماع فإنه يوجب الكفارة دون القضاء، إلا أنه إذا
كان بنظر أو فكر فإنه لا يوجب الكفارة إلا بشرطين: أحدهما: أن يديم النظر والفكر.
فلو نظر إلى امرأة ثم غض بصره عنها بدون أن يطيل النظر، وأمنى بهذا، فلا كفارة
عليه. الثاني: أن تكون عادته الإنزال عند استدامة النظر. فإن لم يكن الإنزال عادته
عند استدامة النظر ففي الكفارة وعدمها قولان: وإذا خرج المني بمجرد نظر أو فكر مع
لذة معتادة بلا استدامة أوجب القضاء دون الكفارة. وأما إخراج المذي فإنه يوجب
القضاء فقط على كل حال، ومن أتى امرأة نائمة في نهار رمضان وجب عليه أن يكفر عنها،
كما تجب الكفارة على من صب شيئاً عمداً في خلق شخص آخر وهو نائم ووصل لمعدته، وأما
القضاء فيجب على المرأة وعلى المصبوب في حلقه، لأنه لا يقبل النيابة.



ثانياً: إخراج القيء وتعمده، سواء ملأ الفم أو لا، فمن
فعل ذلك عمداً بدون علة وجب عليه القضاء والكفارة، أما إذا غلبه القيء فلا يفسد
الصوم إلا إذا رجع شيء منه، ولو غلبه فيفسد صومه، وهذا بخلاف البلغم إذا رجع، فلا
يفسد الصوم، ولو أمكن الصائم أن يطرحه وتركه حتى رجع.



ثالثاً: وصول مائع إلى الحلق من فم أو أذن أو عين أو
أنف. سواء كان المائع ماء أو غيره إذا وصل عمداً، فإنه تجب به الكفارة والقضاء،
أما إذا وصل سهواً، كما إذا تمضمض فوصل الماء إلى الحلق قهراً، فإنه يوجب القضاء
فقط، وكذا إذا وصل خطأ، كأكله نهاراً معتقداً بقاء الليل أو غروب الشمس، أو شاكاً
في ذلك ما لم تظهر الصحة، كأن يتبين أن أكله قبل الفجر أو بعد غروب الشمس، أو
شاكاً في ذلك ما لم تظهر الصحة، كأن يتبين أن أكله قبل الفجر أو بعد غروب الشمس،
وإلا فلا يفسد صومه، وفي حكم المائع: البخور وبخار القدر إذا استنشقهما فوصلا إلى
حلقه، وكذلك الدخان الذي اعتاد الناس شربه، وهو مفسد للصوم بمجرد وصوله إلى الحلق،
وإن لم يصل إلى المعدة، وأما دخان الحطب فلا أثر له، كرائحة الطعام إذا استنشقها
فلا أثر لها أيضاً، ولو اكتحل نهاراً فوجد طعم الكحل في حلقه فسد صومه، ووجبت عليه
الكفارة إن كان عامداً، وأما لو اكتحل ليلاً ثم وجد طعمه نهاراً فلا يفسد صومه،
ولو دهن شعره عامداً بدون عذر، فوصل الدهن الى حلقه من مسام الشعر، فسد صومه،
وعليه الكفارة، وكذا إذا استعملت المرأة الحناء في شعرها عمداً بدون عذر. فوجدت
طعمها في حلقها فسد صومها. وعليها الكفارة.



رابعاً: وصول أي شيء إلى المعدة. سواء كان مائعاً أو
غيره، عمداً بدون عذر، سواء وصل من الأعلى أو من الأسفل. لكن ماوصل من الأسفل لا
يفسد الصوم إلا إذا وصل من منفذ، كالدبر. فلا يفسد الصوم بسريان زيت أو نحوه من
المسام إلى المعدة. فالحقنة بالإبرة في الذراع أو الألية أو غير ذلكلا تفطر. أما
الحقنة في الإحليل، وهو الذكر. فلا تفسد الصوم مطلقاً. ولو وصل إلى المعدة حصاة أو
درهم فسد صومه إن كان واصلاً من الفم فقط. وكل ما وصل إلى المعدة على ما بين يبطل
الصوم. ويوجب القضاء في رمضان، سواء كان وصوله عمداً أو غلبة، أو سهواً. أو خطأ،
كما تقدم في وصول المائع للحلق، إلا أن الواصل عمداً في بعضه الكفارة على الوجه
الذي بينا.



وبالجملة فمن تناول مفسادا من مفسدات الصوم السابقة وجب
عليه القضاء والكفارة بشروط: أولاً: أن يكون الفطر في أداء رمضا، فإن كان في غيره
كقضاء رمضان، وصوم منذور أو صوم كفارة، أو نفل، فلا تجب عليه الكفارة. وعليه
القضاء في بعض ذلك. على تفصيل يأتي في القسم الثاني؛ ثانياً: أن يكون متعمداً. فإن
أفطر ناسياً أو مخطئاً. أو لعذر. كمرض وسفر. فعليه القضاء فقط. ثالثاً: أن يكون
مختاراً في تناول المفطر. أما إذا كان مكرهاً فلا كفارة عليه وعليه القضاء رابعاً:
أن يكون عالماً بحرمة الفطر. ولو جهل وجوب الكفارة عليه. خامساً: أن يكون غير مبال
بحرمة الشهر وهو غير المتأول تأويلاً قريباً وإن كان متأويلاً تأويلاً قريباً فلا
كفارة عليه والمتأول تأويلاً قريباً هو المستند في فطره لأمر موجود؛ وله أمثلة: منها
أن يفطر أولاً ناسياً أو مكرهاً. ثم ظن أنه لا يجب عليه إمساك بقية اليوم بعد
التذكر. أو زوال الإكراه فتناول مفطراً عمداً. فلا كفارة عليه لاستناده لأمر موجود
وهو الفطر أولاً نسياناً أو بإكراه. ومنها ما إذا سافر الصائم مسافة أقل من مسافة
القصر فظن أن الفطر مباح له. لظاهر قوله تعالى: {ومن كان مريضاً أو على سفر فعدة
من أيام أخر} فنوى الفطر من الليل وأصبح مفطراً. فلا كفارة عليه. ومنها من رأى
هلال شوال نهار الثلاثين من رمضان فظن أنه يوم عيد. وأن الفطر مباح فأفطر لظاهر
قوله عليه السلام: "وصوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته" فلا كفارة عليه وأما
المتأول تأويلاً بعيداً فهو المستند في فطره إلى أمر غير موجود وعليه الكفارة وله
أيضاً أمثلة: منها أن من عادته الحمى في يوم معين. فبيت نية الفطر من الليل ظاناً
أنه مباح فعليه الكفارة. ولو حم في ذلك اليوم. ومنها المرأة تعتاد الحيض في يوم
معين. فبيتت نية الفطر لظنها إباحته في ذلك اليوم لمجيء الحيض فيه. ثم أصبحت مفطرة
فعليها الكفارة. ولو جاء الحيض في ذلك اليوم حيث نوت الفطر قبل مجيئه. ومنها من
اغتاب في يوم معين من رمضان فظن أن صومه بطل. وأن الفطر مباح فأفطر متعمداً. فعليه
الكفارة، سادساً: أن يكون الواصل من الفم. فلو وصل شيء من الأذن أو العين أو
غيرهما. مما تقدم، فلا كفارة، وإن وجب القضاء. سابعاً: أن يكون الوصول للمعدة، فلو
وصل شيء إلى حلق الصائم، ورده فلا كفارة عليه. وإن وجب القضاء في المائع الواصل
إلى الحلق، ومن الأشياء التي تبطل الصوم وتوجب القضاء والكفارة: رفع النية ورفضها
نهاراً، وكذا رفع النية ليلاً إذا استمر رافعاً لها حتى طلع الفجر وصول شيء إلى
المعدة من القيء الذي أخرجه الصائم عمداً سواء وصل عمداً أو غلبة لا نسياناً ووصول
شيء من أثر السواك الرطب الذي يتحلل منه شيء عادة كقشر الجوزن ولو كان الوصول غلبة
متى تعمد الاستياك في نهار رمضان، فهذه الأشياء توجب الكفارة بالشروط السابقة ما
عدا التعمد بالنسبة للراجع من القيء، والواصل من أثر السواك المذكور، فإنه لا
يشترط، بل التعمد والوصول غلبة سواء، وأما الوصول نسياناً فيوجب القضاء فقط
فيهما).



المطلب السادس :الأعذار المبيحة للفطر



المرض وحصول المشقة الشديدة * الأعذار التي تبيح الفطر
للصائم كثيرة: منها المرض، فإذا مرض الصائم، وخاف زيادة المرض بالصوم، أو خاف تأخر
البرء من المرض، أو حصلت له مشقة شديدة بالصوم، فإنه يجوز له الفطر، باتفاق ثلاثة،
وقال الحنابلة" بل يسن له الفطر، ويكره له الصوم في هذه الأحوال، أما إذا غلب
على ظنه الهلاك أو الضرر الشديد بسبب الصوم، كما إذا خاف تعطيل حاسة من حواسه،
فإنه يجب عليه الفطر، ويحرم عليه الصوم، باتفاق.



هذا ما إذا كان مريضاً بالفعل، أما إذا كان صحيحاً، وظن
بالصوم حصول مرض شديد، ففي حكمه تفصيل في المذاهب مذكور تحت الخط (الحنابلة قالوا:
يسن له الفطر، كالمريض بالفعل، ويكره له الصيام.



الحنفية قالوا: إذا كان صحيحاً من المرض، وغلب على ظنه
حصول المرض بالصيام، فإنه يباح له الفطر، كما يباح له الصوم؛ كما لو كان مريضاً
بالفعل.



المالكية قالوا: إذا ظن الصحيح بالصوم هلاكاً أو أذى
شديداً وجب عليه الفطر كالمريض.



الشافعية قالوا: إذا كان صحيحاً وظن بالصوم حصول المرض،
فلا يجوز له الفطر ما لم يشرع في الصوم، ويتحقق الضرر).



ولا يجب على المريض إذا أراد الفطر أن ينوي الرخصة التي
منحها الشارع للمعذورين، باتفاق ثلاثة؛ وقال الشافعية: بل نية الترخص له بالفطر
واجبة، وإن تركها كان آثماً.



خوف الحامل والمرضع الضرر من الصيام * إذا خافت الحامل
والمرضع الضرر من الصيام على أنفسهما وولديهما معاً، أو على أنفسهما فقط، أو على
ولديهما فقط، فإنه يجوز لهما الفطر على تفصيل في المذاهب، مذكور تحت الخط
(المالكية قالوا: الحامل والمرضع، سواء أكانت المرضع أماً للولد من النسب، أو
غيرها، وهي الظئر، إذا خافتا بالصوم مرضاً أو زيادته، سواء كان الفخوف على أنفسهما
وولديهما أو أنفسهما فقط، أو ولديهما فقط يجوز لهما الفطر، وعليهما القضاء، ولا
فدية على الحامل، بخلاف المرضع فعليها الفدية؛ أما إذا خافتا بالصوم هلاكاً، أو
ضرراً شديداً لأنفسهما، أو ولديهما، فيجب عليهما الفطر، وإنما يباح للمرضع الفطر
إذا تعين الرضاع عليها، بأن لم تجد مرضعة سواها، أو وجدت ولم يقبل الوالد غيرها.
أما إن وجدت مرضعة غيرها وقبلها الولد فيتعين عليها الصوم، ولا يجوز لها الفطر
بحال من الأحوال، وإذا احتاجت المرضعة الجديدة التي قبلها الولد الأجرة، فإن كان
للولد مال، فالأجرة تكون من ماله، وإن لم يوجد له مال، فالأجرة تكون على الأب،
لأنها من توابع النفقة على الولد، والنفقة واجبة على أبيه إذا لم يكن له مال.



الحنفية قالوا: إذا خافت الحامل، أو المرضع الضرر من
الصيام جاز لهما الفطر، سواء كان الخوف على النفس والولد معاً، أو على النفس فقط،
أو على الولد فقط، ويجب عليهما القضاء عند القدرة بدون فدية، وبدون متابعة الصوم
في أيام القضاء، ولا فرق في المرضع بين أن تكون أما أو مستأجرة للإرضاع. وكذا لا
فرق بين أن تتعين لفرضاع أو لا، لأنها إن كانت أماً فالإرضاع واجب عليها ديانة،
وإن كانت مستأجرة فالإرضاع واجب عليها بالعقد، فلا محيص عنه.



الحنابلة قالوا: يباح للحامل، والمرضع الفطر إذا خافتا
الضرر على أنفسهما وولديهما، أو على أنفسهما فقط، وعليهما في هاتين الحالتين
القضاء دون الفدية، أما إن خافتا على ولديهما فقط فعليهما القضاء والفدية، والمرضع
إذا قبل الولد ثدي غيرها وقدرت أن تستأجر له، أو كان للولد مال يستأجر منه من
ترضعه استأجرت له، ولا تفطر، وحكم المستأجر للرضاع كحكم الأم فيما تقدم.



الشافعية قالوا: الحامل، والمرضع إذا خافتا بالصوم ضرراً
لا يحتمل، سواء كان الخوف على أنفسهما وولديهما معاً، أو على أنفسهما فقط، أو على
ولديهما فقط، وجب عليهما الفطر، وعليهما القضاء في الأحوال الثلاثة، وعليهما أيضاً
الفدية مع القضاء في الحالة الأخيرة: وهي ما إذا كان الخوف على ولدهما فقط، ولا
فرق في المرضع بين أن تكون أماً للولد أو مستأجرة للرضاع، أو متبرعة به، وإنما يجب
الفطر على المرضع في كل ما تقدم إذا تعينت للإرضاع، بأن لم توجد مرضعة غيرها
مفطرة، أو صائمة لا يضرها الصوم، فإن لم تتعين للإرضاع جاز لها الفطر مع الإرضاع،
والصوم مع تركه، ولا يجب عليها الفطر، ومحل هذا التفصيل في المرضعة المستأجرة إذا
كان ذلك الخوف قبل الإجارة، أما بعد الإجارة بأن غلب على ظنها احتياجها للفطر بعد
الإجارة، فإنه يجب عليها الفطر متى خافت الضرر من الصوم، ولو لم تتعين للإرضاع.



والفدية هي إطعام مسكين عن كل يوم من أيام القضاء
مقداراً من الطعام يعادل ما يعطى لأحد مساكين الكفارة، على التفصيل المتقدم في
المذاهب).



الفطر بسبب السفر * يباح الفطر للمسافر بشرط أن يكون
السفر مسافة تبيح قصر الصلاة على ما تقدم تفصيله، وبشرط أن يشرع فيه قبل طلوع
الفجر بحيث يصل إلى المكان الذي يبدأ فيه قصر الصلاة قبل طلوع الفجر، فإن كان
السفر لا يبيح قصرها لم يجز له الفطر، وهذان الشرطان متفق عليهما، عند ثلاثة.
وخالف الحنابلة في الشرط الأول، فانظر مذهبهم تحت الخط (الحنابلة قالوا: إذا سافر
الصائم من بلده في أثناء النهار، ولو بعد الزوال سفراً مباحاً يبيح القصر جاز له
الإفطار، ولكن الأولى له أن يتم صوم ذلك اليوم)؛ وزاد الشافعية شرطاً ثالثاً
فانظره تحت الخط (الشافعية: زادوا شرطاً ثالثاً لجواز الفطر في السفر، وهو أن لا يكون
الشخص مديماً للسفر، فإن كان مديماً له حرم عليه الفطر، إلا إذا لحقه بالصوم مشقة
كالمشقة التي تبيح التيمم، فيفطر وجوباً)؛ فإذا شرع في السفر بعد طلوع الفجر حرم
عليه الفطر، فلو أفطر فعليه القضاء دون الكفارة؛ عند ثلاثة، وخالف الشافعية، فانظر
مذهبهم تحت الخط (الشافعية قالوا: إذا أفطر الصائم الذي أنشأ السفر بعد طلوع الفجر
بما يوجب القضاء والكفارة وجبا عليه، وإذا أفطر بما يوجب القضاء فقط وجب عليه
القضاء؛ وحرم عليه الفطر على كل حال)، ويجوز الفطر للمسافر الذي بيت النية بالصوم؛
ولا إثم عليه، وعليه القضاء، خلافاً للمالكية، والحنفية، فانظر مذهبيهما تحت الخط
(المالكية قالوا: إذا بيت نية الصوم في السفر، فأصبح صائماً فيه ثم أفطر لزمه
القضاء والكفارة سواء أفطر متأولاً أو لا.



الحنفية قالوا: يحرم الفطر على من بيت نية الصوم في
سفره، وإذا أفطر فعليه القضاء دون الكفارة)، ويندب للمسافر الصوم إن لم يشق عليه،
لقوله تعالى: {وأن تصوموا خير لكم} فإن الشافعية قالوا: عليه كان الفطر أفضل؛
باتفاق الحنفية، والشافعية، أما المالكية والحنابلة، فانظر مذهبيهما تحت الخط
(المالكية قالوا: الأفضل للمسافر الصوم إن لم يحصل له مشقة.



الحنابلة قالوا: يسن للمسافر الفطر، ويكره له الصوم، ولو
لم يجد مشقة لقوله صلى اللّه عليه وسلم: "ليس من البر الصوم في السفر")،
إلا إذا أدى الصوم إلى الخوف على نفسه من التلف أو تلف عضو منه، أو تعكيل منفعته،
فيكون الفطر واجباً، ويحرم الصوم، باتفاق.



صوم الحائض والنفساء * إذا حاضت المرأة الصائمة أو نفست
وجب عليها الفطر، وحرم الصيام، ولو صامت فصومها باطل، وعليها القضاء.



حكم من حصل له جوع أو عطش شديدان * فأما الجوع والعطش
الشديدان اللذان لا يقدر معهما على الصوم، فيجوز لمن حصل له شيء من ذلك الفطر؛
وعليه القضاء.



حكم الفطر لكبر السن * الشيخ الهرم الفاني الذي لا يقدر
على الصوم في جميع فصول السنة يفطر وتجب عن كل يوم فدية طعام مسكين؛ وقال
المالكية: يستحب له الفدية فقط؛ ومثله المريض الذي لا يرجى برؤه، ولا قضاء عليهما
لعدم القدرة، باتفاق ثلاثة، وخالف الحنابلة، فانظر مذهبهم تحت الخط (الحنابلة
قالوا: من عجز عن الصوم لكبر أو مرض لا يرجى برؤه فعليه الفدية عن كل يوم، ثم إن
أخرجها فلا قضاء عليه إذا قدر بعد على الصوم؛ أما إذا لم يخرجها ثم قدر فعليه
القضاء)، أما من عجز عن الصوم في رمضان، ولكن يقدر على قضائه في وقت آخر، فإنه يجب
عليه القضاء في ذلك الوقت، ولا فدية عليه.



إذا طرأ على الصائم جنون * إذا طرأ على الصائم جنون ولو
لحظة، ولم يجب عليه الصوم، ولا يصح؛ وفي وجوب القضاء تفصيل المذاهب، فانظره تحت
الخط (الشافعية قالوا: إن كان متعدّياً بجنون بأن تناول ليلاً عمداً شيئاً أزال
عقله نهاراً، فعليه قضاء ما جن فيه الأيام، وإلا فلا.



الحنابلة قالوا: إذا استغرق جنونه جميع اليوم، فلا يجب
عليه القضاء مطلقاً، سواء كان متعدياً أو لا، وإن أفاق في جزء من اليوم وجب عليه
القضاء.



الحنفية قالوا: إذا استغرق جنونه جميع الشهر، فلا يجب
عليه القضاء، وإلا وجب.



المالكية قالوا: إذا جن يوماً كاملاً أو جله سلم في أوله
أو لا، فعليه القضاء، وإن جن نصف اليوم أو أقله، ولم يسلم أوله فيهما فعليه القضاء
أيضاً، وإلا فلا، كما تقدم).



وإذا زال العذر المبيح للإفطار في أثناء النهار، كأن
طهرت الحائض، أو أقام المسافر، أو بلغ الصبي، وجب عليه الإمساك بقية اليوم
احتراماً للشهر؛ عند الحنفية، والحنابلة، أما المالكية والشافعية، فانظر مذهبهم
تحت الخط (المالكية قالوا: لا يجب الإمساك، ولا يستحب في هذه الحالة إلا إذا كان
العذر الإكراه، فإنه إذا زال وجب عليه الإمساك، وكذا إذا أكل ناسياً، ثم تذكر، فإنه
يجب عليه الإمساك أيضاً.



الشافعية قالوا: لا يجب الإمساك في هذه الحالة، ولكنه
يسن).




الخاتمة



والله ولي التوفيق


منقول من مواقع مختلفة



المراجع : موقع اسلام ويب فيما يخص التعريف لغة واصطلاحا


ومنتديات بوابة الإسلام للعناوين الأخرى



أتمنى منكم الدعاء


اخوكم عمر






الملفات المرفقة

الساعات المكتبية


تغريداتي

 



أرقام الاتصال

k


جـــــــوال : 0500114485

جـــــــوال :0566222898



البريد الإلكتروني : [email protected]


الوقت

Almajmaah




التقويم

Blogger widget

إحصائية الموقع

عدد الصفحات: 484

البحوث والمحاضرات: 1026

الزيارات: 19714