عبدالعزيز بن ناصر العيسى

مصور وكالة الجامعة و عمادة التعليم الإلكتروني

السرقات الآلكتروني

 

 

 

هل يمكن تجنب السرقات الإلكترونية؟

 

 

إذا قلنا إننا أصبحنا نعيش في عالم الإنترنت، وعالم الإلكترونيات وعالم البطاقات الإلكترونية فإننا لا نبالغ! فانظر إلى الأجهزة من حولك كيف أصبحت تعمل باللمس على شاشاتها، أو على لوحات حروفها وأرقامها، فهل يمضي يوم دون تعامل مع تلك الشاشات اوالإلكترونيات؟  160.jpg 

 وانظر في محفظتك الشخصية كم بطاقة إلكترونية تحمل؟! فأبواب بعض الشركات والمؤسسات أصبحت لا تعمل إلا ببطاقة إلكترونية، وأبواب الغرف في الفنادق ذات الرفاهية أصبحت لا تفتح إلا ببطاقات إلكترونية، وكذلك أبواب بعض مواقف السيارات، وركوب القطارات (المترو) والحافلات العامة في الدول المتقدمة يتطلب البطاقات الإلكترونية، والدفع لمحطات تعبئة البترول ممكنٌ عبر البطاقات الائتمانية، وكذلك شراء الحاجات والبضائع من الأسواق والمحال التجارية بات ممكنًا بواسطتها، وحتى محال الألعاب الإلكترونية وملاهي الأطفال أصبحت تعمل بالبطاقات الإلكترونية، والشراء عبر شبكة الإنترنت لا يتم إلا بالبطاقات الائتمانية، والدفع لبعض الفنادق والمطاعم والمستشفيات والجامعات، أو الحجز بها أصبح متاحًا عبر البطاقات ذاتها.. بل إن بعض الدول الغربية- كالولايات المتحدة وكندا- يفضلون الدفع والتعامل المالي بكل الأماكن بواسطة البطاقات الائتمانية أكثر من الدفع السيولي (الكاش).. وشراء تذاكر السفر عبر الانترنت أقل تكلفة على المسافر وشركة الطيران على حدٍّ سواء.

ومن فضل الله أننا لم نعد نرى طوابير الموظفين تصطف خلف مكاتب البنوك في نهاية كل شهر من أجل تسلم رواتبها الشهرية، حيث أصبح ممكنا استلامها في أي وقت من ليل أو نهار، في أول الشهر أو آخره، بواسطة البطاقات المصرفية.. أفلا نستطيع القول إننا أصبحنا نعيش في عالم البطاقات الإلكترونية على الرغم مما فيه من خير أو شر؟ وكأنه عالم الأحلام الافتراضي المتخيل الذي لم يكن يجرؤ الكثير من سكان الأرض يومًا على الحلم به، أو التفكير فيه ولو بخياله!

كل هذا التطور الإلكتروني هو من تقدير الله تعالى وفضله.. بأن فتح للإنسان أبواب العلم والاكتشاف والاختراع؛ لتوفير سبل الرفاهية والراحة، وتقليل الوقت والجهد والمسافات. ولكن البعض لا يقدر نعم الله تعالى، ويسيءُ استخدامها، ما بين لاعبٍ ولاهٍ، وقاصد وغير قاصد.. فيرتكب من الآثام ما يؤذي به نفسَه والآخرين! فنجد بعض الأشخاص، وخاصة من فئة الشباب ممن وهبهم الله تعالى ذكاءً مرتفعًا في الجانب الإلكتروني أو الحاسوبي، يستخدمونه في غير محله.. لا في الإبداع والإنتاج والتحسين، وإنما في اختراق بعض مواقع الشركات الكبرى، والدخول إلى برامجها المحوسبة بواسطة ما يطلقون من فيروسات، وهي برامج خطيرة، فيسرقون من بيانات تلك الشركات أو يحاولون تغييرها طمعًا في المال، فيبتزون أموالها، أو يسرقون من حساباتها أو حسابات عملائها بطريقة الكترونية، وبمبالغ هائلة قد تصل لمئات الآلاف أو الملايين، وتذكر تقارير مجموعة «فولي» للأبحاث الأميركية أن عام 2007 كان الأكثر قرصنة.. فتعرضت الكثير من الشركات الكبرى للخسائر، وتقدر بملايين الدولارات، نتيجة لذلك. فتم مثلًا في العام ذاته اكتشاف عملية قرصنة كبرى على بيانات العملاء وبطاقاتهم الائتمانية لإحدى الشركات الأميركية الكبرى، والسرقة منها بمبالغ هائلة، نتيجة نجاح القراصنة في تعقب البيانات التي كانت ترسل من أحد فروع الشركة لاسلكيًّا (عبر شبكة الواي فاي) إلى فرع آخر للشركة، ‏وتذكر الشركة أنها أنفقت عقب ذلك عشرات الملايين على شراء أنظمة تأمين الحاسبات؛ لمنع القراصنة من الوصول لبيانات عملائها. 

أسرار شخصية

وظهرت طريقة أخرى لقراصنة الإنترنت في إيذاء الأشخاص، تمثلت في اختراق البريد الإلكتروني للآخرين، لا لشيء بل من أجل التجسس عليهم، وكشف أسرارهم الشخصية، ولكن ماذا لو عرفوا أسرار غيرهم الشخصية؟! فهل تهمُهم في شيء؟ أم هم يتقاضون أموالًا لقاء تلك الأفعال؟ قد يكون هذا واردًا، ولكن هل تَحِل لهم هذه الأموال؟ إن كان هذا التجسس على البريد الإلكتروني للأعداء، كما في المعارك والحروب، فقد يكون مبررًا، أما التجسس على الآخرين بهدف الإيقاع بهم أو التشهير بهم أو إيذائهم فهو من الأمور المحرمة لأن بها ضررًا للآخرين، وقد قال تعالى: {يَأَيُهَا الَذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَنِ إِنَ بَعْضَ الظَنِ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَسُوا وَلَا يَغْتَب بَعْضُكُم بَعْضًا} (الحجرات: 12).

وفي الحقيقة لم يسلم أبناؤنا من السرقات الإلكترونية، ولكن بشكلٍ آخر وهو السرقة الفكرية (الأدبية والعلمية) لما ينشر عبر مواقع الإنترنت، فما ان يطلب معلم المادة تقريرًا أو معلومات عن موضوع معين، حتى ترى الطلبة يسارعون إلى محركات البحث في الإنترنت كجوجل وياهو وغيرهما.. ويضعون اسم الموضوع المراد البحث عنه، فتخرج لهم مباشرة كل المعلومات التي يريدون على طبق من ذهب، وكل ما يفعله أبناؤنا الطلبة هو طباعة الموضوع من الموقع كما هو تمامًا، دون أدنى جهد في التغيير أو التعديل أو حتى قراءته، ودون تفكير أو إمعانٍ فيما عثروا عليه من معلومات في مدى صحتها أو منطقيتها أو دقتها، فلا تجدهم يقرأون عن الموضوع في أكثر من موقع ومرجع، ومن ثم كتابة ما فهموه والخروج بموضوع جديد وبصياغة ذاتية!

تحصيل المعلومة

وفي إحدى المدارس الفرنسية حاول أحد المدرسين أن يثبت لطلبته أنهم لا يقرأون ما يجلبون من معلومات من الإنترنت، فطلب منهم الكتابة عن سيرة حياة أحد الأدباء الفرنسيين، واستطاع المعلم أن يدخل موقع ويكيبيديا (الموسوعة الإلكترونية) وأن يغير بالمعلومات عن حياة الأديب الذي طَلب البحث عنه، وجعل بعض تلك المعلومات متناقضة وغير صحيحة وغير منطقية، ووقع الكثير من طلبته في الفخ.. فأحضروا تلك المعلومات المغلوطة من موقع ويكيبيديا (باللغة الفرنسية) كما توقع المعلم، ودون قراءتها، فأخبرهم بما فعل، وأنهم بالفعل لا يقرأون ما يحضرون من معلومات، ولا يتأكدون من منطقيتها أو دقتها أو موثوقية مصدرها، ولا يحاولون كتابة المعلومات بطريقتهم الخاصة.. وبالتالي فهم لا يتعلمون حقيقةً؛ لأن المعلومة التي لا يَبذل الشخص جهدًا في تحصيلها غالبًا ما تنسى.. وفي أقرب وقت.

وقد تمكن بعض المعلمين من اكتشاف التقارير الطلابية المسروقة حرفيًّا من الإنترنت، باختيارهم عبارة من المقالة التي يشكون في أنها ليست من تأليف طلبتهم، ويضعونها في محركات البحث كجوجل؛ لتخرج لهم جميع المقالات التي تتضمن تلك العبارة، وبالتالي يكتشفون أن هذا التقرير ليس من جهد الطالب.. ناهيك عن تكرر تقديم التقرير ذاته حرفيًّا من طلبة عدة!

ألا يعتبر ما يفعله هؤلاء الطلبة سرقة فكرية؟! أم هو جهل فكري من طلبتنا؟ والأدهى والأمر من ذلك أن بعض الكُتاب والصحفيين ومؤلفي الكتب يسرقون موضوعات جاهزة من بعض مواقع الإنترنت، ومن ثم ينشرونها في الصحف أو المجلات أو الكتب بأسمائهم، وكأنهم أصحابها الحقيقيون، ودون تغيير في مضمونها أو عباراتها، وأحيانا بتغييرٍ في عنوانها فقط حتى لا يُشكُ في أمرهم! ألا تعتبر هذه سرقةً يحاسَبون عليها يوم القيامة؟

إننا لا نعني عدم الاستفادة من شبكة الانترنت وما يُنشر بها من معلومات، وإلا فما فائدتها؟ ولكننا نقصد عدم سرقة جهود الآخرين ونسبتها إلى أنفسنا، بل ونكافأ عليها أحيانًا! وكيف سيكون وضع هؤلاء القانوني إذا استطاع صاحب دعوى ملكية فكرية إثبات أن عملًا ما هو من إنتاجه؟

ومشكلة السرقات الفكرية والإلكترونية أرقت الكثير في العالم، وجعلتهم يبحثون عن حلول لها، فتجد مثلا الشركات الكبرى والمؤسسات الحكومية والجامعات صممت أنظمة وبرامج حاسوبية قوية يصعب اختراقها، وبرامج مضادة للفيروسات وأنظمة أمان متعددة. وبعض المصارف البنكية ابتدعت طرقًا لحماية أموال عملائها الذين يشترون عن طريق الانترنت، كإرسال رمز الأمان للعميل على هاتفه النقال حال انتهاء عملية الشراء عبر الإنترنت، ولا يتم استكمال عملية الشراء إلا بعد وضع الشخص رمز الأمان في المكان المناسب في الإنترنت، ثم تصله رسالة فورية بأنه قام بعملية شراء، فهناك ربْط بين الهاتف النقال والشراء عبر الإنترنت. وأيضا عند السحب من رصيد الشخص البنكي عبر بطاقته المصرفية تصله رسالة على هاتفه النقال تخبره بذلك؛ حفظًا لحقوقه.

وإن كانت الشركات الكبرى أوجدت حلولًا تحمي حقوق عملائها، فالسؤال: من يحمي أبناءنا من مشكلة السرقات الفكرية؟ ومن قيامهم بالاختراقات الحاسوبية غير المشروعة؟

7 طرق لحماية الأبناء

إن الحماية الحقيقية لأبنائنا تأتي من التربية الأخلاقية لهم على مبادئ وتعاليم الإسلام، فهي التي تحميهم من الوقوع في الخطأ، والرجوع لجادة الصواب، ومن تلك الحلول:

أولًا: تعليم الأبناء أحكام الإسلام في السرقة والغش والتجسس وإيذاء الآخرين، كقوله تعالى في النهي عن التجسس: {ولَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَعْضُكُم بَعْضًا} (الحجرات: 12)، وقوله تعالى في تحريم السرقة: {وَالسَارِقُ وَالسَارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَهِ وَاللَهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (المائدة: 38)، وقوله في تحريم الإيذاء: {وَالَذِينَ يُؤْذُونَ المُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينا} (الأحزاب: 58)، والأحاديث في ذلك كثيرة.

ثانيًا: تعويد الأبناء منذ الصغر على عدم السرقة أو الغش وخداع الآخرين، ومتابعة ذلك السلوك إن بدا عند أبنائهم، فعندما يسرق الطفل لعبة أو مالًا أو حتى قلمًا من صديقه فلابد من البحث في أسباب هذا السلوك ووضع الحلول له؛ حتى لا يتطور ويتكرر إنْ أُهمل ولم يتابَع من قبل الوالديْن والمرشدِين التربويين في المدرسة، خاصة وأن الأطفال الصغار قد يأخذون حاجات الغير دون قصد سرقتها.. وإنما نتيجة قصور في فهمهم لملكية الغير، وأنها تختلف عن ملكيتهم الخاصة.

ثالثًا: استخدام أسلوب الحوار مع الأبناء، خاصة من بلغ سن التمييز وفوقه، وتعريفهم بمفهوم السرقة، وماذا تعني السرقة الفكرية؟ وما رأيهم فيها؟ وهل يحبون أن يسرق الآخرون جهدَهم الشخصي وينسبونه لأنفسهم؟ ما شعورهم تجاه ذلك؟ فكيف يقبلون بتقديم موضوعات من الانترنت دون تغيير أو تفكير فيها على أنها جهدهم الخاص؟

رابعًا: تعليم الأبناء أن الحصول على المعلومات دون أدنى جهد معناه عدم تعلم المعلومة، وعدم تخزينها في الذاكرة، ومعناه نسيانها بكل سهولة وعدم الاستفادة منها مستقبلًا. بالإضافة إلى أن أخذ المعلومة جاهزةً من الانترنت يقتل الإبداع والخيال، والتفكير الإبداعي والتفكير الناقد لديهم، فهم لا يفكرون ولا ينقدون ما يجدون من معلومات في مواقع تنشر الغث والثمين.. وليس هكذا تتطور الأمم والشعوب، إنما هذه طريقة لتأخرها وتراجعها.

خامسًا: بعض الأبناء، وخاصة من فئة المراهقين، قد يصرون على أفعالهم الخاطئة.. وهنا لابد من تهديدهم بالحرمان من بعض الأمور المهمة بالنسبة لهم، كالمصروف أو الخروج مع الرفاق، أو تهديدهم بإخبار الآخرين بأفعالهم، ولكن هذا لا يكون إلا بعد الحوار معهم، ومحاولة إقناعهم بتغيير سلوكاتهم السيئة كالتجسس والتلصص.

سادسًا: على المناهج والمدرسين في المدارس والجامعات القيام بدورهم في القضية؛ كتعليم الطلبة أخلاقيات التعامل مع شبكة الإنترنت، وتحذيرهم من خطورة اختراق مواقع الغير وإيذائهم، وتدريبهم على الطريقة الصحيحة في جمع المعلومات وكتابة التقارير والأبحاث.

سابعًا: لابد لوسائل الإعلام من أخذ دورها في إثارة موضوع السرقات الفكرية والإلكترونية وشتى الاختراقات الإلكترونية، وكيفية التعامل معها، وعقوباتها الدولية والشرعية، وكيفية تجنب الخسائر المالية لمستخدمي البطاقات.

 

الملفات المرفقة

الساعات المكتبية


تغريداتي

 



أرقام الاتصال

k


جـــــــوال : 0500114485

جـــــــوال :0566222898



البريد الإلكتروني : an.alessa@mu.edu.sa


الوقت

Almajmaah




التقويم

Blogger widget

إحصائية الموقع

عدد الصفحات: 484

البحوث والمحاضرات: 1026

الزيارات: 18152