د/ايمان زغلول قاسم

استاذ تكنولوجيا التعليم المساعد بكلية التربية بالزلفي

تطوير العملية التعليمية1

ويتميز ذلك الحقل كذلك بأنه يتأثر بشكل سريع بالتطورات السياسية والاقتصادية والثقافية فى محيطات الدول التى يبحث أو يدرس فيها ،‏ ومن هنا تعتبر من اصعب الأمور فى حقل الإدارة العامة مسالة أقامه بناء نظرى مثلما هو الحال فى كثير من العلوم الاجتماعية الأخرى ،‏ ويغلب على حقل الإدارة العامة الجانب التطبيقى طالما انه يأخذ من حقول أخرى فانه بالقطع لن يأخذ منها إلا ما هو صالح للتطبيق ،‏ كما إن ارتباطه بالتطورات السياسية والاقتصادية يجعله يتبنى التوجهات العملية من حيث كفاءة التشغيل وفاعلية الاستجابة للمتغيرات البيئية ،‏ ولا ينفى ذلك وجود مبادئ توضع فى إطار نظرى وتكون مؤسسة على تحليل للواقع مستهدفة تحسينه ،‏ ومن هنا تستمد هذه المبادئ جانبا"‏ كبيرا"‏ فى تكوينها من توصيف ما هو قائم ومحاولة تحسينه مما يجعل الأداة التنظيمية والأداة السلوكية والأداة الثقافية من أهم أدوات حقل الإدارة العامة .‏

الإدارة العامة كميدان للدراسة ذات تاريخ طويل يعود إلى العصور القديمة عندما قامت محاولات فى مصر الفرعونية وفى الصين القديمة لتلقين المبادئ الصحيحة للإدارة ولكن بوادر دراسة الإدارة العامة بصورتها الحالية نشأت خلال العصور الوسطى .‏

وتعتبر نشأة العلوم الكاميرالية Cameral Sciences فى بروسيا ،‏ والتى سبقت العلوم الإدارية Administrative ،‏ بداية التطور الحقيقى فى دراسة الإدارة العامة وذلك حين شعر أمراء الإقطاع باحتياجهم للأموال وظهرت لهم أهميه الإدارة السليمة والحاجة إلى دراسة الأسس للممارسة مهنة الإدارة ،‏ أى العمل الحكومى ،‏ وكان ينظر إلى الإدارة العامة فى ذلك الوقت على إنها الوقوف على بعض أسرار المهنة وحيلها .‏

وتتابعت التطورات وزاد الاهتمام بالإدارة حتى وصل ذورته عندما انشأ فردريك وليم الأول إمبراطور بروسيا أول كرسى للدراسات الإدارية عام ‏1727 م ،‏ واستمرت التطورات فى ألمانيا وفرنسا وبلجيكا وأسبانيا وإيطاليا ويوغوسلافيا وتركيا والبرازيل والولايات المتحدة ،‏ ومصر منذ عهد محمد على ،‏ إلى إن وصلت الإدارة العامة – كميدان للدراسة والبحث – إلى ما نعرفه اليوم .‏

واصبح التخصص العلمى للإدارة العامة موجودا فى كل الجامعات الغربية الكبرى وكافة الجامعات العربية ،‏ ولعل إنشاء قسم للإدارة العامة بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة يمثل تطورا طبيعيا فى مجال الأرتقاء بمستوى الاهتمام بالعلوم الإدارية إذ تمثل الكلية الوعاء الأكبر الذى يغذى تخصص الإدارة وينميه وهذا هو الاتجاه السائد فى معظم النظم الجامعية فى الولايات المتحدة الأمريكية .‏

وعلى أية حال لا تخلو جامعه الان من وجود تخصص الإدارة العامة وتصبح القضية المثارة هى هل يصبح مدرسه مستقلة ؟‏ أو يكون مدرسة للدراسات العليا فقط ؟‏ أو يتمثل فى قسم ضمن أقسام مدرسة ؟‏ وفى الحالة الأخيرة جرى العرف أن يكون ضمن مدرسة اكبر للشئون العامة وهى فى مفهومنا الاقتصاد والعلوم السياسة والإحصاء وعلوم الحاسب ،‏ وهى أهم الحقول المرتبطة بالإدارة العامة .‏

** وتدرس الإدارة العامة اليوم فى صورة تجمع بعض الدول بين اكثر من واحدة منها وهذه الصور هى :-

  1. دراسة الإدارة العامة ضمنا خلال الدراسات التى لها صله بالإدارة العامة ،‏ مثل إدارة الأعمال أو القانون الإدارى أو العلوم السياسية ،‏ ولعل هذه هى أولى صور دراسة وتدريس الإدارة العامة .‏

  2. دراسة الإدارة العامة كمادة مستقلة ولكن فى إطار برامج وكليات أو معاهد غير كليات ومعاهد للإدارة العامة مثل تدريس الإدارة العامة فى كليات الحقوق أو التجارة أو الاقتصاد والعلوم السياسية أو الاقتصاد والعلوم الإدارية .‏

  3. إنشاء كليات للإدارة على المستوى الجامعى بحيث تكون الإدارة هى مجال الدراسة العام وموضوعاتها وفروعها المختلفة مجالات التخصص .‏

  4. إنشاء مدارس أو كليات للإدارة العامة فى نطاق الدراسات العليا بالجامعات وهى تقبل خريجى بعض الكليات المختلفة وتمنح درجه الماجستير والدكتوراه فى الإدارة العامة .‏

  5. إنشاء مدارس متخصصة فى الإدارة العامة خارج نطاق الجامعات الهدف منها تخريج العاملين بالأجهزة الحكومية ،‏ ويلتحق بها الدارسون بعد تخرجهم من الجامعة .‏

  6. إنشاء معاهد للإدارة العامة تجمع بين الدراسة والتدريب كما تقوم بأبحاث فى مجال الإدارة ،‏ مثل معهد الإدارة العامة فى مصر ،‏ معهد الإدارة العامة فى السعودية ،‏ المعهد الدولى للإدارة العامة بفرنسا .‏

  7. أقامه برامج تنمية إدارية للقادة الإداريين على المستويات العليا Development Programs Executive ومن ابرز أمثلها برامج القادة الإداريين التى بدأت فى مصر عام ‏1963 ،‏ وبرامج المنظمة العربية للتنمية الإدارية التى بدأت عام ‏1969 وهى – وان كانت تنصب أساسا"‏ على التدريب – لها انعكاسات واضحة على إثارة الاهتمام بدراسة الإدارة وعلى تدعيم البحث الإدارى .‏

وهكذا يمكن القول بان دراسة الإدارة العامة قد تطورت من تدريب ميدانى فى الواقع أثناء العمل إلى دراسة مرتبطة بالقانون ثم إلى دراسة مرتبطة فى إطار العلوم السياسية حتى استقلت وأصبحت ميدانا متخصصا فى الدراسة .‏

*** وتجدر الإشارة هنا إلى إن الإدارة العامة كحقل دراسى دخلت حديثا" المنطقة العربية ، فكان أول مقرر دراسى هو الذى قدمه الدكتور / محمد توفيق رمزى عام 1954 ودخلت فى برامج كليات الحقوق عام 1955 ولكن من منظور القانون الإدارى ، ثم أدرك بعض فقهاء القانون الإدارى تميزها عنه بعد ذلك بقليل ، ثم أدخلت فى برامج كليات التجارة فى أواخر الخمسينات وبعدها فى برامج أقسام العلوم السياسية ، وتفرد لها اليوم بعض الجامعات العربية أقساما" متخصصة ويدخلها البعض الآخر فى برامج أقسام إدارة الأعمال وأقسام العلوم السياسية .

وقد توسعت الإدارة العامة – كعلم وميدان للدراسة – وتطورت حتى أصبحت تضم فروعا"‏ مختلفة أهمها :‏ أصول ومبادئ الإدارة العامة ،‏ التنظيم ،‏ أساليب العمل ،‏ إدارة الموارد البشرية وتنميتها ،‏ تخطيط وإدارة الموارد المالية ،‏ الدراسات السلوكية ،‏ إدارة المدن والبلديات ،‏ الإدارة العامة المقارنة ،‏ مناهج البحث فى الإدارة العامة ،‏ التخطيط الإقليمى ،‏ إدارة الأزمات والكوارث،‏ تحليل السياسات العامة … وغيرها .‏

  1. وكما مرت دراسة الإدارة العامة بمراحل عديدة من حيث نطاق ومجال دراستها والبحث فيها ،‏ فقد مرت كذلك من حدث المنهج بمراحل يمكن أجمالها فى أربع :‏ المنهج الأول ويمثله المدخل الدستورى القانونى التاريخى ،‏ المنهج الثانى ويعبر عنه المدخل التنظيمى الوصفى ،‏ المنهج الثالث هو الاجتماعى النفسى ،‏ والمنهج الرابع والأخير هو المنهج المعاصر المعروف بالمدخل البيئى أو الايكولوجى .‏

ثانيا"‏ :‏ التطورات العالمية المؤثرة .‏

لا يتسع المجال هنا للتفصيل فى شان التغيرات والتحولات العالمية والمحلية المؤثرة على حقل الإدارة العامة،‏ ومن ثم نشير إلى أهمها فيما يلى :‏

  1. انتصار الفكر الاقتصادى الحر والوصول إلى يقين بان اقتصاد السوق هو الاقتصاد الذى يكفل افضل توزيع للموارد ،‏ وأيضا"‏ افضل استخدام لها فى المجتمع ،‏ وقد تأكد أن انفراد الدولة بتعبئة الموارد واستخدامها لا يضمن التنمية المتواصلة .‏

ويرتبط بهذا التحول فكر هام بشأن دور الدولة ،‏ مقضاه انه على الرغم من إن اقتصاد السوق يضمن توزيعا واستخدام افضل للموارد إلا إن للدولة دور هام وباق ومستمر خاصة فى الدول النامية ،‏ فدور الدولة لم يلغ ولكنه تغير .‏

(‏‏2)‏ الانتقال من أسواق متعددة فيها حواجز طبيعية أو اصطناعية إلى الاتجاه نحو السوق العالمية الواحدة ،‏ وقد وضعت لبنات هذا التحول من خلال الاتفاقية العام للتعريفة و التجارة المعروفة باسم الجات General Agreement For Tariff and Trade (G A T T)

وفى طريقة لان يستكمل ،‏ وبالتالى سوف تتعامل المنظمات فى أسواق اكبر واكثر تنافسا وتواجه عدد اكبر من المتنافسين فى القريب العاجل ،‏ ومن ثم لابد من الاستعداد لذلك .‏

  1. اصبح الثلاثى الذى يحكم التقدم وهو رأس المال والتكنولوجيا والقدرة الإدارية ،‏ اكثر مرونة فى التحرك والانتقال عن ذى قبل وقد تحررت هذه العناصر من القيود التاريخية وانطلقت تبحث عن المواقع الجديدة فى العالم لتحقيق فرص افضل للاستثمار .‏

    (‏‏4)‏ الزيادة السريعة والمتلاحقة فى الإنتاج العقلى والتوصل إلى قناعه بأن القوة النسبية لأية دولة ،‏ ونحن على بعد سنة من القرن الواحد والعشرين ،‏ سوف تتحدد بقدرتها على تعظيم الإنتاج العقلى والتوجه فى مجال التركيز إلى مجالات محددة مثل الهندسة الوراثية والاتصالات والمعلومات وأنظمة الإدارة الحديثة .‏

  2. القناعة لدى المخططين والممارسين لبرامج التنمية بأن التنمية بمعدلات عالية ومستمرة يعتمد على تراكمات راس المال وهو أمر لازم لكنه ليس كافيا إذ أن الأهم هو الاستخدام الأمثل لراس المال ،‏ وتعظيم الإنتاجية هنا مرتبط بالجهود المبذولة فى مجالين هما التنمية التكنولوجية والتنمية البشرية .

والحقيقة إن هذه التطورات تمثل بداية ظهور دور جديد للدولة ذى طبيعة حيوية مع حجم صغير من الناحية الكمية ،‏ بمعنى انه رغم الاتجاه إلى الانكماش فى دور الدولة من حيث حجم مؤسساتها وعدد العاملين فيها ،‏ إلا أن هذا يصاحبه تطور خطير ومهم فى دور الدولة بمعنى إننا نستطيع القول بأن الدولة الراعية والمساندة تقوم بدورها ربما يكون اخطر من دور الدولة المنفذة والمسئولة بشكل مباشر .‏

الوقت من ذهب

اذكر الله


المصحف الالكتروني