د/ايمان زغلول قاسم

استاذ تكنولوجيا التعليم المساعد بكلية التربية بالزلفي

وسائل الاتصال1

      و تعتبر هذه السهولة في الاستعمال و إتاحة الوصول لخدماتها المتعددة، من أهم العوامل التي جعلت شبكة الانترنت تستقطب نسبة هامة من المستعملين، بكل الفئات و المستويات الثقافية و العلمية، و في الحقيقة فإن استعمال هذه الوسيلة الاتصالية الحديثة يختلف عن استخدام وسائل الإعلام الأخرى، فالفرد بإمكانه أن يقضي أوقاتا طويلة دون أن يشعر أمام الحاسوب، لأن الانترنت تقدم عدة خدمات تجلب الاهتمام، كمحركات البحث، منتديات المحادثة الالكترونية، المدونات، مواقع الشبكة الاجتماعية (social media)، البريد الالكتروني، إلى غير ذلك من التطبيقات، بالإضافة إلى توفيرها كل وسائل الإعلام التقليدية، كالصحف و المجلات الالكترونية، و البث الإذاعي و التلفزيوني على الشبكة و المكتبات الافتراضية.

       و قد أدى هذا الاستعمال المفرط لشبكة الانترنت و خدماتها المختلفة، الى حصول ما يسميه )فيليب بروتون( "بالثمالة الاتصالية" (l’ivresse de communication)[i] ، و بالتالي إلى حدوث عدة انعكاسات على الأفراد المستعملين و على المستوى العام للمجتمع، سواء كانت انعكاسات اجتماعية ، نفسية، أخلاقية، أو ثقافية؛ و سنحاول من خلال هذه الورقة أن نبين أهم و أبرز هذه الانعكاسات.

من بين أبرز المفاهيم المرتبطة باستخدام تكنولوجيا الاتصال و الانترنت، مفهومي "المجتمع الافتراضي" و "المجتمع الجماهيري المتفرد"، و يعتبر الأول سببا في ظهور الثاني، أي أن استعمال الانترنت بشكل مفرط أدى إلى ظهور مجتمعات افتراضية، أدت بدورها إلى بروز مجتمعات جماهيرية منفردة.

-         شبكة الانترنت و المجتمعات الافتراضية:

      لقد أدى الاستخدام المفرط لشبكة الانترنت و الإقبال المتزايد على خدماتها، إلى تشكل ما يسمى بالمجتمعات الافتراضية (virtual societies)، التي تتكون من هويات لأفراد حقيقيين، يتواصلون فيما بينهم لأغراض و دوافع مختلفة.

و يعرف(محمد منير حجاب) المجتمع الافتراضي بأنه"مجتمع يتكون من أشخاص متباعدين جغرافيا، و لكن الاتصال و التواصل بينهم يتم عبر الشبكات الالكترونية، و ينتج بينهم نتيجة لذلك نوع من الإحساس و الولاء و المشاركةً"[ii]، و يعرفه (Serge Broulx) "بأنه العلاقة التي تنشأ بين مجموعة من مستخدمي منتديات النقاش و الدردشة الالكترونية، و هؤلاء المستعملون يتقاسمون الأذواق، القيم، الاهتمامات و الأهداف المشتركة"[iii].

و يعرف كذلك 'سيرج بروكس' المجتمع الافتراضي بأنه:"مجموعة أفراد يستخدمون بعض خدمات الانترنت الاتصالية (منتديات المحادثة، حلقات النقاش، أو مجموعات الحوار...،) و الذين تنشأ بينهم علاقة انتماء إلى جماعة واحدة (lien d’appartenance)، و يتقاسمون نفس الأذواق، القيم، و الاهتمامات و لهم أهداف مشتركة"[iv]، و بالتالي فإن الشيء المميز في هذه المجتمعات كونها تتشكل على أساس اهتمامات و أشياء مشتركة بين هؤلاء المستخدمين، أي أن الصفات و الخصائص الموجودة في كل شخص هي التي تحدد نوع و طبيعة الجماعة الافتراضية التي ينتمي إليها و يندمج فيها؛ و يعرف المجتمع الافتراضي الباحث (karasar) بأنه "مجموعة أشخاص اندمجوا في الاتصالات و التفاعلات عبر الانترنت، في حلقات النقاش أو منتديات المحادثة الالكترونية" أما schramm) فهو يرى أن المجتمع الافتراضي هو عملية تقاسم فضاء للاتصال، مع أفراد لا نعرفهم، و غالبا ما يتم هذا في الوقت الحقيقي، و هو عبارة عن انعكاس للمجتمع الواقعي، لكن لا يوجد فيه أناس فعليون و اتصالات حقيقية كما في الواقع( أي أنها افتراضية)، وهو عبارة عن جمهور من كل أنحاء العالم، جالسون أمام شاشة الكمبيوتر للتواصل مع بعضهم البعض"[v].

و يتبين من خلال ما سبق أن المجتمع الافتراضي هو عبارة عن مجموعة أفراد، يستخدمون تطبيقات الانترنت الاتصالية، تعرفوا على بعضهم البعض و شكلوا علاقات فيما بينهم افتراضيا، و يتفاعلون افتراضيا، ولهم معايير و قواعد خاصة بهم، و لهم نفس الاهتمامات و الأفكار و المميزات، وهذا ما يجعلهم يبنون علاقات وطيدة مثل تلك التي تتشكل في المجتمع الحقيقي، و يطلق على هؤلاء الأفراد بدورهم تسمية الأفراد الافتراضيين"virtual individual’s" أو الأفراد الانترنيتيين (netizen)، الذين يمكن اعتبارهم كائنات حوارية-كتابية في أغلب مظاهرهم، و يتميز هؤلاء الأفراد بغياب الصورة الجسدية الفيزيقية الملموسة للإنسان، بحيث تحل محلها الحوارات التي يقدمها الأفراد، و المعلومات التي يتشكلون بها، و لا يبقى في حقيقة الأمر إلا أجهزة الحواسيب في كل مكان، تمثل الأفراد البشريين بشكل أو بآخر، و كأنهم مجرد اللحم و الدم لمجتمع آلي جديد"[vi]، و نجد أفراد المجتمع الافتراضي يمنحون أهمية كبيرة لجماعتهم الافتراضية على حساب جماعتهم الأولية، و محيطهم الاجتماعي و علاقاتهم الحقيقية، و حسب Raymond B. François B. فإنه عندما يصبح بقاء الجماعة هو الهدف الهام لدى أفرادها أكثر من أهدافهم و أمورهم الشخصية، فحينئذ يمكن القول أن هذا التجمع يمكن أن يشكل مجتمعا أو هو في طريق التشكل"[vii]، و بالفعل هذا هو ما يحدث في المجتمعات الافتراضية، حيث أن الأفراد يهتمون أكثر بمصير علاقاتهم و اتصالاتهم الافتراضية من علاقاتهم مع أهلهم وأصدقائهم الواقعيين.

و قد كتب الباحث (Rheingold Howard) كتابا كاملا حول هذه المجتمعات، عنونه ب "المجتمع الافتراضي"virtual community" و جاء فيه أن "المجتمع الافتراضي يجمع أشخاصا من كل أنحاء العالم، يقيمون فيما بينهم علاقات تعاون، تبادل معلومات و خبرات، و يجرون مناقشات  ثرية ( خاصة في المواضيع الفكرية و العاطفية)، أكثر مما هو عليه الحال في الحياة الواقعية[viii].

و من خلال ما سبق يمكن لنا تحديد الخصائص و السمات العامة للمجتمعات الافتراضية:



[i] Philippe Breton:le culte de l’Internet, une menace pour le lien social, Paris:la découverte, 2000.p.09 

[ii] محمد منير حجاب: المعجم الإعلامي، القاهرة: دار الفجر، 2004، ص 470

[iii] Serge Broulx : les communauté virtuelle construisent-elle du lien social ? » Colloque international sur : l’organisation medias, dispositifs médiatiques, sémiotique et des médiations de l’organisation, LYON, Université jean moulin19-20/11/2004

[iv] ibid.

[v] Sahin Karasar: op.cit. p .03.

[vi] محمد علي رحومة: الانترنت و المنظومة التكنو-اجتماعية،بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية ، 2005 ، ص 286.

[vii] DOMINIQUE Wolton : Internet et après ? une théorie critique des nouveaux medias, France : Flammarion, 1999. p.215.

[viii] Thompson j.b.« transformation de la visibilité » réseaux, n.100, (2000). p. 59.

الوقت من ذهب

اذكر الله


المصحف الالكتروني