د/ايمان زغلول قاسم

استاذ تكنولوجيا التعليم المساعد بكلية التربية بالزلفي

وسائل الاتصال6

- الانعكاسات على الجانب الديني و الأخلاقي: من أخطر الانعكاسات التي يمكن أن تنتج عن الاستعمال المفرط للخدمات الالكترونية، تلك المتعلقة بالجانبين الديني و الأخلاقي، حيث أن مناقشة مواضيع تافهة و انحرافية، ولاسيما تلك المتعلقة بالجنس، قد تؤدي إلى "تدهور منظومة القيم"[i] و انحطاط أخلاقي لدى الأفراد، لأن الحديث الالكتروني قد يكون مع أشخاص جديين و متخلقين كما قد يكون مع أشخاص منحرفين لا قيم لهم و لا مبادئ، و هذا ما يشكل خطرا خاصة بالنسبة للأطفال و المراهقين، لأنهم دائما ينساقون وراء ما هو غامض و مجهول نظرا لفضولهم الكبير، و محاولة اكتشاف كل شيء، و لهذا فإنهم قد يتعرضون لنقاشات إباحية تؤدي إلى انحراف سلوكاتهم بشكل كبير؛ بالإضافة إلى هذا فإن استغراق أوقات طويلة في استعمال الانترنت قد يؤدي إلى تهاون في أداء الواجبات الدينية مثل الصلاة في المسجد، إلى غير ذلك من العواقب التي تنجر عن الإدمان الانترنتي؛ و هناك من يستعمل بعض الخدمات للقدح في الأشخاص و انتهاك خصوصياتهم، أو لاستفزاز طرف معين، أو لإجراء نقاشات عنصرية، وهذا ما جعل العديد من الجهات تطالب بوضع قوانين تلزم مسيري و مصممي هذه المنتديات و مزودي خدمة الانترنت بمراقبة محتوى حلقات النقاش[ii]، وللإشارة فإن هناك كثير من البلدان التي تملك تشريعات و قوانين في هذا المجال، تعمل على وضع حدود و إجراءات ردعية و تنظيمية[iii].

 

-   الانعكاسات النفسية: من بين الآثار التي تسببها الأوقات المتواصلة أمام الشبكة الالكترونية، الإصابة بالإحباط النفسي، و الإحساس بالقلق بسبب قضاء أوقات طويلة، و لا سيما إذا كان هذا الاستعمال عشوائيا أي دون هدف محدد مسبقا، أو إذا أجرى نقاشا في موضوع تافه لا ينفع كالمواضيع الإباحية، فإنه من دون شك سيشعر في الأخير بالذنب و تضييع المال و الوقت، و هو ما يؤدي به إلى الشعور بالإحباط النفسي و المعنوي[iv].

-         نشأة تيار معارض لاستخدام تكنولوجيا الاتصال و الانترنت:

و للإشارة فقد نشأ تيار فكري معارض لاستخدام تكنولوجيا الاتصال و الانترنت، بفعل هذه الانعكاسات المتعددة، و هم المتشائمون من التقنيات الحديثة"les technophobes"، يمثل هذا الاتجاه  مختصون في علم الاجتماع و علم النفس، و هم يتعرضون بالنقد اللاذع لتكنولوجيا الاتصال و الانترنت، و يتخوفون أيما تخوف من آثارها و انعكاساتها على الفرد و المجتمع، "و لا يقتصر الأمر في مجال نقد تكنولوجيا الاتصال على المخاوف الواقعية، و لكنه يمتد إلى المخاوف الوهمية، و يتمثل ذلك فيما يعرف بظاهرة 'التكنوفوبيا'، حيث لا ينحصر الخوف المرضي من التكنولوجيا بين جموع البسطاء و ذوي الثقافة المحدودة، الذين ينفرون من استخدام الأجهزة الحديثة، بل يمتد أيضا إلى الإداريين و صناع القرار الذين يرفضون تغيير أساليب العمل التقليدية، و الاستفادة من إمكانيات الأجهزة الحديثة نتيجة هذا الشعور المرضي"[v]. و قد تعددت أسباب هذا التخوف، و دواعي التشاؤم من التكنولوجيات الحديثة، فهناك من يرى بأنها وراء"عدة سلبيات في مجتمع اليوم، كالتفريق بين الأفراد و عزلهم، و تفقير القاموس اللغوي لدى الشباب، و التسبب في عدائهم للأدب و الفكر"[vi]، و إن كان بعض الكتاب يقر بالايجابيات الكثيرة لتكنولوجيا الاتصال، من خلال الاستفادة منها في عدة مجالات، و تسهيل عدة أعمال و نشاطات إلا أنهم يركزون على سلبياتها أكثر، و منهم الكاتب (ايفيس) الذي يرى بأن "تكنولوجيا الاتصال المعاصرة تقدم حلولا لبعض المشاكل الموروثة، في نفس الوقت الذي تقوم فيه بخلق العديد من المشاكل الجديدة، فهي تنمي العلاقات الإنسانية اللاشخصية و تكبح إبداع التفكير الإنساني"[vii]، إذ أن استخدامها في كل المجالات و لا سيما في الميدان العلمي، سيؤدي إلى الاعتماد الكامل عليها، و بالتالي سيجر العقل البشري إلى الخمول و الركون للراحة؛ و من الباحثين المتخوفين أيضا من تكنولوجيا الاتصال، واحد من كبار المصممين و المختصين في هذا المجال (الإعلام الآلي)، و هو مخترع برنامج "Java"، الأمريكي (bill joy)، الذي ترأس اللجنة الأمريكية حول مستقبل البحث في ميدان تكنولوجيا الإعلام، و الذي يرى بأن تكنولوجيا الاتصال لها أثر حتى على فرص وجودنا و بقائنا ككائنات بشرية في هذا العالم، خاصة في عصر التطورات الحاصلة في التقنيات التي أصبحت تصمم و تصنع نفسها  بنفسها (techniques autoproductrices)، و يضيف الكاتب أن هذه التكنولوجيات يمكن أن تقودنا حتى إلى الفناء و الزوال من على هذه الأرض. و تشارك المختصة النفسانية (sherry turkle) مواطنها الأمريكي نفس وجهة النظر، و التي ترى بأن التوجه الكبير إلى الاهتمام بالتقنيات الحديثة، أدى إلى اعتبار الإنسان كآلة، حيث تم تجريده من كل أحاسيسه و إنسانيته[viii].

و بالإضافة إلى هؤلاء، نجد الفيلسوف الألماني(jurgen Habermas)[ix] يتعرض بالنقد للتقنيات الاتصالية الحديثة،  مع كل من 'm.Horkheimer, G.simondon, L.munford, G.dumézil، و الذين بينوا حدود البعد التقني في عملية الاتصال، و أن القدرة العالية للتقنيات و الأجهزة ليست الشرط الوحيد لحدوث اتصال اجتماعي و إنساني فعال[x]، فالاتصال الإنساني عملية معقدة أكثر مما يتصوره الكثير، إذ تتطلب عدة أمور كي تكون ناجعة و فعالة.

و في مقدمة كتابهما، يتساءل كل من( vahé Z.وEmile N.) هل يمكن اعتبار تكنولوجيا الاتصال نعمة علينا أم نقمة؟[xi]، أي هل يمكن أن نتفاءل من إدماجها في مجتمعاتنا و الترحيب بها، أو نحذر منها و نتحفظ من تبنيها و استعمالها في مختلف الميادين كوسيلة حديثة؛ و قد قام مجموعة من المهتمين بهذا الميدان، بالإجابة على هذا التساؤل، حيث يبين الكاتب (فيليب بروتون)[xii] "الأخطار المحتملة و الجسيمة على الروابط الاجتماعية، و توجه الأفراد إلى العزلة الاجتماعية و النفسية عن محيطهم بفعل الاستخدام المفرط للانترنت، كما لا يخفي الكاتب (Paul virilio) تخوفه من كون التكنولوجيات الحديثة للاتصال يمكن أن تكون وسائل حرب، و تساعد على التأليب و التضليل و إقامة الحرب الافتراضية.

و لعل هذا ما جعل بعض الناس يتهمون الانترنت بالفوضى و بأنها تجسد النيوليبرالية[xiii]،  من خلال قيامها بعولمة الاتصال و تعميمه في كل أرجاء المعمورة، بالإضافة إلى محتواها، الذي تسيطر عليه اللغة الانجليزية بشكل واضح، و لذلك يعتبرها البعض وسيلة أو قناة لتصدير القيم و الثقافة الأمريكية و الغربية.



[i] وليد أحمد المصري:م.س.ذ. 

[ii] Le forum des droits sur Internet : « quelle responsabilité pour les organisateurs de forums de discussion sur le web ? »08-juil2003, (www.foruminternet.org).

[iii] www.wikipidia.fr, (01/12/2007).

[iv] Michel (L.y.), Cheryl (A), Kimberly (J.M): “depressive symptomatology, youth internet use, and online interactions: a national survey» journal of adolescent health n.36 (2005), pp.9-18.

[v] محمد محفوظ: تكنولوجيا الاتصال، الإسكندرية:دار المعرفة الجامعية، 2005م، ص 55

[vi] Gean-Christophe B : « l’appropriation des TIC » N.G, L.T., communication, société et Internet, paris : harmattan, 1998, p.351.

[vii] طه عبد العاطي نجم:م.س.ذ. ص87

[viii] Philippe B.:op.cit.p.123-125.

[ix] Ibid, p.43.

[x] Dominique W. :Internet et après ?. p.199.

[xi] Vahé Z. Emile N. :op.cit. p.07.

[xii] Philippe B.:op.cit.p.11.

[xiii] J.C. Guédon : op.cit. p.74.

الوقت من ذهب

اذكر الله


المصحف الالكتروني