د/ايمان زغلول قاسم

استاذ تكنولوجيا التعليم المساعد بكلية التربية بالزلفي

تحديات العولمة12

رابعاً ) تصحـيح وضع البحث العلمي في نظامنا التعليمي : إذ إن تنشيط حركة البحث العلمي في مختلف مجالات العلم والمعرفة مطلبٌ هامٌ وضروريٌ لتنمية الملكات العلمية عند الطلاب والباحثين ، ورفع نسبة الوعي العلمي عند المتعلمين ؛ إضافةً إلى أثره في تفعيل الجانب التطبيقي للنتائج العلمية التي تبرز وتؤتي ثمارها من خلال التجارب والأبحاث في  المعامل والمختبرات والورش التعليمية ونحوها .

وعلى الرغم من أن وثيقة التعليم في المملكة قد نصت في المادة ( 112 ) على ضرورة " القيام بدورٍ إيجابي في ميدان البحث العلمي الذي يُسهم في مجال التقدم العالمي في الآداب والعلوم ، والمخترعات ، وإيجاد الحلول السليمة لمتطلبات الحياة المتطورة واتجاهاتها التقنية ( التكنولوجية ) " ( 1 : 23 ) . إلا أن مستوى العناية والاهتمام بالبحث العلمي في عالمنا الإسلامي بعامة لا يزال مُتدنياً وغير مشجعٍ للكثير من الباحثين وأصحاب الاهتمامات البحثية في مختلف المجالات والميادين العلمية والمعرفية ، وهو ما يُشير إليه أحد الكُتاب بقوله : " ولو غضضنا الطرف عن كل ما يبعث على الإحباط في العالم العربي ، وتساءلنا كم تنفق دولنا على البحث العلمي لوجدنا أن النسبة لا تتجاوز الواحد في المائة في مقابل ( 40% ) تُنفقها إسرائيل على البحث العلمي . وعندما نعرف أن الولايات المتحدة تتحصل على إحصائيات علمية ميدانية يومية تعمل وتبتكر وتصنع على أساسها ؛ يندر أن يكون في العالم العربي أرقام وإحصاءات عن أي شيء أولي أو هامشي . ومن الغريب والمُحزن أن تُعنى جهات خارجية أمريكية وغيرها بمسألة البحوث في العالم العربي " ( 16 : 68 – 69 ) .

        وليس هذا فحسب ؛ فهناك من لا يرى أي اهتمامٍ أو جدوى للبحث العلمي الذي غالباً ما يُعد مجرد هدرٍ للوقت والجهد والمال ، وهذا معناه أن كل الجهود والمحاولات التي ستُبذل في مواجهة تحديات العولمة ستظل غير فاعلةٍ وغير مُجديةٍ إذا لم يُعنى النظام التعليمي بتصحيح النظرة لمسألة البحث العلمي ، ودعم مسيرتها ، والعناية الجادة بها مادياً ومعنوياً .

خامساً ) أن يُستمد أُنموذج وهيكل النظام التعليمي من الفكر التربوي الإسلامي : ويقصد بذلك أن يكون الأُنموذج أو الهيكل الذي يُبنى ويقوم النظام التعليمي على أساسه ، منطلقاً من الفكر التربوي الإسلامي الصحيح المنبثق من مصادر الدين الإسلامي الرئيسة ، ومستمداً من معطياته الكثيرة في شتى المجالات والميادين . ولعل خير أُنموذجٍ يمكن أن يُلبي احتياجات النظام التعليمي في المملكة ويعمل على تطويره المنشود في مواجهة تحديات العولمة المعاصرة يتمثل فيما توصل إليه مجموعةً من العُلماء والمفكرين المعاصرين الذين اقترحوا أُنموذجاً مُتميزاً وفريداً للنظام التعليمي ، وأطلقوا عليه مفهوم ( الشجرة التعليمية Educational Tree ) بدلاً من ( السلم التعليميEducational Ladder ) . وهو مفهومٌ " ينطوي ( أولاً ) على معنى الارتباط العضوي بأرضيةٍ أو تربةٍ معينةٍ ، وبمناخٍ معينٍ ، وبرؤيةٍ اجتماعيةٍ وتربويةٍ معينةٍ للكون والإنسان والحياة ، وهو ( ثانياً ) يُفيد معنى البناء المستمر ، أي أن يتحول التعليم إلى كيانٍ حيٍ دائم الحركة والنمو . وهو ينطوي ( ثالثاً ) على جذع أساسيٍ واحدٍ وهو التعليم الأساسي الذي لا بُد أن يمر به أو يتسلقه كل أبناء الوطن الواحد . وهو ينطوي ( رابعاً ) على فروعٍ وأغصانٍ مُتعددةٍ يمكن لهؤلاء الأبناء أن يتسلقوا أياً منها حسب قدراتهم واختياراتهم . وينطوي ( خامساً ) على تعدد فرص الارتقاء الدائم إلى أعلى فروع الشجرة ، كما ينطوي ( أخيراً ) على فرص الانتقال الأُفقي الدائم من فرعٍ إلى فرعٍ آخرٍ ، ومن غُصنٍ لآخر " ( 15 : 18 ) .

ويرى الباحث أن هذا المفهوم يقوم على تصورٍ هيكليٍ يجعل من النظام التعليمي كالشجرة النامية التي نبتت في تربةٍ صالحةٍ تتمثل في تعاليم وتوجيهات وقيم الدين الإسلامي الحنيف التي تُناسب شخصيتنا المسلمة وتتفق مع هويتنا المتميزة ، والتي تُمثل ارتباط الإنسان المسلم بهويته الإسلامية ويتم تشربها من خلال جذور الشجرة . ويُمثل التعليم العام بمراحله الثلاث التعليم الإلزامي والأساسي في هذا التصور ويُرمز إليه بجذع الشجرة ، ويُشكل التعليم الجامعي والعالي فروع هذه الشجرة وأغصانها النامية المستمرة . وتكون محصلة هذا التصور ذلك الإنسان المسلم القادر على مواجهة التحديات المعاصرة والمستقبلية .

كما يرى الباحث أن تطبيق هذا المفهوم والعمل به في نظامنا التعليمي كفيلٌ وقادرٌ على مواجهة العديد من سلبيات النظام التعليمي الحالي ؛ لاسيما وأنه تصورٌ متكاملٌ يتناسب مع معالم شخصيتنا المسلمة ، ويحفظ لنا خصائص تميزنا كأُمةٍ عريقةٍ . إضافةً إلى أنه غير قابلٍ للاستلاب أو الذوبان أو الضياع في عصر العولمة ، أو في غيره من العصور .

  وهنا تجدر الإشارة إلى أن هذا المفهوم يُشير في مجموعه إلى التكامل والتفاعل الإيجابي الكفيل – إن شاء الله تعالى - بالقضاء على مظاهر الأزمة التي يُعاني منها نظامنا التعليمي في وقتنا الحاضر .

الوقت من ذهب

اذكر الله


المصحف الالكتروني