د/ايمان زغلول قاسم

استاذ تكنولوجيا التعليم المساعد بكلية التربية بالزلفي

التلفزيون السعودي

إنه التلفزيون العربي السعودي.. وهكذا كان اسمه..
التلفزيون السعودي بقناته الوحيدة آنذاك..
التلفزيون الذي كان شغل الناس الشاغل..

يا ترى هل كان التلفزيون مجرد تلفزيون..
هل كان التلفزيون مجرد وسيلة ترفيهية..
هل كان التلفزيون مجرد جهاز نجلس أمامه لتقطيع الوقت.. ؟.

لا.. إطلاقاً لم يكن كذلك..
كان التلفزيون في الثمانينات والتسعينات الهجرية وسيلة عظيمة للتثقيف والترفيه والتربية وتنظيم الوقت في ذلك الزمن الممتع من عمر المجتمع..
التلفزيون وخاصة في المرحلة المذكورة هو من جمع كل أفراد المجتمع السعودي على ذكريات واحدة.. ذكريات تعبَر عن عبق الماضي الجميل بكل أيامه ولياليه الممتعة..

لا يوجد وسيلة جمعت الناس على ذكريات واحدة كما فعل التلفزيون..
ولا يوجد وسيلة نتذكرها اليوم بحسرة وألم كما نتذكر التلفزيون وأيامه الكبيرة..

إذا كنت معاصراً للتلفزيون فما عليك سوى تذكير من حولك ببرامجه القديمة ومواده الممتعة لتجعل ألسنتهم تنطلق بدون توقف في سرد ذكرياتهم الشخصية مع هذا الجهاز العجيب ومواده الجميلة..

وأنا تساءلت هنا: هل أسرد ذكرياتي الشخصية عن التلفزيون أم أكتب عن تاريخ التلفزيون بشكل آخر.. ؟.
عموماً إن أردت الحديث عن ذكرياتي الشخصية وانطباعاتي الخاصة عن التلفزيون فقطعاً لن أتوقف عن الحديث..

أذكر قبل سنوات عديدة.. كانت تقوم بيني وبين بعض الأصدقاء ممن يشاطرونني الاهتمام بالتراث التلفزيوني.. بعض التحديات والمنافسة بخصوص تاريخ عرض بعض المواد غير مقتنعين بتوثيقي لمواد التلفزيون ولكي أثبت لهم صحة كلامي كنت أذهب للمكتبات والتلفزيون ذاته لعلي أجد مؤلف عن التلفزيون يحكي مشواره وبرامجه إلا أن هذه الأمنية دوماً ما تذهب أدراج الرياح فكل الموجود عبارة عن تعريف للتلفزيون وشيء من نشأته وتطوره.. فقررت حينها بعد التوكل على الله أن أوثق تاريخ التلفزيون نشأته وتطوره وبرامجه وكوادره بعد التنسيق بالطبع مع المسئولين فيه..
وبعد أربع سنوات من الجهد المضني تم لي ولله الحمد ما أردته بهذا الخصوص وأصبحت المرجع الوحيد والرئيسي للتلفزيون السعودي إبان قناته الوحيدة آنذاك..

وهنا مقتطفات من مقدمة الكتاب الخاص بالتلفزيون:
الكثير من الناس اليوم وخاصة الجيل الجديد منهم، يرى أن المشاهدة التلفزيونية الحالية أفضل بمراحل عديدة من المشاهدة في الماضي ويستشهدون بأمور كثيرة منها وجود مئات من القنوات الفضائية المفتوحة والمشفرَة تتيح للمشاهد اختيار باقته المفضلة من القنوات تحت تقنية ( مرئية وسمعية ) رقمية - دجيتال - هائلة الجودة والوضوح تعرض على شاشات مختلفة الأحجام والنوعية.. مقابل قناة واحدة فقط كانت في الماضي البعيد عاشت جزء كبير من عمرها بدون ألوان وبتقنية صوتية ومرئية متواضعة تعرض على شاشات صغيرة الحجم في فترة قصيرة( الفترة المسائية ) لا تزيد ساعات بثها عن أصابع اليد الواحدة زادت قليلاً في مرحلة متقدمة !!.
أيضاً من الأمور التي تؤيد أفضلية مشاهدة التلفزيون اليوم أن المشاهد أصبح ناقداً يتذوق ما يشاهده على الشاشة بعكس مشاهد بدايات ظهور التلفزيون الذي كان انبهاره بظهور هذا الجهاز الجديد أكبر من أن يبدي رأياً حول برنامج ما أو تمثيلية من التمثيليات.
مشاهدو التلفزيون اليوم، غلبت عليهم المقارنة المادية البحتة بعيداً عن الواقع الذي يقول أن مشاهدة التلفزيون بالأمس البعيد كانت أكثر( متعة ) و( تشويقاً ) و( حماساً ) من مشاهدة الآن.

بدء شارة البرامج و المسلسلات المحلية قديماً

ونحن عندما نريد أن نعقد مقارنة لشيء ما حدث في زمنين مختلفين، يجب علينا أن نستبعد ما طرأ عليها من تطور وتقدم لأن هذا أمر بديهي وطبيعي بحكم دوران عجلة الزمن وخاصة وأن الزمن الحالي يحمل معه تطوراً مذهلاً ومبهراً في عالم التقنية والتكنولوجيا.. بل علينا مقارنتها بما أوجدته من متعة وإثارة في نفوس الناس أفراداً وجماعات..
في أي المرحلتين كنا نستمتع بالتلفزيون أكثر.. ؟.
في أي المرحلتين استفدنا من التلفزيون بشكل أكبر.. ؟.
لقد كان ظهور التلفزيون في عقد الثمانينات الهجرية أمراً غير عادياً في حياة الناس بل أمراً أقرب إلى السحر مما جعل أمنية اقتنائه أو مشاهدته في أي مكان أمراً ملحاً لدى الكثيرين حيث كانت مشاهدة التلفزيون والذي كان يبث برامجه في الفترة المسائية ولعدد محدود من الساعات متعة حقيقية للناس ليس لها حدود.
لقد كانت العائلة تلتف بكامل أفرادها حول التلفزيون لمشاهدة برامجه التثقيفية والترفيهية بمتعة كبيرة مما جعل التلفزيون مصدراً لجمع شمل الأسرة في مكان واحد. أما اليوم فقد أصبح التلفزيون أقرب لتفريق الأسرة الواحدة عن بعضها البعض حيث تشتت أفرادها بين قنوات عديدة البعض منها يتوفر في المنزل والبعض الآخر لا يتوفر فيضطر بعض أفرادها لمشاهدتها في مكان آخر كالاستراحات والمقاهي بعيداً عن الجو الأسري. بمعنى آخر.. أصبحت الأسر اليوم تفتقد روح وأجواء المشاهدة الجماعية التي كانت تتوفر في الزمن الجميل.
إن متعة مشاهدة التلفزيون في الماضي لا تقاس بتقنية أو تعدد قنوات أو جودة في الأداء أو إبداعاً في التصوير والإخراج، بل تقاس بما قام به التلفزيون من لم شمل الأسرة الواحدة في مكان واحد لمشاهدة برامج جميلة كانت مصدر تسلية وتثقيف لا تتوفران اليوم لمعظم الناس – على الرغم من تواضع إمكانياتها في ذلك الزمان - حيث انشغل الناس الآن بوسائل ترفيه عديدة لم تكن متواجدة في ذلك الوقت قلصت كثيراً من متعة مشاهدة التلفزيون الذي فقد الكثير من رونقه وعافيته.
لقد تزامن ظهور التلفزيون في منتصف الثمانينات الهجرية في المملكة العربية السعودية مع القفزة الحضارية للبلد أو مع بدايات النهضة الاقتصادية بمعنى أصح مما جعل له طعم ولون خاصين لدى الكثير من الناس على الرغم من التحديات والمعوقات الضخمة التي لازمت بداياته حيث كان المجتمع في حقيقة الأمر في حاجة ملحة لوسيلة ترفيه بريئة يقضي أفراده معها أوقاتهم في الفترة المسائية بعد عناء قضته أفراد العائلة في واجبات مختلفة طوال ساعات النهار. وبالفعل حد التلفزيون كثيراً من ظاهرة التسكع والخروج في الفترة المسائية حيث لوحظ تقلص السيارات ( على الرغم من قلة عددها في تلك المرحلة ) وتقلص المارة بعد تواجد التلفزيون.
كان التلفزيون في الماضي البعيد يعني الكثير للمجتمع بما قدمه من برامج بقيت في الذاكرة بعكس تلفزيون اليوم الذي تشتت فيه المشاهد بين قنوات هائلة العدد لا يملك إلا تقليبها سريعاً بضجر وملل، حيث كان الجلوس أمام التلفزيون في تلك الحقبة الجميلة ( حفلة عائلية ) ممتعة تترقبها الأسرة في الفترة المسائية على أحر من الجمر.
لقد كانت جميع برامج التلفزيون في تلك المرحلة تلفت انتباه المشاهد وتشده إليها بينما اليوم لم يعد يشد انتباه الكثير من المشاهدين إلا الأحداث الجسيمة أو الكوارث المروعة أو مشاهد مبتذلة يفضلها البعض ليس فيها أي نوع من الحشمة أو احترام الذوق العام.
بالأمس البعيد كانت برامج التلفزيون تقدم المواد العلمية والثقافية والترفيهية التي يخرج منها المشاهد بمجموعة كبيرة من الفوائد تعينه على القيام بواجباته في حياته اليومية أما اليوم فعلى الرغم من ضخامة عدد القنوات الفضائية فهي قليلة الفائدة إلى حد كبير بل يطغى شرها على خيرها في كثير من الأحيان بما تتضمنها من مشاهد مبتذلة وهابطة تبعد المتلقي عن مبادئه وعاداته وتقاليده التي اكتسبها لسنوات عدة من بيته ومدرسته ومجتمعه المحافظ.
في السابق من أيام كانت نسبة مقتني التلفزيون أقل بكثير من مقتني التلفزيون في يومنا هذا إلا أن فرصة مشاهدة مواد التلفزيون وانتشارها بين الناس كانت أكبر بكثير من انتشارها الآن حيث لم يكن هناك تعدد في وسائل الترفيه والمشاهدة كما هو الحال الآن.

عندما تقرر إدخال التلفزيون في حياة الناس وكان ذلك في شهر ربيع الأول من عام 1385هـ انقسم المجتمع إلى ثلاث فئات:
- فئة متحفظة: وترى أن سلبيات التلفزيون أكثر من إيجابياته وخاصة على الفئة العمرية الصغيرة.
- فئة محايدة: وهي ليست مع المتحفظين من وجود التلفزيون وليست مع المتحمسين له بل فضلت الترقب بصمت.
- فئة متحمسة: وهي ترى أن جود التلفزيون في غاية الأهمية لهم ولأسرهم.

فمن لديهم أبناء غير منضبطين كأن يكثرون الخروج إلى الشارع على حساب تحصيلهم العلمي.. فقد رحبوا بالتلفزيون لعله يحد من خروج أبنائهم إلى الشارع من أجل اللعب والتسكع.
ومن لديهم أبناء مجتهدين في تحصيلهم العلمي وملازمين لبيوتهم فقد ابدوا انزعاجاً لظهور التلفزيون خوفاً من أن يصد أبنائهم عن مذاكرتهم ومتابعة دروسهم. ولكنهم وجدوا في التلفزيون في نهاية الأمر وسيلة هامة للثواب والعقاب..

في عام 1380هـ بدأ تعليم المرأة فجلست الفتاة على مقاعد الدراسة.. لذلك كان ظهور التلفزيون في عام 1385هـ فرصة سانحة لتعليم ربَات البيوت - اللاتي فاتهن قطار التعليم - شئون دينهن وبيوتهن من خلال برامج دينية وتثقيفية وأسرية كن في حاجة ماسة إليها.

تاريخ انطلاقة محطات التلفزيون السعودي:

بدأ التلفزيون من خلال محطتي الرياض وجدة في شهر ربيع الأول من عام 1385هـ وفي شهر شوال من عام 1387هـ تم افتتاح محطة تلفزيون المدينة المنورة. وفي شهر ربيع الثاني من عام 1388هـ تم افتتاح محطة تلفزيون القصيم. وفي شهر شعبان من عام 1389هـ تم افتتاح محطة تلفزيون الدمام ليصبح مجموع محطات التلفزيون الرئيسية خمس محطات. وفي عام 1395هـ تم توحيد البث عن طريق الكيبل المحوري حيث أصبح الناس في المناطق التي يصل إليها البث يشاهدون ذات البرامج في وقت واحد. وفي عام 1400هـ أصبح تنقل البث بين جميع محطات التلفزيون في المملكة حيث ينتقل البث إلى تلفزيون الرياض قادماً من الدمام لإكمال برامج اليوم.

دورات البرامج في التلفزيون السعودي:

حاول التلفزيون السعودي ومنذ إنشائه أن يعتمد نظام دورات برامجية ثابتة حيث جرب فكرة دورات لمدة ثلاثة أشهر وأربعة أشهر في البدايات كما حاول تجربة النظام المطبق في الغرب ( ثمانية أشهر مجتمعة – الخريف والشتاء والربيع – بالإضافة إلى دورة قصيرة مدتها أربعة أشهر خلال الصيف ) ووجد أن لكل نظام حسناته وسيئاته في الواقع لكن المشكلة الرئيسية التي تواجه تنظيم الدورات هي أن التلفزيون لابد أن يغير برامجه تغييراً شبه كلي في المناسبات الدينية ( رمضان والحج ) والتي تختلف مواعيدها من عام ميلادي إلى آخر فاستقر الرأي في مرحلة من المراحل وبالتحديد في الثلث الأخير من عام 1393هـ وبعد عدد من التجارب في السنوات السابقة على اختيار نظام الدورتين كل دورة ستة أشهر تبدأ الدورة الأولى مع بداية شهر ربيع الأول.

الوقت من ذهب

اذكر الله


المصحف الالكتروني