د/ايمان زغلول قاسم

استاذ تكنولوجيا التعليم المساعد بكلية التربية بالزلفي

الدرس الجامعي

الدرس الجامعي بين التجلي و التخفي


الدرس الجامعي بين التجلي و التخفي

التدريس عملية تواصلية بامتياز، تتداخل فيهـا كل عنـاصر التـواصل من مرســل (الأستاذ) ومرسل إليه (الطالب) وقناة تواصلية (الوسائل التقنية) ولـغة (اللغة العربية) وسياق (الحــرم الجامعي بكل مكوناته). وتظهر نتائج هذه العملية في الفعل ورد الفعـل، فإذا كـان رد فـعـل المتلقي إيجابيا اطمأن المرسل على جودة التواصل، أما إذا كان رد الفعل سلبيا فيجب البحث عن الثغرة في دائرة التواصل لتصحيح خلل ما في عنصر ما لتحفيز المرسل إليه، ليكون  أكثر انتباها وأقـوى عزيمة، وإذا لم تراع العمـلية التعليمية هذه العنـاصر التواصلية كامـلة  فشل الدرس أو المحاضرة وتبخرت الأهداف من العملية التعليمية، وفشلت إنجـازات المنظومة التعليمية في أي مستوى من مستويات التعليم على اعتبار أن المشرع للنظام التربوي يبني مشروعا متكاملا لتحقيق أهداف سطرت سلفا ما بين التعليم ما قبل الابتدائي إلى نهاية التعليم الجامعي، وكل تعثر في مستوى من مستويات التعليم يؤثر سلبا في تحقيق الأهداف التي سطر من أجلها المشروع التعـليمي برمته، لـذا يجب الاحتـراز من التـردد والعفـوية فـي الاختيارات الاستراتيجية داخل المسار التعليمي. لكن ليس معنى ذلـك الجمود في العملية التعـليمية، بـل لابـد من الاستعانة بالوسائـل التربوية المستجدة والمنـاهج العلمية المتطورة التي تساهم في الوصول إلى الأهداف المتوخاة ببساطة وبكلفة أقل، وبسرعة في التنفيذ، لنجنب المدرسة أو الجامعة  مغادرة التلميذ أو الطالب للتحصيل العلمي مبكرا ، والتدريس باعتباره جزءا من العملية التربوية ليس عملية منفصـلة عن التجـاذب داخـل المجتمع، فالصراعات السيـاسية والإيديولوجية والطبـقية تنـعكـس إيـجابـا أو سلبـا على محوري العمـلية التعـليمية (الأستاذ والطالب) فكل منهما مزود بقناعات فكرية أو ايديولوجية أو منهجية تنعكس على ما يكتبه أو ما يحاضر به أو ما يتلقاه، فتـارة يقـع الحافر على الحافر بين الطالب والأستـاذ، وتارة يشتد الصراع بينهما لاختلاف مصادرهما المعرفية، والعملية التعليمية في نظر بعض المذاهب هي محاولة تغيير سلوك المتلقي فكرا ومنهجا وحوارا…….الخ.
ولقد مر التدريس الجامعي في العالم العربي الإسلامي بمراحل متعددة عبر القرون لم تنقطع فيها حلقات الاتصال، إذ يعد التدريس في عصر النهضة امتدادا للتدريس في جامع القرويين و الأزهر، إذ كان الشيخ في ذين الجامعين ينحاز إلى أسطـوان فـي الجامع مستقبلا القبلة يتحلق حوله مجموعة من طلاب العلم، ولا يكون الشيخ شيخا إلا بعد إجازة عالم كبير يشهد له بالعلم والمعرفة، بعـد حفظه كتـاب الله تعـالى وما يتفـرع عـنه من تفاسيــر وأسباب النـزول وإعراب آيه وفقهه و بلاغته وغريبه ودخيله وغير ذلك مــن العلــوم القــرآنية.  وهذه العلوم لا يتمكن منها الطالب إلا اذا تعمق في الحديث النبوي الشريف، وحفظ المتون على اختلاف انواعها من نحو وبلاغة ومنطق وقراءات قرآنية وتفسير ……..الخ، فهذه المعرفة التي خزنتها ذاكرة الشيـخ هي التي يجـب أن تستوعبها ذاكـرة الطالـب برفق وتدرج حسب المستويات العلمية. وكانـت العلاقة بين الطالب والشيخ علاقة ود واحترام وتبجيل ، ولا يمكن للشيخ أن يخطئ لأنه مجاز وما على الطالب إلا الامتثال وتلقـي العلم، وقلما يسمح لطالـب العلم التطاول على شيـخه في العلم والمعرفة، ولقد عرضت مجموعة من المؤلفات العربية القديمة أدبيات العلاقة التربوية بين العالم والمتعلم، كرسالة ابن سحنـون القيرواني(202-256هجرية) في آداب المعلمـين، والقابسي القيرواني (-403هجرية) في الرسالة المفصلة لأحوال المتعلمين، والغزالي(450-505هجرية) في إحياء علوم الدين، الباب الخامس في آداب المتعلم والمعلم، وأهم كتاب في المجموعة، ولعله استفاد من التجارب السابقة؛ تذكرة السامع والمتكلم في آداب العـالم والمــتعلم لابن جمـاعة الكتـاني(-733هجرية)، وقد رصد هؤلاء العلـماء في مؤلفـاتهـم مبادئ أخـلاقيـة وعلمية تؤسس للعــلاقة بين الشيـخ والطالب، ومن بين هذه الأخلاق الجيدة عدم تقديم المعرفة الزائفة التي يجهل المدرس أحيانا مصادرها؛ يقول ابن جماعة :


الوقت من ذهب

اذكر الله


المصحف الالكتروني