د/ايمان زغلول قاسم

استاذ تكنولوجيا التعليم المساعد بكلية التربية بالزلفي

الدرس الجامعي3

ويقول أيضا :

” أن يزجــر من تعدى في بحثه أو ظـهر منه لـدد في بحـــثه، أو ســوء أدب اوتــرك الإنصاف بعد ظهور الحق، أو اكثر الصياح بغير فائدة أو أساء أدبه على غيره من الحاضرين والغائبين أو ترفع في المجلس على من هو أولى منه، أو نام أو تحدث مع غيره أو ضحك أو استهزأ بأحد من الحاضرين، أو فعل ما يخل بأدب الطالب في الحلقة “(6)

فطبيعة الطالب هي نفسها كما تحدث عنها القابــسي وابن سحنــون والغـــزالي وابـن جماعة ، ومـازال الأستاذ المحاضر يعاني من هذه الخصال السلبية، ولـن يكون الدرس الجامعي بـالغا هـدفه إذا كـثر اللغط، وارتفعت أصوات الطلاب من هنا وهناك، وكثر الضحك داخــل المــدرج أو حجرة الدرس. وهذه المظاهر ليست غريبة عن طالب انتقل من مرحلة ثانوية إلى مرحـلة جـامعية، ويواكب هذا الانتقال تغيير كبير في حياة الطـالب الاجتمـاعية والسيـكولوجية والفضــائية والإيديولوجية. فالطالب عندما ينتقل من مرحلة ثانوية الى كلية تنتمي إلى حرم جامعي ممتد الأطراف، متـعدد الكليات والأقسام فإنما ينتقل إلى فضاء واسع جـدا لم يكـن يتصوره قبــل ،يتنسم فيه حرية اللقاء والتنقل بين الحجرات والمدرجات الغريبة عن مخيلته ،حارسه في هذا التجوال  القانون المهيكل لسير الجامعة والكلية، والهاجس العلمي الذي يسكن خلد الطالب الجامعي، ولاشك أن هذا التغيير الفضائي يؤثر تأثيرا كبيرا في الطالب، وقد يكون له عامل إيجاب كما يكون له عامل سلب، فإذا استطاع الطالب أن يحفظ نفسـه من التيـه وسـط هـذا الفضاء الشاسع المتعدد التوجهات تمكن من أن يمسك بزمام العلم والمعرفة، ليتطلع الى آفاق معرفة أرحب، أما إذا تلاعبت به رياح هذا الفضاء، وانغـمس في اللـذات واللقاءات العبثية، ضاعت حياته العلمية والمعرفية، ولـن يخرج من الكلية إلا بمثل ما دخل إليها أول مرة أو أقل من ذلك .

إن انتقال الطالب إلى الوسط الجامعي الرحب ينسيه الضيق الاجتماعي الـذي عـاش فيـه في الساحة الثانوية مقيدا بمجموعة من القـوانيـن الإداريـة والبيـداغوجية  القسرية، ومحاطا بمجموعة من الحراس الذين يتتبعون حركاته، ويعاقبونه عقابا تربويا عن كل خلل يصدر منه ، فالطالب في الجامعة يلتقي أنماطا متعددة من الشرائح الاجتماعية، آتية من مناطق قطرية ودولية مختلفة الإثنيـات والأعراق، إذ يلـتقي الغني والفقيـر، العـالم والجاهل، الغبي والذكـي، الملتزم والمتفسخ ……الخ . فهذه الشرائح الاجتماعية تحاول كل منها أن تجذب الطالب إلى تيارها العبثي أو الجدي، وقد ينجذب الطالب لأي منها مصارعا التيارات الأخرى بكل ما لديه من وسائل سيكولوجية ومعرفية ومادية…. الخ

وإذا كان الطالب يصارع التيارات الاجتماعية بكـل ما لـديه من قـوة فهو يصارع الرياح القوية للتيارات السياسية، فالجـامعة بؤرة للصراعات السيـاسية، ففيها الإسلامي والليبـرالي والقومي والماركسي …الخ ، وكل تيار متشعب إلى فرق فرعية يحار الذهن في متابعة أي تيار، وتتصارع في نفسية الطالب هذه الانقسامات الطبقية والصراعات السياسية، وقلما نجد طالبا منزويا في ركن بعيـــد عن هذه الصراعات التــي قد تصل أحيانا إلــى حد الــعنــف، فالإيديولوجيات ذات المرجعيات المتعددة تؤثر تأثيـرا كبيــرا في مجـال المعرفــة العلــمية وخاصة في العلوم الإنسانية، وقد يفسد هذا الصراع الاجتماعي والإيديولوجي العلاقة بين الطلاب وأساتذتهم إن لم يستطع الأستاذ أن يوظف هذا الصراع لصالح التــطور الفــكري والتنمية المعرفية، وخلاصة القول إن الدرس الجامعي في كليات الآداب على الخصوص يمتح من هذا التعدد الاجتماعي والإيديولوجي، ولا يمكن للأستاذ غالبا أن يظل بعيدا عن هذا التفاعل الفكري الذي يولد صراعا فكريا بين الأساتذة أنفسهم، بل قد نجد في بعض الجامعات سيطرة اتجاه فكري على آخر لدى الطلبة والأســــاتذة على السواء، مما يفــرز اتـجاها علـميا مسيطرا، إن لم أقل مستبدا، يمنع الحرية الفكرية، ويقبر الديمقراطية العلمية إن لم يجد مـن يتصدى له ويقرع الحجة بالحجة (7).

وعلينا نحــــن الأساتذة أن نأخـذ كــل هــذه العــــــوامل بعـــين الاعــتبار حــينما نلقي محاضراتنا أمام مجموعة من الطلاب قد تتجاوز مائة طالب أو عندما نشرف على الحوار الذي يدور بين الطلاب، وقد يقول قائل :إننا نلقي محاضرات علمية أمام الطلاب لا علاقة لـها بما قيل سابقا، إننا نتوهم أننا نلقي محاضرات مجردة عن المرجعيات المتـعددة ، فلكـل أستاذ مرجعيته الخاصة، ومراجعه المفضلة التي يقرؤها، ومصادره المتنوعة التي يختارها، ولهذا الاختيار في حد ذاته مرجعية خاصة ايديولوجيا، وإلا فما هو المعيار الذي يجعـل من هذا الكتاب مفضلا مقبـولا وآخر مرفوضا مرذولا.؟……ولا عيب في أن يـختار الأستاذ المحاضر اتجاها معينا، في إطار الديموقراطية العلمية، يدافع عنه بكل حرية وقناعة   غيـر قـلق أو محرج أو مشمئز من التيارات الأخرى. فهناك المصادر القديمة والمراجع الحديثة ، والمصادر العربية والأجنبية، وقد يتماهى المصدر العربي القديم مع المرجع العربي الحديث رغم اختلاف المناهج، وأمتنا العربية الحالية وسط بين التراث العربي الضخم المليء بمرجعيات الملل والنحل، والمذاهب الدينية والفقهية والفلسفية والكلامية والمنطقية والفنون العلمية، وبين التراث الغربي الوافد بكل ماله وما عليه. فعلى الأستاذ أن يراعي هذا الزخم من المناهج والمعارف، لأنه ليس المدرس الوحيد داخل الكلية، ولكنه يتقاسم الطلبة مع مدرسين آخرين، فليكن الأستاذ وسطيا معتدلا مع طلابه لأننا أمة الوسط والاعتدال.

الوقت من ذهب

اذكر الله


المصحف الالكتروني