د/ايمان زغلول قاسم

استاذ تكنولوجيا التعليم المساعد بكلية التربية بالزلفي

ثنائية الإرسال

ثنائية الإرسال والتلقي لدى الأطفال

الكاتب : ثنائية الإرسال والتلقي لدى الأطفال

القراء : 562

الطفولة هي الفُطيرة التي صنعت رغيف الإنسان في مخبز الحياة.
تنتمي الفُطيرة إلى شجرة الفطرة التي تتبرعم بذرة الإنسان في دوحة زهرتها، وتتفتح على شرفاتها لتطل على إشراقة وظلمة الحياة بحلة إنسان جديد يسعى إلى الزحف رويداً رويداً شطر رحابة زخم إيقاع الحياة.
كل بذرة إنسان تتلقح وتتبرعم في دوحة زهرة شجرة الفطرة، لا يوجد إنسان لم يتلق التلقيح في عتمة أريج تلك الزهرة.
تنتصب الشجرة شامخة على غِنى جذورها، وينتصب الإنسان شامخاً على غِنى فطرته.
كما أن الجذور تمسك شجرتها كي لا تقتلعها الرياح، وكي لا تمضي وفق هواها، تمسك الفطرة بإنسانها كي لا تقتلعه الرياح، وكي لا يتيه في منعرجات هوى النفس.
كما أن الشجرة تستمد عافيتها من عافية جذورها، يستمد الإنسان عافيته من عافية فطرته.
كما أن الشجرة تكون قوية قويمة على قوة ثبات جذورها، يكون الإنسان قوياً قويماً على قوة ثبات فُطيرة الطفولة.
كما أن الشجرة تموت إذا اجتُثت من جذورها، تنطفئ في روح الإنسان نفحات الإنسانية إذا اجتث من فُطيرته.
غرسة الطفولة
تلبث أنوار مشكاة الفطرة ساطعة في روح الإنسان حتى اليوم الأخير من عمره، هذه الأنوار التي تجعله يمتلئ بهالة إشراقة الحيوية كلما ألقى نظرة إلى بهاء الطبيعة، كلما وقع منه بصر على جميل، كلما قرأ كتاباً نفيساً، كلما مضى في شارع جديد.
هذه الأنوار التي تبثه بنضارة التجدد، وتشحن حواسه بطاقة الاندفاع شطر رحابة زهو الحياة، والإبداع، والاستمتاع بمباهج قيم الأخلاق، والعفاف، والنقاء.
لولا سطوع نور الطفولة في فطيرته لأخفق الإنسان كثيراً في مسعاه كي يستمتع بضحك عميق، لأخفق في مسعاه كي يقدم عملاً جاداً، لأخفق كثيراً كي ينعم بسكينة الليل وهو يستلقي في دفء الفراش.
ثمة أناس استطاعوا أن يجردوا أنفسهم من غرسة الطفولة المباركة، استطاعوا أن يقلعوا هذه الغرسة من فطرتهم، فغدوا يعيشون دون مرجع الطفولة، يعيشون دون أن تسطع وجوههم بنورانية الطفولة.
ترى وجوههم قاتمة، مطفأة الأنوار، ترى قاماتهم تتحرك كأنما هي أشباح.
هؤلاء يمكنهم ببساطة شديدة ارتكاب قول الزور، ومواراة الحقيقة، يمكنهم أن يكونوا قساة وطغاة لأبعد حد.
قست قلوبهم فمارسوا الطغيان، دون أن يهتزوا خفقة قلب.
إن ما نعرِّفه بـ الضمير، إنما هو قبس من أنوار الطفولة.
الذي لا ينعم بطفولة حية، يصعب عليه أن ينعم بضمير حي.
الضمير هو مرآة فطرة الإنسان، لأن الإنسان بحكم فطرته يجنح شطر مَواطن التسامح، أكثر مما يجنح شطر مواطن العقاب، يجنح شطر المحبة، أكثر مما يجنح شطر البغضاء، ولا يستوطن الغل إلا في قلوب خلت بطانتها من بركات الطفولة.
على هذه الدروب الوعرة التي اتخذوها تتعزز في نفوسهم ردّات فعل غير طبيعية تدفع بهم إلى شذوذ السلوك كشيء مما يمكن تسميته بسعي للنيل من صفحة طفولة الإنسان الناصعة، كونهم سقطوا فعلياً في خشونة اللاطفولة التي تساوي خشونة اللابراءة، خشونة اللاصفح، خشونة اللاتوادد.
إنهم في هذه المرحلة المتدنية من منارات السلوك الإنساني يسعون للاعتداء على الأطفال كحالة من الطفولة العامة، يعتدون بكل ما يملكون من أشكال مخزية تثبت مجدداً انحدار نفوسهم إلى الدرك الأسفل من التلوث الروحي.
إنهم يسعون إلى اغتصاب غصن الطفولة، إلى انتهاك حرمة الطفولة، إلى الإساءة إلى فطيرة الإنسان.
لذلك ينطفئ نور الإنسان من وجوههم، تنطفئ لمسة نضارة الكائن البشري من سحناتهم.
من الضفة الأخرى، يمكنني أن أرى عقاب الطفولة لهؤلاء، عقاب الطفولة البريء الذي يكمن في هجرانها لهؤلاء، وتركهم يتخبطون كالأعمى في ظلمة الروح.
لا يضحكون ضحكاً طبيعياً،
لا ينامون نوماً طبيعياً،
لا يجلسون جلوساً طبيعياً،
لا ينظرون نظراً طبيعياً،
لا يسمعون سمعاً طبيعياً،
لا يتحدثون حديثاً طبيعياً،
لا يصادقون صداقة طبيعية،
لا يحبون حباً طبيعياً،
ذلك أنهم يعيشون على هامش من فطيرة الطفولة.
ليس بوسع الإنسان أن يعتدي على أخيه الإنسان، قبل أن يعتدي على الطفل الكامن في داخله أولاً.. إن فطرة الطفولة لسوف تنهاه عن ذلك ولو عند حافة اللحظة الأخيرة.. وإن من علامات عافية الطفل لدى الكبير، عطف الكبير على الصغير.. حنين الكبير إلى الحارة التي نمت فيها طفولته، مؤازرة الآخرين، العطاء بسخاء، عقد صداقات حميمة، المواظبة على القراءة، ممارسة الهوايات، العفاف في الحب، إتقان الحرفة.
أدب الطفل
يحتاج الإنسان إلى سماع صوت الطفل الذي كانه، يحتاج إلى العودة إليه، التحاور معه، وكلما كان الكبير قريباً من عالم طفولته، أحسن تربية أطفاله، وكان لهم خير رفيق.
يخطو كاتب أدب الأطفال خطوات متقدمة مزدهرة في أدبه، كلما كان متصالحاً مع الطفل الكامن في داخله.
على هذا المفصل البالغ الحساسية يشتغل كاتب أدب الأطفال حيث يكمن دوره في هذا التعامل الحذر مع فطيرة الطفل وهو في ذروة تألقها ونموها، وذروة تألقه ونموه من جهة أخرى.
كما أن دوره يكمن أيضاً في إعطاء صورة للكبار عن عالم أطفالهم، فالكبير الذي يقرأ أدب الطفل، عليه أن يتعرف على جوانب لم يكن يخبرها من عالم الطفولة، والمهمة تقع على عاتق صانع أدب الطفل، لأنه ارتضى لنفسه أن يكون صانعاً لأدب الطفل دون أن يرغمه أحد.
عليه أن يجيد فن تقديم الطفولة إلى عالم الكبار، وتقديم الطفولة إلى الطفل بذات الوقت، لذلك يقع على عاتقه أن يواظب على مطالعاته في ميادين علوم الطفل، والتحليل النفسي لسيكولوجية الطفل، حتى يتسنى له إتقان فن إدارة الطفولة بمهارة من خلال ما ينتج من أدب في هذا المحراب.
إن قراءة الكبير لأدب الطفل تختلف عن قراءة الصغير له، والكبير الذي يعيد قراءة ما كان قرأه في سنوات الطفولة، سوف يختلف مفهومه لآلية التلقي، وهي قراءة هامة، ويمكن لها أن تكون بمثابة إلقاء نظرة إلى الوراء بالنسبة إليه، فمن المهم أن نلتفت لننظر إلى الوراء أيضاً، ولا نكتفي بالنظر إلى الأمام فقط.
لذلك نميل إلى قراءة ما يقرؤه أطفالنا، بيد أن هذه القراءة لا تفعّل في طاقاتنا ما تفعله في طاقات الطفل. إننا نقرأ هذا اللون من الأدب حتى نتعرف على أطفالنا أكثر مما نعرف.
من هنا يمكننا أن نحكم على أن كاتب الأطفال هذا استطاع أن يعرفنا بأطفالنا أكثر مما كنا نعرف أو إنه لم يفلح في مهمته، وأن كتابته ما هي إلا هراء في هراء، وقد نبلغ مرحلة نبعد كُتبه عن متناول أيدي أطفالنا لأنه أديب دخيل في محراب عالم الطفولة.
إن الطفل الذي يقرأ أدباً قويماً لأديب نافذ إلى محراب طفولته، يشعر بتماس علاقة رفيفة بين فطرته التي يستوي عليها، وبين فطرة الأديب التي استوى عليها.

الوقت من ذهب

اذكر الله


المصحف الالكتروني