د/ايمان زغلول قاسم

استاذ تكنولوجيا التعليم المساعد بكلية التربية بالزلفي

في بيتنا موهوب

في بيتنا موهوب! كيف نكتشفه وكيف نعامله؟

 
جيهان العمران -البحرين :

قد يلاحظ العديد من الآباء بعض الأنماط السلوكية المحيرة لطفلهم، فتارة يرونه عائداً من المدرسة شاكياً باكياً من السأم والملل بسبب رتابة الدروس، أو بطء سرعة المنهج، أو عدم وجود من ينافسه في الصف، أو سخف أقرانه، وتارة أخرى يلقونه عازفاً عن أداء الواجبات المدرسية ليركز انتباهه على لعب الشطرنج، أو الكمبيوتر لساعات طوال دون كلل أو ملل، أو يمضي وقته يتابع قراءة قصص أعلى من مستوى عمره بسنوات بشغف ونهم كبيرين. وأحياناً يمطرهم بوابل من الأسئلة الصعبة التي تنم عن وجود قدرة عالية على التفكير المجرد أعلى من مستوى عمره بكثير، وقد يسأل أسئلة عديدة عن أسرار الكون، والذات الإلهية، والخير والشر، والحياة والموت، في عمر مبكر، بينما أقرانه في عمره نفسه مازال كل منهم يفكر كيف يربط حذاءه.

كما يلاحظ هؤلاء الآباء أن طفلهم يميل إلى مصاحبة أطفال أكبر منه سناً، بينما لا يلقى قبولاً من أقرانه من العمر نفسه، وهو يتسم بالحساسية الشديدة، شديد الوعي بذاته، دائم النقد لنفسه، وعندما يجادل فإنه يجادل بحذق ومهارة، ويتمتع بمهارات فائقة في الإقناع، حتى يفوز برأيه، وهو قادر على أن يقنع الطرف الآخر بالوجه النقيض للمسألة نفسها أيضاً. وحين يتحدث يستخدم مفردات صعبة وكأنه فيلسوف صغير، والغريب في الأمر أن يرى الأبوان في الوقت نفسه هذا الفيلسوف الصغير عندما يخلد إلى سريره لينام يأخذ لعبته معه متشبثاً بها ليشعر بالأمن والراحة.وقد يكون السر وراء هذه الأنماط السلوكية الغريبة وجود موهبة كامنة لدى طفلهم تنتظر الفرصة للظهور والانطلاق، ولكن الآباء يشعرون بالحيرة والقلق حيالها لعدم وعيهم بطبيعة الموهبة وخصائصها، وعدم معرفتهم بدورهم في الكشف عن طفلهم الموهوب، وجهلهم بأساليب توفير المناخ الملائم لتنمية موهبته ورعايتها، وكذلك عدم معرفتهم بأساليب التعامل الصحيح معه، مما يجعل مسألة تربية الطفل الموهوب ورعايته تحدياً كبيراً للأسرة.كما يبين كورنيل (Cornell, 1983) في دراسته أن الأم هي أول من يكتشف أن طفلها موهوب، وإذا كان هناك خلاف بين الأبوين حول إمكانية أن يكون طفلهما موهوباً فإن الأب هو المتشكك في إطلاق هذه الصفة على الطفل.
 
ولقد حدد كولانجلو وداتمان (Colangelo& Dettman, 1983) دور الأسرة في الكشف عن الموهوب في الخطوات التالية:الخطوة الأولى:التعاون مع المدرسة عن طريق عقد اللقاءات مع معلم الطفل لإعطائه المعلومات الكافية عن طفله الموهوب، لأن المعلم لن يكون لديه الوقت الكافي لكشف الموهبة لدى جميع الطلاب.الخطوة الثانية:عقد لقاءات مع الاختصاصي النفسي أو المرشد النفسي كي يمده بالمعلومات اللازمة عن سلوك الطفل الموهوب، والتعرف على أساليب التعامل الصحيح معه، ومراعاة الخصائص النفسية والاجتماعية للطفل الموهوب، ورعاية قدراته الخاصة.الخطوة الثالثة:اللجوء إلى مصادر الدعم في المجتمع من جامعات ومؤسسات مجتمعية لتوفير المساعدات المادية والفنية لرعاية الطفل الموهوب.ولكن يبدو أن الأسرة كما يؤكد جنسبورغ وهاريسون (Ginsberg& Harrison, 1977) لاتزال تجهل أهمية دورها في الكشف عن الطفل الموهوب، وأن عدد الأسر التي لديها طفل موهوب دون علمها أكثر من عدد الأسر التي تعتقد أن لديها طفلاً موهوباً وهو ليس بموهوب.كما يبين كولانجلو وداتمان (Colangelo& Dettman, 1983)
 
أن أهم مشكلة تواجهها الأسرة في هذا المجال هي قلة المعلومات التي تمتلكها عن طبيعة الطفل وخصائصه وأساليب الكشف عنه.يتجلى لنا من الدراسات السابقة أن الوالدين يعتبران من أهم المصادر للتعرف على الطفل الموهوب، وأن توقعاتهما دقيقة، وخصوصاً الأم كونها الحاضن الرئيس للطفل، وأن الحكم بأن الطفل موهوب يكون منذ الأيام الأولى من ولادة الطفل.كما تبين هذه الدراسات أن الوالدين يواجهان صعوبات متعددة فيما يتعلق بمسألة الكشف عن الطفل الموهوب، ومن أهم هذه الصعوبات عدم توافر المعلومات الكافية حول طبيعة الموهوب وخصائص الموهوبين، وأساليب الكشف عنهم، وكذلك في تحديد ما إذا كان طفلهما موهوباً أم لا.دور الأسرة في تنمية الموهبة لدى الطفلإن دور الأسرة في تنمية الموهبة أو الإبداع يمثل تحدياً آخر يواجه أسر الموهوبين من أجل توفير البيئة الميسرة لتنمية الموهبة والإبداع. ويعتقد بلوم (Bloom, 1985) أن الأسرة تلعب الدور الأهم في تشكيل الموهبة لدى الطفل، وأن الأسرة إذا لم تقم بتشجيع الطفل وتقديره وتوفير المناخ الملائم له في البيت، فإن الموهبة قد تبقى كامنة. ولقد بين بلوم في دراسة أجراها على 120 موهوباً أظهروا نبوغاً في صغرهم في مجالات متنوعة، مثل العزف على البيانو، أو النحت، أو السباحة، أو التنس، أو الرياضيات، أن دور البيت أهم من دور المدرسة في تنمية الموهبة لدى الطفل.
ولكن على الرغم من ذلك فإن غياب دور المدرسة في اكتشاف الموهوبين وتنميتهم، أو قهر الموهبة باتباعها أساليب تربوية عقيمة سوف يؤدي إلى إعاقة دور الأسرة، حيث لن تستطيع تعويض هذا القصور من جانب المدرسة. ويبين بلوم أن دور الأبوين يتمثل في توفير نماذج إيجابية يقلدها الطفل، وامتلاك اتجاهات إيجابية نحو العلم والتعلم.خصائص البيئة الأسرية للأطفال الموهوبينتشير دراسات تناولت السيرة الذاتية للمشهورين والنوابغ من العلماء والمفكرين والقادة في مجالات السياسة والآداب والعلوم أن هناك بعض ملامح مشتركة في بيئتهم الأسرية خلال طفولتهم المبكرة يمكن تلخيصها كما يلي:ü حجم الأسرة:في دراسة تيرمان الكلاسيكية (Terman, 1925) على عينة قوامها حوالي 1000 من الموهوبين بينت أن 60% من أفراد عينته كانوا ينتمون إلى أسر عدد أفرادها اثنان.وفي دراسة أجراها سيلفرمان وكيرني (Silverman & Kearney, 1989) على 23 طفلاً موهوباً يتجاوز مستوى ذكائهم 170 درجة تبين أن 65% من أسر هؤلاء كان متوسط عدد أطفالها اثنين.ووجدت دراسة أخرى أجراها فان تاسل باسكا (Van Tassel-Baska, 1983) على مجموعة من الطلاب المتميزين في الاختبارات التحصيلية في الرياضيات واللغة أن نصف الحاصلين على الدرجات الأعلى ينتمون إلى أسر متوسط عدد الأطفال فيها اثنان.
وبينت دراسة بينبو وستانلي (Benbow& Stanley, 1998) التي أجريت على 900 طفل موهوب في الرياضيات أن عدد الأطفال في هذه الأسر كان حوالي ثلاثة أطفال.وفي دراسة لجروس (Gross, 1993) تبين أن 24 من 36 أسرة من أسر الأطفال الموهوبين بلغ عدد الأطفال فيها اثنين.ويتضح من هذه الدراسات أن حجم أسرة الطفل الموهوب صغير نسبياً، وأن عدد أفرادها قليل. ويمكن تفسير ذلك بأن الطفل الموهوب عندما يعيش في أسرة حجمها صغير نسبياً فإن الاهتمام به يكون أكثر، والوقت الذي يقضيه الوالدان معه أكبر، مما يساهم في إظهار موهبته، كما أن الأسرة تستطيع أن توفر دعماً مادياً ومعنوياً بشكل أفضل.ü ترتيب الطفل في الأسرة:بينت دراسة تيرمان (Terman, 1925) أن 60% من أفراد عينته كان ترتيبهم الأول أو الوحيد في الأسرة.وفي الدراسة التي أجراها البرت (Albert, 1980) على رؤساء الولايات المتحدة الأمريكية، ونوابهم، ورؤساء وزراء بريطانيا، وحائزين على جائزة نوبل في الولايات المتحدة تبين أن 75% من أفراد العينة كان ترتيبهم الأول في الأسرة، أو كانوا يتمتعون بمكانة خاصة فيها (الطفل الأكبر، الطفل الوحيد، الطفل الأصغر الذي ولد بعد مرور عدة سنوات).وفي دراسة أخرى أجراها سيلفرمان وكيرني (Silverman& Kearny, 1989) على 23 طفلاً موهوباً بلغ مستوى ذكائهم فوق 170 درجة تبين أن 65% من أفراد العينة كان ترتيبهم الأول أو الوحيد في أسرهم.أما دراسة بينبو وستانلي (Benbow& Stanley, 1980) على عينة قوامها 900 طفل موهوب فقد بينت أن عدد أفراد الأسرة كان حوالي ثلاثة فقط.وفي دراسة جروس (Gross, 1993) على عينة تتكون من 40 طفلاً موهوباً من أستراليا تبين أن حوالي 72% من الأطفال الموهوبين كان ترتيبهم الأول في الأسرة، وأن 20% منهم أطفال وحيدون.

الوقت من ذهب

اذكر الله


المصحف الالكتروني