د/ايمان زغلول قاسم

استاذ تكنولوجيا التعليم المساعد بكلية التربية بالزلفي

في بيتنا موهوب3

ويبدو أن هناك بعداً غائباً في تربية الطفل الموهوب، وهو عدم مراعاة احتياجاته العاطفية والنفسية، ففي إحدى الدراسات التي أجريت على أسر الأطفال الموهوبين في جامعة (Purdue) تبيّن أن الموهبة ليست بالضرورة خبرة سارة سواء كان ذلك للطفل أم للأسرة بسبب بعض المشكلات العاطفية والاجتماعية التي يواجهها الطفل الموهوب.ويبدو أن المشكلة الرئيسة التي تواجه أسرة الطفل الموهوب هي عدم فهم الأسرة لدورها في رعايته وفي جهلها بأسلوب التعامل الصحيح معه، ولقد عبر هاكني (Hackney, 1981) عن هذه المشكلة بقوله أن أسرة الطفل الموهوب لا تدري كيف تتعامل مع طفلها الموهوب الذي يحتاج إلى فهم متعمق، وأساليب خاصة في التعامل، وأنها تتعامل معه على أساس معايير الطفل العادي، لذلك تشعر بالحيرة عندما لا تفلح معه هذه الأساليب في التربية.ولقد أكد جولمان (Goleman, 1995) من خلال النموذج الذي اقترحه والذي سماه بالذكاء العاطفي أن تربية الذكاء العاطفي لدى الأطفال لا تقل أهمية عن تربية الذكاء العقلي.وأن العديد من الأفراد الموهوبين الذين يتمتعون بذكاء عال قد يفشلون في الحياة العملية إذا لم يمتلكوا الذكاء العاطفي الذي يجعلهم أكثر قدرة على التعامل مع مشاعر الفشل والإحباط والغضب والانفعال، وأكثر قدرة على التعاطف مع الآخرين، وعلى استخدام المهارات الاجتماعية التي تجعلهم أكثر كفاية في حل المشكلات.وبين روس (Ross, 1979) أنه كلما كانت الفجوة في القدرات العقلية للطفل الموهوب كبيرة بينه وبين أفراد أسرته كان تأثير الطفل الموهوب أكبر سلبية عليها.وفي دراسة هاو (Howe, 1993) على عدد من أسر الأطفال العباقرة بين الدروس المستفادة من البيئة المبكرة للأطفال العباقرة (Child Prodigies)، الذين أظهروا موهبة خارقة في سن مبكرة، ولقد حددها على النحو الآتي:الدرس الأول المستفاد من البيئة الأسرية المبكرة للطفل العبقري هو أن شغف الطفل بالتعلم كان بمنزلة عمله اليومي في ظل أبوين يمتلكان توقعات عالية جداً لأداء طفلهما العبقري.فعلى سبيل المثال كان العبقري الموسيقي الطفل يويوما (Yo Yo Ma) يعزف مقطوعات موسيقية لباخ وهو في سن الرابعة، وكان يتدرب يومياً على العزف الموسيقي بصورة منتظمة وجادة.ويبدو أن والدي الطفل العبقري كانا مصممين مسبقاً حتى قبل ولادة طفلهما أنه سوف يكون عبقرياً، وكانا يوفران له البيئة المحفزة للإبداع. فعلى سبيل المثال أم المهندس العبقري فرانك رايت وضعت منذ ولادته على جدران حجرته صور تصميمات هندسية.الدرس الثاني من حياة الأطفال العباقرة أن بيئتهم الأسرية كانت تتسم بالصرامة والضغط الشديدين لدفع الطفل نحو التميز. مثل نوربرت واينر الذي كتب في سيرته الذاتية أنه قد قضى سنوات طفولة تعيسة في صراع مع والديه للحصول على استقلاليته، فقد كانا يفرضان عليه حماية زائدة، وحياة انعزالية. ويبدو أن أسر هؤلاء الأطفال تستثمر قدراً هائلاً من الجهد والطاقة في الطفل، خوفاً على موهبته من الضياع، وبأسلوب مبالغ فيه، والطفل المبدع لا يستطيع أن يتنفس إلا في جوء مليء بالحرية ولا يمكن لموهبته أن تنمو وتزدهر إلا في مناخ يتيح له الاستقلالية والاعتماد على النفس، لذا فإن الصراع الأسري بين الطفل الموهوب وأسرته يحتدم عندما يعيش الطفل الموهوب في هذا النوع من الأسر.الدرس الثالث المستفاد هو أن الأطفال العباقرة يأتون من أسر يتمتع أحد الوالدين أو كلاهما بمستوي عال من التعليم، ويشعر بتقدير وحماس شديدين للعلم، إلا أنه يصر على دفع طفله منذ الصغر على التحصيل العلمي والتفوق الدراسي.مشكلات الطفل الموهوب في الأسرة:باستقراء التراث السيكولوجي حول مشكلات الطفل الموهوب في الأسرة يمكن استخلاص المشكلات الآتية:- بروز دور الطفل الموهوب كوالد ثالث في الأسرة:من خلال استطلاع آراء آباء الأطفال الموهوبين في دراسة أجراها هاكني (Hackney, 1981) عبر هؤلاء الآباء عن غموض دورهم كآباء عند التعامل مع الطفل الموهوب، وصعوبة تحديد الفرق بين دور الوالدين والأبناء الموهوبين في الأسرة، كما أبدوا حيرتهم في كيفية التعامل مع الطفل الموهوب كطفل أم راشد، مما أدى إلى إحساسهم بالقلق والحيرة لصعوبة الفصل بين دورهم كآباء ودور الطفل الموهوب كطفل، حاله حال سائر الأبناء، لأن الطفل الموهوب يتمتع بقدرة لفظية عالية، ويتحدث إلى والديه وكأنه فيلسوف صغير، كثير الجدل، قوي الحجة والبرهان، مما يجعل والديه يشعران بالحيرة أمام هذا الطفل الراشد، وكثيراً ما يخسر الآباء الرهان في معركتهم الجدلية مع طفهلم.ونظراً لحدة ذكاء الطفل الموهوب، وشدة حساسيته، وتأثير شخصيته المسيطرة، وقوة إقناعة، يعلن الآباء استسلامهم أمام الطفل الموهوب الذي يفرض نفسه كوالد ثالث في الأسرة بلا منازع. ويشعر الآباء بالحيرة الشديدة في أساليب تربية الطفل الموهوب الذي لا تنفع معه الأساليب العادية في التربية، ويفرض عليهم من حيث لايشعرون معاملة الند للند.- دوران الأسرة في فلك الطفل الموهوب:يبدو أن وجود طفل موهوب في الأسرة يؤدي إلى اضطرار أفراد الأسرة إلى إجراء تعديلات خاصة في حياتهم، والتضحية بالكثير من الجهد والمال والوقت في سبيل تلبية احتياجات الطفل الموهوب، وتبدو الأسرة وكأنها تدور في فلك الطفل الموهوب، خوفاً على موهبته من الضياع، هذا إذا كانت الأسرة واعية ومتعلمة، أما إذا كان الطفل الموهوب يعيش في كنف أسرة جاهلة، أو تعيش في ظروف صعبة غير عابئة بموهبته، كان مصير الموهبة الضياع، ويساء فهمه، فيتحول إلى عداد الكسالى أو المشاغبين أو المتخلفين (Hackney, 1981).ويبدو أن وجود طفل موهوب في الأسرة يخلق نوعاً من الصراع بين الوالدين، عندما يلجأ كل منهما إلى أسلوب مختلف في المعاملة، كأن يشجع أحدهما الإنجاز ويشجع الآخر الجد مما يجعل الطفل يستخدم أساليب المراوغة بذكاء ودهاء مع الوالدين متبعاً مبدأ "فرق تسد" بين الوالدين للوصول إلى أهدافه، مما يجعل اهتمامهما به أكثر، والتنافس بينهما أشد من أجل تلبية كل رغباته (Fine, 1977).- عزل الطفل الموهوب في شرنقة الحماية الأسرية:على الرغم من فوز الطفل الموهوب في معركة إثبات وجوده في الأسرة مستغلاً تفوق قدراته العقلية، وبراعته اللفظية إلا أنه يخسرمعركة على صعيد آخر وهي علاقاته الاجتماعية مع أقرانه، فهو يميل إلى عقد صداقات مع أشخاص أكبر منه سناً، وقد يعزف عنه الأطفال العاديون لاختلافه عنهم، أو لإحساسهم بالغيرة منه، مما يؤثرعلى تقديره لذاته.وفي بعض المقابلات مع الأطفال الموهوبين أفادوا بأنهم يتظاهرون بالغباء حتى يفوزوا بحب الأصدقاء.وهذا يشكل هماً كبيراً على الأسرة، فيشعرون بالخوف والقلق على الطفل حتى لا يُخدش شعوره، ويُجرح كبرياؤه، فيلجأ الأبوان إلى أسلوب الحماية الزائدة مما يعزل الأسرة والطفل عن الآخرين (Hackney, 1981).
 

الوقت من ذهب

اذكر الله


المصحف الالكتروني