د/ايمان زغلول قاسم

استاذ تكنولوجيا التعليم المساعد بكلية التربية بالزلفي

في بيتنا موهوب4

 إحساس الآباء بالتنافر المعرفي (Cognitive dissionance):
تواجه أسرة الطفل الموهوب مشكلة الإحساس بالتنافر المعرفي بسبب التباين بين صورة طفلها الموهوب النمطية، التي تجعل الطفل وكأنه خارق الصفات، متفوق في كل المجالات، منعزل اجتماعياً، وبين صورته الواقعية رغم اختلافه عن العاديين في مجال موهبته فهو عادي في العديد من الأمور، وطفل بالدرجة الأولى، له احتياجاته حاله حال سائر الأطفال في مثل عمره.وهذا التباين بين الصورتين يخلق نوعاً من التشويش والقلق لدى الآباء، ويواجهون صعوبات في أساليب التعامل مع طفلهم (Keirouz, 1990).
 
 إعلان الآباء الحرب على المدرسة:
تشير بعض الدراسات إلى أن أسرة الطفل الموهوب أقل رضاءً وأكثر تذمراً من المدرسة من أسرة الطفل العادي، وخصوصاً إذا كان الطفل شديد الموهبة (Meckstroth, 1990) وأنه بعد أن يتم اكتشاف الطفل الموهوب تبدأ الأسرة بشن حملة شعواء على المدرسة والمدرسين.وتصب اللوم على المدرسة في العديد من الأمور، فإذا قصر الطفل في إحدى المواد اتهمت المعلمين بعدم تشجيع الطفل، وإذا أساء الطفل السلوك اتهمت المنهج بأنه لا يتحدى عقل الطفل، وإذا كره الطفل الواجبات المدرسية اتهمت المدرسة بالضغط على الطفل، ويقع الطفل ضحية بين هذين الطرفين المتنازعين، مما يستوجب إرشاد الأسرة بأسلوب صحيح، ومد جسور التعاون والتواصل السليم بين الأسرة والمدرسة، وتحقيق الشراكة الكاملة بين البيت والمدرسة والطفل (Hackeny, 1981).وبسبب إحساس أسرة الطفل الموهوب بأن المدرسة عاجزة عن تلبية احتياجات طفلها برزت في الولايات المتحدة الأمريكية ظاهرة تسمى بالمدرسة البيتية (Home Schooling)، حيث تولت الأسرة مسؤولية تعليم الطفل الموهوب في البيت بدلاً من المدرسة. (Ensign, 1998).
 
 علاقة الطفل الموهوب بإخوته:
من الأمور التي تقلق أسرة الطفل الموهوب علاقة الطفل الموهوب بإخوته، إذ تشير الدراسات في هذا المجال إلى أن الإخوة غير الموهوبين يعانون من مشكلات التوافق النفسي، والقلق وتدني مستوى تقدير الذات بسبب وجود طفل آخر موهوب في الأسرة، فعلى سبيل المثال الإخوة الأصغر سناً منه يشعرون بأنه من المستحيل أن يصلوا إلى موهبة أخيهم أو أختهم الأكبر سناً.أما الإخوة الأكبر سناً فإنهم يشعرون بالضغط النفسي الشديد والنفور منه لأنهم لا يتقبلون فكرة تفوق الأخ أو الأخت الأصغر سناً. وإذا كان هناك طفلان في الأسرة، وكان الأكبر موهوباً شعر الأصغر بالقلق لإحساسه بعدم القدرة على الوصول إلى مستوى أخيه الأكبر.(Cornell & Grossberg; 1986, Bridge, 1973; Peterson; 1977)وتشير بعض الدراسات إلى أن الطفل الموهوب في الأسرة بسبب فرط حساسيته يبحث عن الدفء العاطفي في الأسرة فلا يجده أحياناً، إذ يشعر الأطفال العاديون بالدفء العاطفي من قبل إخوتهم بدرجة أكبر من الأطفال الموهوبين الذين يشعرون بالرفض والبرود (Ballering & Koch, 1984). ويبدو أن التقارب العمري قد يكون متغيراً وسيطاً في العلاقة العاطفية بين الطفل الموهوب وإخوته، أي كلما كانت الأعمار متقاربة بين الطفل الموهوب وإخوته كان هناك تأثيرات سلبية علي الإخوة العاديين، أما إذا كانت أعمارهم متباعدة على الأقل ثلاث سنوات فتكون علاقتهم قوية.كما تشير بعض الدراسات إلى أن العلاقات العاطفية بين الإخوة تكون أكثر سلبية إذا كان الطفل الأكبر هو الطفل الموهوب (Grenier, 1985).ويرى باحثون آخرون أن التأثيرات السلبية للكشف عن الطفل الموهوب على الأسرة والإخوة تكون مؤقته وتزول بمرور الزمن، إذ تتكيف الأسرة معها، وأن الطفل الموهوب أكثر انتقاداً للعلاقات الأسرية كحيلة دفاعية لحماية ذاته بسبب إحساسه بالاختلاف عن الآخرين (Colangelo & Brower, 1987).
 
أساليب التعامل مع الطفل الموهوب في الأسرةباستقراء بعض الدراسات السابقة حول دور الأسرة في رعاية الطفل الموهوب يمكن استخلاص ما يلي:-
 أن يفهم الآباء أن الطفل الموهوب ليس بالضرورة موهوباً في كل المجالات وفي كل الأوقات:فقد يكون متفوقاً في الرياضيات، وعادياً في اللغة الأجنبية، أو قد يكون موهوباً في الموسيقى، ولكنه عادي في الرياضة.ومن الملاحظ أن آباء الطفل الموهوب يمتلكون صورة مثالية نمطية للطفل الموهوب، وكأنه كائن خارق، متفوق في كل شيء، فيضعون توقعات عالية لأدائه في جميع المجالات (Keriouze, 1990).
- أن يدرك الآباء أن نمو الطفل الموهوب غير متناغم (asynchronous development):على الآباء أن يدركوا أن هناك عدم تناغم في نمو الطفل الموهوب، وأن هناك فجوة بين نموه العقلي ونموه الاجتماعي والعاطفي. وبسبب تفوق قدراته العقلية، وحساسيته المفرطة، يصبح لديه عالم داخلي خاص وفريد، ويبدأ يسأل أسئلة عن أسرار الكون والذات الإلهية، وأمور مجردة، مما يجعل مهمة الوالدين أكثر تحدياً وصعوبة.وهذا يثير القلق في نفوس الآباء، وخصوصاً أن هذا النوع من التفكير يصاحب مرحلة المراهقة وليس الطفولة (Keirouzr, 1990) وعلى الآباء أن يفهموا أن الطفل الموهوب يجمع بين عدة أعمار في آن واحد.فقد يكون عمره الزمني 7 سنوات، وعمره العقلي 12 سنة وعمره الاجتماعي 5 سنوات. ومن الطبيعي أنه إذا لم يفهموا هذه التركيبة الخاصة لسيكولوجية الطفل الموهوب، فإن التعامل معه سوف يكون صعباً ومتعباً (Meckstroth, 1990).
- تشجيع الطفل الموهوب على السعي للتميز لا للكمال:يؤكد كابلان (Kaplan, 1990) أن أسرة الطفل الموهوب يجب أن تشجع الطفل على السعي للتميز لا للكمال. والمقصود بذلك هو مساعدة الطفل للوصول إلى أقصى ما تسمح به قدراته دون ضغط أو وضع توقعات عالية جداً، وكأنه كائن خارق حتى لا يؤثر ذلك على تقديره لذاته لأن مسألة تقدير الذات المتدني هي إحدى شجون الطفل الموهوب وهمومه. لذا من المهم تعويده على التعامل مع الإحباط، والبعد عن الحرص الشديد على الكمال، وعلى تقبل أخطائه، وإدراك أن الخطأ هو جزء من الخبرة الإنسانية الواسعة في الحياة.
- الاهتمام بتنمية الذكاء العاطفي للطفل الموهوب:على الآباء الاهتمام بتنمية الذكاء العاطفي للطفل الموهوب. ويمكن للأسرة أن تعمل على ذلك عن طريق توفير المناخ العاطفي الملائم في الأسرة الذي يساعد الطفل على التعامل مع مشاعر الإحباط والفشل، والقدرة على التعبير عن مشاعر الغضب، وتحسس مشكلات الآخرين، وبناء علاقات اجتماعية سليمة مع الآخرين (Goleman, 1995).- أن يدرك الآباء أن الطفل الموهوب هو طفل أولاً وموهوب ثانياً:ينبغي على الآباء عدم حرمان الطفل الموهوب من طفولته، وإعطائه الفرصة كي يعيش مثل غيره من الأطفال، فهو بحاجة إلى تلبية بعض الاحتياجات كاللعب والمرح واللهو، لأن الطفل الموهوب له احتياجات جسمية وعاطفية واجتماعية مثل بقية الأطفال حتى لو كان مستوى تفكيره يسبقهم بأعوام. وعند توفير الجو المناسب في الأسرة لرعاية موهبته يجب أن يكون ذلك بعيداً عن ممارسة الضغوط الأسرية، التي تفرض سياجاً من القيود حوله (Kaplan, 1990).
- قبول الطفل الموهوب بأنه مختلف عن بقية الأطفال:من الضروري على الآباء أن يدركوا أن الطفل الموهوب يرى أبعد، ويشعر أعمق، ويعرف أكثر من أقرانه، وأن يقبلوا فكرة أنه من الطبيعي أن يكون مختلفاً عن بقية الأطفال وأن يتذمر من الروتين المدرسي الممل، وأن يعتبر الإذعان والقبول نوعاً من الإذلال النفسي، وأن يميل إلى مصاحبة من هو أكبر منه سناً، فهو يبحث عن التعقيد والإثارة والتحدي.لذا يجب ألا يتعاملوا معه على أساس معايير الطفل العادي، وأن يدركوا أن اختلافه هذا لا يعني أنه شاذ (Meckstroth, 1990).وفي الختام يبدو أن تربية الطفل الموهوب تعتبر تحدياً حقيقياً للأسرة، وقد تكون متعة حقيقية في حياة الأسرة إن هي قامت بدورها كاملاً، أو قد تتحول إلى هم كبير في حال غياب هذا الدور. وأهم دور يمكن أن تؤديه الأسرة هو الوعي بالطبيعة الخاصة للطفل الموهوب واحتياجاته، وفهمه فهماً حقيقياً، وإدراك دورها المهم في الكشف عن موهبته، وفي توفير بيئة مثيرة ثقافياً، آمنة نفسياً للطفل يشعر فيها بالقبول في عالم قد يشعر فيه بالاغتراب النفسي، لكونه مختلفاً عن أقرانه في أمور كثيرة، فيبدو وكأنه آت من كوكب آخر.وقد تعتبر تربية الطفل الموهوب فرصة للآباء لكي ينموا معاً مع طلفهم، لمشاركته في رحلته نحو اكتشاف ذاته والسعي لتحقيقها.
 

الوقت من ذهب

اذكر الله


المصحف الالكتروني